في مؤشر جديد على تصاعد منسوب التوتر في الشرق الأوسط، كشف تقرير إسرائيلي عن استعداد كل من الأردن والإمارات لتقديم دعم سياسي ولوجستي لأي هجوم أميركي محتمل على إيران، في وقت تتسارع فيه التحركات العسكرية والدبلوماسية الأميركية في المنطقة. ويأتي هذا التسريب في ظل غموض يكتنف مواقف حلفاء غربيين آخرين، وعلى رأسهم بريطانيا، التي بدت بعيدة عن أي التزام واضح، خاصة بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قلل فيها من دور الحلفاء خلال الحرب في أفغانستان، ما أثار تساؤلات حول مستقبل التحالفات التقليدية لواشنطن.
التقرير الإسرائيلي في جريدة "إسرائيل هايوم" التي تملكها ميريام أديلسون، نصيرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي دعمته ب100 مليون دولار في حملته الانتخابية الأخيرة، تزامن مع وصول قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إلى إسرائيل، حيث عقد اجتماعات مكثفة مع كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين. وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية، فإن مستوى التنسيق العسكري بين الطرفين بلغ درجة غير مسبوقة، شمل خططًا لتبادل معلومات استخباراتية عالية الحساسية، وتعزيز التعاون اللوجستي، وربط أنظمة الدفاع الجوي استعدادًا لمواجهة ما يُوصف بـ"التهديد الإيراني".
غير أن هذا المشهد التصعيدي لا يلقى إجماعًا إقليميًا. فقد عبّرت عدة مصادر عربية، من بينها دبلوماسي عربي ومسؤول خليجي، عن قلق بالغ من تداعيات أي ضربة أميركية–إسرائيلية على إيران. وتخشى دول الخليج أن تتحول أراضيها وقواعدها العسكرية إلى أهداف مباشرة في حال اندلاع مواجهة واسعة، خصوصًا في ظل تعهد طهران الصريح باستهداف القواعد الأمريكية وإسرائيل إذا تعرضت لهجوم.
وفي هذا السياق، قادت السعودية وسلطنة عمان وقطر جهودًا دبلوماسية حثيثة لثني واشنطن عن المضي في خيار الحرب، إدراكًا منها أن أي تصعيد عسكري قد يخرج عن السيطرة، ويعيد رسم خريطة الاستقرار الهش في الخليج. أما موقف الإمارات، فيبقى ضبابيًا، إذ تتضارب الإشارات الصادرة عن مسؤولين وخبراء إماراتيين بين الحذر العلني والانخراط غير المعلن في ترتيبات أمنية تقودها واشنطن.
ولم يقتصر التصعيد على التنسيق السياسي والعسكري، بل تُرجم عمليًا بقرار الرئيس تراب حشد قوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط. ففي تصريحات لافتة، قال ترمب إن "قوة كبيرة تتجه نحو إيران"، مؤكدًا أن الهدف منها هو الاستعداد "لأي طارئ"، دون استبعاد خيار استخدامها. ويشمل هذا الحشد مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، وسربًا من مقاتلات F-15، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متقدمة.
هذا الحشد يعيد إلى الأذهان سيناريو حزيران الماضي، حين أمر ترمب بنشر أصول عسكرية مماثلة قبل أن تشن إسرائيل حربًا واسعة ضد إيران. ورغم أن الجيش الأمريكي كان، بحسب مصادر مطلعة، على أهبة الاستعداد لتنفيذ ضربات مباشرة ضد إيران في وقت سابق من هذا الشهر، فإن ترامب تراجع عن إصدار الأمر، بعد قناعة متزايدة—عززها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو—بأن الضربة لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، وقد تجر واشنطن إلى مواجهة طويلة ومعقدة.
مع ذلك، فإن تعزيز الوجود العسكري يمنح الإدارة الأميركية خيارات أوسع، سواء لشن هجوم أكثر شمولًا، أو لاحتواء أي رد إيراني محتمل. وتدرك واشنطن أن أي مواجهة لن تكون بلا كلفة، خاصة في ظل القدرات الصاروخية الإيرانية، التي أثبتت فعاليتها خلال التصعيد الأخير، حين سقطت عدة صواريخ داخل إسرائيل.
بالتوازي مع التصعيد العسكري، يواصل البيت الأبيض حربه الاقتصادية ضد طهران. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على تسع سفن يُشتبه في نقلها نفطًا إيرانيًا خاضعًا للعقوبات، في خطوة تهدف إلى خنق مصادر الدخل الحيوية للجمهورية الإسلامية. كما وسّعت واشنطن نطاق إجراءاتها لتشمل مصادرة ناقلات نفط فنزويلي، في رسالة واضحة مفادها أن العقوبات باتت أداة حرب موازية للسلاح.
ويعكس هذا التصعيد الأميركي مزيجًا من الردع والاستعراض، أكثر مما يعكس استراتيجية واضحة المعالم. فواشنطن تحشد القوة لإرسال رسالة سياسية لإيران وحلفائها، لكنها في الوقت ذاته تدرك حدود القوة العسكرية في إسقاط أنظمة متجذرة. هذا التناقض يعيد إنتاج سياسة "حافة الهاوية"، التي قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها تترك المنطقة رهينة سوء التقدير والانزلاق غير المقصود نحو حرب شاملة.
ويعتقد الخبراء أن أخطر في المشهد الحالي هو هشاشة المواقف الإقليمية وتضاربها. فبينما تُدفع بعض الدول نحو اصطفاف أمني مع واشنطن، تعمل أخرى على كبح جماح التصعيد خشية الانفجار. هذا الانقسام يضعف أي جهد جماعي لاحتواء الأزمة، ويحوّل المنطقة إلى ساحة اختبار لإرادات دولية متصارعة، حيث يصبح أمن الدول الصغيرة والمتوسطة مجرد تفصيل في حسابات القوى الكبرى.





شارك برأيك
حشد أميركي ضد إيران وسط تصدع ألاصطفافات ألإقليمية