دخلت غزة مرحلة يمكن وصفها بـ"الوضع الطبيعي (الواقعي) الجديد"، وهو توصيف لا يحمل أي بعد إيجابي بقدر ما يعكس انتقال الصراع من حرب شاملة إلى نزاع منخفض الوتيرة لكنه دائم. فعلى الرغم من توقف القتال الواسع ودخول المساعدات الإنسانية بشكل جزئي منذ سريان وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول ، إلا أن المشهد العام لا يوحي بمسار حقيقي نحو السلام أو إعادة الإعمار، بل نحو تثبيت حالة من اللا-حرب واللا-سلام، وفق ما يقوله دانيال بايمان، الأستاذ في جامعة جورج تاون ومدير برنامج الحرب والتهديدات غير النظامية والإرهاب في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في مقال مطول في "مجلة فورين أفيرز" .
من الناحية الشكلية، بحسب بايمان، تبدو الهدنة إنجازًا: إطلاق سراح قرابة ألفي أسير فلسطيني، إعادة جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء ومعظم جثث القتلى، فتح عدد من المعابر، والتعهد بإدخال 600 شاحنة يوميًا. كما أعاد جيش الاحتلال الإسرائيلي انتشاره إلى ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، مسيطرًا فعليًا على أكثر من نصف مساحة القطاع. غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها الإنسانية، لم تُترجم إلى مسار سياسي واضح، بل رافقها استمرار الاشتباكات المحدودة وسقوط قتلى من الجانبين، معظمهم من المدنيين الفلسطينيين (400 شخص بحسب وزارة الصحة في غزة).
المشكلة الجوهرية هي أن الهدنة لم تكن مدخلًا لحل سياسي، بل آلية لإدارة الصراع. فالعلاقات بين إسرائيل وحماس باتت تُدار وفق منطق الاحتواء المتبادل: ضربات محدودة، رسائل قوة، ومنع الانفجار الكبير دون معالجة الأسباب البنيوية للصراع. في هذا السياق، تبدو الخطة الأميركية ذات العشرين بندًا طموحة نظريًا، لكنها شبه مجمدة عمليًا، خصوصًا في شقّي نزع سلاح حماس وبناء سلطة بديلة في غزة.
من جهتها، الولايات المتحدة تحاول لعب دور المنسق أكثر من كونها طرفًا ضاغطًا. زيارات كبار المسؤولين الأميركيين وإنشاء مركز تنسيق عسكري-مدني هي عبارة عن خطوات رمزية تعكس رغبة في الحفاظ على الهدنة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الاستثمار السياسي والأمني المطلوب لإحداث تحول حقيقي. فالإدارة الأميركية تتجنب الانخراط المباشر في إعادة الإعمار أو فرض ترتيبات أمنية قسرية، ما يفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني طويل الأمد.
على الأرض، يشير بايمان، إلى استمرار المأساة الإنسانية. فنحو 90 في المئة من سكان غزة ما زالوا نازحين، وأكثر من 1.5 مليون شخص بحاجة إلى مأوى طارئ. ورغم الوعود الإسرائيلية، لم يتجاوز متوسط دخول المساعدات 120 شاحنة يوميًا، وفق تقارير أممية، فيما زادت الأمطار والبرد من حدة المعاناة. هذا الواقع الإنساني القاسي لا يُنتج ضغطًا سياسيًا كافيًا، بل يُدار كأزمة مزمنة قابلة للاحتواء.
ويؤكد الباحث أن أحد أعقد الملفات هو فكرة إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار. حيث أن إسرائيل ترى فيها ضرورة لمنع عودة حماس، لكنها تشترط حق الفيتو على تشكيلها. والولايات المتحدة تروّج للفكرة لكنها ترفض المشاركة فيها، فيما تتردد الدول العربية والإسلامية خشية أن تتحول إلى أداة لقمع الفلسطينيين نيابة عن إسرائيل دون أفق سياسي واضح لدولة فلسطينية. أما الحصول على تفويض أممي، فيصطدم بالفيتو السياسي الروسي-الصيني في إطار صراع النفوذ الدولي.
يقول بايمان : "إن نزع سلاح حماس يبدو أكثر الملفات واقعية على الورق واستحالة في التنفيذ. فالحركة، أيديولوجيًا وعمليًا، ترى في السلاح مصدر شرعيتها وبقائها. وتجارب الماضي تؤكد أن حماس لن تتخلى عن قوتها العسكرية طوعًا، لأنها الضامن الوحيد لسيطرتها الداخلية وحمايتها من خصومها. بل إن سلوكها بعد الهدنة، بما في ذلك استهداف عائلات نافذة معارضة لها، يهدف إلى إعادة ترسيخ هيبتها وإرسال رسالة واضحة بأنها ما زالت السلطة الفعلية في غزة".
كما أن إعادة إعمار غزة لا يبدو أقرب حالًا. فالتكلفة المقدّرة بنحو 70 مليار دولار، والاشتراط الأميركي بأن تتحمل الدول العربية العبء المالي، يقابلان فتورًا واضحًا في الاستجابة. فالاستثمار في منطقة تشهد عنفًا متقطعًا ومفتوحة على تصعيد مفاجئ ليس خيارًا جذابًا لأي جهة مانحة.
أما سؤال "من يحكم غزة؟" فيظل دون إجابة. حيث أن الحديث عن حكومة تكنوقراط أو سلطة فلسطينية "مُصلحة" يخفي حقيقة غياب أي بديل قابل للحياة بين خيارين أحلاهما مرّ: استمرار حكم حماس أو عودة الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر. وأي كيان سياسي لا يحظى بقبول الطرفين سيكون عاجزًا عن الحكم أو توفير الأمن، ما يعيد إنتاج دائرة العنف.
إسرائيل، من جهتها، لا تريد حربًا شاملة جديدة، لكنها غير مستعدة لقبول حماس كجار دائم. الضغوط الداخلية، وتراجع المكاسب العسكرية، والكلفة الدولية، كلها عوامل تدفع نحو ضبط الصراع لا حله. النتيجة المتوقعة هي ضربات إسرائيلية دورية لمنع تعاظم قوة حماس، دون السعي لإسقاطها كليًا.
حماس بدورها لا تريد حربًا شاملة، لكنها ترى في العنف المحدود أداة ضرورية لضبط الداخل وإثبات الوجود. ومع أي محاولة فعلية لتقويض نفوذها السياسي أو العسكري، يُرجّح أن تلجأ إلى التصعيد، حتى لو كان الثمن دمارًا إضافيًا لغزة، لأن ذلك يعزز سرديتها بوصفها "حركة مقاومة" في مواجهة إسرائيل و"سلطات متعاونة".
ويحذر بايمان من أنه مع مرور الوقت، ومع تراجع الاهتمام الدولي، قد يتحول "الخط الأصفر" إلى حدود شبه دائمة، وتصبح غزة مساحة منسية تُدار بالأزمات لا بالحلول. دون ضغط أميركي متواصل واستثمار سياسي طويل النفس، وهو ما لا ينسجم مع نمط السياسة الخارجية لإدارة ترمب، فإن ما ينتظر غزة ليس السلام، بل استدامة الصراع بأدوات أقل ضجيجًا وأكثر قسوة.
وتكشف تجربة الهدنة في غزة كيف تحوّل المجتمع الدولي من السعي لحل النزاع إلى إدارة تداعياته. فبدل معالجة جذور الصراع—الاحتلال، الحصار، وغياب الأفق السياسي—يجري التركيز على ترتيبات أمنية مؤقتة ومساعدات إنسانية مشروطة. هذا النهج لا يُنهي العنف، بل يعيد إنتاجه بشكل دوري، ويُبقي الفلسطينيين أسرى واقع هش تُقاس فيه الحياة بقدرتها على الاحتمال لا على التطور.
المفارقة أن جميع الأطراف تعلن رفضها للوضع القائم، لكنها تسهم عمليًا في تثبيته. إسرائيل تفضّل الاحتواء على المخاطرة، حماس تفضّل البقاء على التغيير، والولايات المتحدة تفضّل الإنجاز الشكلي على الالتزام طويل الأمد. في ظل هذا التلاقي السلبي، تصبح غزة مختبرًا لفشل السياسة الدولية، حيث يُستبدل السلام بإدارة الأزمات، والعدالة بمعادلات القوة المؤقتة.





شارك برأيك
غزة بين الهدنة الهشة وصناعة "اللا-سلام": واقع جديد أم مأزق دائم؟