شكّل توقيع اتفاق التطبيع بين المغرب والكيان الصهيوني في ديسمبر 2022 نقطة تحول في العلاقة بين تيار الإسلاميين الإصلاحيين والسلطة، حيث يرى المراقبون أن قرار التطبيع كان استراتيجياً اتخذته مستويات عليا في الدولة، دون تدخل حكومي يذكر، مما يظهر محدودية سلطة الحكومة في هذا النوع من القرارات المصيرية.
لم يكن جوهر الإشكال في طبيعة القرار نفسه، بل في الطريقة التي تم بها تمريره سياسياً، إذ أُسند التوقيع لرئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، المنتمي للتيار الإسلامي والذي عرف بخطابه الرافض للتطبيع، مما أظهر التناقض بين المرجعية الأخلاقية للإسلاميين وواقع الاندماج في السلطة.
اعتبرت أوساط واسعة من الرأي العام خطوة التوقيع رسالة سياسية مفادها أن القيادة الفعلية للسياسات الاستراتيجية لا تحددها صناديق الاقتراع، بل مؤسسات أخرى، كما أنها رسالة للإسلاميين بقدرتهم على اتخاذ قرارات تتعارض مع مرجعيتهم وقواعدهم الشعبية.
الإسلاميون في المغرب وجدوا أنفسهم في معادلة معقدة، وهي القبول بقواعد اللعبة السياسية التي تحد من سلطة الحكومة مقابل الحصول على موقع مؤسساتي يضمن لهم حضوراً سياسياً وتأثيراً محدوداً، مع الاعتراف بأنهم مجرد منفذين لمشاريع عليا.
لقد تحولت حادثة التوقيع، في النهاية، إلى مرآة كاشفة لعلاقة هؤلاء الإسلاميين بالسلطة: علاقة قائمة على المشاركة من دون قدرة، وعلى المسؤولية من دون صلاحيات.
السؤال الذي طرحه الكثيرون حول إمكانية امتناع العثماني عن التوقيع لا يمكن فصله عن هذه البنية المعقدة، فمن الناحية النظرية كان بإمكانه الرفض أو الاستقالة، لكن هذا الخيار كان سيُعتبر تهديداً لمشروعهم السياسي القائم على الإصلاح من الداخل وتجنب الصدام مع مؤسسات الدولة.
تبرز الخلفيات الفكرية والشخصية للعثماني كعامل حاسم، فهو يمثل تياراً إصلاحياً يميل إلى المهادنة والتوافق، ويرى في الرفض مغامرة تهدد استقراره السياسي، مما يجعله يفضل الانسجام مع منطق الدولة على الانسجام مع الخطاب الحزبي.
أصبحت حادثة التوقيع مرآة تعكس علاقة الإسلاميين بالسلطة، وهي علاقة مشاركة بلا قدرة ومسؤولية بلا صلاحيات، وإدماج مشروط بحدود لا يمكن تجاوزها، مما أثار نقاشات حول مستقبل الإسلاميين في الدولة وقدرتهم على الحفاظ على هويتهم السياسية في ظل هذه القيود.
يتجدد التساؤل حول إمكانية بقاء جماعة سياسية ذات مرجعية أخلاقية فاعلة في نظام يلزمها بالتنازل عن جزء من هذه المرجعية كلما اقتضت ذلك اعتبارات السلطة.





شارك برأيك
تطبيع المغرب وإسرائيل: الإسلاميون بين المرجعية الأخلاقية ومتطلبات السلطة