عربي ودولي

الخميس 25 ديسمبر 2025 7:59 صباحًا - بتوقيت القدس

إدارة ترمب تعيد اختبار معادلة التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط

واشنطن- سعيد عريقات - "القدس" دوت كوم

تشير معلومات متقاطعة منسوبة لمصادر دبلوماسية متنوعة في العاصمة الأميركية واشنطن، إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تُجري مراجعة حساسة لمفهوم "التفوق العسكري النوعي" الإسرائيلي، في سياق تحضيراتها لإبرام صفقات تسليح كبيرة مع دول خليجية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر. وتأتي هذه المراجعة في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تتقاطع اعتبارات الردع، والتحالفات، والمصالح التجارية، في مشهد يعيد طرح أسئلة قديمة حول حدود الالتزام الأميركي بأمن إسرائيل.

وبحسب المصادر، زار مسؤول رفيع المستوى من مكتب الشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الخارجية الأميركية إسرائيل الأسبوع الماضي، حيث أجرى مباحثات وُصفت بأنها تهدف جزئياً إلى معالجة القلق الإسرائيلي المتصاعد. وفي الوقت نفسه، عقد مسؤولون عسكريون أميركيون اجتماعات مغلقة في مبنى الكابيتول (الكونغرس) مع أعضاء في الكونغرس، قُدمت خلالها إحاطات حول صفقات الدفاع المحتملة وانعكاساتها على التوازن العسكري في الشرق الأوسط.

وتجري هذه النقاشات منذ زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في تشرين الثاني الماضي، والتي أعادت إلى الواجهة ملف مبيعات الأسلحة المتقدمة لدول الخليج. ووفق مصادر مطلعة، فإن إدارة ترمب لا تراجع صفقات بعينها فحسب، بل تعيد النظر في الإطار المفاهيمي الذي حكم سياسة التفوق العسكري الإسرائيلي لعقود.

وقال مصدر مطلع لمراسل جريدة القدس أن هذه المراجعة تعكس تحولاً تدريجياً في التفكير الاستراتيجي الأميركي، حيث لم يعد التفوق العسكري الإسرائيلي يُتعامل معه كمسلمة ثابتة، بل كعنصر قابل للتكييف ضمن معادلة أوسع تشمل المنافسة الدولية، وضمان ولاء الحلفاء الخليجيين، وتعظيم العوائد الاقتصادية. وأضاف المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته أن "هذا لا يعني تخلي واشنطن عن إسرائيل بأي معيار من المعايير، بل إعادة تعريف مكانتها داخل نظام إقليمي تُدار توازناته بلغة المصالح المتغيرة".

وتسعى إدارة ترمب، بحسب مصادر مطلعة، إلى بلورة نقاط تفاهم قبل نهاية العام، بالتزامن مع اللقاء المرتقب بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 29 كانون الأول 2025. غير أن مصادر أخرى تبدي تشككاً في إمكانية التوصل إلى صيغة نهائية في هذا التوقيت، نظراً لتعقيدات الملف وحساسيته داخل المؤسستين السياسية والتشريعية في الولايات المتحدة.

وشملت المناقشات في الكونغرس أعضاء من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ ولجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، كما التقى السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام (من ولاية كارولاينا الجنوبية) برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهومطلع الأسبوع الجاري، مكتفياً في تصريحاته العلنية بالإشارة إلى اطلاعه على معطيات تتعلق بإعادة تسليح حماس وحزب الله، إضافة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، دون التطرق مباشرة إلى ملف صفقات الأسلحة الخليجية.

ويعكس تجنّب غراهام الخوض علناً في ملف المبيعات إدراكاً لحساسيته السياسية، لا غياباً للخلاف. فالكونغرس، رغم محاولات ترمب المتكررة لتهميشه في قضايا عسكرية، لا يزال يمتلك أدوات فعالة لتعطيل أو تأخير صفقات السلاح. وهذا ما يجعل أي تفاهم مع إسرائيل غير كافٍ ما لم يحظَ بغطاء تشريعي واسع، خصوصاً في ظل انقسام متزايد حول السياسة الخارجية الأميركية.

وبحسب ما رشح من معلومات، تدرس إدارة ترمب صفقتين رئيسيتين: الأولى مع السعودية، وتشمل بيع مقاتلات إف-35، والثانية مع قطر ضمن محادثات مماثلة. وكان ترمب قد أعلن علناً، خلال لقائه بمحمد بن سلمان (في تشرين الثاني الماضي في البيت الأبيض)، عزمه بيع هذه الطائرات للمملكة، معترفاً بأن إسرائيل تضغط من أجل تزويد السعودية بنسخة أقل تطوراً. إلا أن الرئيس الأميركي لمح إلى رفضه هذا الطرح، مؤكداً أن كلا البلدين "في مستوى يؤهلهما للحصول على أحدث الطائرات".

في المقابل، تبدي إسرائيل قلقاً متزايداً من أن يؤدي تدفق الأسلحة المتقدمة إلى الدول العربية إلى تآكل تفوقها العسكري النوعي. ولا ينفصل هذا القلق عن توترات إقليمية حديثة، من بينها استهداف إسرائيل لمفاوضي حماس في الدوحة، ومعارضة نتنياهو العلنية لبيع مقاتلات إف-35 للسعودية.

المفارقة أن إسرائيل، التي بنت إستراتيجيتها الأمنية لعقود على احتكار التفوق العسكري، تواجه اليوم بيئة إقليمية أكثر سيولة، تُقاس فيها القوة بالقدرة على بناء تحالفات مرنة لا بالتفوق التقني وحده. ومع سعي دول الخليج إلى توسيع شراكاتها الدفاعية مع واشنطن، يصبح الحفاظ على التفوق الإسرائيلي مسألة تفاوضية سياسية، لا ضمانة تلقائية.

ويعود مفهوم التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي إلى حقبة الحرب الباردة، حين حرصت الولايات المتحدة على ضمان تفوق إسرائيل على جيرانها العرب، لا سيما بعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر عام 1979. وقد جرى تكريس هذا المفهوم قانونياً عام 2008، مع إلزام الإدارة الأميركية بإجراء تقييمات دورية لأي مبيعات أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وتُعد إسرائيل الدولة الوحيدة التي تتمتع بحق غير مسبوق في تعديل أنظمة الأسلحة الأميركية، بما في ذلك مقاتلات إف-35، من حيث البرمجيات وأنظمة التخفي والرادار. غير أن هذه الامتيازات، التي شكّلت طويلاً حجر الزاوية في التفوق الإسرائيلي، تبدو اليوم موضع إعادة اختبار في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.


دلالات

شارك برأيك

إدارة ترمب تعيد اختبار معادلة التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.