تعيش العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية لحظة مفصلية لم تشهدها منذ عقود. هذا ما يذهب إليه أندرو ميلر، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، ونائب مساعد الوزير للشؤون الفلسطينية الإسرائيلية في وزارة الخارجية الأميركية في تحليلٍ مطوّل يقدّم فيه رؤية نقدية جريئة لطريقة إدارة واشنطن لعلاقتها مع إسرائيل منذ نهاية الحرب الباردة. ومن منظور خبير شارك في صناعة هذه السياسة من داخل المؤسسات الأميركية، تبدو ملاحظاته أكثر من مجرد قراءة ساخنة للحظة الراهنة؛ إنها محاولة لإعادة تقييم ما يصفه بـ "الاستثناء الإسرائيلي"، الذي سمح لإسرائيل، على مدى ثلاثة عقود، بالتحرك خارج أي قيود عملية، في ظل دعم أميركي واسع وغير مشروط.
يُذكّر ميلر بأن هذا الاستثناء لم يكن جزءاً أصيلاً من العلاقة. فمنذ السبعينيات وحتى أوائل التسعينيات، كانت الإدارات الأميركية لا تمانع في ممارسة ضغوط صريحة على إسرائيل عندما ترى أن قراراتها تضر بالمصالح الأميركية أو تزعزع الاستقرار. صدرت آنذاك انتقادات علنية، وعُلّقت شحنات أسلحة، وسمحت واشنطن لمجلس الأمن بإصدار قرارات تدين الاستيطان أو الاستخدام المفرط للقوة. لكن مع صعود إدارة بيل كلينتون وتفاؤل تلك المرحلة بمسار السلام، تبنّت واشنطن نهجاً جديداً يقوم على دعم مطلق لإسرائيل تحت شعار تشجيعها على "مخاطرات من أجل السلام". وقد أدّى ذلك، برأي ميلر، إلى اختفاء خطاب "الاحتلال" من المفردات الرسمية، وإلى تدفق المساعدات العسكرية والمالية بلا شروط، وإلى إرساء قاعدة غير مكتوبة: لا خلافات علنية بين الحليفين.
خلال ثلاثة عقود، تراكمت أربعة افتراضات خاطئة رسّخت هذا النموذج: أولاً، أنّ المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة بشكل شبه كامل؛ ثانياً، أنّ إسرائيل تقرأ بيئتها الأمنية بوضوح يفوق ما تراه واشنطن؛ ثالثاً، أنّ الخلافات العلنية مضرة ومحرجة؛ ورابعاً، أنّ إسرائيل ستأخذ في النهاية موقف الولايات المتحدة بالحسبان عندما يتعلّق الأمر بقرارات مصيرية. هذه الافتراضات، كما يقول ميلر، أنتجت علاقة مختلّة مكّنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من التوسع في الاستيطان، وفي سياسات أحادية الجانب، وفي استخدام القوة بلا ضوابط، وهي مطمئنة إلى أن السياسة الأميركية ستؤمّن لها مظلة حماية مهما ارتفعت كلفة تلك السياسات إنسانياً وسياسياً.
ومع شن إسرائيل لحربها الماحقة على غزة في أعقاب هجوم 7 تشرين الأول 2023، تكشّف حجم هذا الخلل. فقد ورّط الدعم الأميركي غير المشروط واشنطن في سياسات أدّت إلى دمار واسع، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وظهور مجاعة حقيقية في القطاع. وباتت الولايات المتحدة تُنتقد عالمياً باعتبارها شريكاً في قرارات إسرائيل العسكرية، حتى عندما كانت تبلّغ تل أبيب وراء الأبواب المغلقة بضرورة الحد من قوة عملياتها أو تسهيل دخول المساعدات الإنسانية. أما النتيجة، فكانت سقوط مكانة واشنطن الأخلاقية، وتراجع تأثيرها الدبلوماسي، وتحوّل سلوك إسرائيل إلى عبء استراتيجي يضر أكثر مما يفيد.
لكن الكلفة الأكبر سقطت على الفلسطينيين، الذين عاشوا حرباً غير مسبوقة في حجم تدميرها، وتشرداً شبه كامل، وانهياراً شاملاً للبنية الاجتماعية والاقتصادية. ويشير ميلر إلى أنّ دعم واشنطن غير المشروط لم يُسهِم فقط في اتساع الكارثة الإنسانية، بل أعاق أيضاً أي محاولة لبناء سلطة فلسطينية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وقلّل من جدوى المساعي الأميركية لإعادة إحياء فكرة "اليوم التالي".
أما بالنسبة لإسرائيل، فالوضع ليس أفضل بكثير. فالدعم الذي منحته واشنطن دون شروط غذّى شعوراً بالحصانة، شجّع حكومة بنيامين نتنياهو على اتخاذ سياسات أدت إلى عزلتها الدولية، وتراجع ثقة حلفائها التقليديين، وانقسامات داخلية خطيرة، وخسارة تدريجية في دعم الرأي العام الأميركي—وخاصة بين الشباب والقاعدة الديمقراطية. ويذهب ميلر إلى أنّ ما تعيشه إسرائيل اليوم ليس ازدهاراً في ظل دعم واشنطن، بل أزمة تتفاقم بفعل ذلك الدعم غير المنضبط.
وعلى الجانب الأميركي، دفعت واشنطن ثمناً باهظاً. فقد بدت عاجزة عن كبح إسرائيل رغم نفوذها الهائل عليها، ووجدت نفسها غارقة في أزمات الشرق الأوسط على حساب أولويات أخرى، مثل التنافس مع الصين. كما مُنحت روسيا والصين فرصة لشن حملات سياسية ودعائية ضد الولايات المتحدة، متهمة إياها بازدواجية المعايير. فالحرب على غزة أعادت إلى الواجهة خطاباً عالمياً يرى أنّ واشنطن فقدت بوصلتها الأخلاقية، وأن دعمها لإسرائيل أصبح عقيدة لا سياسة.
وفي حين يرى ميلر أن إدارة بايدن أخطأت عندما امتنعت عن ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل خلال اللحظات الأكثر حساسية، فإنه يعتبر أيضاً أن عهد ترامب الثاني كشف هشاشة هذا النموذج. فترامب، رغم إعلانه المتكرر عن "صداقته" لإسرائيل، اتّخذ سلسلة مواقف متقلّبة: ضغط بقوة لفرض وقف إطلاق النار مطلع 2025، ثم منح إسرائيل ضوءاً أخضر لمواصلة حملة عسكرية قاسية، قبل أن ينقلب عليها بعد محاولة تنفيذ عملية في قطر هددت مصالح واشنطن. هذا التخبط، بحسب ميلر، يثبت أن العلاقة القائمة على الاستثناء غير قابلة للإدارة حتى من قبل رئيس يميل سياسياً إلى إسرائيل.
انطلاقاً من هذا التشخيص، يدعو ميلر إلى إنهاء الاستثناء، وإلى بناء علاقة “طبيعية” تحكمها المعايير نفسها التي تُطبّقها الولايات المتحدة على بقية حلفائها. ويقترح في هذا السياق إعادة تعريف المصالح المشتركة، وتحديد خطوط حمراء واضحة تتعلق بالاستيطان واستخدام القوة، وتطبيق القوانين الأميركية الخاصة بحقوق الإنسان على الوحدات الإسرائيلية كما تُطبّق على غيرها، وربط المساعدات العسكرية بمعايير سلوك محددة. كما يدعو إلى وقف التدخل الأميركي في السياسة الداخلية الإسرائيلية والفلسطينية، والعودة إلى دور الوسيط الذي يحمي مصالحه ولا يمنح شيكات مفتوحة.
في خلاصة مقاله، يبدو ميلر شديد الوضوح: استمرار النموذج القائم يهدد مستقبل الفلسطينيين، ويضعف إسرائيل على المدى الطويل، ويُلحق ضرراً كبيراً بمكانة الولايات المتحدة. أما "تطبيع العلاقة"—أي إخضاعها لمنطق السياسة لا الاستثناء—فهو برأيه ليس عقاباً لأحد، بل ضرورة إستراتيجية لحماية استقرار المنطقة، والحفاظ على صدقية واشنطن، وإنقاذ ما تبقى من إمكانية لحل سياسي قابل للحياة. ويؤكد أنّ نافذة الفرص تضيق، وأن اللحظة الراهنة ربما تكون الأخيرة قبل انزلاق الوضع نحو مسار لا يمكن التراجع عنه.
عربي ودولي
الإثنين 08 ديسمبر 2025 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس
نهاية الاستثناء الإسرائيلي… هل تبدأ الولايات المتحدة إعادة صياغة علاقتها بالحليف الأقرب؟
واشنطن - "القدس" دوت كوم – سعيد عريقات





شارك برأيك
نهاية الاستثناء الإسرائيلي… هل تبدأ الولايات المتحدة إعادة صياغة علاقتها بالحليف الأقرب؟