عربي ودولي

الخميس 13 نوفمبر 2025 5:47 مساءً - بتوقيت القدس

حرب غزة: مكاسب تجارية أميركية ضخمة من مأساة إنسانية

واشنطن –"القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

لم تكن الحرب على غزة، منذ اندلاعها في تشرين الأول 2023، مجرد صراع دموي بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، بل تحولت، كما تكشف صحيفة وول ستريت جورنال، إلى واحدة من أكثر الحروب ربحًا في التاريخ الحديث لشركات السلاح الأميركية. فخلف الدمار الهائل الذي حوّل غزة إلى أنقاض، نشأ اقتصاد حرب متكامل غذّاه التمويل الأميركي والسياسات العسكرية التي مزجت بين المصالح الإستراتيجية والأرباح التجارية.

ووفقًا للتحقيق الذي نشرته الصحيفة الأميركية، فإن واشنطن وافقت خلال العامين الماضيين على صفقات أسلحة ومعدات عسكرية لإسرائيل تجاوزت قيمتها 32 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدفاعية بين البلدين. هذا التدفق المستمر من الأسلحة والمعدات جعل من الحرب في غزة محفزًا رئيسيًا لازدهار شركات مثل بوينغ ونورثروب غرومان ولوكهيد مارتن وكاتربيلر، التي حصدت عقودًا بمليارات الدولارات لتزويد الجيش الإسرائيلي بكل ما يحتاجه من الطائرات والصواريخ إلى الجرافات المصفحة.

ورغم أن إسرائيل تتلقى سنويًا 3.3 مليارات دولار من التمويل العسكري الأميركي، فقد تضاعف هذا المبلغ في عام 2024 ليصل إلى 6.8 مليارات، دون احتساب المساعدات غير النقدية أو الدعم اللوجستي والاستخباراتي. وبذلك، تحوّل دافعو الضرائب الأميركيون إلى ممولين غير مباشرين لحربٍ راكمت أرباح الشركات العملاقة، فيما تركت عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى والمشرّدين الفلسطينيين.

الربح في زمن الحرب

تصدّرت بوينغ قائمة المستفيدين من “اقتصاد الحرب”، بعد حصولها على موافقة أميركية لبيع مقاتلات F-15 بقيمة 18.8 مليار دولار، للتسليم اعتبارًا من عام 2029، إضافة إلى عقود أخرى للقنابل الموجهة جوًا بلغت قيمتها 7.9 مليارات دولار. وتشير تقديرات الصحيفة إلى أن هذه الصفقات وحدها تشكّل نحو ربع الطلبات الدفاعية الحالية للشركة.

أما لوكهيد مارتن، المورّد الرئيسي للصواريخ الدقيقة، فقد أعلنت في تقريرها السنوي لعام 2024 عن زيادة في عائدات قسم الصواريخ بنسبة 13%، لتصل إلى 12.7 مليار دولار، مشيرة إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة جاء من الطلب الإسرائيلي.

كذلك استفادت كاتربيلر من الحرب، إذ تُستخدم جرافاتها المدرعة D9 على نطاق واسع في هدم منازل الفلسطينيين وإزالة الأنقاض داخل غزة، فيما تمد شركة أوشكوش الجيش الإسرائيلي بمركبات مدرعة من طراز "إيتان"، ومحركات أميركية من إنتاج وحدة رولز رويس في ميشيغان.

لكن هذا الازدهار التجاري لا يخلو من كلفة سياسية وأخلاقية. فقد واجهت بعض الشركات الأميركية ردود فعل سلبية من المستثمرين والمنظمات الحقوقية، ما دفع صناديق تقاعد أوروبية كبرى إلى بيع حصصها في شركات متورطة بتزويد إسرائيل بالسلاح، مثل كاتربيلر وأوشكوش وبالانتير. كما أعلنت ألمانيا وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل حتى إشعار آخر، في إشارة إلى التوتر المتزايد بين المكاسب الاقتصادية والاعتبارات الإنسانية.

شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

ولم تقتصر المكاسب الأميركية على الصناعات الدفاعية التقليدية، بل امتدت إلى شركات التكنولوجيا الكبرى التي دخلت ميدان الحرب الرقمية. فقد عقدت مايكروسوفت وغوغل وأمازون اتفاقيات لتوفير خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي للجيش الإسرائيلي. وفي كانون الثاني 2024، أعلنت شركة بالانتير، المتخصصة في تحليل البيانات العسكرية، عن شراكة رسمية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية.

ورغم الانتقادات التي واجهتها الشركة بسبب استخدام تقنياتها في العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين، فإن رئيسها التنفيذي أليكس كارب دافع بشدة عن التعاون مع إسرائيل، واصفًا القتلى في غزة بأنهم "إرهابيون في معظمهم". هذا الموقف، الذي أثار غضب ناشطين وحقوقيين، يكشف جانبًا آخر من العلاقة الملتبسة بين التكنولوجيا الحديثة والحروب الحديثة، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة قتال بقدر ما هو وسيلة مراقبة وتحكم.

من يمول الحرب ومن يجني ثمارها؟

وتُبرز هذه الوقائع بوضوح البعد الاقتصادي لحرب غزة: فبينما تُقدَّم كمواجهة أمنية بين إسرائيل وحماس، فإنها في الواقع تغذي شبكة مصالح مالية ضخمة تربط بين المجمع الصناعي العسكري الأميركي والسياسات الخارجية لواشنطن.

فكل طلقة تُطلق في غزة، وكل صاروخ يُقصف به القطاع، يحمل وراءه توقيع شركة وموافقة حكومية وصفقة مدفوعة من أموال دافعي الضرائب الأميركيين.

ويبدو أن الإدارة الأميركية – رغم الخطاب الإنساني – تنظر إلى الحرب من زاوية "الاستثمار الاستراتيجي"، حيث تُبرّر دعم إسرائيل بوصفه ضرورة أمنية، بينما تستفيد شركاتها من عقود طويلة الأمد تضمن استمرار الطلب على السلاح حتى في فترات الهدوء النسبي.

لقد تحوّلت حرب غزة إلى نموذج صارخ لما يُعرف بـ"اقتصاد الحرب المستدامة"، الذي يجعل من الدمار موردًا ومن المأساة فرصة. وبينما يدفع الفلسطينيون الثمن دمًا وتشريدًا، تجني الشركات الأميركية الأرباح، في مفارقة تُلخّص مأزق الأخلاق في النظام الدولي المعاصر: حرب تُسفك فيها الأرواح، لتُنعش الأسواق.

دلالات

شارك برأيك

حرب غزة: مكاسب تجارية أميركية ضخمة من مأساة إنسانية

فلسطيني قبل 7 شهر

نابلس - فلسطين 🇵🇸

مصائب قوم عند قوم فوائد قتل الأرواح البريئة تجارة رابحة الاقتصادي الكبير ترمب لكن الظلم لا يدوم والايام دول وسينقلب السحر على الساحر قريبا انشاء الله

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.