واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
تخيّم أجواء الحرب من جديد على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، وسط مؤشرات متزايدة على استعداد تل أبيب لشن عملية عسكرية برية قد تمتد حتى نهر الليطاني، في خطوة تهدد بإعادة رسم المشهد الأمني في شمال إسرائيل وجنوب لبنان على نحو بالغ الخطورة.
وتشير تقارير إعلامية وتحليلات عسكرية متقاطعة إلى أن إسرائيل تدرس بجدية خيار شنّ عملية برية واسعة في جنوب لبنان، بزعم "منع تمدد حزب الله" وتعزيز الردع على حدودها الشمالية. وتؤكد مصادر مطلعة في واشنطن أن هذه الخطط تُناقش بجدية داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية، وسط قلق متزايد من تنامي قدرات الحزب العسكرية، ولا سيما الصاروخية. لكن خلف هذا القلق المعلن، يرى مراقبون أن تل أبيب تميل مجدداً إلى منطق القوة في محاولة لاستعادة توازن الردع الذي تآكل بفعل إخفاقاتها الأخيرة في غزة.
وذكرت وكالة "رويترز"، نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية، أن تل أبيب بعثت رسائل مباشرة وغير مباشرة (يعتقد أنها عبر الوسيط الأميركي)، إلى بيروت تحذر فيها من أن استمرار نشاطات حزب الله جنوب الليطاني سيجعل المواجهة "مسألة وقت". كما حمّلت إسرائيل الحكومة اللبنانية مسؤولية ما يجري هناك، مطالبة الجيش اللبناني بالتحرك لنزع سلاح الحزب أو الحد من وجوده العسكري. في المقابل، يعتبر محللون لبنانيون أن هذه التهديدات ليست جديدة، لكنها تكتسب اليوم خطورة إضافية في ظل توتر إقليمي غير مسبوق، يجعل أي احتكاك محدود قابلاً للتحول إلى حرب شاملة.
وتكمن أهمية نهر الليطاني في كونه ليس مجرد خط جغرافي بل رمز استراتيجي في الوعي الإسرائيلي ـ اللبناني. فمنذ أكثر من نصف قرن، شكل الليطاني الحدّ الأقصى لمطامع إسرائيل الأمنية في الجنوب، وغالباً ما ارتبط في اتفاقات وقف إطلاق النار ومحاولات الأمم المتحدة لإنشاء مناطق عازلة. لذا، فإن عودة الحديث الإسرائيلي عن "الوصول إلى الليطاني" تعني عملياً التمهيد لإقامة منطقة أمنية جديدة شمال الحدود، تذكّر بمرحلة الاحتلال الإسرائيلي السابقة. ويشير خبراء عسكريون إلى أن أي توغل من هذا النوع سيعني السيطرة على مناطق مأهولة تضم مئات القرى وعشرات الآلاف من السكان، ما ينذر بكارثة إنسانية واسعة.
وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث أميركية وإسرائيلية، مثل "معهد دراسات الحرب" في واشنطن المقرب من الليكود الإسرائيلي، و"المعهد الإسرائيلي للأمن القومي"، تطرح سيناريوهات متعددة تبدأ بعمليات محدودة تستهدف مواقع صاروخية أو مخازن سلاح لحزب الله، وقد تتطور إلى اجتياح بري شامل إذا لم تحقق الضربات أهدافها. ويرى بعض الخبراء أن إسرائيل تستخدم هذا التصعيد لإرسال رسائل ردع وإجبار الحكومة اللبنانية على التحرك، لكن خطر الانزلاق إلى مواجهة فعلية يظل قائماً، خصوصاً إذا فشلت الوساطات الدولية أو تجاوزت الاشتباكات الحدودية الخطوط الحمراء غير المعلنة.
في المقابل، يعاني لبنان من ضعف مؤسساتي وأزمة اقتصادية خانقة تحدّ من قدرته على فرض سيادته جنوباً. فالجيش اللبناني يفتقر إلى الإمكانات الكافية للانتشار في المنطقة الحدودية، فيما تعاني مؤسسات الدولة من شلل شبه تام. هذا الواقع يمنح إسرائيل ذريعة إضافية للقول إن "الدولة اللبنانية عاجزة عن تنفيذ القرار "1701"، الذي أنهى حرب 2006 ونصّ على خلو المنطقة بين الخط الأزرق والليطاني من أي وجود مسلح غير حكومي. غير أن إسرائيل تعتبر أن حزب الله لم يلتزم بالقرار، بل عزز بنيته العسكرية في تلك المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
ويحذر محللون من أن أي عدوان إسرائيلي بهذا الحجم سيقلب المعادلات، إذ سيجعل الحديث عن نزع سلاح حزب الله أمراً مستحيلاً، وسيمنحه شرعية مقاومة متجددة داخل لبنان. وفي هذا السياق، تتابع واشنطن التطورات عن كثب، إذ يتحرك مبعوثاها توم باراك ومورغان أورتيغاس بين بيروت وتل أبيب في محاولة لـ"احتواء التصعيد"، مع تأكيد الدعم الأميركي الكامل لإسرائيل بذريعة "حقها في الدفاع عن النفس".
ويرى خبراء عسكريون أن أي عملية برية تمتد حتى الليطاني ستكون مكلفة للغاية. فالميدان هناك صعب التضاريس، والسكان معادون، وحزب الله يمتلك خبرة قتالية عالية وقدرات صاروخية متطورة. وأي توغل من هذا النوع سيفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع، قد تشمل جبهات أخرى في سوريا والعراق وربما البحر المتوسط.
ورغم أن الحديث عن الاجتياح لا يزال في إطار الاحتمال، إلا أن تزايد تداوله في الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية يعكس ميلاً واضحاً نحو "إعادة بناء الردع المفقود"، ومحاولة التعويض عن الفشل في غزة عبر مغامرة جديدة شمالاً. غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن لبنان لم يكن يوماً ساحة سهلة لإسرائيل، وأن أي غزو جديد قد يتحول إلى مستنقع مكلف يعمّق مأزقها الأمني والسياسي.
ويعكس تصاعد الخطاب حول "العودة إلى الليطاني" يعكس أزمة عميقة في الرؤية الإسرائيلية للأمن الإقليمي، القائمة على القوة العسكرية بدلاً من الحلول السياسية. وإذا لم تُترجم الجهود الدبلوماسية الجارية إلى خطوات حقيقية لضبط التوتر، فإن الجنوب اللبناني قد يجد نفسه مرة أخرى في قلب حرب جديدة، لن تغيّر موازين القوى بقدر ما ستفاقم معاناة بلد يعيش أصلاً على حافة الانهيار.





شارك برأيك
إسرائيل تُعِدّ لغزوٍ بري حتى الليطاني والعودة إلى سياسة العدوان المفتوح على لبنان