فتحت جامعة ولاية كاليفورنيا – لوس أنجلوس (كال ستيت لوس أنجلوس) تحقيقاً بحق البروفسورة ملينا عبدالله بعد تداول مقطع مصوّر من إحدى محاضراتها يظهر فيه أنها دعت طلابها إلى فهم وإدراك آثار مشروع قانون الولاية الجديد المتعلق بمكافحة معاداة السامية، وتشجيعهم على مقاومته باعتباره تهديداً مباشراً لحرية التعبير وحرية النقد السياسي. وجاء نشر الفيديو، الذي بُثّ أصلاً على قناة عبدالله على "يوتيوب"، من قبل منظمة "مبادرة آمتشا AMCHA Initiative"، وهي أحد واجهات اللوبي الإسرائيلي التي تعتبر نفسها مراقباً لمظاهر معاداة السامية في الجامعات، قبل أن يتحوّل إلى مادة إعلامية أثارت ردود فعل واسعة.
ويظهر المقطع عبدالله وهي تناقش مع طلاب من قسم "العرق والنشاط والمشاعر"، الخلفيات السياسية لمشروع القانون : آ.ب AB 715، مشيرةً إلى أن التشريع يسعى – تحت عنوان مكافحة معاداة السامية – إلى الحدّ من القدرة الأكاديمية على نقد سياسات إسرائيل، أو مناقشة القضية الفلسطينية بنبرة نقدية أو تحليلية جريئة. وقد اعتبرت أن بعض الجهات السياسية "تستغل" مخاوف حقيقية لدى الطلاب اليهود لتمرير قانون قد يُستخدم لإسكات الخطاب النقدي، وليس لحماية الطلاب من خطاب الكراهية كما يُفترض. هذا الطرح، الذي جاء في إطار نقاش أكاديمي، اعتبره البعض خارجاً عن الحياد، فيما رأى آخرون أنه تعبير شرعي عن دور الجامعة كمكان لفتح النقاشات الشائكة بلا خوف أو رقابة.
وأكدت الجامعة في بيان مقتضب أنها تتحقق من مدى "التزام المحاضرة بالسياسات الأكاديمية"، لكنها امتنعت عن توضيح ما إذا كان التحقيق يتعلق بالمحتوى نفسه أو بطريقة تقديمه. غير أن توقيت هذا التحقيق يثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنه يأتي في لحظة تشهد فيها الجامعات الأميركية توتراً كبيراً حول حرية التعبير، وحول الطريقة التي تُدار بها النقاشات المتصلة بإسرائيل وفلسطين. كما أن النظام الجامعي في كاليفورنيا يخضع أصلاً لتحقيقات فيدرالية تتعلق بإدعاءات متفرقة حول انتشار الحوادث المعادية لليهود، ما يزيد الضغط على الإدارات الجامعية لتبنّي مواقف أكثر تشدداً – ولو على حساب الحريات الأكاديمية.
يشار إلى أن البروفسورة عبدالله، المعروفة بدورها القيادي في حركة "حياة السود مهمة" وبنشاطها الواسع في قضايا العدالة الاجتماعية، لطالما دعت إلى ضرورة حماية الفضاء الجامعي من التدخلات السياسية. ويرى مؤيدوها أن ما قالته في المحاضرة لا يتجاوز حدود النقاش الأكاديمي الذي يربط بين التشريعات والواقع الاجتماعي والسياسي. ويؤكد هؤلاء أن محاولة تصوير نقاش من هذا النوع على أنه تحريض أو انتهاك للقواعد الأكاديمية يمثل خلطاً مقصوداً بين التعبير السياسي المشروع وبين خطاب الكراهية، وهو خلط لطالما استُخدم تاريخياً لإسكات الأصوات المنتقدة للسياسات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة.
أما مشروع القانون AB 715، الذي وقّعه حاكم الولاية غافين نيوسوم في تشرين الأول الماضي، فقد أثار موجة انتقادات عميقة من قبل أكاديميين ومنظمات حقوقية ترى أن نصّه قد يكون واسعاً ومطّاطاً بما يكفي لاعتبار أي نقاش نقدي حول السياسات الإسرائيلية تهديداً أو شكلاً من أشكال "التحريض". وتتعلق مخاوف الأكاديميين بالاستخدام المحتمل للقانون كأداة رقابة تستهدف الأساتذة الذين يتناولون القضايا الدولية بشكل نقدي أو بنبرة سياسية غير مؤيدة لإسرائيل.
وفي الجو العام المشحون الذي يلفّ الجامعات الأميركية، بات يُنظر إلى قضية عبدالله كاختبار لمدى التزام الجامعات بحماية الحرية الأكاديمية. فالمحاضرة التي استخدمت إطارها التعليمي لتشجيع الطلاب على قراءة التشريعات قراءة نقدية متعمّقة، تحوّلت فجأة إلى قضية عامة على خلفية مناخ سياسي متوتر. ويرى متابعون أن هذا التحقيق قد يبعث برسالة مقلقة إلى الأساتذة: مفادها أن أي نقاش صريح حول السياسات الإسرائيلية أو تأثيرها على المجتمع الأميركي قد يعرّض صاحبه للمساءلة، حتى لو جاء ذلك في سياق أكاديمي بحت.
وتكشف قضية عبدالله عن مفارقة خطيرة: فبينما يدّعي مشروع القانون الدفاع عن الفئات المستهدفة بحوادث الكراهية، قد يجد المشرّعون أمام تشريع يمكن أن يُستخدم لخنق النقاش السياسي حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في الولايات المتحدة.
ويشكل ربط النقد الموجّه إلى سياسات إسرائيل بمعاداة السامية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في النقاش الأميركي العام. حيث أن التشريعات التي تُصاغ بدافع حماية الجماعات الدينية يجب أن تُبنى على تعريفات دقيقة، لا على مفاهيم مطّاطة يمكن تفسيرها سياسياً. ويعتقد الخبراء أنه في حال أصبح كل نقد للسياسة الإسرائيلية قابلاً للتجريم أو الإدراج في خانة "خطاب الكراهية"، فإن ذلك سيقود إلى بيئة جامعية خائفة، تدفع إلى تردد الأساتذة في التدريس بجرأة، وحيث يخسر الطلاب فرصة التعلم عبر الاحتكاك بالأفكار المتنوعة وغير المألوفة.
كما يعتقد الخبراء أن قضية الدكتورة ميلنا عبدالله ، ليست مجرد قضية خلاف حول محاضرة جامعية، بل هي انعكاس لتغيّر عميق في المناخ السياسي الأميركي. فالمؤسسات الأكاديمية تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: إما الدفاع عن استقلالها وعن حرية التفكير والنقد، أو الرضوخ لرقابة مقنّعة تأتي عبر بوابة قوانين تحمل عناوين حساسة. وبقدر ما تحمل القضية من تعقيد، فإنها تُعيد طرح سؤال جوهري بشأن استمرار الجامعات الأميركية قادرة على مقاومة الضغوط السياسية، أم أنها ستنجر إلى مناخ يُعاقب فيه التفكير النقدي، الأمر الذي قد يحدد ملامح مستقبل الحرية الأكاديمية في البلاد.





شارك برأيك
التحقيق مع أستاذة في جامعة ولاية كاليفورنيا بعد انتقادها مشروع قانون يمنع انتقاد إسرائيل