تماماً كما هو موسم الحج، كانت الجموع الحاشدة من النازحين، تفيض كطوفان بشري هائل وتخترق شارع الرشيد مشياً، تحث الخطى نحو مدينة غزة وشمالها، وسط تكبيرات الشكر لله، بينما قوافل السيارات والمركبات تمر عبر شارع صلاح الدين، حيث تم تقدير أعداد العائدين بنحو ٣٠٠ ألف.
كان يوم أمس يوماً مشهوداً عندما قرر النازحون، الذين غادروا شمال غزة بقرار إسرائيلي جائر، تحت قصف المدافع ونيران الدبابات وحملات التجويع والتهجير والتطهير العرقي، العودة إلى المنطقة الأكثر تضرراً في القطاع، وسط مشاعر متباينة بين الحزن على ما وصلت إليه الأحوال من دمار وتخريب، وأحبة فقدوهم، وبين فرحة العودة للتمسك بالارض وتراب غزة، حيث يعني ذلك الكثير لهم، كيف لا، وغزة وجهتهم ومهد حضارتهم وعنوان كبريائهم، وسط عزيمة جبارة على البناء والسكن والعيش رغم عدم وجود منازل وخيام، ولكن إرادتهم الكبيرة هي الرهان الأبرز على بقائهم وصمودهم، رغم كل الظروف القاسية والصعبة في شمال القطاع.
لقد حطم المشهد التاريخي والأسطوري لعودة النازحين إلى شمال قطاع غزة، أوهام وأمنيات إسرائيل بتهجير شعبنا وطرده من أرضه، وتعتبر عودة آلاف النازحين من شعبنا المهجر، تجسيداً حياً لقدرة هذا الشعب العظيم على تحرير الأرض والمقدسات وتحقيق حلم العودة، رغم أنف الاحتلال وقادته المتطرفين الذين انزعجوا من مشهد الأمس، الذي رفع فيه أبناء شعبنا شعار (كل الطرق تؤدي إلى غزة).
لقد أفشل أبناء شعبنا العظيم مخطط التهجير وخطة الجنرالات العسكرية، الأمر الذي عكس أمام الجميع تجليات إدارة التحدي والصمود من خلال الثبات على موقف عدم التنازل عن ذرة تراب واحدة من تراب الوطن، والرد بأفضل طريقة على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأعضاء إدارته من أقطاب البيت الأبيض، التي تتوافق في مضمونها مع توجهات الإسرائيليين الهادفة إلى تهجير وطرد الفلسطينيين من قطاع غزة، حيث صدر ذلك علناً على لسان الوزير المتطرف سموتريتش الذي اعترف أمس بأنه يعمل على وضع خطة بالتعاون مع نتنياهو من أجل تهجير سكان غزة، مشدداً بذلك على ضرورة تعيين رئيس أركان هجومي للجيش لتنفيذ هذه المهمة بشكل كامل ودون تردد، لمنع حماس من السيطرة على القطاع، وعودته لفكرة تشجيع هجرة أهالي غزة، ومعارضته لفكرة وقف الحرب وإستئنافها بعد نهاية المرحلة الاولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
اهل القطاع الذين عادوا اليوم إلى شمال غزة، لسان حالهم يقول : لو قطعت أيادينا وأرجلنا.. نسير إليك لا تعبٌ، ولا وهنٌ.. وسلام للوطن، ونحن نقول نعم، ففلسطين ليست مجرد أرض، بل هي هوية وتاريخ ونضال مستمر من أجل الحق والكرامة، وشعبها الذي وصفوه زوراً وبهتاناً بالإرهاب، هو ذاته الذي قدّم للعالم نماذج في الصبر والتضحية وحب الحياة.
فلسطين تواصل كتابة التاريخ المشرق الذي لن ينسى أن هذا الشعب هو صاحب الأرض، وهو من يستحق الحياة بكرامة وحرية وعدل.
المجد يركع لكم أيها النازحون العائدون المتشبثون بالأرض وقيمتها… هنيئاً لغزة بكم.





شارك برأيك
المجد يركع لكم…