أقلام وأراء

الإثنين 08 ديسمبر 2025 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

ضوء الميلاد ينتصر على العتمة في فلسطين


المحامي راجح أبو عصب

رغم العتمة التي تخيّم على مدن وقرى ومخيمات فلسطين، ها هو ينهض ضوء الميلاد من جديد هذا العام في بيت لحم والقدس، كرسالة صامدة تشبه الفلسطينيين أنفسهم، فهم كطائر الفنيق، الذين اعتادوا تحويل المحن إلى طاقة حياة. ففي الوقت الذي تعيش فيه بلادنا تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية قاسية وحصار مطبق، تعود شجرة الميلاد لتتقد في قلب الساحات والميادين، معلنة بدء موسم الأمل في أرضٍ تعبت من الحزن لكنها لم تفقد قدرتها على الفرح.
 في بيت لحم، مدينة مهد السيد المسيح عليه السلام، تكتسب لحظة إضاءة الشجرة معنى يتجاوز الاحتفال التقليدي، فكل ضوء يلمع فوق أغصانها يشبه نبضة حياة تُضاف إلى نبض الفلسطينيين الذين يصرّون على حماية طقوسهم واحتفالاتهم مهما اشتدت الظروف، ويتجمع الأهالي كبارًا وصغارًا، ليشهدوا لحظة الإضاءة وكأنهم يعلنون للعالم أن هذه المدينة، التي حملت رسالة السلام على مدى قرون طويلة، ما زالت قادرة على إرسال نورها لكل فضاءات العالم رغم كل العتمة المحيطة.
 لا تقتصر أهمية المناسبة على بعدها الديني، بل تتجاوزها إلى البعد الإنساني والسياسي أيضًا، فإضاءة شجرة الميلاد في فلسطين تحوّلت إلى فعل صمود، ورسالة موجهة إلى العالم بأن الشعب الذي يتمسك بالحياة لا يمكن أن تُطفأ أحلامه، ونستعيد هنا ما قاله شاعر فلسطين الكبير محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
 ويقف الفلسطينيون أمام الشجرة المتلألئة وهم يدركون أن الضوء ليس مجرد زينة، بل موقف يؤكد رغبتهم في الاستمرار والبقاء والحفاظ على هويتهم.
 وعلى الرغم من الجراح المفتوحة التي تعيشها أراضينا الفلسطينية، تبرز مبادرات شعبية وكنسية لإحياء الفرح، سواء عبر الفعاليات الفنية أو الأنشطة المجتمعية أو التراتيل الميلادية التي تملأ الأجواء دفئًا، وتؤكد هذه الاستعدادات أن الأعياد ليست ترفًا، بل حاجة روحية واجتماعية تمنح الناس فرصة لاستعادة شيء من التوازن وسط واقع ثقيل.
 مع كل عيد ميلاد، يثبت الفلسطينيون أن النور قادر على التقدم حتى في أصعب الأوقات، وها هو ضوء الميلاد هذا العام ينتصر مجددًا على العتمة، ليذكّر بأن الأمل لا يُهزم، وأن الشعوب التي تحتفل رغم الألم هي شعوب تعرف جيدًا كيف تكتب مستقبلها بيدها.
 وفي فلسطين… يبقى الضوء أقوى من كل ظلام، والميلاد ليس مجرد ذكرى، بل إعلان ولادة جديدة للثبات والرجاء والسلام.
 لا يكتفي الفلسطينيون بإضاءة الشجرة، بل ينسجون حولها حالة اجتماعية واقتصادية أيضا كاملة تُعيد ترميم الروح العامة، فالمحال التجارية تزيّن واجهاتها، والبلديات تنظّم عروضًا فنية بسيطة لكنها محمّلة بالمعنى، فيما تتعالى أصوات الجوقات الكنسية في الأزقة القديمة، لتعيد إلى المكان دفئه التاريخي، ورغم محدودية الإمكانات هذا العام، تبدو كل فعالية وكأنها محاولة جماعية لتأكيد أن الحياة هنا ليست حدثًا عابرًا، بل ثقافة راسخة عصيّة على الانطفاء.
 وفي المشهد الفلسطيني، يبرز حضور الأطفال والشباب بشكل لافت، فهم يقفون أمام الشجرة بعيون واسعة، يلتقطون الصور ويصنعون لحظات فرح صغيرة تُشبه أحلامهم الكبيرة، تمثّل هذه الأجيال رسالة قوية للعالم بأن المستقبل ما زال ينبض، وأن الفلسطينيين لا يعيشون فقط على ذاكرة الماضي، بل يزرعون في حاضرهم ما يكفي من نور ليستمر الطريق.
 تعود بيت لحم من جديد لتكون، كما في كل عام، المركز الرمزي للاحتفال... شوارعها القديمة، أبواب كنيسة المهد، أصوات الترانيم التي تتردد بين الحجارة العتيقة… كلها عناصر تجعل من لحظة الإضاءة حدثًا يتجاوز المكان، كأن المدينة تعيد ترتيب المعنى في زمن مضطرب، وتقول إن هذا المهد، الذي خرج منه نور البشرية قبل ألفي عام، ما زال قادرًا على بثّ نور جديد في قلوب الناس.
 وفي النهاية، يبقى ضوء الميلاد في فلسطين فعلًا يتجاوز الاحتفال، ليصبح موقفًا حياتيًا كاملًا: موقف شعب يرفض الاستسلام، ويعرف أن النور مهما كان ضعيفًا، قادر على شق طريقه في أكثر اللحظات ظلامًا.
 وهكذا، يتواصل هذا الانتصار الرمزي عامًا بعد عام، مؤكّدًا أن فلسطين ليست فقط أرض الجراح، بل أيضًا أرض النور الذي لا يُهزم… نور ميلاد ينتصر من جديد على العتمة، ويعيد للقلوب بعضًا من سلامٍ طال اشتياقه.

دلالات

شارك برأيك

ضوء الميلاد ينتصر على العتمة في فلسطين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.