بينما يتحدث العالم عن "هدنة" في غزة، يتكشف على الأرض واقع مغاير تمامًا. فـ"الخط الأصفر" الذي يفترض أنه يمثل نطاق وقف إطلاق النار المؤقت، يتحول تدريجيًا إلى حدود فعلية تُكرّس واقعًا جديدًا يهدد بتحويل غزة إلى كانتون مقطّع الأوصال.
وعلى امتداد مناطق متفرقة من القطاع، بدأ الجيش الإسرائيلي بتثبيت كتل خرسانية صفراء كل مئتي متر تقريبًا، في خطوة يصفها مراقبون بأنها "ترسيم حدود ميدانية" بحكم الأمر الواقع. فبينما يروّج المسؤولون الإسرائيليون لهذه الإجراءات كجزء من ترتيبات أمنية مؤقتة، تشير الوقائع إلى سياسة ضم زاحف تتقدم بصمت تحت راية الهدنة.
وبحسب تقرير لصحيفة "ذي غارديان"، يقسم هذا الخط غزة إلى منطقتين متناقضتين: في الغرب، تحاول حركة حماس إعادة فرض سيطرتها في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال جزئيًا، بينما تنتشر في الشرق قوات إسرائيلية تطلق النار على أي مدني يقترب من نطاقها الجديد.
وتنسب الصحيفة إلى حمد خالد أبو الحسين (31 عامًا)، وهو أب لخمسة أطفال من بلدة القرارة شرق خان يونس قوله: "بمجرد أن نقترب من منازلنا تبدأ الرصاصات بالتطاير. نعيش بين الأمل والخوف، ولا نعرف إن كنا سنُسمح بالعودة يومًا".
ويضيف بأسى: "إذا استمر هذا الوضع، فسيصبح الخط الأصفر حدودًا تفصلنا عن بيوتنا إلى الأبد".
هدنة بلا سلام
يشار إلى أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أعلن صراحة أن بلاده "ستحتفظ بسيطرتها الأمنية في غزة"، مؤكدًا أن إسرائيل "لن تطلب موافقة أحد على ذلك". وبالتوازي، أقرّ وزير الدفاع إسرائيل كاتس سياسة "إطلاق النار الحر" على طول الخط بعد مقتل جنديين في رفح.
وورغم مرور أكثر من أسبوعين على الهدنة، لا يزال أكثر من عشرين فلسطينيًا يُقتلون يوميًا في المتوسط، معظمهم قرب هذا الخط. أما النازحون، فلا يتجاوز من تمكنوا من العودة إلى منازلهم 10%، وسط استمرار المخاطر الأمنية وانعدام الضمانات.
ضم زاحف ومأزق سياسي
وتواجه المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي تنص على نزع سلاح حركة "حماس" واستبدالها بقوة استقرار متعددة الجنسيات، رفضًا داخل الحكومة الإسرائيلية. فالأحزاب اليمينية في ائتلاف نتنياهو ترفض أي تدويل للقطاع، ما يجعل "المرحلة الانتقالية" مجرد غطاء قانوني لوضع دائم.
وبدأت وسائل إعلام إسرائيلية تصف الخط الأصفر بـ"الحدود الجديدة لغزة"، فيما يرى جيريمي كونينديك، الرئيس التنفيذي لمنظمة اللاجئين الدولية، أن ما يجري هو "ضم تدريجي فعلي للقطاع". وفي تحليل أجرته محطة BBC لصور الأقمار الصناعية يظهر أن العلامات الصفراء تقع مئات الأمتار داخل أراضي غزة، بما يعني استيلاءً إضافيًا على نحو 5% من الأراضي.
سلام المقابر
يشار إلى أن نحو 2.1 مليون فلسطيني يعيشون في الجزء الغربي من القطاع وسط دمار شامل وشحّ في المساعدات، بينما تُمنع عودة مئات الآلاف إلى منازلهم شرقًا. وبحسب تقارير، فإن معظم الغزيين يسمعون عن الخط الأصفر لكنهم لا يرونه، حيث أن أنه كل اقترب أحد، يتم استهدافه من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، والمسيرات المطلقة للعيارات النارية.
وحذرت منظمات حقوقية من أن إسرائيل تستخدم "الهدنة" كغطاء لإعادة رسم حدود السيطرة بدلًا من تمهيد الطريق لتسوية سياسية. ولا يبدو "الخط الأصفر " على أنه مجرد إجراء أمني، بل جزء من إستراتيجية أعمق لإدارة الصراع بدل حله.
وهكذا، تتشكل في غزة حدود بلا اتفاق، وهدنة بلا سلام، وواقع يُكرّس ما يسميه الفلسطينيون "سلام المقابر".





شارك برأيك
الخط الأصفر في غزة: حدود جديدة تحت غطاء الهدنة