تتحرّك عصابات الاحتيال اليوم عبر الحدود بسرعة تفوق قدرة كثيرين على ملاحقتها. تستغل ثغرات الأمن الرقمي، وتوترات الاقتصاد، وتطور الأدوات التقنية، لتصميم مصائد دقيقة تُحاكي الواقع وتراهن على طمعٍ عابر أو ضيقٍ شديد.
في مطلع ديسمبر/ كانون الأول الجاري، دخل لبنان على خط هذه الظاهرة عبر تحذيرات رسمية متتالية من قوى الأمن الداخلي، ركّزت على خدع تُسوَّق تحت مسميي "الدولار الأسود" و"الدولار المُجمَّد".
هذه الوقائع المحلية تفتح الباب على سؤال أوسع:
في التفاصيل، نشرت قوى الأمن الداخلي فيديو تحذيريًا افتتحته بعبارة: "لا تضيّع قرشك الأبيض بالدولار الأسود"، داعية الناس إلى الحذر من أشخاص يزعمون امتلاك كميات من أوراق الدولار النقدية المطلية باللون الأسود.
يقوم السيناريو على إقناع الضحية بأن هذه الأوراق يمكن "إعادتها" إلى حالتها الأصلية عبر سائل معيّن، مقابل أن يدفع مبالغ من الدولار الحقيقي.
يُظهر الفيديو آلية الخداع كما تُنفَّذ على الأرض: عملية تنظيف استعراضية أمام الضحية، حيث تُغمس الأوراق السوداء في سائل يوصف بأنه “سحري”، ثم تظهر ورقة دولار حقيقية كأنها نتيجة التنظيف، بينما تكون في الواقع ورقة مُحضّرة مسبقًا ضمن خدعة بصرية.
بعد ذلك قد يلجأ الضحايا إلى مكاتب صرافة لفحص الورقة التي ظهرت للتو والتأكد من أنها أصلية، فيزداد اطمئنانهم، ويقدّمون أموالًا نقدية مقابل “الرزمة” السوداء التي يتبيّن لاحقًا أنها بلا قيمة.
لا تُعد هذه الحيلة محلية أو مرتبطة ببلد محدد، بل تُسجَّل بصيغ متقاربة في دول عديدة. فقد سُجّلت عمليات ضبط لعصابات تستخدم أسلوب “الأموال السوداء” في مناطق مختلفة من العالم، مع اختلافات بسيطة في تفاصيل العرض وطريقة الإيقاع بالضحايا.
وفي وثيقة نشرها مكتب التحقيقات الفدرالية عام 2011، وُصفت عملية الاحتيال المعروفة باسم "الأموال السوداء" بأنها من الأساليب الشائعة؛ إذ يُقدَّم للضحية ورق أسود مقوّى على أنه عملة أميركية حقيقية جرى صبغها بالأسود عبر عملية كيميائية.
تحذيرات من خدع الدولار في لبنان تتقاطع مع تقرير عالمي يظهر أن الاحتيال بات تهديدًا واسعًا يخترق الاقتصادات والثقة العامة.
يزعم المحتال أنه يحتاج إلى أموال لشراء مادة كيميائية إضافية لإزالة الصبغة وإعادة الأوراق إلى حالتها الأصلية، ثم يطلب من الضحية دفع ثمن هذه المادة مقابل حصوله على جزء من “الأوراق السوداء”.
بعد استلام المال، يسلّم المحتال ما لديه من أوراق غير حقيقية، ثمّ يختفي.
تتحرّك عصابات الاحتيال اليوم عبر الحدود بسرعة تفوق قدرة كثيرين على ملاحقتها. تستغل ثغرات الأمن الرقمي، وتوترات الاقتصاد، وتطور الأدوات التقنية، لتصميم مصائد دقيقة تُحاكي الواقع وتراهن على طمعٍ عابر أو ضيقٍ شديد.
يعود انتشار هذا النمط من الاحتيال إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين ظهر في نيجيريا في سياق اضطراب اقتصادي حاد تزامن مع انهيار أسعار النفط عالميًا، ما انعكس مباشرة على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية.
ساهمت ظروف تلك المرحلة، من فساد واسع بعد الحقبة الاستعمارية، وتضخم مرتفع وصل إلى مستويات قياسية، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع البطالة، في خلق بيئة دفعت بعض الفئات، بمن فيهم أشخاص من خلفيات مهنية وتعليمية، إلى الانخراط في أنشطة احتيالية بوصفها مصدر دخل.
ترتبط هذه الأساليب أيضًا بفئة أوسع من عمليات الاحتيال المالي المسبق المعروفة باسم (419)، نسبةً إلى المادة 419 من قانون العقوبات النيجيري التي تُجرّم الاحتيال.
بدأت هذه الممارسات محليًا بصيغ "الحصول على المال بالخداع"، قبل أن تتطور إلى شبكات عابرة للحدود، إذ ظهرت أنماط مشابهة خلال الفترة نفسها في دول مجاورة مثل غانا. غير أن نيجيريا بقيت تُذكر بوصفها إحدى أبرز النقاط التي انطلقت منها هذه الظاهرة وتوسعت.
لم تقتصر تحذيرات قوى الأمن الداخلي في لبنان على "الدولار الأسود". فبعد أيام من التحذير الأول، نبّهت إلى خدعة أخرى حملت اسم "الدولار المُجمَّد"، يقوم المحتالون فيها بإيهام أشخاص بأن لديهم أوراقًا نقدية مصدرها دول تعاني من الحروب أو الاضطرابات.
يُسوّق المحتالون رواية مفادها أن هذه الأوراق تحمل أرقامًا متسلسلة “موقوفة” من قبل الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وبالتالي يتعذر إيداعها في المصارف، لكن تداولها بين الأفراد "لا يزال ممكنًا".
بناءً على ذلك، يعرضون بيعها بأسعار مغرية تقلّ عن قيمتها الفعلية، مستهدفين من يبحث عن "صفقة رابحة".
ينتهي الأمر غالبًا بإحدى نتيجتين: تسليم الضحية أوراقًا مزورة أو عديمة القيمة، أو استدراجه إلى لقاء يتحول إلى عملية سلب بالقوة.
وفي هذا السياق، أشارت قوى الأمن الداخلي إلى توقيف عشرات العصابات المتورطة في تنفيذ عمليات احتيال من هذا النوع في لبنان.
يتجاوز هذا المشهد حدود لبنان. فوفق تقرير "الوضع العالمي للاحتيال 2025" الصادر عن التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال، الذي يركّز على الاحتيال عبر الإنترنت، تعرّض 57% من البالغين حول العالم لعملية احتيال خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، فيما خسر 23% من هؤلاء أموالًا.
سجلت عمليات الاحتيال المرتبطة بالتسوق النسبة الأعلى بين الضحايا (54%)، بينما بلغت نسبة ضحايا احتيال الاستثمار 48%، وهي النسبة نفسها المسجلة لضحايا ما يُصنّفه التقرير ضمن “الاحتيال المالي غير المتوقع”.
وبحسب التقرير، كانت هذه العمليات أكثر شيوعًا في أميركا الجنوبية وإفريقيا وأوقيانوسيا، إذ خسر ما يصل إلى ربع البالغين أموالهم خلال العام الماضي.





شارك برأيك
خدع "الدولار الأسود والمجمد" في لبنان.. هل هي موجة عالمية؟