قامت مجموعة تضم أكثر من ألف قسّ وشخصية مؤثرة من التيار المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة بزيارة إسرائيل الأسبوع الماضي، في رحلة ممولة بالكامل من وزارة الخارجية الإسرائيلية، وفق ما نشره موقع "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل". وتعدّ هذه المبادرة واحدة من أكبر جهود الحكومة الإسرائيلية للتواصل المباشر مع قادة المجتمع الإنجيلي التبشيري الأميركي في السنوات الأخيرة، في ظل تراجع التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على غزة.
وقال مايك إيفانز، وهو قس إنجيلي بارز وأحد منظّمي هذه الزيارة، لشبكة البث المسيحية CBN News إن ما جرى يمثل "لحظة تاريخية"، مضيفًا: "هذه هي المرة الأولى التي تتعاون فيها دولة إسرائيل رسميًا مع ألف قسّ استراتيجي لتكليفهم بدور سفراء لمكافحة معاداة السامية والتواصل مع شباب الجيل الجديد". ويؤكد إيفانز أن إسرائيل تخوض، من وجهة نظره، "حربًا أيديولوجية" على الرأي العام، وأنها بحاجة إلى الدعم الإنجيلي لتعويض الخسائر المتراكمة على هذا الصعيد.
وينتمي القساوسة المشاركون إلى التيار المعروف بـ"المسيحية الصهيونية"، وهو تيار لاهوتي يرى أن دولة إسرائيل الحديثة تتمتع بحق ديني في السيطرة على كامل فلسطين التاريخية، بما فيها الضفة الغربية المحتلة، استنادًا إلى تفسيرات للكتاب المقدس ظهرت ضمن مذهب "التدبير الإلهي" في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر. ويتعارض هذا الاعتقاد مع مواقف قديمة عميقة الجذور في الكنائس التقليدية، بما فيها الكاثوليكية والأرثوذكسية والعديد من الطوائف البروتستانتية، إلا أن تأثيره السياسي على القرار الأميركي ظل بالغ الأثر خلال العقود الماضية.
وفي خطاب ألقاه أمام القساوسة في مستوطنة شيلوه الأثرية في الضفة الغربية المحتلة، تناول إيفانز تصريحات نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس والرئيس دونالد ترمب التي تحدثت عن عدم دعم ضمّ الضفة الغربية إلى إسرائيل. وعلّق قائلاً: "نحن نحب أمريكا ونحترم قيادتها، لكن سياسة الله الذي خلق أميركا هي أن يهودا والسامرة هما أرض الكتاب المقدس". وأضاف أن 80% من روايات الكتاب المقدس "تنحدر من هذه المناطق"، داعيًا المسؤولين الأميركيين إلى عدم الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات للفلسطينيين الذين وصفهم بـ"الإسلام المتطرف".
ورغم أن التيار الإنجيلي الأميركي ظلّ تاريخيًا أحد أكثر الدوائر دعمًا لإسرائيل، فإن استطلاعات الرأي الحديثة تظهر تراجعًا متزايدًا في هذا التأييد، خصوصًا بين الأجيال الشابة، في ظل الانتقادات الواسعة للحرب الإسرائيلية على غزة وللسياسات الاستيطانية في الضفة الغربية. وعبر عن هذا القلق السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي خلال القمة الدينية، حين حذّر من "مرض خبيث" ينتشر داخل الحركة الإنجيلية الأميركية، حيث "يشكك البعض في أهمية إسرائيل الدينية والسياسية"، على حد قوله.
وتشير تقارير رسمية أميركية إلى أن إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة جهودها للتأثير على الرأي العام الإنجيلي في الولايات المتحدة، ومن ضمن ذلك إنفاق ملايين الدولارات على حملة دعائية موجهة تحديدًا للكنائس، اعتُبرت "أكبر حملة استهداف جغرافي للكنائس المسيحية في تاريخ البلاد"، وكُشف عنها عبر وثائق قانون تسجيل العملاء الأجانب (FARA).
واختتمت القمة بتعيين القساوسة المشاركين "سفراء" غير رسميين لدعم إسرائيل في مجتمعاتهم المحلية. وخلال اللقاء، وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رسالة مباشرة لهم قال فيها: "انهضوا وكونوا فاعلين. قولوا الحقيقة. تحدثوا إلى الشباب. ارفعوا أصواتكم. أنا أعوّل عليكم، وأعلم أنكم ستفعلون ما يجب فعله".
وتسلّط هذه الزيارة التي استمرت لمدة أسبوع كامل، الضوء على الدور المتنامي للحركات الدينية في تشكيل السياسات الخارجية للدول، حيث لم يعد النفوذ الإنجيلي في الولايات المتحدة مجرد ظاهرة سياسية داخلية، بل تطور إلى عامل رئيسي تستند إليه إسرائيل في مواجهة تراجع دعمها بين قطاعات واسعة من الأميركيين. ويتضح ذلك من خلال توظيف إسرائيل لهؤلاء القساوسة باعتبارهم أدوات تأثير قادرة على مخاطبة الجمهور المحافظ في الولايات المتحدة عبر لغة دينية تعبّر عن "التزام إلهي" تجاه إسرائيل، متجاوزة بذلك لغة المصالح السياسية التقليدية.
كما تكشف الزيارة عن تعمّق الارتباط بين اليمين الديني الأميركي وإسرائيل، واليمين الإسرائيلي المتطرف، حيث تُمنح الأيديولوجيا الدينية أولوية على القانون الدولي ومبادئ العدالة السياسية. فبينما ترفض الكنائس الكبرى اللاهوت المبني على "الحق الديني الحصري" في الأرض، فإن التيار التدبيري يضفي شرعية دينية على التوسع الاستيطاني، ما يجعل أي محاولة للتوصل إلى حل سياسي للنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي أكثر تعقيدًا. ويأتي هذا التلاقي في وقت تتزايد فيه الانتقادات الدولية لسياسات الاحتلال، ما يجعل الاعتماد على قاعدة الدعم الإنجيلي محاولة لتعويض العزلة المتزايدة.
وبحسب الخبراء، تخلق هذه الأيديولوجيا حالة استقطاب داخل المجتمع الأميركي المحافظ نفسه، حيث تُستغل الرموز الدينية لتعزيز خطاب سياسي يتعارض مع توجهات شريحة كبيرة من المسيحيين الأميركيين، خصوصًا الشباب الذين باتوا يميلون إلى مواقف أكثر نقدًا لإسرائيل وأكثر ارتباطًا بمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان. ومن شأن هذا التوتر أن يعمّق الانقسام داخل التيار الإنجيلي، ويعيد صياغة العلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة في السنوات المقبلة.
عربي ودولي
الأربعاء 10 ديسمبر 2025 3:24 مساءً - بتوقيت القدس
ألف قس مسيحي صهيوني أميركي يزورون إسرائيل بتمويل إسرائيلي
واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات





شارك برأيك
ألف قس مسيحي صهيوني أميركي يزورون إسرائيل بتمويل إسرائيلي