يتصاعد القلق داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلية من تسارع وتيرة إعادة بناء إيران لقدراتها الصاروخية، في أعقاب الضربات العسكرية التي تعرضت لها خلال الأشهر الماضية، وسط تقديرات إسرائيلية بأن طهران لا تكتفي بترميم ما تضرر، بل تعمل على توسيع برنامجها للصواريخ الباليستية بوتيرة قد تقلب موازين الردع في المنطقة. هذا القلق يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى الاستعداد لعرض خيارات عسكرية جديدة على الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في محاولة لإعادة فتح باب المواجهة المباشرة مع إيران، أو على الأقل جرّ واشنطن إلى لعب دور أكثر انخراطاً، وذلك بحسب ما كشفته شبكة إن.بي.سي نيوز يوم السبت.
بحسب مصادر مطلعة، لا تنظر إسرائيل إلى الملف النووي الإيراني بوصفه التهديد الوحيد أو الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، بل ترى أن الخطر الحقيقي يكمن في الصواريخ الباليستية، سواء من حيث عددها أو قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع، أو دورها في توفير مظلة حماية لأي برنامج نووي مستقبلي. فامتلاك آلاف الصواريخ القادرة على إصابة العمق الإسرائيلي، وفق التقديرات الإسرائيلية، يحدّ من فاعلية أي ضربة استباقية ويزيد كلفة أي مواجهة مقبلة.
في هذا السياق، يُتوقع أن يلتقي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو (يوم 29 كانون الأول الجاري)، حيث سيحمل نتنياهو معه سردية جاهزة: إيران لا تشكل تهديداً لإسرائيل فحسب، بل للمصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي برمته. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يسعى إلى إعادة تأطير الصراع مع إيران باعتباره شأناً أميركياً بامتياز، وليس مجرد امتداد للصراع الإقليمي.
لكن هذا المسعى الإسرائيلي يصطدم بحسابات أكثر تعقيداً داخل واشنطن. فإدارة ترمب، التي تروّج داخلياً لـ"نجاحها" في توجيه ضربة قاصمة للبرنامج النووي الإيراني ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل" في حزيران الماضي، تجد نفسها أمام تناقض واضح: من جهة، تؤكد أن القدرات النووية الإيرانية دُمّرت بالكامل، ومن جهة أخرى تُترك الأبواب مفتوحة أمام احتمال شن ضربات جديدة، ما يطرح تساؤلات حول دقة تلك الرواية أو أهدافها السياسية.
وشدد البيت الأبيض، عبر متحدثته، كارولاين ليفيت يوم الجمعة، على أن أي محاولة إيرانية للعودة إلى المسار النووي ستُواجَه برد عسكري فوري، في خطاب يعكس منطق الردع القائم على التهديد الدائم. غير أن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أن طهران أبدت، في موازاة ذلك، اهتماماً باستئناف المسار الدبلوماسي مع واشنطن، وهو ما قد يعقّد حسابات إسرائيل التي تفضّل بقاء الخيار العسكري مطروحاً كأولوية.
إلى جانب ذلك، تبرز مفارقة لافتة في توقيت الضغوط الإسرائيلية. فترمب يدرس، في الوقت نفسه، خيارات تصعيدية في ساحات أخرى، من بينها فنزويلا وسوريا، ما يثير مخاوف من انزلاق الولايات المتحدة إلى تعدد الجبهات، في تناقض صارخ مع الخطاب الشعبوي الذي يقدّم ترمب باعتباره رئيساً أنهى الحروب بدل توسيعها. ويزداد هذا التناقض حدة مع تصريحات ترمب التي أعلن فيها "القضاء على التهديد النووي الإيراني" و"تحقيق السلام في الشرق الأوسط"، وهي عبارات أقرب إلى الشعارات منها إلى توصيف واقعي للوضع الإقليمي.
على الصعيد العسكري، تشير المعطيات إلى أن الضربات الإسرائيلية السابقة ألحقت أضراراً كبيرة بأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، ولا سيما منظومات S-300، ما منح إسرائيل تفوقاً جوياً مؤقتاً. غير أن هذا التفوق، وفق تقديرات إسرائيلية وأميركية، قد يتآكل سريعاً إذا نجحت طهران في إعادة بناء دفاعاتها وتسريع إنتاج الصواريخ، وهو ما يعيد إنتاج معضلة "النافذة الزمنية" التي طالما استخدمتها إسرائيل لتبرير العمل العسكري.
في موازاة ذلك، لا يمكن فصل ملف إيران عن التطورات في غزة. فوقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحماس، وتعثر الانتقال إلى مرحلته الثانية، يضيفان عنصراً ضاغطاً على العلاقة بين نتنياهو وترمب. ويخشى مسؤولون إسرائيليون سابقون من أن يؤدي استمرار الخلافات حول غزة إلى فتور الحماسة الأميركية لأي مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران.
في المحصلة، تبدو إسرائيل مصممة على إبقاء إيران في صدارة جدول الأعمال الأميركي، مستخدمة خطاب التهديد الوجودي وأرقاماً مثيرة حول قدرة طهران على إنتاج آلاف الصواريخ سنوياً. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تنجح تل أبيب مجدداً في دفع واشنطن إلى خيار عسكري مكلف، أم أن الإرهاق الأميركي من الحروب، وتعارض الملفات الإقليمية، سيضعان سقفاً جديداً لهذا الاندفاع؟
وتكشف هذه التطورات عن نمط متكرر في السياسة الإسرائيلية، يقوم على تضخيم التهديدات الآنية لدفع الولايات المتحدة إلى تبني أجندة أمنية لا تنبع بالضرورة من أولوياتها الإستراتيجية الخاصة. فبدلاً من استثمار اللحظة الدبلوماسية مع إيران، يجري تسويق الخيار العسكري بوصفه الحل الوحيد، في تجاهل متعمد لتداعياته الإقليمية والدولية، ولحدود القدرة الأميركية على إدارة صراعات مفتوحة بلا نهاية.
أما الخطاب الأميركي، وخصوصاً خطاب ترمب، فيعكس أزمة أعمق في تعريف "النجاح" في السياسة الخارجية. فالإعلان عن تدمير البرامج والتهديد بالضرب مجدداً عند أول اختبار، يشيران إلى سياسة تقوم على الاستعراض أكثر من بناء ترتيبات أمنية مستدامة. وفي ظل هذا النهج، تبقى المنطقة رهينة دورات متكررة من التصعيد، دون معالجة حقيقية لجذور الصراع أو ضمانات استقرار طويل الأمد.





شارك برأيك
واشنطن بين حسابات الردع وضغوط تل أبيب وسط ارتفاع التوتر مع إيران