فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات حصرية لـ"الطلقة الأولى": كيف انطلقت المقاومة الوطنية ضد احتلال بيروت عام 1982؟

تستعيد الذاكرة اللبنانية في عام 2026 محطات مفصلية من تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً اجتياح عام 1982 الذي بدأ في السادس من يونيو تحت مسمى 'سلامة الجليل'. هذا التاريخ لم يكن مجرد ذكرى عابرة، بل مثل بداية مرحلة من المقاومة المنظمة التي انطلقت من قلب الأحياء البيروتية المحاصرة.

بعد حصار دام ثلاثة أشهر وخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية، ظن الاحتلال أن العاصمة اللبنانية قد خضعت تماماً لسيطرته. إلا أن الواقع الميداني سرعان ما تغير مع تشكل خلايا سرية بدأت بالتخطيط لعمليات نوعية تهدف إلى جعل وجود الجنود الإسرائيليين في شوارع بيروت مكلفاً ومستحيلاً.

يروي المقاتل السابق 'نداء' في شهادته أن المقاومة التي نشأت حينها كانت وطنية بامتياز، وضمت أطيافاً لبنانية متنوعة بعيداً عن الانتماءات المذهبية. وقد توجت هذه الجهود بإطلاق 'جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية' المعروفة بـ 'جمول' في السادس عشر من سبتمبر 1982، بقيادة قوى يسارية ووطنية.

كانت عملية 'صيدلية بسترس' في شارع الحمرا هي الشرارة التي أعلنت انطلاق العمل المنظم، وعُرفت لاحقاً بلقب 'الطلقة الأولى'. هذه العملية لم تكن رد فعل عشوائي، بل جاءت نتيجة رصد دقيق وتحضير مسبق لكسر حاجز الخوف الذي خلفه الاجتياح والحصار الطويل.

ضمت الخلية المنفذة لعملية بسترس ثلاثة شبان هم فهد ومازن وعمّار، الذين تحركوا في مدينة كانت تعيش صدمة الاحتلال. وبحسب الشهادات، فإن نجاح هذه العملية أعاد الأمل للشارع اللبناني وأثبت أن القوة العسكرية الإسرائيلية يمكن مواجهتها في حرب عصابات مدنية دقيقة.

لعبت النساء دوراً محورياً في تلك المرحلة، حيث تبرز شهادة 'رنا' التي كان منزلها في منطقة الظريف مركزاً سرياً للاجتماعات. في ذلك المنزل الصغير، كانت تُناقش الخطط العسكرية وتُكتب البيانات السياسية التي تُوزع لاحقاً لتعبئة الجماهير ضد الوجود الإسرائيلي.

تؤكد 'رنا' أن منزلها شهد اللحظات الأولى لتجهيز المواد المستخدمة في العمليات، حيث كان القادة الميدانيون مثل إلياس عطالله ينسقون مع الشبان المنفذين. ومن هذا الموقع، انطلقت الفرق الاستطلاعية لرصد تمركز الآليات الإسرائيلية واختيار الأهداف الأكثر تأثيراً في عمق العاصمة.

بعد نجاح عملية بسترس، لم يتوقف الزخم المقاوم، بل تلتها عملية 'محطة أيوب' في منطقة الظريف التي استهدفت تجمعاً لقوات الاحتلال. هذه العمليات المتلاحقة خلقت حالة من الارتباك الدائم لدى الجنود الإسرائيليين، مما جعلهم يشعرون بالخطر في كل زاوية من زوايا بيروت الغربية.

لم يمضِ وقت طويل حتى اضطر الجيش الإسرائيلي للانسحاب من بيروت تحت وطأة الضربات المتتالية. وتستذكر الشهادات نداءات مكبرات الصوت التي كان يطلقها جنود الاحتلال وهم يغادرون المدينة، مطالبين الأهالي بعدم إطلاق النار عليهم أثناء الانسحاب، في مشهد جسد انكسار الهيبة العسكرية.

انتقلت 'رنا' بعد ذلك إلى العمل السري في جنوب لبنان وصيدا، حيث شاركت في نقل الأسلحة والمعدات عبر الحواجز الإسرائيلية. كانت تستغل كونها شابة للتمويه وتجاوز نقاط التفتيش، مما مكنها من إيصال الدعم اللوجستي للمقاومين الذين واصلوا المواجهة في المناطق المحتلة.

تروي 'رنا' تفاصيل مهمة نوعية في صيدا عام 1985، حيث نجحت في إيصال سلاح استُخدم في عملية بساحة النجمة. تلك العملية أحدثت ارتباكاً واسعاً في صفوف الاحتلال نظراً لسرعة التنفيذ والانسحاب، وأكدت أن روح المقاومة قد انتقلت من العاصمة إلى كافة المدن اللبنانية.

واجه المقاومون في تلك الفترة تحديات مزدوجة، لم تقتصر على ملاحقة الاحتلال بل شملت أيضاً تعقيدات الحرب الأهلية اللبنانية. فقد تعرض الكثير منهم للمطاردة من أجهزة أمنية ومسلحين محليين، مما جعل العمل السري يتطلب حذراً فائقاً وقدرة عالية على المناورة بين الأخطار المتعددة.

تؤكد الشهادات أن تجربة 'جمول' كانت تجربة شريفة عابرة للطوائف، ركزت بوصلتها نحو تحرير الأرض فقط. ورغم محاولات تهميش هذا الدور في الذاكرة السياسية اللاحقة، إلا أن الوقائع الميدانية تثبت أن هذه الجبهة كانت الركيزة الأساسية التي انطلقت منها عمليات التحرير الكبرى.

اليوم، ومع تكرار مشاهد التوغل الإسرائيلي في القرى الحدودية، تبرز هذه الشهادات لتذكر بأن إرادة المواجهة قادرة على تغيير الموازين. إن قصة 'الطلقة الأولى' تظل درساً في كيفية تحويل الانكسار العسكري إلى فعل مقاوم منظم يفرض الانسحاب على أقوى الجيوش.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

سمر لي تهاجم "التعفن الأخلاقي" داخل الحزب الديمقراطي إثر استهداف طليب وحموي

شنت النائبة الديمقراطية سمر لي هجوماً لاذعاً على قيادة حزبها، منتقدة ما اعتبرته صمتاً غير مبرر تجاه موجة من الخطاب المعادي للمسلمين التي استهدفت زملاءها في الكونغرس. وأكدت لي أن هذا التجاهل يعكس 'تعفناً أخلاقياً' يتغلغل في أروقة الحزب، محذرة من أن السماح بنمو هذا النوع من الكراهية سيجعله خارج السيطرة في المستقبل القريب.

جاءت هذه التصريحات الحادة عبر مقطع فيديو نشرته لي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصفت الصمت الديمقراطي بأنه 'سرطان' يهدد قدرة الحزب على القيادة الأخلاقية. وشددت على ضرورة عدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام محاولات نزع الإنسانية عن أي فئة مهمشة داخل المجتمع الأمريكي أو داخل المؤسسة التشريعية.

وتفجرت الأزمة عقب نقاشات حادة في مجلس النواب حول مشروع قرار تقدمت به النائبة الفلسطينية الأمريكية رشيدة طليب، يهدف إلى منع تورط القوات الأمريكية في العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وخلال الجلسة، وجه النائب الجمهوري ماكس ميلر اتهامات مباشرة لطليب بأنها 'تدافع عن الإرهابيين بشكل يومي'، مما أثار موجة غضب واسعة.

ولم تقتصر الهجمات على ميلر، بل انضم إليه النائب الجمهوري براين ماست الذي وصف النواب المؤيدين لمشروع القرار بأنهم 'وكلاء لحزب الله'. ورغم حدة هذه الاتهامات التي تمس وطنية أعضاء منتخبين، إلا أن ردود الفعل من القيادات الديمقراطية وصفت بالهزيلة والمخيبة للآمال من قبل الجناح التقدمي في الحزب.

وفي خطوة أثارت استياء المدافعين عن حقوق الفلسطينيين، انضم زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز وأكثر من مئة نائب ديمقراطي إلى الجمهوريين للتصويت ضد مشروع قرار طليب. هذا التحالف العابر للأحزاب ضد المبادرة السلمية اعتبرته سمر لي دليلاً إضافياً على الفجوة الأخلاقية التي يعاني منها الحزب في تعامله مع القضايا العربية والإسلامية.

وأوضحت لي أن الهجوم على طليب ليس حادثاً معزولاً، بل هو جزء من نمط متكرر يستهدفها لكونها فلسطينية ومسلمة. وقالت إن وصف زميلة في الكونغرس بالإرهابية لمجرد وجودها وهويتها يمثل انحداراً خطيراً في الخطاب السياسي الأمريكي، ويستوجب رداً حازماً من كافة القوى الديمقراطية.

وربطت النائبة بين ما تعرضت له طليب وبين الحملة التي استهدفت الطبيب آدم حموي، الجراح السابق في الجيش الأمريكي والمرشح الديمقراطي الفائز في الانتخابات التمهيدية بنيوجيرسي. حيث واجه حموي انتقادات لاذعة ومحاولات لتشويه سمعته بناءً على علاقات اجتماعية قديمة داخل الجالية المصرية الأمريكية.

وأشارت مصادر إلى أن بعض الديمقراطيين ساهموا في هذا التحريض، ومن بينهم النائب جاريد موسكوفيتز الذي صرح علانية بأن حموي 'لا يتماشى مع قيمنا'. هذا النوع من التصريحات اعتبرته لي استخداماً لأسوأ الصور النمطية والقوالب الجاهزة بحق المسلمين من داخل بيتهم السياسي المفترض.

وتطرقت لي إلى الدور الإعلامي في هذه الأزمة، مشيرة إلى قيام صحف كبرى مثل 'نيويورك تايمز' بالتركيز على جوانب مثيرة للجدل في حياة حموي قبل تعديل عناوينها لاحقاً. ورأت أن هذا التواطؤ الضمني يساهم في عزل الكفاءات المسلمة وإقصائها من المشهد السياسي عبر 'شيطنتها' الممنهجة.

وحذرت النائبة من أن استمرار هذا النهج يهدد وحدة التحالفات السياسية التي يقوم عليها الحزب الديمقراطي، متسائلة عن كيفية ادعاء الحزب الدفاع عن العدالة والمساواة بينما يعجز عن حماية أعضائه من العنصرية. وأكدت أن رسالة الحزب ستفقد مصداقيتها إذا استمر في الكيل بمكيالين تجاه قضايا التمييز.

وفي سياق متصل، تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً خطيراً منذ مارس الماضي، حيث أفادت مصادر باستشهاد أكثر من 3500 شخص ونزوح نحو 1.2 مليون آخرين. وتأتي محاولات طليب التشريعية في إطار السعي للحد من الانخراط الأمريكي في هذا النزاع الذي يصفه مراقبون بأنه كارثة إنسانية متفاقمة.

اختتمت سمر لي رسالتها بالتأكيد على ترابط قضايا التحرر والعدالة لجميع الفئات، مشددة على أن أي فئة مهمشة لا يجب أن تترك وحيدة في مواجهة الاستهداف. ودعت إلى التعامل مع 'الإسلاموفوبيا' بالجدية ذاتها التي يتم بها التعامل مع أي شكل آخر من أشكال التمييز العرقي أو الديني لضمان سلامة النسيج السياسي الأمريكي.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

خانيونس تشيع عريساً اغتالته صواريخ الاحتلال فجر زفافه

في فاجعة هزت مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، استشهد الشاب مهند عثمان فروانة في الساعات الأولى من فجر اليوم السبت، إثر غارة جوية شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على منزل عائلته. وكان من المقرر أن يحتفل الشاب بزفافه في ذات اليوم الذي ارتقى فيه، ل تتحول دعوات الفرح التي وزعها على الأقارب والأصدقاء إلى نعي رسمي يملأ أزقة المدينة المنكوبة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف الجوي كان مباشراً وعنيفاً، حيث استهدف الغرفة التي كان يتحضر فيها العريس لبدء مراسم يومه الكبير وسط مدينة خانيونس. ولم تترك الصواريخ فرصة للنجاة، إذ سوت أجزاء من المنزل بالأرض، مما أدى إلى ارتقاء مهند على الفور تحت الأنقاض قبل أن تشرق شمس يوم عُرسه الذي انتظرته العائلة طويلاً.

وتجسد قصة الشهيد فروانة المأساة المستمرة التي يعيشها سكان قطاع غزة، حيث يتربص الموت بكل تفاصيل الحياة اليومية حتى في أكثر اللحظات بهجة. فبينما كانت الترتيبات تجري لوضع اللمسات الأخيرة على 'كوشة' الزفاف، باغتت آلة الحرب الإسرائيلية أحلام الشاب وحولتها إلى ركام، ليرتدي الكفن بدلاً من بدلة العرس التي ظلت معلقة على جدار متهدم.

وتسود حالة من الحزن الشديد في أوساط أهالي خانيونس الذين صدموا بخبر استشهاد العريس، مؤكدين أن الاحتلال يتعمد استهداف الفرح الفلسطيني واغتيال الأمل في نفوس الشباب. وقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتعازي، حيث تداول النشطاء صور دعوة الزفاف التي تحمل تاريخ اليوم 6 حزيران/يونيو 2026، كشاهد على حجم الجريمة التي ترتكب بحق المدنيين.

وتأتي هذه الجريمة في سياق العدوان المتواصل الذي لا يفرق بين الأهداف العسكرية والمدنية، مستهدفاً النبض والحياة في كل زاوية من زوايا القطاع. وبدلاً من أن تزف خانيونس عريسها إلى بيت الزوجية، خرجت الجماهير لتشييعه في موكب جنائزي مهيب، وسط تنديد واسع بإصرار الاحتلال على تحويل كل مناسبة اجتماعية إلى مجلس عزاء مفتوح.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات 'جيرالد فورد': دمار واسع وتناقض في الرواية الرسمية

كشفت مصادر إعلامية دولية عن تفاصيل جديدة ومثيرة تتعلق بالحريق الذي نشب على متن حاملة الطائرات الأمريكية 'يو إس إس جيرالد آر. فورد'، أكبر سفينة حربية في العالم، خلال مهمتها في آذار/ مارس الماضي. وأظهرت لقطات مصورة مسربة حجم الدمار الهائل الذي طال غرف نوم البحارة والمرافق الحيوية، حيث بدت السقوف منهارة والأسلاك الكهربائية متدلية بشكل يعكس خطورة الموقف الذي واجهه الطاقم بعيداً عن الرواية الرسمية المقتضبة التي قدمتها البحرية الأمريكية سابقاً.

وأفادت التقارير بأن النيران استمرت في الاشتعال لمدة تقارب 30 ساعة متواصلة، وهو ما يتجاوز بكثير التقديرات الأولية التي أعلنت عنها واشنطن. وقد اضطر أفراد الطاقم إلى خوض معركة يدوية مضنية لإخماد الحريق بعد تعطل نظام مكافحة الحرائق التلقائي في السفينة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين البحارة الذين صرح بعضهم بأنهم اعتقدوا أن السفينة في طريقها للغرق أو الخروج التام عن الخدمة نتيجة شدة الانفجارات وتصاعد الأدخنة.

الحادث الذي وقع أثناء مشاركة الحاملة في عمليات عسكرية مرتبطة بالتوترات مع إيران، أسفر عن تداعيات تشغيلية ولوجستية قاسية، حيث فقد نحو 600 بحار أماكن إقامتهم ومقتنياتهم الشخصية نتيجة تفحم مخادعهم. كما تسبب الحريق في شلل تام للعمليات الجوية على متن الحاملة، حيث توقفت الطلعات القتالية لمدة يومين كاملين، قبل أن تضطر السفينة للتوجه إلى الموانئ اليونانية للخضوع لعمليات إصلاح طارئة ومؤقتة لضمان قدرتها على الإبحار مجدداً.

من جانبها، لا تزال البحرية الأمريكية تلتزم الحذر في تصريحاتها، مؤكدة أن التحقيقات في ملابسات الحادث وأسبابه الفنية لا تزال جارية حتى الآن. وتثير هذه التسريبات تساؤلات جدية حول مدى شفافية البنتاغون في الإعلان عن الحوادث العسكرية الكبرى، خاصة تلك التي تمس هيبة القوة البحرية الأمريكية في مناطق النزاع الساخنة، ومدى جاهزية الأنظمة الدفاعية والوقائية على متن أحدث قطع الأسطول الأمريكي.

اسرائيليات

السّبت 06 يونيو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات خطيرة في صفوف جيش الاحتلال بينهم قائد بـ 'غفعاتي' إثر هجمات بمسيرات جنوب لبنان

أقرت مصادر عسكرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء الجمعة، بوقوع إصابات حرجة في صفوف ضباطها، إثر هجمات نفذها حزب الله اللبناني باستخدام طائرات مسيرة واشتباكات ميدانية مباشرة في القرى الحدودية جنوبي لبنان.

وأوضح بيان لجيش الاحتلال أن ضابطاً مقاتلاً تعرض لإصابة بليغة نتيجة انفجار طائرة مسيرة انقضاضية، فيما أصيب ضابط ثانٍ بجروح خطيرة خلال مواجهات مسلحة. كما كشف البيان عن إصابة قائد وحدة الاستطلاع في لواء 'غفعاتي' بجروح وصفت بالطفيفة خلال اشتباك وقع في منطقة زوطر الشرقية يوم الخميس الماضي.

وتشير البيانات الرسمية المحدثة لموقع جيش الاحتلال إلى تصاعد مستمر في حجم الخسائر البشرية، حيث ارتفعت حصيلة المصابين منذ أواخر فبراير الماضي إلى 1246 عسكرياً، بالإضافة إلى تسجيل 28 قتيلاً في صفوف القوات التي تخوض العمليات العسكرية على الجبهة الشمالية.

تحليل

السّبت 06 يونيو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تصاعد الجدل حول الإسلاموفوبيا في واشنطن بعد استهداف طليب وحموي

رسالة واشنطن




واشنطن-سعيد عريقات-6/6/2026


تحليل إخباري


حذّرت النائبة الديمقراطية عن ولاية بنسلفانيا سمر لي من تنامي الخطاب المعادي للمسلمين داخل الحياة السياسية الأميركية، معتبرة أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت النائبة الفلسطينية الأصل رشيدة طليب والمرشح الديمقراطي عن ولاية نيوجيرزي، المصري الأصل، آدم حموي تعكس اتجاهاً مقلقاً يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي إلى التشكيك في شرعية مشاركة المسلمين والعرب في المجال العام.


وجاءت تصريحات لي في وقت تشهد فيه واشنطن نقاشات محتدمة حول الحرب الإسرائيلية على لبنان وتداعياتها السياسية داخل الكونغرس، حيث تحولت المناقشات المتعلقة بالسياسة الخارجية إلى ساحة سجال بشأن الهوية والانتماء والولاء السياسي.


وكان مجلس النواب قد رفض مشروع قرار تقدمت به رشيدة طليب يدعو إلى منع مشاركة القوات الأميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان، بعد انضمام أكثر من مئة نائب ديمقراطي، بينهم زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز، إلى الجمهوريين في التصويت ضده.


إلا أن الجدل الحقيقي اندلع خلال المناقشات التي سبقت التصويت، عندما اتهم النائب الجمهوري ماكس ميلر طليب بأنها «تدافع عن الإرهابيين بشكل يومي»، فيما وصف النائب الجمهوري براين ماست مؤيدي مشروع القرار بأنهم «وكلاء لحزب الله». وردّت طليب بالمطالبة بشطب تلك التصريحات من السجل الرسمي لمجلس النواب، معتبرة أنها تشكل هجوماً مباشراً على شخصيتها ومواقفها السياسية.


وفي تعليقها على ما جرى، رأت سمر لي أن المسألة لا تتعلق بمجرد خلاف حول السياسة الخارجية، بل تمثل امتداداً لنمط متكرر من الاستهداف السياسي للمسلمين والعرب. وقالت إن نائبين جمهوريين تعاملا مع طليب كما لو كانت إرهابية "فقط لأنها فلسطينية ومسلمة وامرأة"، معتبرة أن مثل هذه الاتهامات تكشف عن تصورات مسبقة لا تزال حاضرة في الخطاب السياسي الأميركي.


وأضافت أن ما يثير القلق ليس فقط صدور هذه الاتهامات من خصوم سياسيين، بل تحولها تدريجياً إلى جزء من الخطاب السائد عند التعامل مع شخصيات مسلمة أو عربية تتبنى مواقف مخالفة للإجماع السياسي التقليدي في واشنطن، خاصة في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط.


 


وتأتي هذه السجالات في وقت تواصل فيه إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان منذ مارس الماضي، وهي العمليات التي أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين، ما جعل الحرب موضوعاً رئيسياً للخلافات داخل الكونغرس وبين أجنحة الحزب الديمقراطي نفسه.


ولم تقتصر ملاحظات لي على قضية طليب. فقد ربطت بين ما تعرضت له النائبة الفلسطينية وبين الجدل الذي أعقب فوز آدم حموي، الجراح العسكري المتقاعد والمرشح الديمقراطي الفائز في الانتخابات التمهيدية للدائرة الثانية عشرة في ولاية نيوجيرسي.


فبعد انتصاره الانتخابي، واجه حموي انتقادات ركزت على معرفة سابقة جمعته برجل الدين المصري عمر عبد الرحمن خلال نشاطات اجتماعية مرتبطة بالجالية المصرية الأميركية في نيوجيرسي قبل سنوات طويلة. وأوضح حموي أن تلك العلاقة لم تتجاوز حدود التعارف الاجتماعي ضمن أوساط الجالية، وأن محاولات ربطه بها سياسياً تتجاهل مسيرته المهنية والعسكرية الطويلة.


ورغم ذلك، أثارت القضية ردود فعل سياسية وإعلامية واسعة. فقد اعتبر بعض الديمقراطيين، ومن بينهم النائب جاريد موسكوفيتز، أن حموي لا ينسجم مع قيم الحزب، فيما ركزت بعض التغطيات الإعلامية على تلك العلاقة القديمة أكثر من تركيزها على سجله العسكري أو برنامجه السياسي.


وترى لي أن ما يجمع بين القضيتين هو الميل إلى إخضاع السياسيين المسلمين لاختبارات ولاء لا تُفرض عادة على غيرهم، محذرة من أن استمرار هذا النهج قد يضر بصورة الحزب الديمقراطي الذي يرفع شعارات العدالة والمساواة والتعددية.


وأكدت أن المشكلة لا تقتصر على الجمهوريين وحدهم، مشيرة إلى أنها سمعت ديمقراطيين يستخدمون بعضاً من أكثر الصور النمطية قسوة بحق زملائهم المسلمين. وأضافت أن الحزب الذي يقدم نفسه باعتباره حامياً للحقوق المدنية مطالب بإظهار القدر نفسه من الحساسية عندما يتعلق الأمر بالمسلمين والعرب، وإلا فإنه يخاطر بإضعاف مصداقيته أمام شرائح مهمة من ناخبيه.


وقد لاقت تصريحات لي ترحيباً من ناشطين وتقدميين رأوا فيها واحدة من أكثر المواقف وضوحاً داخل الحزب الديمقراطي بشأن ما يعتبرونه تصاعداً للإسلاموفوبيا في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية.


واختتمت النائبة الديمقراطية موقفها بالتأكيد على أن أي جماعة مستهدفة لا ينبغي أن تُترك وحدها في مواجهة حملات التشويه والكراهية، داعية إلى التعامل مع العداء للمسلمين بالجدية نفسها التي يتم بها التصدي لأشكال التمييز الأخرى. وشددت على أن الدفاع عن الحقوق والحريات لا يمكن أن يكون انتقائياً، وأن حماية أي أقلية من الاستهداف السياسي تمثل في نهاية المطاف دفاعاً عن القيم الديمقراطية نفسها.


وتعكس الهجمات التي طالت رشيدة طليب وآدم حموي واقعاً جديداً في السياسة الأميركية. فالمسلمون والعرب لم يعودوا مجرد مجموعات ضغط انتخابية تسعى للتأثير في قرارات السياسيين، بل أصبحوا منتجين للقيادات والمرشحين وصناع القرار. ومع كل نجاح انتخابي جديد، تتزايد حساسية بعض الأوساط السياسية تجاه هذا الحضور المتنامي. لذلك تبدو الاتهامات الأخيرة جزءاً من صراع أوسع حول إعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الأميركية، أكثر مما هي مجرد خلافات حول ملفات السياسة الخارجية أو مواقف مرتبطة بالشرق الأوسط. وتزداد أهمية هذه الظاهرة مع دخول أعداد متزايدة من المرشحين العرب والمسلمين إلى السباقات الانتخابية خلال دورة 2026.


وتكشف هذه القضية عن تحدٍ متزايد أمام الحزب الديمقراطي. فالحزب الذي يقدم نفسه بوصفه المدافع الأول عن التعددية وحقوق الأقليات يجد نفسه أمام انتقادات متزايدة من داخل قواعده العربية والإسلامية. ويشعر كثيرون بأن الدفاع عن التنوع يتراجع عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية أو بالمرشحين المسلمين. وإذا لم يتمكن الحزب من معالجة هذه المخاوف بصورة جدية، فقد يواجه صعوبة في الحفاظ على تماسك التحالف الانتخابي المتنوع الذي شكّل أحد أهم عناصر قوته خلال العقدين الماضيين. كما أن تجاهل هذه الاعتراضات قد يفتح المجال أمام مزيد من التوتر بين القيادات الحزبية والناخبين الشباب المنخرطين في القضايا الحقوقية.


خلال السنوات الماضية، كان الحديث عن الإسلاموفوبيا يتركز في الغالب على الجرائم العنصرية والتمييز الاجتماعي. أما اليوم، فقد انتقلت القضية إلى قلب الصراع السياسي في واشنطن. فكلما ازداد عدد المسؤولين المنتخبين من أصول عربية وإسلامية، أصبح الجدل يدور حول من يملك حق المشاركة في صنع القرار وتحديد أولويات السياسة الأميركية. ولهذا تكتسب المواجهات الأخيرة أهمية خاصة، لأنها لا تعكس مجرد خلافات أيديولوجية، بل تشير إلى إعادة رسم تدريجية لموازين القوى داخل الحياة السياسية الأميركية. وربما تمثل انتخابات 2026 محطة مفصلية في هذا التحول الذي بات أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

اسرائيليات

السّبت 06 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة آيزنكوت لعام 2048: لا دولة فلسطينية وسيطرة عسكرية كاملة من النهر إلى البحر

طرح غادي آيزنكوت، عضو الكنيست ورئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق، رؤية سياسية وأمنية شاملة تحت مسمى 'خطة النقاط العشر'، تهدف إلى صياغة مستقبل إسرائيل وصولاً إلى عام 2048. وتسعى الخطة إلى إنهاء ما وصفه بـ'نهج الضمادات' في التعامل مع التحديات الأمنية، مع التشديد على رفض السيادة الفلسطينية الكاملة في الضفة الغربية لتجنب الانزلاق نحو دولة ثنائية القومية، وضمان بقاء 'أغلبية يهودية متماسكة' تحت سلطة عسكرية إسرائيلية واحدة تمتد من النهر إلى البحر.

وفي الشأن الداخلي، يقدم آيزنكوت مقاربة مغايرة لشركائه السياسيين حول قضية التجنيد؛ حيث يقترح منح إعفاء لـ 3% من الملتحقين بكل دورة لصالح التعليم الديني، مع فرض نظام 'هرم الثواب' الذي يمنح امتيازات للمخدمين ويفرض عقوبات على المتملصين. كما تضع الخطة هدفاً ديموغرافياً بجذب مليون مهاجر جديد خلال العقد المقبل، بالتوازي مع وضع برامج وطنية للحد من ظاهرة 'هروب العقول' التي تهدد القوى البشرية النوعية في المجتمع الإسرائيلي.

على الصعيد المؤسسي والقضائي، تعهد آيزنكوت بإجراء إصلاحات تضمن استقلال الكنيست وتثبيت صلاحياتها عبر قوانين أساس، مع سن قانون يحدد ولاية رئيس الوزراء بمدتين فقط. كما تضمنت الخطة التزاماً قاطعاً بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، تغطي الفترة من توليه رئاسة الأركان وحتى نهاية الحرب، بالإضافة إلى إسناد ملف مكافحة الجريمة والأمن القومي لرئيس 'الشاباك' الأسبق يورام كوهن، ضمن رؤية اقتصادية تركز على دعم الفئات الخدمية وتطوير مناطق المحيط.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة في صحراء النيجر: العطش يودي بحياة 49 شخصاً بعد تعطل شاحنتهم

تحولت رحلة العودة من احتفالات عيد الأضحى إلى فاجعة إنسانية في النيجر، حيث أعلنت السلطات المحلية عن وفاة 49 شخصاً نتيجة العطش الشديد. ووقعت المأساة في المثلث الحدودي الذي يربط بين النيجر والجزائر ومالي، وهي منطقة صحراوية معروفة بتضاريسها القاسية وظروفها المناخية الصعبة التي لا ترحم العالقين فيها.

وأفادت مصادر رسمية في محافظة أغاديس، الواقعة شمال البلاد، بأن الضحايا كانوا يستقلون شاحنة تعرضت لعطل ميكانيكي مفاجئ في منطقة معزولة تماماً. وفشلت كافة محاولات السائق والركاب لإصلاح المركبة أو العثور على مصدر قريب للمياه، مما جعلهم عرضة لدرجات حرارة قياسية دون وجود أي مؤن كافية للبقاء على قيد الحياة.

ووفقاً للتقارير الميدانية، فإن موقع الحادثة يبعد أكثر من 80 كيلومتراً إلى الغرب من بلدة أساماكا الحدودية، وهي مسافة شاسعة في ظل انعدام وسائل الاتصال. وقد أدى غياب نقاط الإغاثة القريبة إلى تدهور الحالة الصحية للمسافرين بسرعة كبيرة، مما أسفر عن وقوع هذا العدد الكبير من الوفيات قبل وصول أي مساعدة خارجية.

وفي تفاصيل النجاة الوحيدة، تمكن شخصان من المجموعة من قطع مسافة تزيد عن 50 كيلومتراً سيراً على الأقدام وسط الرمال الملتهبة حتى وصلا إلى بركة مياه صغيرة. وبعد استعادة جزء من قواهما، واصلا المسير نحو بلدة أساماكا حيث أبلغا السلطات الأمنية والفرق الطبية بالكارثة التي حلت برفاقهم في قلب الصحراء.

وعقب البلاغ، تحركت فرق الإنقاذ إلى الموقع لتجد جثامين الضحايا ملقاة حول الشاحنة المتعطلة، حيث جرت مراسم دفنهم في مقابر جماعية نظراً لصعوبة نقلهم في تلك الظروف. وباشرت السلطات عمليات تمشيط واسعة للمنطقة المحيطة للتأكد من عدم وجود مفقودين آخرين قد حاولوا البحث عن مخرج بشكل منفرد.

وأثناء عمليات البحث عن ضحايا الشاحنة الأولى، عثرت فرق الإنقاذ بمحض الصدفة على شاحنة أخرى كانت متعطلة على بعد 60 كيلومتراً من البلدة ذاتها. وكان على متن هذه الشاحنة أكثر من 60 شخصاً عالقين منذ ثلاثة أيام بسبب نفاد البطارية، حيث قدمت لهم السلطات الإسعافات الأولية والمؤن الضرورية التي أنقذتهم من مصير مشابه.

وتسلط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر الجسيمة التي يواجهها المسافرون والمهاجرون في منطقة شمال النيجر، التي تعد معبراً رئيسياً في الصحراء الكبرى. وتفتقر هذه المسارات الطويلة لوسائل الأمان والاتصال، مما يجعل أي عطل ميكانيكي بسيط بمثابة حكم بالإعدام في ظل الحرارة المرتفعة ونقص مراكز الإغاثة السريعة.

اسرائيليات

السّبت 06 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: 'حنظلة' تزعم اغتيال ضابط موساد والاحتلال يتحدث عن خلفية جنائية

أعلنت مجموعة القرصنة الإيرانية المعروفة باسم 'حنظلة' مسؤوليتها عن تنفيذ ما وصفته بـ 'عملية اغتيال نوعية' استهدفت كادراً رفيع المستوى في جهاز الموساد الإسرائيلي بقلب تل أبيب. وزعمت المجموعة المتخصصة في العمليات السيبرانية والأمنية أن المستهدف هو ضابط مسؤول عن الملف الإيراني، وقد لقي حتفه إثر انفجار عبوة ناسفة زرعت في مركبته صباح يوم الخميس.

وأوضحت المجموعة في بيان رسمي تناقلته وسائل إعلام إيرانية أن هذه العملية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتاج أشهر طويلة من الرصد الاستخباراتي والمتابعة الدقيقة لتحركات الضابط المستهدف. وأشارت 'حنظلة' إلى أن الضابط احترق داخل سيارته، متحدية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بالكشف عن الحقيقة الكاملة للجمهور بدلاً من سياسة الإنكار المتبعة.

في المقابل، سارعت مصادر إعلامية عبرية إلى تقديم رواية مغايرة تماماً لما أعلنته المجموعة الإيرانية، حيث أفادت القناة 13 بأن الانفجار الذي وقع على طريق 'أيالون' السريع أسفر عن مقتل امرأة. وأوضحت المصادر أن الضحية في الثلاثينيات من عمرها، وهي عنصر سابق في سلك الشرطة الإسرائيلية، كما أن والدتها كانت تعمل في الجهاز ذاته.

ووفقاً للمعطيات الميدانية، فقد وقع الانفجار قرب تقاطع 'حولون' الحيوي في تمام الساعة التاسعة صباحاً، مما أدى إلى حالة من الاستنفار الأمني الواسع في المنطقة. وهرعت طواقم الإسعاف التابعة لـ 'نجمة داوود الحمراء' إلى الموقع، لتجد الضحية قد فارقت الحياة متأثرة بجراحها البالغة والحروق التي أتت على المركبة بالكامل.

وباشرت أجهزة الأمن والشرطة الإسرائيلية تحقيقات مكثفة في ملابسات الحادث، حيث تشير التقديرات الأولية إلى أن الانفجار ناتج عن عبوة ناسفة وضعت بدقة داخل السيارة. ورغم تبني المجموعة الإيرانية للعملية، إلا أن شرطة الاحتلال تميل إلى فرضية 'الخلفية الجنائية'، وأعلنت بالفعل عن اعتقال مشتبه به يعتقد أن له صلة مباشرة بالواقعة.

وتأتي هذه الحادثة في سياق موجة من الانفجارات الغامضة التي ضربت مناطق مختلفة داخل الأراضي المحتلة خلال الأيام القليلة الماضية، مما أثار تساؤلات حول الانفلات الأمني. ففي يوم الاثنين الماضي، لقي شخصان حتفهما إثر انفجار مماثل استهدف سيارة على الطريق رقم 40 في منطقة النقب، وسط غموض يلف الدوافع الحقيقية وراء تلك الهجمات.

كما شهد الأسبوع الماضي حوادث مشابهة، حيث قتل رجل في الأربعينيات من عمره، وهو شخصية معروفة لدى أجهزة الشرطة، جراء انفجار سيارته على الطريق الساحلي قرب تقاطع 'أور عكيفا'. وفي ذات اليوم، سجلت مدينة العفولة مقتل شاب في الثلاثينيات إثر انفجار مركبة أخرى، مما دفع السلطات لفتح تحقيقات موسعة بشبهة ارتكاب جرائم قتل منظمة.

ورغم محاولات الاحتلال حصر هذه الحوادث في إطار الصراعات الجنائية بين عصابات الجريمة المنظمة، إلا أن توقيت إعلان مجموعة 'حنظلة' يضفي صبغة أمنية وسياسية على المشهد. وتصر المجموعة على أن اختراق المنظومة الأمنية في تل أبيب بات أمراً ممكناً، موجهة رسائل تحذيرية بأن الحماية المشددة لن تمنع وصول العمليات إلى أهدافها الحساسة.

وحتى اللحظة، لم يصدر أي تعقيب رسمي من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أو جهاز الموساد للرد بشكل مباشر على ادعاءات المجموعة الإيرانية. وتستمر التحقيقات الفنية في موقع الانفجار بطريق 'أيالون' لتحديد نوعية المتفجرات المستخدمة، في وقت يترقب فيه الشارع الإسرائيلي مزيداً من الإيضاحات حول هوية القتيلة وعلاقتها بالأجهزة الأمنية.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

سجال دبلوماسي بين بيروت وطهران.. عراقجي يرد على عون وغارات إسرائيلية تستهدف البقاع والجنوب

شهدت الساحة الدبلوماسية توتراً لافتاً بين بيروت وطهران، حيث رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بحدة على تصريحات الرئيس اللبناني جوزيف عون. واعتبر عراقجي أن الادعاءات بأن لبنان يمثل ورقة مساومة في يد إيران هي ادعاءات غير واقعية، مشيراً إلى أن بلاده لا تسيطر على القرار اللبناني كما يُروج البعض.

وفي تدوينة له عبر منصة 'إكس'، سخر الوزير الإيراني من منطق التصريحات الرئاسية اللبنانية، معتبراً أن من يسمعها قد يظن أن إيران هي من تحتل الأراضي اللبنانية وتهجر سكانها. ودعا عراقجي الرئيس عون إلى التركيز على ما وصفه بـ'العدو الحقيقي' المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي الذي يشن غارات يومية على البلاد.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد شن هجوماً غير مسبوق على السياسات الإيرانية خلال مقابلة مع شبكة 'سي إن إن' الإخبارية. وأكد عون في تصريحاته أن طهران تستخدم الساحة اللبنانية كأداة لتحسين شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما اعتبره أمراً مرفوضاً جملة وتفصيلاً من قبل الدولة اللبنانية.

وشدد عون في حديثه الموجه للمسؤولين الإيرانيين على سيادة لبنان، قائلاً إن هذه البلاد ملك لشعبها وليست ساحة للتدخلات الخارجية. وطالب بضرورة كف يد القوى الإقليمية عن الشؤون الداخلية اللبنانية، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بالبلاد نتيجة المواجهات العسكرية المستمرة.

وفيما يخص الجبهة الداخلية، وجه الرئيس اللبناني رسالة واضحة إلى حزب الله، مؤكداً أن المسار الدبلوماسي هو السبيل الوحيد المتبقي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ورأى عون أن الجلوس على طاولة المفاوضات بات ضرورة ملحة لحل الأزمة الراهنة، بعيداً عن لغة السلاح التي استنزفت قدرات الدولة.

تأتي هذه التطورات السياسية في وقت أعلنت فيه مصادر عن توصل الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل إلى إعلان نوايا لتنفيذ وقف إطلاق النار. وجاء هذا الإعلان عقب جولة رابعة من المفاوضات المكثفة في واشنطن، والتي تهدف إلى وضع حد للعمليات القتالية المستمرة منذ أشهر.

وعلى الرغم من هذا التقدم الدبلوماسي، أبدى الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رفضاً قاطعاً لمخرجات هذه التفاهمات. واعتبر قاسم أن الشروط المطروحة لا تحظى بقبول شرائح واسعة من اللبنانيين، مما يضع عراقيل جدية أمام تنفيذ أي اتفاق وشيك لوقف إطلاق النار على الأرض.

ميدانياً، لم تتوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن استهداف المناطق اللبنانية، حيث شنت الطائرات الحربية غارات عنيفة فجر اليوم على بلدة سحمر في البقاع الغربي. وأفادت مصادر محلية بأن القصف تسبب في أضرار مادية جسيمة، دون تسجيل إصابات بشرية حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

وفي الجنوب، استهدفت طائرات الاحتلال المسيرة منطقة الخلة في بلدة جويا بقضاء صور، تزامناً مع غارة ليلية على وادي جرنايا بمنطقة جزين. وتأتي هذه الهجمات في إطار تصعيد مستمر يطال مختلف المناطق اللبنانية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والإنساني في البلاد.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في قصف لخيمة نازحين بخان يونس واتهامات للاحتلال بتوظيف الإبادة سياسياً

أفادت مصادر ميدانية باستشهاد مواطن فلسطيني وإصابة اثنين آخرين بجروح متفاوتة، جراء غارة جوية نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم السبت. واستهدف القصف بشكل مباشر خيمة تؤوي عائلات نازحة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، مما أدى إلى تدميرها واشتعال النيران فيها وسط حالة من الذعر بين المدنيين.

وتزامن الهجوم مع تصعيد عسكري واسع النطاق، حيث شنت المدفعية الإسرائيلية قصفاً مكثفاً استهدف المناطق الشرقية لمدينة خان يونس والمناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال. كما فتحت الطائرات المسيرة من طراز 'كواد كابتر' نيران رشاشاتها بكثافة تجاه الأحياء الجنوبية للمدينة، مما أعاق حركة المواطنين وطواقم الإسعاف في المنطقة.

وفي سياق متصل، أطلق جيش الاحتلال قنابل ضوئية في سماء بلدة بني سهيلا شرق خان يونس، بالتزامن مع قصف مدفعي طال أطراف مخيم البريج وسط القطاع. وتأتي هذه التطورات الميدانية كجزء من سلسلة خروقات مستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عمليات التوغل والقصف الممنهج في مختلف المحافظات.

ووفقاً لآخر التحديثات الطبية، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 لتصل إلى 72,956 شهيداً، بالإضافة إلى إصابة 173,043 شخصاً. وتظهر هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع في ظل استمرار العمليات العسكرية واستهداف المنشآت المدنية.

من جانبه، كشف مركز غزة لحقوق الإنسان في بيان حديث عن إحصائيات صادمة تتعلق بالخمسة أشهر الأولى من عام 2026، مؤكداً توثيق استشهاد 534 مواطناً. وأوضح المركز أن هذه البيانات تعني سقوط شهيد كل 6 ساعات تقريباً، وهو ما يعكس استراتيجية إبادة جماعية ممنهجة لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين العزل.

وأشار التقرير الحقوقي إلى أن الفترة الممتدة من مطلع يناير وحتى مطلع يونيو شهدت إصابة 1782 فلسطينياً، بمعدل يومي يصل إلى 12 جريحاً. وذكر المركز أن من أبرز المجازر الأخيرة استهداف أربع شقق سكنية فجر الخميس الماضي، ما أسفر عن ارتقاء 10 شهداء، بينهم نساء وأطفال، في هجوم مباشر على تجمعات سكنية مأهولة.

واختتم المركز بيانه بالتحذير من أن هذا التصعيد يسبق جولات مفاوضات مرتقبة تهدف لتثبيت التهدئة المتعثرة منذ أكتوبر الماضي. واعتبر أن سلطات الاحتلال تستخدم دماء المدنيين وسيلة للضغط السياسي لانتزاع مكاسب تفاوضية، مطالباً المجتمع الدولي بفرض رقابة مستقلة ومحاسبة القادة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى حرب 67.. الصراع يتعمق وسط مخاوف من إعادة تشكيل الواقع الإقليمي

د. سهيل دياب: الصراع في المنطقة لم يعد يُنظر إليه باعتباره احتلالاً مؤقتاً قابلاً للتسوية بل تحول إلى صراع طويل الأمد على الأرض والحدود والموارد..


سري سمور: حرب 1967 مهدت الطريق لسلسلة تحولات سياسية كبرى في المنطقة من بينها اتفاقيات السلام التي أبرمتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية..


د. رهام عودة: إسرائيل باتت تمضي فعلياً في تنفيذ ملامح مشروعها الإقليمي عبر التركيز على إنشاء مناطق عازلة وأحزمة أمنية داخل أراضٍ عربية حدودية..


ماجد هديب: أخطر ما يحمله هذا التوسع بإعادة تشكيل الإقليم وفق الرؤية الإسرائيلية عبر فرض توازنات جديدة تستند للقوة العسكرية والوقائع الميدانية..


د. عقل صلاح: المنطقة تعيش "نكسة ثانية" والمشروع التوسعي الإسرائيلي يواجه تحديات تحول دون اكتماله أهمها صمود الفلسطينيين واللبنانيين..


هاني أبو السباع: إسرائيل ورغم توقيعها اتفاقية السلام مع مصر واصلت سياساتها التوسعية وتصريحات قادتها حالياً تعكس بوضوح مشروع "إسرائيل الكبرى"..








رام الله - خاص بـ"القدس"- في الذكرى التاسعة والخمسين لحرب يونيو/ حزيران 1967، تتجدد النقاشات حول تداعيات الحرب التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد الفلسطيني والإقليمي، في ظل اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية وتنامي الاستيطان والتحركات الميدانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومناطق عربية مجاورة، وسط تحذيرات من محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض قد تؤثر في مستقبل الصراع وتسوياته السياسية.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن التطورات التي شهدتها المنطقة، لا سيما منذ السابع من أكتوبر 2023، حتى الآن، تعكس انتقال الصراع من إطار الاحتلال المؤقت إلى صراع طويل الأمد على الأرض والحدود والموارد، مع تصاعد الحديث عن الأحزمة الأمنية والمناطق العازلة وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين، في ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتغير موازين السيطرة الميدانية.

ويجمعون على أن نتائج حرب 1967 ما زالت تشكل مرجعية أساسية لفهم الواقع الراهن، سواء من خلال استمرار الصراع على القدس والحدود والاستيطان، أو عبر التحولات الإقليمية التي أعادت طرح تساؤلات حول مستقبل النظام الإقليمي، وإمكانية إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط في ضوء المتغيرات العسكرية والسياسية المتسارعة.








صراع طويل على الأرض والحدود والموارد


يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن المشهد القائم في الذكرى التاسعة والخمسين لحرب يونيو/ حزيران 1967 يؤكد أن الصراع في المنطقة لم يعد يُنظر إليه باعتباره احتلالاً مؤقتاً قابلاً للتسوية، بل تحول إلى صراع طويل الأمد على الأرض والحدود والموارد، في ظل اتساع نطاق النفوذ والسيطرة العسكرية الإسرائيلية في أكثر من ساحة إقليمية، تشمل قطاع غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ومناطق حدودية داخل سوريا.

ويوضح دياب أن حرب عام 1967 لا تزال تلقي بظلالها على مختلف القضايا الجوهرية في الصراع العربي الإسرائيلي، إذ إن ملفات القدس والاستيطان والحدود والجولان والدولة الفلسطينية تعود جذورها المباشرة إلى نتائج تلك الحرب، الأمر الذي دفع عدداً من الباحثين والمحللين إلى اعتبار أن الحرب لم تنتهِ سياسياً رغم توقف العمليات العسكرية منذ عقود، وأن تداعياتها ما زالت تتفاعل حتى اليوم.


ترسيخ وقائع دائمة


ويشير دياب إلى أن إسرائيل انتقلت خلال العقود الماضية من نموذج الاحتلال العسكري المباشر إلى أشكال أكثر تعقيداً من السيطرة، تقوم على ترسيخ وقائع دائمة من خلال التوسع الاستيطاني، وشبكات البنية التحتية، والضم القانوني أو الفعلي، بما يعزز نفوذها على الأرض ويجعل أي تغيير مستقبلي أكثر صعوبة. 

ويؤكد دياب أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، أعادت إلى الواجهة البعد الديمغرافي في الصراع، بعد سنوات طويلة تراجع فيها هذا العامل نسبياً، ليعود مجدداً باعتباره أحد التحديات المركزية في العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويلفت دياب إلى أن العمليات العسكرية الجارية في غزة، والتحركات الإسرائيلية على الحدود اللبنانية، والوجود العسكري في بعض المناطق السورية، تعكس توجهاً نحو إنشاء أحزمة أمنية ومناطق عازلة خارج الحدود التقليدية. 

وبحسب دياب، فإنه بينما تبرر إسرائيل هذه الإجراءات باعتبارات أمنية ومنع التهديدات، ترى أطراف فلسطينية وعربية، إلى جانب جهات دولية، أنها تمثل شكلاً من أشكال توسيع السيطرة وفرض وقائع جغرافية جديدة على الأرض.


أزمة تواجه حل الدولتين 


ويؤكد دياب أن أحد أبرز تداعيات هذه السياسات يتمثل في تعميق الأزمة التي تواجه حل الدولتين، إذ إن التوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر تعقيداً مع مرور الوقت، ويقلص فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.


1967.. بداية تحولات عميقة


وفي تقييمه لمسار الصراع منذ عام 1967، يعتبر دياب أن تلك الحرب مثلت ذروة الإنجاز العسكري الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه شكّلت بداية تحولات عميقة حملت في داخلها عوامل تراجع المشروع الصهيوني على المدى البعيد. 

ويشير دياب إلى أن الانتقال من السيطرة على الأراضي تحت عنوان الأمن إلى مشروع استيطاني ذي طابع إحلالي واستعماري أسهم في نشوء أزمات داخلية وخارجية متراكمة، وأنتج مظاهر عزلة دولية وانتقادات متزايدة للسياسات الإسرائيلية.


إعادة تشكيل البيئة الإقليمية


وحول الحديث المتصاعد عن "الشرق الأوسط الجديد"، يدعو دياب إلى التمييز بين مفهومين مختلفين؛ الأول يتعلق بإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقاً إسرائيلياً أمنياً واقتصادياً وعسكرياً، والثاني يرتبط بالأطروحات الأيديولوجية التي تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" وحدود توسعية واضحة. ويوضح دياب أنه لا توجد، وفق المعايير الأكاديمية، خطة إسرائيلية رسمية معلنة تحدد حدوداً مستقبلية جديدة للدولة، إلا أن هناك مشروعاً واضحاً لإعادة صياغة البيئة الإقليمية بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

ويؤكد دياب أن مستقبل هذه التصورات لا يزال مرتبطاً بعدد من المتغيرات الحاسمة، من بينها مآلات الحرب الحالية، وتطور الملفات الدولية الساخنة، وطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، واتجاهات الرأي العام الأمريكي. 


مرحلة سيولة الأحداث 


ويعتقد دياب أن المنطقة ما تزال تعيش مرحلة شديدة السيولة من الأحداث، وإن الحديث عن شرق أوسط جديد يبقى رهناً بتوازنات إقليمية ودولية متحركة، مؤكداً أن أي نظام إقليمي مستقبلي لن يتشكل وفق الرؤية الإسرائيلية أو الأمريكية وحدها، بل في إطار واقع دولي وإقليمي أكثر تعددية وتعقيداً.


1967.. تداعيات لا تزال حاضرة 


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن حرب يونيو/ حزيران عام 1967، شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ليس فقط على مستوى السيطرة الجغرافية، وإنما أيضاً في طبيعة إدارة الصراع وأهدافه السياسية، مشيراً إلى أن تداعيات تلك الحرب ما تزال حاضرة حتى اليوم وتؤثر في المشهد الإقليمي بأبعاده المختلفة.

ويوضح سمور أن الحرب أحدثت تحولاً جذرياً في النظرة العربية تجاه إسرائيل، إذ انتقل الخطاب السياسي العربي، بعد الهزيمة، من الحديث عن تحرير فلسطين بالكامل وإنهاء وجود إسرائيل إلى التركيز على استعادة الأراضي التي احتلتها عام 1967 والمطالبة بتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها قرارا مجلس الأمن 242 و338. ويعتبر سمور أن هذا التحول منح إسرائيل مكاسب سياسية واستراتيجية إلى جانب المكاسب العسكرية التي حققتها على الأرض.

ويشير سمور إلى أن نتائج الحرب مكّنت إسرائيل من توسيع سيطرتها الإقليمية من خلال احتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، التي تضم المسجد الأقصى، إضافة إلى احتلال هضبة الجولان السورية.

ويلفت سمور إلى أن هذه التطورات عززت ثقة إسرائيل بقدرتها على فرض وقائع جديدة، وصولاً إلى إعلان القدس عاصمة لها، في ظل عجز المجتمع الدولي عن إحداث تغيير جوهري في هذا الواقع.


تمهيد الطريق أمام تحولات سياسية كبرى


ويرى سمور أن حرب 1967 مهدت الطريق أمام سلسلة من التحولات السياسية الكبرى في المنطقة، من بينها اتفاقيات السلام التي أبرمتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية، مؤكداً أنه لولا نتائج تلك الحرب لما شهدت المنطقة اتفاقيات مثل كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو بالشكل الذي عُرفت به لاحقاً.

ويشير سمور إلى أن التوسع يمثل ركناً أساسياً في المشروع الإسرائيلي، الذي يقوم على التوسع الجغرافي والإحلال السكاني وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في المناطق التي تسيطر عليها. 

ويلفت سمور إلى أن السياسات الإسرائيلية الحالية في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب التحركات العسكرية في لبنان وسوريا، تعكس استمرار هذه الرؤية ومحاولة فرض معادلات جديدة على الأرض.


نقل خطوط التفاوض إلى واقع جديد بالقوة


ويؤكد سمور أن إسرائيل تسعى باستمرار إلى نقل خطوط التفاوض إلى واقع جديد تفرضه بالقوة، بحيث تتحول المفاوضات من البحث في إنهاء الاحتلال أو إزالة المستوطنات إلى مناقشة حدود الانسحاب من المناطق التي احتلت حديثاً. 

ويعتبر سمور أن ما يجري في سوريا ولبنان يعكس هذا النهج، حيث باتت المطالب تتركز على العودة إلى خطوط واتفاقيات سابقة بدلاً من معالجة جذور الاحتلال، الأمر الذي يعكس استمرار تأثير نتائج حرب 1967 على مسار الصراع حتى اليوم.


تفتيت الجغرافيا الفلسطينية


ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة في تعقيب لها حول الذكرى السنوية لحرب حزيران/يونيو 1967، أن التوسع الإسرائيلي المتواصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب التحركات العسكرية في كل من لبنان وسوريا، يعكس توجهاً إسرائيلياً متصاعداً لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والأمني في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية ويحد من فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وبحسب عودة، فإن ما تشهده الضفة الغربية من توسع استيطاني وإجراءات ميدانية متسارعة، بالتوازي مع السيطرة الإسرائيلية على مفاصل أساسية في قطاع غزة، يندرج ضمن سياسة تهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية ومنع التواصل الجغرافي بين أجزاء الدولة الفلسطينية المستقبلية، بما يقوض عملياً إمكانية إقامة دولة مستقلة على حدود عام 1967.


فرض واقع جديد في الشرق الأوسط


وتؤكد عودة أن التحركات الإسرائيلية في لبنان وسوريا تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة، إذ تسعى إسرائيل إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد في الشرق الأوسط من خلال توظيف تفوقها العسكري لإجبار دول المنطقة على التعامل معها كقوة إقليمية مهيمنة يجب استيعابها والتكيف مع نفوذها. 

وتشير عودة إلى أن استهداف القوى الداعمة للمقاومة الفلسطينية ومحاولات فرض السيطرة على مناطق حدودية في جنوب لبنان والجنوب السوري يندرجان في إطار استراتيجية أوسع لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

وتعتبر عودة أن إسرائيل باتت تمضي فعلياً في تنفيذ ملامح مشروعها الإقليمي عبر التركيز على إنشاء مناطق عازلة وأحزمة أمنية داخل أراضٍ عربية حدودية، تحت مبرر حماية أمنها القومي. 


مناطق عازلة كأوراق ضغط سياسية وأمنية


وتعتقد عودة أن هذه المناطق قد تتحول مستقبلاً إلى أوراق ضغط سياسية وأمنية تستخدمها إسرائيل للتأثير على قرارات دول المنطقة ودفعها نحو ترتيبات أمنية أو اتفاقيات تطبيع، بما يرسخ واقعاً إقليمياً جديداً يمنحها هامشاً أوسع للتحرك العسكري والسياسي في الشرق الأوسط.


محاولة إعادة تشكيل الواقع الإقليمي 


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن اتساع نطاق العمليات والسيطرة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب التحركات العسكرية في لبنان وسوريا، يحمل جملة من الدلالات السياسية والأمنية والاستراتيجية التي تتجاوز حدود المواجهات العسكرية المباشرة، لتصب في إطار محاولة إعادة تشكيل الواقع الإقليمي وفرض معادلات جديدة تؤثر في مستقبل المنطقة وتسوياتها السياسية.

ويوضح هديب أن من أبرز دلالات هذا التوسع قدرة إسرائيل على فرض وقائع ميدانية جديدة من خلال السيطرة على مناطق إضافية وإعادة رسم الجغرافيا الأمنية في أكثر من ساحة، بما يمنحها أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات أو تسويات سياسية مستقبلية. 


إسرائيل واستثمار نتائج الحروب


ويشير هديب أن إسرائيل دأبت تاريخياً على استثمار نتائج الحروب والعمليات العسكرية لتحويل المكاسب الميدانية إلى معطيات سياسية تؤثر في شكل الحلول المطروحة مستقبلاً، وهو ما حدث في حرب حزيران 1967.

ويلفت هديب إلى أن البعد الأمني يمثل أحد المحركات الأساسية لهذا التوسع، إذ تسعى إسرائيل، وفق رؤيتها، إلى إنشاء مناطق عازلة وأحزمة أمنية ومعازل ميدانية تعتبرها خطوط دفاع متقدمة تحول دون نشوء تهديدات مستقبلية لأمنها.

ويعتقد هديب أن هذه السياسة ليست جديدة، بل تكررت في أكثر من محطة تاريخية بهدف تعزيز السيطرة الميدانية وخلق حقائق يصعب تجاوزها في أي ترتيبات سياسية لاحقة.


محاولة إسرائيل فرض مشاريع وحلول سياسية 


ويرى هديب أن التحركات العسكرية الإسرائيلية في عدة جبهات تعكس أيضاً رغبة في إظهار قدرة الجيش الإسرائيلي والدولة العبرية على فرض مشاريع وحلول سياسية في المنطقة مستفيدة من حالة الانقسام العربي والتجاذبات الداخلية التي تعاني منها العديد من الدول العربية، إضافة إلى التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي.

وبحسب هديب، فإن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تعزيز النفوذ الإسرائيلي وإحداث تحولات ملموسة في ميزان القوى الإقليمي خلال الفترة الأخيرة.

ويشدد هديب على أن أخطر ما يحمله هذا التوسع يتمثل في الاتجاه نحو إعادة تشكيل الإقليم وفق الرؤية الإسرائيلية، عبر فرض توازنات سياسية وأمنية جديدة تستند إلى القوة العسكرية والوقائع الميدانية التي أفرزتها الحروب الأخيرة.

ويحذر هديب من أن هذه التحولات تزيد من تعقيد الملفات الجوهرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها قضايا الحدود والسيادة والأمن ومستقبل الدولة الفلسطينية المستقلة، ما يضع عقبات إضافية أمام أي جهود سياسية للتسوية.


الرهان على مواقف العرب 


ويشدد هديب على أن النجاحات العسكرية الإسرائيلية، رغم تأثيرها الميداني، لا تكفي وحدها لتحقيق مشروع سياسي إقليمي شامل أو فرض ما يعرف بمشروع "الشرق الأوسط الجديد". 

ويوضح هديب أن نجاح أي مشروع من هذا النوع يبقى مرهوناً بموافقة دول المنطقة والتوصل إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة تعالج جذور الصراع العربي الإسرائيلي.

ويشير هديب إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وأراضٍ في سوريا ولبنان، واستمرار الصراع دون أفق سياسي واضح، يشكلان عقبة أساسية أمام تحقيق الاستقرار الإقليمي. 

ويلفت هديب إلى أن المواقف العربية والدولية الرافضة لسياسة فرض الوقائع بالقوة تجعل من الصعب تحويل المكاسب العسكرية إلى مشروع سياسي دائم. 

ويشير هديب إلى أن السلام والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا عبر الحروب أو الغلبة العسكرية، وإنما من خلال اتفاقات قائمة على العدالة وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لأي ترتيبات إقليمية مستقرة ومستدامة.


مرحلة حسم الصراع جغرافياً وديمغرافياً


يرى الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د. عقل صلاح أن المنطقة تشهد اليوم "نكسة ثانية" تتجاوز في آثارها وتداعياتها نكسة عام 1967، سواء من حيث المساحة الجغرافية المتأثرة أو حجم التحولات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية وعدد من الدول العربية.

ويوضح صلاح أن إسرائيل انتقلت من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة حسمه جغرافياً وديمغرافياً، مستفيدة من الوقائع التي فرضتها الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، ومن البنية التي أفرزتها اتفاقية أوسلو، والتي كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال، لكنها وفرت غطاءً لتكريس السيطرة الإسرائيلية على معظم أراضي الضفة الغربية، خاصة في المناطق المصنفة (ب) و(ج)، مع توسع مصادرة الأراضي لتشمل مناطق ضمن التصنيف (أ).

ويشير صلاح إلى أن المشهد الحالي يعكس اتساع رقعة السيطرة الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة، سواء في قطاع غزة الذي باتت إسرائيل تسيطر فعلياً على نحو 70% من مساحته، أو في جنوب لبنان، إضافة إلى مناطق واسعة داخل الأراضي السورية، بما في ذلك مواقع استراتيجية كجبل الشيخ، بالتوازي مع تسارع الاستيطان في الضفة الغربية بمختلف أشكاله؛ الاستيطاني والرعوي والزراعي والأثري والعسكري، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة وحصر التجمعات الفلسطينية داخل نطاقات عمرانية ضيقة.


تجاوز الاتفاقيات الحدودية السابقة 


ويرى صلاح أن هذه التطورات تحمل دلالات استراتيجية عميقة، أبرزها فرض واقع جغرافي جديد عبر إنشاء مناطق عازلة ومحاور سيطرة دائمة، وتجاوز الاتفاقيات والتفاهمات الحدودية السابقة لفرض ترتيبات جديدة بالقوة العسكرية، فضلاً عن تسريع الضم الفعلي لأراضي الضفة الغربية وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً وعاصمتها القدس.

ويؤكد صلاح أن التوسع العسكري الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية أدى إلى موجات نزوح واسعة وأزمات إنسانية متفاقمة، كما يعكس استباحة متزايدة لسيادة الدول في ظل غياب الردع الدولي.


عجز دولي يقابله صمود فلسطيني ولبناني 


ويعتبر صلاح أن ما يجري يكشف عجز المنظومة الدولية ومؤسساتها، بما فيها مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، عن فرض قراراتها أو توفير الحماية للمدنيين، الأمر الذي عزز شعور إسرائيل بوجود غطاء دولي لاستمرار سياساتها.

ويرى صلاح أن المشروع التوسعي الإسرائيلي يواجه جملة من التحديات التي تحول دون اكتماله، في مقدمتها صمود الفلسطينيين واللبنانيين وتمسكهم بأرضهم رغم الحرب والدمار، إضافة إلى مواقف إقليمية ودولية رافضة لسياسات التهجير. 

ويشير صلاح إلى تنامي الانتقادات الدولية لإسرائيل وتزايد عزلتها السياسية والأخلاقية، إلى جانب استمرار أشكال المقاومة والممانعة في أكثر من ساحة، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة تشكل عقبات أساسية أمام أي محاولة لفرض وقائع نهائية على الأرض أو إعادة رسم المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية.


السابع من أكتوبر يكشف النهج التوسعي الإسرائيلي


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الإسرائيلي هاني أبو السباع أن الأحداث الممتدة بين حرب حزيران/يونيو 1967 والسابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تكشف استمرار النهج التوسعي الإسرائيلي وعدم حدوث أي تغيير جوهري في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الأراضي العربية، رغم اتفاقيات السلام والتفاهمات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

ويوضح أبو السباع أن إسرائيل، ورغم توقيعها اتفاقية السلام مع مصر عام 1979 وإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن آنذاك انتهاء عهد الحروب مع مصر والعرب، واصلت سياساتها التوسعية بأشكال مختلفة، معتبراً أن تصريحات وممارسات قادة الحكومة الإسرائيلية الحالية تعكس بصورة واضحة مشروع "إسرائيل الكبرى". 

ويستشهد أبو السباع في هذا السياق بخريطة نشرها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وأظهرت الأردن ضمن حدود إسرائيل، إضافة إلى تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن مواصلة السيطرة على مساحات واسعة من قطاع غزة.

ويشير أبو السباع إلى أن التوسع الإسرائيلي لم يقتصر على الأراضي الفلسطينية، بل امتد إلى الساحتين السورية واللبنانية، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق سيطرته في جنوب سوريا عقب انهيار نظام بشار الأسد، كما واصل عملياته العسكرية في جنوب لبنان وصولاً إلى مناطق قريبة من نهر الليطاني، بعد سنوات من الانسحاب الإسرائيلي من تلك المناطق.


تهجير السكان وإجبارهم على الرحيل


ويلفت أبو السباع إلى أن النمط المتكرر في مختلف المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل يتمثل في تهجير السكان وإجبارهم على الرحيل، معتبراً أن ما جرى في الجولان السوري بعد عام 1967 يتكرر اليوم في قطاع غزة وجنوب لبنان عبر سياسات التدمير والضغط على المدنيين. 

ويوضح أبو السباع أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تتبنى رؤية تقوم على توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، سواء عبر التدخل العسكري المباشر أو من خلال إضعاف الدول العربية وتفتيت قدراتها العسكرية والأمنية.

ويبيّن أبو السباع أن إسرائيل استغلت تداعيات السابع من أكتوبر 2023، لتسريع مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية، مشيراً إلى إقامة أكثر من 200 بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب التوسع في ما يعرف بالاستيطان الرعوي بهدف السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في المناطق المصنفة (ج). 

ويشير أبو السباع إلى محاولات متزايدة للسيطرة على المواقع التاريخية والأثرية الفلسطينية، مستشهداً بالأنشطة الاستيطانية في منطقة برك سليمان جنوب بيت لحم.


أهمية الحراك السياسي والقانوني دولياً 


ويدعو أبو السباع القيادة الفلسطينية إلى تكثيف تحركها السياسي والقانوني على الساحة الدولية لمواجهة التغيرات المتسارعة التي يفرضها الاحتلال على الأرض، محذراً من أن استمرار غياب الضغوط الدولية الفاعلة سيمنح إسرائيل فرصة أوسع لترسيخ وقائع جديدة تهدد الحقوق الفلسطينية وتؤثر في مستقبل المنطقة بأكملها.

أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الذكاء الاصطناعي خارج المختبرات

كنتُ محظوظاً جداً حين أتيحت لي الفرصة قبل أيام أن أكون مدرباً لشريحةٍ من أكثر الشرائح الإنسانية قدرةً على إلهام الآخرين، رغم كل ما قد تواجهه من تحديات يومية، فهي لم تكن ورشة تدريبية عادية عن الذكاء الاصطناعي، بل كانت تجربة إنسانية عميقة أعادت صياغة الكثير من أفكاري حول التكنولوجيا، ودورها وأثرها الحقيقي في حياة البشر، ومعنى التمكين الحقيقي حين يصل العلم إلى من هم بأمسّ الحاجة إليه.

دخلتُ الورشة التدريبية والتي كانت من تنظيم مركز العمل التنموي- معا، وتنفيذ شركة أقلمة وأنا أحمل تصوراً ضبابياً عن الورشة: كان المتدربون من ذوي الاحتياجات الخاصة بأنواع مختلفة (صم، كفيفون، إعاقات حركية) وهي تجربتي الأولى مع هذه الشريحة وبخاطري عديد الاسئلة: هل سأقدم التدريب بطريقة تناسبهم، هل هذه الأدوات والتطبيقات أولوياتهم؟ هل سمعوا او شاهدوا مصطلح الذكاء الاصطناعي؟ لكنني خرجت منها وأنا أحمل شيئاً أكبر بكثير؛ خرجت بإيمانٍ متجدد بأن التكنولوجيا ليست رفاهية، وليست حكراً على المبرمجين أو الشركات، فهي كما أقول دائماً أنها أداة حياة حقيقية تمنح الناس فرصة أفضل للتعلم والعمل والتواصل والاستقلالية.

خلال الورشة، لم يكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه مفهوماً معقداً مليئاً بالخوارزميات والمصطلحات التقنية الثقيلة، بل تحدثنا عنه باعتباره مساعداً يومياً يمكنه أن يقرأ النصوص للمكفوفين، ويحوّل الكلام إلى كتابة لمن يواجهون صعوبات حركية، ويساعد من يعانون من صعوبات التعلم على الفهم والتنظيم والتعبير، ويحول الكلام الى لغة الإشارة، وقراءة وتلخيص الكتب لتكون مسموعة بموسيقى تفاعلية وتحدثنا عن التكنولوجيا حين تصبح إنسانية، وعن الذكاء الاصطناعي حين يتحول من مجرد "تقنية حديثة" إلى جسر يمنح الأمل.

أكثر ما أثار انتباهي خلال التدريب لم يكن التطبيقات نفسها، بل حجم الفضول والشغف لدى المشاركين، كانت الأسئلة صادقة وعميقة ومباشرة: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدني في الدراسة؟ هل يمكنه أن يسهل عليّ العمل؟ هل أستطيع أن أعتمد عليه في التواصل مع الآخرين؟ في تلك اللحظات أدركت أن القضية لم تعد مجرد تعليم أدوات رقمية، بل فتح نوافذ جديدة أمام أشخاص يبحثون عن مساحة أوسع داخل هذا العالم المتسارع.

لقد اعتدنا في عالم التكنولوجيا أن نتحدث كثيراً عن المستقبل، وعن المدن الذكية، والروبوتات، والثورات الصناعية القادمة، لكننا ننسى احياناً أن قيمة أي تطور تقني لا تُقاس بمدى تعقيده، بل بمدى قدرته على خدمة الإنسان وترك الأثر الجيد فيهم، ومن هنا تحديداً تبرز أهمية إدماج ذوي الاحتياجات الخاصة في عالم الذكاء الاصطناعي، ليس كمستخدمين هامشيين، بل كشركاء حقيقيين في هذا التحول الرقمي العالمي.

ما لفتني أيضًا أن كثيراً من المشاركين لم يكونوا بحاجة إلى الشفقة أو الخطابات العاطفية، بل كانوا بحاجة إلى فرصة عادلة، وإلى أدوات تمنحهم قدرة أكبر على الإنجاز والاستقلال، فبعضهم اكتشف لأول مرة أن بإمكانه استخدام تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص النصوص أو تنظيم المهام أو إنشاء محتوى بصوته وأفكاره. كانت لحظات الاكتشاف تلك كفيلة بأن تجعل التدريب بأكمله تجربة لا تُنسى.

حقيقةً، نحن نعيش اليوم عصراً أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا من تفاصيل الحياة اليومية للبشرية والذكاء الاصطناعي لم يعد أمراً مستقبلياً بعيداً ، بل بات حاضراً في التعليم، والصحة، والإعلام، والعمل، وحتى في أبسط المهام اليومية ولكن التحدي الحقيقي ليس في إنتاج المزيد من التقنيات، بل في ضمان وصولها للجميع بعدالة وإنسانية.

وفي مجتمعنا الفلسطيني تحديداً ، فإن الحاجة إلى هذا النوع من التمكين تتضاعف، فهذه الشريحة تحديداً يواجهون تحديات مركبة، تبدأ بالبنية التحتية، ولا تنتهي عند الفرص التعليمية والمهنية، وهنا يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دوراً حقيقياً في تقليص الفجوات، وفتح مسارات جديدة أمام من حُرموا طويلاً من كثير من الأدوات والفرص.

لقد تعلمت من هذه التجربة بقدر ما حاولت أن أُعلّم فيها، تعلمت أن الإرادة البشرية قادرة دائما  على تجاوز العوائق حين تجد البيئة الداعمة، وأن أبسط فكرة تقنية قد تصنع فرقاً هائلاً في حياة شخص ما، وتعلمت ايضاً أن مسؤوليتنا كمتخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا يجب أن تقتصر على تطوير الأنظمة والتطبيقات، بل يجب أن تمتد نحو بناء أثر إنساني حقيقي يشعر به الناس في حياتهم اليومية.

ربما كانت الورشة مجرد ساعات قليلة، لكنها بالنسبة لي كانت رسالة واضحة: التكنولوجيا التي لا تصل إلى الفئات الأكثر حاجة، تظل ناقصة مهما بلغت من التطور، أما الذكاء الاصطناعي الذي يمنح إنساناً قدرة أكبر على التعلم أو العمل أو التعبير أو الاستقلال، فهو ذكاء يصنع المعنى الحقيقي للتقدم.

وأعتقد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن المستقبل العادل ليس ذلك الذي يمتلك أحدث التقنيات فقط، بل ذلك الذي يضمن أن لا يبقى أحد خارج هذا المستقبل.

أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: الخطر الحقيقي في غياب التربية الرقمية


بحسب تقرير Future of Jobs Report 2025 الصادر عن World Economic Forum، من المتوقع أن يتم إنشاء نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا بحلول عام 2030، مقابل 92 مليون وظيفة ستختفي أو يتم استبدالها نتيجة التحولات التكنولوجية والاقتصادية، ما يعني صافي زيادة قدره 78 مليون وظيفة.

لكن الرقم الأهم في هذا التقرير ليس فقط عدد الوظائف التي ستظهر أو تختفي، بل السؤال الأخطر: من سيكون مؤهلًا للحصول على هذه الوظائف الجديدة؟ ومن سيُترك خارج المستقبل؟

العالم لا يتجه فقط نحو وظائف أكثر، بل نحو وظائف مختلفة. وظائف تحتاج إلى مهارات جديدة، وطريقة تفكير جديدة، وقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي والبيانات والمنصات الرقمية والتقنيات الحديثة. بمعنى آخر، المستقبل لن يكافئ من يملك شهادة فقط، بل من يملك مهارة، ومرونة، ووعيًا رقميًا، وقدرة على التعلم المستمر.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا.

خلال آخر خمس سنوات، أصبحت الأجهزة الخلوية والإنترنت جزءًا إجباريًا من بيوتنا. لم يعد الهاتف الذكي رفاهية، ولم يعد الإنترنت خيارًا ثانويًا. الطفل في الصف الرابع أصبح يحمل جوالًا، يدخل إلى التطبيقات، يشاهد الفيديوهات، يتفاعل مع المحتوى، يتأثر بالخوارزميات، ويتعلم من الشاشة قبل أن يتعلم من المدرسة أحيانًا.

لكن المفارقة المؤلمة أن التكنولوجيا دخلت بيوتنا بقوة، بينما لم تدخل بعد إلى منظومتنا التربوية بالشكل الصحيح.

لدينا أطفال يستخدمون أدوات العصر، لكن بلا توجيه كافٍ. ولدينا أهالٍ يشترون الأجهزة ويدفعون اشتراكات الإنترنت، لكنهم في كثير من الأحيان لا يملكون المعرفة الكافية لإدارة هذا العالم داخل البيت. ولدينا مدارس ما زالت تتعامل مع التكنولوجيا كموضوع جانبي، لا كمهارة حياة أساسية. فلا توجد بنية واضحة في المناهج، ولا مواد تعليمية كافية عن الوعي الرقمي، ولا أنشطة لامنهجية منظمة لتعليم الأطفال كيف يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي، والمحتوى، والخصوصية، والأمان الرقمي، والإدمان الرقمي، والتفكير النقدي أمام المعلومات.

المشكلة ليست أن الطفل يستخدم الهاتف، بل أنه يستخدمه بلا بوصلة.

حين يدخل الطفل إلى الإنترنت دون تأهيل، يصبح مستهلكًا لا صانعًا. متلقيًا لا ناقدًا. تابعًا للخوارزمية لا مستخدمًا واعيًا لها. يرى المحتوى السريع، يتأثر بالمقارنات، ينسخ السلوكيات، ويعتاد على السرعة والاختصار، بينما سوق العمل القادم سيطلب منه مهارات أعمق: التحليل، الإبداع، حل المشكلات، التواصل، العمل الجماعي، وفهم التكنولوجيا لا مجرد استخدامها.

تقرير الوظائف العالمي يحذرنا من فقدان وظائف بسبب الذكاء الاصطناعي والتحولات التقنية. لكن خوفي الحقيقي أن لا يكون الذكاء الاصطناعي وحده هو السبب في فقدان مستقبل أبنائنا، بل أن يكون سلوكنا الحالي هو السبب.

نحن نخاف أن تأخذ الآلة وظائف أبنائنا، لكننا لا نسأل بما يكفي: هل نربي أبناءنا ليكونوا أقوى من الآلة؟ هل نعلمهم كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي كأداة للتعلم والإنتاج؟ هل نمنحهم مهارات البحث والتحقق والتفكير النقدي؟ هل نوضح لهم الفرق بين الترفيه الرقمي والعمل الرقمي؟ هل نشرح لهم أن الهاتف ليس فقط للألعاب والمقاطع القصيرة، بل يمكن أن يكون مختبرًا للتعلم، ومنصة للإبداع، وبوابة لبناء المهارات؟

المطلوب اليوم ليس منع التكنولوجيا، لأن المنع لم يعد واقعيًا. المطلوب هو إدارتها بوعي. نحتاج إلى تربية رقمية تبدأ من البيت، وتدخل المدرسة، وتتحول إلى ثقافة عامة. نحتاج إلى مناهج تعلم الطفل كيف يحمي خصوصيته، كيف يميز المعلومة الصحيحة من المضللة، كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في الدراسة لا في الغش، كيف يصنع محتوى نافعًا، كيف يفهم أثر الوقت أمام الشاشة، وكيف يحوّل الجهاز من أداة استهلاك إلى أداة إنتاج.

كما نحتاج إلى تأهيل الأهالي، لأن الأسرة هي خط الدفاع الأول. لا يكفي أن نقول للطفل "لا تستخدم الهاتف كثيرًا"، بينما لا نقدم له بديلًا، ولا نشاركه، ولا نفهم التطبيقات التي يستخدمها. التربية الرقمية لا تعني الرقابة فقط، بل تعني الحوار، والمشاركة، ووضع القواعد، وبناء الثقة، وتعليم الطفل المسؤولية.

ونحتاج أيضًا إلى مدارس تدرك أن المستقبل لا ينتظر. المدرسة التي لا تدمج الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية والأنشطة التطبيقية في بيئتها التعليمية، ستخرج طلبة يعرفون الحفظ أكثر مما يعرفون التفكير، ويعرفون استخدام التطبيقات أكثر مما يعرفون صناعة القيمة منها.

الوظائف القادمة لن تكون لمن يحمل الهاتف أكثر، بل لمن يعرف كيف يستخدمه بذكاء. لن تكون لمن يقضي ساعات على الإنترنت، بل لمن يحول الإنترنت إلى معرفة ومهارة وفرصة. لن تكون لمن يستهلك الذكاء الاصطناعي بشكل عشوائي، بل لمن يفهمه، يوجهه، وينتج من خلاله.

لذلك، النقاش الحقيقي ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟

النقاش الأهم هو: هل نجهز أبناءنا لعالم صار فيه الذكاء الاصطناعي جزءًا من كل وظيفة تقريبًا؟

إذا لم نتحرك الآن، فقد لا نخسر فقط بعض الوظائف، بل قد نخسر قدرة جيل كامل على المنافسة. أما إذا تعاملنا مع التكنولوجيا كمسؤولية تربوية وتعليمية ومجتمعية، فسنحوّل الخوف من المستقبل إلى فرصة، ونحوّل أبناءنا من ضحايا للتحول الرقمي إلى صناع له.

المستقبل لا ينتظر من يخاف منه، بل يفتح أبوابه لمن يستعد له.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي


أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

العمر رحلة قصيرة شاقّة وممتعة

في الخامس من حزيران 2026 دخلتُ عامي الثامن والسّبعين من عمري حسبما هو مكتوب في شهادة ميلادي، وأجزم بأنّ هذا التّاريخ ليس صحيحاً، فقد أنجبتني أمّي بعد أحد عشر شهراً من ولادتها شقيقي إبراهيم، وهذا يعني أنّني ولدت في الثّلث الأوّل من شهر آذار 1949، حيث ولد شقيقي إبراهيم يوم استشهاد البيك -حسب تعبير والدَيّ- والبيك هو عبدالقادر الحسيني قائد الجهاد المقدّس، الذي ارتقى سُلّم المجد شهيداً في 8 نيسان 1948. لكنّني أحمل شهادة ميلاد مكتوباً فيها أنّني مولود في 5 حزيران 1949، حسب تقدير طبيب الصّحّة الذي قدّر عمري عند دخولي المدرسة في العام الدّراسي 1955-1956. وليته اختار يوماً غير هذا اليوم، الذي أصبح لاحقاً في عام 1967 ذكرى هزيمة ماحقة، ولعنة تطارد من فرّطوا، وما ترتّب عليها من مآسي واحتلال أهلك البشر والشّجر والحجر، وبولادتي كنت الابن السّابع لأبي، خمسة أبناء أنجبتهم زوجة أبي وواحد أنجبته أمّي، في حين لم تنجب أيّ منهما أيّ بنت وقتئذ، ولاحقاً أنجبت زوجة أبي ولداً وابنتين، وأنجبت أمّي سبع بنات؛ وأربعة أبناء؛ لتكون خلفة أبي 21 شخصاً: 12 ابناً و9 بنات.

أنجبتني أمّي التي كانت "حردانة" في مغارة بـ"بثغرة قصّاب" عند عتبة منطقة الحرذان في السّواحرة، حيث كان يسكن والداها في خشّبيّتين مسقوفتين بألواح الزّينكو، أمام حاجب حجريّ، حفر فيه جدّي لأمّي كهفاً له مدخل طويل منحدر كرقبة جمل هرم، عندما أنجبتني كان والداها وبعض أخواتها وبقرة في المغارة. ولمّا خرجت إلى الحياة وأطلقت صرختي الأولى، فرحت بذلك جدّتي لأمّي المرحومة كافية حميدان حسن شقير، وقالت كما روت لي أمّي: “ولد يا أمينة ريته مبروك”، في حين عقّب جدّي:

” الله لا يردّك ولا يردّه".

لم تكن الولادة في المستشفيات وقتذاك معروفة بين عرباننا، وحتّى الدّاية القانونيّة لم تكن معروفة أيضاً، وكانت بعض المسنّات يساعدن النّساء في المخاض، حيث كانت المرأة في المخاض تجلس القرفصاء على قدميها، تساعدها بعض النّساء الشّابّات قويّات البنية بأن يمسكن تحت إبطيها؛ لتبقى مرتفعة عن الأرض، حتّى تنجب وليدها، وهذه الطّريقة ربّما تتسبّب بسقوط رحمها؛ لتعيش ما تبقّى لها من عمر في مأساة! تبدأ بطلاقها، وباستغابتها سوءا من الآخرين رجالا ونساء! ومن تتعسّر ولادتها تموت؛ فترتاح من عذابات الدّنيا، لكنّ اللعنة تطارد وليدها الذي ماتت عند إنجابه، فيصفونه بـ"قاتل أمّه"، ممّا يسبّب له أمراضاً نفسيّة تصل إلى درجة الجنون. وفي الستينات كان البعض يحضرون داية من بيت لحم اسمها "كاترين" للمرأة التي تتعسّر ولادتها، ونادراً ما كانوا ينقلون المرأة متعسّرة الولادة إلى المستشفى الحكومي "الهوسبيس" في القدس.

وأنا لا أزال أتساءل عن ولادتي وأمّي "حردانة"، فهل كان هذا بداية شقاء لي ولوالدتي، أم هي الصّدفة؟

أبي هو من اختار اسم جميل؛ ليكون اسماً لي، وهذا الاسم يحمله قبلي العمّ المرحوم جميل خليل السلحوت، المولود بدايات عشرينات القرن العشرين، ممّا أثار غضب والدته المرحومة عليا حسن مشعل شقيرات، فهدّدت بخنقي حتّى الموت؛ لأنّهم كانوا يعتقدون -أنّ اطلاق اسم على مولود جديد يحمل اسم ابن سابق في العائلة، يعني أنّ حامل الاسم الأوّل سيموت-. فهل ولادتي جاءت شؤماً على العائلة الممتدّة؟

وهل كوني الابن رقم سبعة لأبي، يعني فأل خير، خصوصاً أنّ لهذا الرّقم دلالات دينيّة، ودلالات أخرى في الثّقافة الشّعبيّة؟ لكن بغض النّظر عمّا كان يعتقده جيل الآباء والأجداد فقد عشت طفولة شقيّة ذبيحة بالمقاييس كلّها، وهذا لم يكن مقصورا عليّ وحدي، بل هذا ما عاشه أبناء جيلي جميعهم، وإن بشكل متفاوت، فقد كان مولد شقيقي ابراهيم الابن البكر لأمّي، والسّادس لأبي مصاحبا لنكبة شعبي الفلسطينيّ في العام 1948م، وما صاحب ذلك من تشريد نحو 950 ألفاً من أبناء هذا الشّعب من ديارهم هرباً من ويلات الحرب، وما صاحبها من مجازر ارتكبت بدم بارد وبتخطيط من العصابات الصّهيونيّة، كمجازر دير ياسين، الطّنطورة، الدّوايمة وغيرها، وجزء منهم لجأ إلى ما بات يعرف لاحقا بالضّفّة الغربيّة، وإلى قطاع غزّة. وهذه المناطق كانت تعيش على الاقتصاد العفويّ، المتمثّل بالزّراعة البعليّة التي تعتمد على مياه الأمطار غير المنتظمة، ومعروف أنّ دول شرق المتوسّط تحظى بمياه الأمطار التي تكفي للزّراعة البعليّة، خصوصا الحبوب، بمعدّل سنة من كلّ أربع سنوات. صاحب النّكبة أربع سنوات محلٍ متتالية، 1948-1952م، ممّا جعل النّاس في ضائقة من العيش، ولولا مساعدات وكالة غوث اللاجئين، والتّمور العراقيّة حيث أنّ العراق

ألغى تصدير التّمور، وحوّل إنتاجه منها إلى مخيّمات اللاجئين، وما بات يعرف بمناطق الخطوط الأماميّة، أي المحاذية لحدود دولة اسرائيل التي قامت في 15 أيّار 1948 على 78% من مساحة فلسطين التّاريخيّة؛ لحصلت مجاعات أهلكت البشر.

وأنا ولدت بعد تلك النّكبة بعام واحد، أي في الأزمة الاقتصاديّة التي عمّت المنطقة. مع التّأكيد أن أسرتنا كانت ميسورة قياسا بالآخرين، فوالدي كان يملك أموالا وفّرها من عمليّات التّهريب بين الأردنّ وفلسطين زمن الانتداب، كما كان يملك مخزونا من القمح، يكفي أسرتنا لأكثر من خمس سنوات، إضافة إلى قطيع من الأغنام الحلوب، كان عدده يتراوح بين 150-250 رأس غنم.


أيتام في حياة الوالدين

نظراً لسنوات المحل المتلاحقة، فقد رحل بعض مربّي الأغنام من عرب السّواحرة -ومن ضمنهم أبي- بأغنامهم إلى منطقة الكرك جنوب الضّفّة الشّرقيّة عام 1951، وبنوا خيامهم بجانب وادي الباذان قرب مضارب عشيرة الحمايدة الأردنيّة المعروفة، اصطحب والدي والدتي معه، وتركاني أنا وشقيقي إبراهيم برعاية زوجة أبي-رحمها الله-، تركاني وأنا لم أكمل السّنة الثّانية من عمري، وشقيقي إبراهيم ابن السّنوات الثّلاث، تركانا بلا والدين. أنجبت أمّي شقيقتي جميلة هناك، وعندما اغتيل العاهل الأردنيّ الملك عبدالله الأوّل في ساحات المسجد الأقصى في 20 تموز 1951، عادوا إلى البلاد بعد مضايقات من أبناء المنطقة؛ بسبب اغتيال الملك. وكما أخبرني والداي لاحقاً؛ فقد تركانا من باب الحرص علينا؛ كي لا نتحمّل مشاق السّفر مشيا على الأقدام لمسافات بعيدة، ولكونهم لا يعرفون أين سيكون المستقرّ! فهم بدو رحّل يتنقلون من مكان لآخر طلبا للماء وللعشب. ولكم أن تتصوّروا حياة طفلين بهذا العمر يتركان كالأيتام بلا أب وبلا أمّ، صحيح أنّ زوجة أبي رعتنا، لكن لا أحد يغني طفلاً عن حضن والدته.


يوم مولدي

عندما تعود بي الذّكريات إلى طفولتي الذّبيحة أنا وأبناء جيلي، أرى أنّ حياتنا كانت مجرّد صدفة، لا تخضع للمقاييس العلميّة، فلم تكن هناك أيّ رعاية بما فيها الرّعاية الصّحّيّة، لذا كانت نسبة وفيات الأطفال عالية جدّاً، وربّما ساعدنا على استمراريّة الحياة هو اعتمادنا على نظام الغذاء الواحد المكوّن من الحليب ومشتقّاته- الجبنة، اللبن، الزّبدة والسّمن-. ومن كان يمرض منّا فإنّ علاجه يكون بكيّه بطبعة مسمار على بطنه بعد أن يُحمى على النّار لدرجة الاحمرار. ومن يموت فإنّه يعزون موته إلى العين الحاسدة! وقد التحقنا بالمدارس ومن يكبروننا بعقدين تقريبا بناء على تعليمات "البيك" عبد القادر الحسيني الذي كان يعسكر في مضارب أهلنا، ويحثّ الأهالي على تعليم أبنائهم، ونظرا لقرب بلدتنا من القدس والتي تمتد من قمّة جبل المكبّر حتى البحر الميّت ونهر الأردنّ، كما قلّد آباؤنا أبناء القدس في تعليم أبنائهم. فتعلّم الآلاف منّا والتحقوا بالجامعات رغم قسوة الحياة وقسوة نظام التّعليم في تلك المرحلة، وما صاحبها من نواقص في غرف التّدريس، الملاعب، المختبرات، وسائل  الإيضاح وكفاءة المعلّمين.

الضّربة القاصمة: تعرّضت وأبناء جيلي إلى ضربّة قاصمة عندما اندلعت حرب حزيران 1967 ونحن على مقاعد التّوجيهيّة، حيث وقع تحت الاحتلال ما تبقّى من فلسطين بعد النّكبة الأولى عام 1948م، وهو ما عُرف بالضّفّة الغربيّة بجوهرتها القدس، وقطاع غزّة، يضاف إليها صحراء سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السوريّة ومزارع شبعا اللبنانيّة. ورغم أنّ هذه الهزيمة نكبة أخرى بكلّ المقاييس تخطّت تأثيراتها ولا تزال حدود فلسطين وشعبها إلى العالم العربيّ كلّه، إلّا أنّ تأثيرها عليّ وعلى أبناء جيلي كان أكبر، فقد أصبحنا بين ليلة وضحاها تحت احتلال أهلك البشر والشّجر والحجر، فلم تكن جامعات في الوطن المحتلّ، وكانت الحدود مغلقة، ووجدت نفسي بين خيارين أحلاهما مرّ، فإمّا ترك الوطن إلى غير رجعة للاتحاق بإحدى الجامعات، أو البقاء في الوطن ومكابدة الاحتلال، فاخترت الخيار الثّاني. واستشهد كثيرون ووقع كثيرون في الأسر ومنهم أنا، حيث اعتقلت إداريّا من 19 آذار 1969 حتى 20 ابريل 1970، وخضعت بعدها للإقامة الجبريّة حتّى نهاية العام 1970، وتعرّضت لتعذيب شديد أورثني تقرّحات في الجهاز الهضميّ، وانزلاقات غضروفيّة في الرّقبة وفي أسفل العمود الفقريّ، وبعدها التحقت انتساباً بجامعة بيروت العربيّة ودرست اللغة العربيّة وأدابها. وها أنا أدخل عامي الثّامن والسبعين من عمري محدودب الظّهر، ووطني مستباح، وثالث الحرمين مستباح، وآلة حرب الاحتلال تحصد أرواح عشرات الآلاف من أبناء شعبي على مرأي العالم جميعه، وأبناء أمّتي مغيّبون عن الواقع، وكأنّهم خرجوا من التّاريخ دون رجعة.

 متاعب الحياة: الحياة كما قال توفيق الحكيم "مجرّد رحلة قصيرة شاقّة وممتعة"، وأزعم أنّني عشت رحلتي الحياتيّة بمرّها وحلوها، فشلت كثيرا وحقّقت نجاحات أكثر، تعلّمت من أخطائي ومن أخطاء غيري، عملت في حراثة الأرض وزراعتها، عملت في ورشات البناء، وعملت في الصّحافة، وفي التّدريس، وفي محافظة القدس بعد قيام السلطة الفلسطينيّة. لكنّي وجدت نفسي في المطالعة والكتابة، فصدرت لي عشرات الكتب في التّراث الشّعبي، الرّواية للكبار وللصّغار، قصص الأطفال، اليوميّات، الأدب السّاخر، أدب السّيرة، أدب الرّحلات، وغيرها، ورغم أنّني في مرحلة الشّيخوخة وهرم الجسد إلّا أنّني لا أزال وسأبقى أعيش بروح شبابيّة حتّى آخر لحظة من حياتي، مع التّأكيد أنّ الحرّيّة والكرامة المفقودة جعلت منّا "المعذبّون في الأرض"، إلّا أنّ "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة"، ومن هذا المنطلق فإنّني أهرب من الواقع المرّ إلى المطالعة والكتابة. والحديث يطول.

أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

"الشقيف".. سؤال مفتوح على الزمن

لم تكن قلعةُ الشقيف حجارةً مُعلَّقةً على حافّةِ جبل، ولا رقعةً في خرائطِ الجنرالات تُحتلُّ ثم تُطوى في أرشيفِ الحروب. كانت، وما زالت، سؤالاً مفتوحاً على الزمن: كيف يستطيع عددٌ قليلٌ من البشر أن يُحوِّلوا مكاناً محدوداً إلى معنى لا تحدُّه الجغرافيا؟

في حزيران 1982، لم تكن المعركةُ في الشقيف بين سبعةٍ وثلاثين فدائيّاً وألفٍ ومئتي جنديٍّ مدعومين بالطائرات والدبّابات والمدفعيّة فحسب. كانت مواجهةً بين فكرتين؛ فكرةٍ ترى القوّة في فائضِ النار والحديد، وفكرةٍ ترى القوّة في الإنسان حين يُقرِّر أن يصبح أكبر من شروطِ بقائه. ولهذا لم تسقطِ القلعةُ يوم اقتحمها الجنود، لأنَّ القلاع لا تسقط عندما تُقتحم، بل عندما تفقد معناها. أمّا الشقيف فقد احتفظت بمعناها، ولذلك بقيت حاضرة في الذاكرة أكثر ممّا بقي في الخرائط. ولعلّ ما منح هذا المعنى كلَّ هذه الحيويّة أنّ القلعة ارتبطت في الوجدان العربيّ بتجربة الفدائيّ الفلسطينيّ، الذي حوّل الدفاع عن موقعٍ محاصر إلى روايةٍ أوسع من حدود المكان نفسه.

لهذا يعود إليها نتنياهو اليوم، أو غداً، أو بعد أسبوع. لا يعود إلى موقعٍ أثريٍّ، بل إلى رمز. فصنّاع الروايات السياسية والعسكرية لا يلتقطون الصور عند الأماكن العاديّة؛ إنّهم يبحثون دائماً عن الأماكن المشحونة بالدلالة. الصورة هناك ليست صورةً مع الحجر، بل مع الرواية. محاولةٌ للقول إنَّ الزمن انتهى إلى حيث أراد المنتصر أن ينتهي. لكنَّ التاريخ لا يعمل بهذه البساطة.

فالانتصار العسكريُّ يلتقط صورة، أمّا الذاكرة فتلتقط معنى. والصورة تعيش سنوات، بينما المعنى قد يعيش قروناً.

لهذا تبدو قلعةُ الشقيف مكاناً استثنائيَّ الحضور في التاريخ العربيِّ الحديث. كلُّ من دخلها ظنَّ أنّه امتلكها، لكنّها بقيت تنتمي لأولئك الذين جعلوا منها مرادفاً للصمود. فالأماكن، في النهاية، لا يملكها من يقف فوقها، بل من يترك فيها جزءاً من روحه.

هنا يتردَّد صوتُ محمود درويش كأنَّه كُتب للقلعة نفسها: "هذه آياتُنا... فاقرأ! باسمِ الفدائيِّ الذي خلق من جزمةٍ أفقاً."

أيُّ قدرةٍ تلك التي تجعل من جزمةٍ أفقاً؟

إنّها القدرة على تحويل الشيء الصغير إلى معنى كبير. أن يصبح أثرُ القدم على التراب أوسع من حدود الجغرافيا. أن يتحوّل جسدٌ مُحاصر إلى فكرةٍ لا يمكن حصارها. فالفدائيُّ، في جوهر صورته الشعريّة عند درويش، ليس حاملَ بندقيّةٍ فحسب؛ إنّه صانعُ أفق، أي صانعُ إمكانيّة. يثبت أنّ الإنسان يستطيع، حتّى في أكثر لحظاته هشاشةً، أن يخلق معنىً يتجاوز قوّته المادّيّة.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً:

ما الذي تبقّى منّا؟ وما الذي تغيَّر فينا؟

تبقّى منّا ذلك الإيمان العنيد بأنَّ الأرض ليست عقاراً، بل ذاكرة. تبقّى ذلك الميل الغامض إلى الوقوف حين يبدو الوقوف مستحيلاً. تبقّت أسماءُ الذين رحلوا، لا بوصفها أسماءً في سجلِّ الشهداء، بل بوصفها علاماتٍ على الطريق.

لكنَّ أشياء كثيرةً تغيَّرت أيضاً.

تغيَّر الزمن. تغيَّرت الأدوات. تبدَّلت الخرائط والتحالفات واللغات. وصارت الهزائم أكثر تعقيداً من أن تُرى بالعين المجرّدة، والانتصارات أكثر التباساً من أن تُقاس بعدد المواقع المسيطر عليها. لم يعد السؤال: من يملك القلعة؟ بل: من يملك المعنى الذي تمثِّله القلعة؟

لأنَّ المعركة الحقيقيّة، بعد كلِّ هذه العقود، ليست على الشقيف نفسها، بل على روايتها.

هل هي قلعةٌ اقتُحمت؟

أم قلعةٌ أثبتت أنّ قلّةً من البشر تستطيع أن تجعل جيشاً كاملاً يدفع أثماناً لم يكن يتوقّعها؟

هل هي حجرٌ فوق تلّة؟

أم ذاكرةٌ تقول إنَّ الإنسان، حين يؤمن بقضيّته، يمكن أن يصبح أكبر من الحسابات العسكريّة كلِّها؟

لهذا، إذا اقتحم نتنياهو يوماً قلعة الشقيف ليلتقط صورة النصر، فإنَّ الكاميرا قد تلتقط وجهه، لكنّها لن تستطيع أن تلتقط ما يراه التاريخ. فالتاريخ لا يحفظ الصور بقدر ما يحفظ الأسئلة.

والشقيف، منذ أربعة عقود، لم تكن جواباً.

كانت سؤالاً.

وما زالت.

سؤالاً يطلُّ من بين الحجارة على كلِّ من يمرُّ بها:

من الذي انتصر حقّاً؟

أذلك الذي دخل القلعة يوماً؟

أم أولئك الذين جعلوا من القلعة معنىً لا يزال يُقاتل بعد رحيلهم؟

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس

درنة الليبية تنفض غبار الركام: إعمار متسارع يسابق ذكريات فاجعة 'دانيال'

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى من الخارطة بفعل الإعصار 'دانيال' في سبتمبر 2023، النهوض مجدداً من خلال عملية إعمار متسارعة. تشهد المدينة حالياً ورشة عمل كبرى تشمل تشييد جسور حديثة ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية وتعليمية، في محاولة لتجاوز آثار الكارثة التي لا تزال عالقة في أذهان السكان.

لا تزال صور ليلة العاشر من سبتمبر 2023 حاضرة بقوة، حين تسببت الأمطار الغزيرة في انفجار سدين متداعيين، مما أدى إلى تدفق طوفان من المياه بارتفاع سبعة أمتار. هذه الكارثة حصدت أرواح ما لا يقل عن 4 آلاف شخص، فيما اعتُبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح أكثر من 40 ألفاً من منازلهم التي طمرها الطمي.

تؤكد أسماء القزيري، وهي مواطنة فقدت العديد من أقاربها أن المدينة تشهد تغييراً ملحوظاً في بنيتها التحتية، واصفة الحالة بأنها 'تعافٍ' ملموس. ومع ذلك، تشير القزيري إلى أن الجروح النفسية لم تندمل بعد، مطالبة السلطات بوضع الصحة النفسية على رأس الأولويات للناجين الذين فقدوا عائلاتهم بالكامل.

ميدانياً، تتسارع الخطى في بناء مستشفى جديد يتسع لـ 600 سرير، بالإضافة إلى إعادة تأهيل عشرات المدارس وبناء جامعة جديدة وملعب لكرة القدم. كما يمتد كورنيش بحري جديد على مسافة 6.5 كيلومترات، مجهز بحماية متطورة ضد عوامل الطقس لضمان عدم تكرار مآسي الماضي.

أعمال الإعمار لم تقتصر على المرافق العامة، بل شملت محطة لتحلية مياه البحر وترميم جامع الصحابة التاريخي الذي عاد لاستقبال المصلين بحلة جديدة. هذه التحركات تهدف إلى إعادة الحياة الطبيعية لمدينة عانت لسنوات من النزاعات المسلحة قبل أن تضربها الكارثة الطبيعية.

يرى أشرف التارقي، وهو مشرف على ورش بناء فقد أفراداً من عائلته أن المساحات الخضراء التي بدأت تنتشر في المدينة تساهم في تحسين الحالة النفسية للسكان. ويعبر التارقي عن مشاعر مختلطة، حيث يثمن الإعمار لكنه يؤكد أن فقدان الأحبة لا يعوضه بناء المنازل أو الجسور مهما بلغت جودتها.

تاريخياً، مرت درنة بمحطات قاسية، من التمرد على نظام القذافي عام 2011 إلى وقوعها تحت سيطرة تنظيمات متطرفة، وصولاً إلى سيطرة قوات المشير خليفة حفتر في 2018. اليوم، تخضع المدينة لإشراف حكومة بنغازي التي جعلت من إعمار درنة واجهة لقدراتها الإدارية والتنفيذية في المنطقة الشرقية.

أوضح المهندس عادل بوخشيم، المسؤول في صندوق إعادة الإعمار أن نسبة الإنجاز في المشاريع الكبرى بلغت نحو 80%، متوقعاً اكتمال العمل خلال الأشهر الثمانية القادمة. وأشار إلى بناء 3500 شقة سكنية، تم تسليم 2500 منها بالفعل للمتضررين الذين فقدوا بيوتهم في الفيضانات.

تضمنت خطة الإعمار تشييد تسعة جسور جديدة، أربعة منها تعبر الوادي الذي كان مسرحاً للمأساة، حيث تحول المجرى الآن إلى مكان للتنزه. كما شملت الأعمال ترميم الأحياء التي نجت جزئياً من الإعصار، عبر تركيب أعمدة إنارة حديثة ورصف أرصفة جديدة لتحسين المظهر الحضري.

ساهمت 'حمى البناء' في توفير فرص عمل واسعة، ليس فقط لليبيين بل للعمالة الوافدة أيضاً، حيث يبدي العمال سرورهم من توافر الفرص المهنية. يقول أحمد شحاتة، وهو دهان مصري إن العمل متوفر في كل مكان بالمدينة، مما يعكس حجم الحراك الاقتصادي المرافق لعملية إعادة الإعمار.

كشفت كارثة 'دانيال' في بدايتها عن ترهل شديد في البنية التحتية وإهمال للسدود التي تعود لفترة السبعينات، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً في حينه. هذا الغضب دفع السلطات في شرق ليبيا إلى إنشاء صندوق إعمار خصصت له ملياري دولار لضمان سرعة الاستجابة وتفادي البيروقراطية.

يتولى بلقاسم حفتر، نجل المشير خليفة حفتر، الإشراف المباشر على الصندوق، حيث يسعى لتقديم درنة كنموذج للتنمية السريعة في البلاد. وخلال أقل من عامين، تغير المشهد العام للمدينة بشكل كلي، حيث اختفت أكوام الركام وحلت مكانها ورش البناء والآليات الثقيلة.

بالنسبة للمهندس بوخشيم، الذي فقد 15 فرداً من عائلته بينهم شقيقته وأطفالها، فإن المشاركة في الإعمار كانت وسيلة شخصية للتعافي من الصدمة. يقول متأثراً إن العمل في هذه المشاريع يجعله يشعر بأن الأرواح التي فُقدت لم تذهب هباءً، بل كانت دافعاً لبناء مدينة أفضل.

رغم الإنجازات العمرانية، يبقى التحدي الأكبر هو لم شمل المجتمع الدرناوي وتضميد جراحه العميقة التي خلفتها السيول. فبينما ترتفع البنايات وتتصل الجسور، لا تزال العديد من العائلات تنتظر معرفة مصير مفقوديها، مما يجعل مسار التعافي طويلاً ومعقداً يتجاوز حدود الحجر والأسمنت.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 8:55 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تعتمد صفقة دفاعية للكويت بملياري دولار لمواجهة المسيرات

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن موافقتها الرسمية على صفقة عسكرية محتملة لتزويد دولة الكويت بأنظمة دفاعية متطورة مخصصة للتصدي للطائرات المسيرة. وتبلغ القيمة التقديرية لهذه الصفقة نحو 1.98 مليار دولار، حيث تم إخطار الكونغرس الأمريكي بهذا القرار تمهيداً لإتمام الإجراءات القانونية والتعاقدية اللازمة.

وتتضمن الحزمة الدفاعية تزويد الجيش الكويتي بمنظومات متكاملة للمراقبة والكشف والاستجابة السريعة للتهديدات الجوية، بالإضافة إلى تقنيات اعتراض الطائرات بدون طيار. وأوضحت مصادر رسمية أن هذه الخطوة تأتي في إطار دعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تعزيز أمن الحلفاء الاستراتيجيين في منطقة الخليج العربي.

من المقرر أن تتولى شركة 'أندوريل' الأمريكية، الرائدة في مجال تقنيات الدفاع والأنظمة الذاتية، دور المتعاقد الرئيسي لتنفيذ هذه الاتفاقية. ويهدف هذا التعاون التقني إلى رفع كفاءة الدفاعات الكويتية وحماية المنشآت الحيوية من أي اختراقات جوية محتملة، خاصة في ظل تصاعد وتيرة التوترات الإقليمية الراهنة.

تأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الحوادث الأمنية الخطيرة، حيث كشف الجيش الكويتي مؤخراً عن تصديه لثلاثين صاروخاً بالستياً وطائرة مسيرة أُطلقت من الجانب الإيراني. وقد أسفرت تلك الهجمات عن وقوع ضحايا وإصابات بين المدنيين، بالإضافة إلى إلحاق أضرار مادية جسيمة بمبنى الركاب الرئيسي في مطار الكويت الدولي.

وعلى الصعيد الإنساني، أكدت وزارة الصحة الكويتية أن الهجمات الأخيرة أدت إلى وفاة مقيم من الجنسية الهندية وإصابة 63 شخصاً بجروح متفاوتة. وتسببت هذه الاعتداءات في حالة من الاستنفار الأمني والمدني، مما دفع السلطات إلى تسريع وتيرة تحديث منظوماتها الدفاعية لضمان سلامة الأجواء والمواطنين.

من جانبها، جددت الحكومة الكويتية موقفها الحازم برفض استخدام أراضيها أو مجالها الجوي كمنطلق لأي عمليات عسكرية تستهدف دول الجوار. وفندت الكويت كافة الادعاءات الإيرانية التي اتهمتها بالمشاركة في تسهيل ضربات أمريكية، واصفة تلك الاتهامات بأنها عارية عن الصحة ولا تستند إلى أي حقائق ميدانية.

وفي المقابل، بررت طهران استهدافها للمنشآت الكويتية والبحرينية بزعم تورط البلدين في دعم هجمات أمريكية سابقة طالت مواقع داخل الأراضي الإيرانية. وتعيش المنطقة حالة من الترقب العسكري في ظل استمرار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، مما يجعل صفقة الدفاع الجوي الجديدة ضرورة استراتيجية للكويت لحماية سيادتها.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع ثقافي جديد بطنجة.. حركة التوحيد والإصلاح تعيد الاعتبار للكتاب وبناء الوعي

تستعد مدينة طنجة المغربية لاستقبال صرح ثقافي جديد مطلع شهر تموز/ يوليو المقبل، حيث تعتزم حركة التوحيد والإصلاح افتتاح مكتبتها الجديدة في منطقة 'فال فلوري'. وتأتي هذه الخطوة في إطار مبادرة استراتيجية تهدف إلى دمج الأبعاد التربوية والفكرية، وإعادة الاعتبار للكتاب كوسيلة أساسية لبناء الوعي المجتمعي وترسيخ الهوية الوطنية والإسلامية.

ويتزامن تدشين المكتبة مع إطلاق برنامج صيفي مكثف يحمل شعار 'صيف مفيد.. إيمان راسخ.. مجتمع واعد'، وهو مشروع يستهدف كافة الفئات العمرية. وتسعى الحركة من خلال هذا البرنامج إلى تقديم نموذج يزاوج بين التحصيل المعرفي الرصين والتأطير القيمي، إلى جانب الأنشطة الترفيهية التي تساهم في بناء الشخصية المتوازنة.

ولا تقتصر وظيفة المكتبة الجديدة على الإعارة التقليدية للكتب، بل صُممت لتكون مركزاً ثقافياً مفتوحاً للباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن العام. وتطمح الإدارة إلى أن يصبح هذا الفضاء منصة للحوار المعرفي، خاصة للناشطين المهتمين بالقضايا الحضارية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ويحتوي الرصيد الوثائقي للمكتبة على تنوع ثري يشمل مجالات الفكر الإسلامي، والعلوم الشرعية، والتاريخ، والأدب، والفلسفة. ويمثل هذا الرصيد امتداداً لمسار طويل من التراكم المعرفي الذي حرصت الحركة على تنميته عبر عقود من العمل الثقافي والدعوي في المنطقة.

ومن المقرر أن يرافق الافتتاح إطلاق مبادرة 'المقهى الثقافي'، وهي مساحة مخصصة للنقاشات الفكرية المفتوحة والحوارات حول الإصدارات الحديثة. وستنظم المبادرة لقاءات دورية وندوات نقدية تستمر طوال فصل الصيف، مما يعزز من حيوية الفضاء الثقافي في مدينة طنجة.

ويستند المشروع إلى إرث تاريخي بدأ بتبرعات أعضاء الحركة في حي السواني قديماً، حيث ساهمت شخصيات علمية بارزة في تأسيس هذه النواة. ومن أبرز هؤلاء الراحل التهامي بوعرفة، الذي لا تزال كتبه الموقعة بخط يده تشهد على تواصل الأجيال في خدمة المعرفة.

كما برز دور الأستاذ محمد الميموني، الكتبي المتقاعد، في دعم هذا المشروع من خلال توفير عناوين نادرة وتسهيلات لاقتناء أمهات الكتب. ومن المتوقع أن يشارك الميموني في أنشطة المقهى الثقافي لنقل تجربته الطويلة في عالم المكتبات إلى الأجيال الشابة.

وشهدت المكتبة مؤخراً تدفق مجموعات خاصة تعود لعلماء ودعاة مغاربة بارزين، مما رفع من قيمتها العلمية والتاريخية. ومن أهم هذه المجموعات مؤلفات الشيخ الراحل عبد الباري الزمزمي، التي تغطي مجالات التفسير والحديث والفقه والتاريخ والأدب.

وأعلنت إدارة المكتبة عن خطة لتخصيص فهرسة مستقلة لتراث الشيخ الزمزمي، لضمان سهولة وصول الباحثين إلى إنتاجه العلمي. كما استقبلت المكتبة رصيداً آخر للداعية الراحل محمد بخات الإدريسي، الذي عُرف بنشاطه الاجتماعي والدعوي المتميز في المغرب.

وفي سياق الاهتمام بالقضايا المركزية، تحتضن المكتبة 'موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية' للمفكر عبد الوهاب المسيري. وقد تم اقتناء هذه الموسوعة منذ عام 2002، تأكيداً على ضرورة الفهم المعرفي العميق للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي بعيداً عن الانفعالات العابرة.

ويعكس وجود مراجع المسيري توجهاً لترسيخ الثقافة البحثية في مقاربة القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية وعي ومعرفة في المقام الأول. وتهدف المكتبة من خلال هذه المراجع إلى تزويد الشباب بالأدوات العلمية اللازمة لفهم أبعاد المشروع الصهيوني وتحدياته.

وحفاظاً على هذه الكنوز المعرفية، أقرت إدارة المكتبة نظاماً صارماً يمنع إعارة الكتب خارج المقر إلا في حالات استثنائية جداً. وجاء هذا القرار بعد فقدان بعض الأجزاء الهامة من الموسوعات، مما جعل الحفاظ على الرصيد المتراكم أولوية قصوى للإدارة.

وبالتوازي مع الجانب المكتبي، ينطلق 'الملتقى القرآني الصيفي' الذي يركز على حفظ وتجويد القرآن الكريم للأطفال والشباب. ويتضمن البرنامج أيضاً رحلات تربوية ورياضية وسياحية إلى الشواطئ والغابات المحيطة بمدينة طنجة، لخلق بيئة ترفيهية هادفة.

وتؤكد حركة التوحيد والإصلاح أن هذا الاستثمار في الإنسان يتجاوز التعليم النظامي إلى بناء الشخصية والوعي الشامل. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يراهن المشروع على بقاء الكتاب الورقي جسراً يربط الأجيال الجديدة بتراثها الفكري وقضايا أمتها.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

أنطولوجيا 'يجب أن تعيش'.. صرخة شعراء فلسطين في وجه الإبادة والمحو

في ظل الحروب الكبرى التي تعصف بالوجود الفلسطيني، لم يعد الشعر مجرد ترف أدبي أو وسيلة لتسجيل الآلام، بل استحال إلى أداة حيوية للبقاء والمقاومة الرمزية. تتجلى هذه الحقيقة بوضوح في الأنطولوجيا الشعرية الجديدة التي تحمل عنوان 'يجب أن تعيش: شعر جديد من فلسطين'، والتي أشرفت على تحريرها الشاعرة الأمريكية المرموقة جوري غراهام.

تضم هذه المختارات أصواتاً شعرية شابة ومخضرمة من قطاع غزة والضفة الغربية، وثقت تجاربها في خضم واحدة من أكثر المراحل دموية في التاريخ الفلسطيني المعاصر. لا تكتفي هذه النصوص بتقديم صورة أدبية عن الواقع، بل تطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الكلمة وقدرتها على الصمود أمام آلة القصف والدمار التي تحاول محو الهوية.

لطالما ارتبط الأدب الفلسطيني بفكرة الشهادة والالتزام الوطني منذ جيل محمود درويش وسميح القاسم، إلا أن هذا الإصدار يكشف عن تحول نوعي في الكتابة لدى الجيل الجديد. هؤلاء الشعراء الذين نشأوا في ظل الحصار الرقمي والحروب المتكررة، يكتبون اليوم من قلب التجربة الإنسانية الملموسة بعيداً عن الشعارات الخطابية الكلاسيكية.

تنشغل القصائد في الأنطولوجيا بالتفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر الحياة تحت الاحتلال، مثل البيت والأم والطريق ومشاعر الخوف والحب. إنها كتابة تنطلق من الهم اليومي لتصل إلى آفاق إنسانية كونية، حيث يصبح الحفاظ على الذاكرة الشخصية فعلاً سياسياً بامتياز في مواجهة محاولات الإلغاء والنفي.

من أبرز سمات هذه المختارات هي كسر الصورة النمطية للشاعر الفلسطيني كصوت سياسي صارم، حيث تبرز النصوص ملامح الهشاشة والضعف البشري. فالإنسان الفلسطيني يظهر هنا ككائن عادي يحاول النجاة والحفاظ على أحلامه وسط عالم ينهار، مما يعيد القضية من فضاء التجريد السياسي إلى فضاء التجربة البشرية الملموسة.

يحضر الموت في نصوص الأنطولوجيا بشكل مباشر ويومي، لكنه يفتقر إلى الرومانسية أو الاحتفالية التي ميزت أدبيات الحروب السابقة. الموت هنا يبدو 'مبتذلاً' من فرط تكراره، مما يدفع الشعراء للتركيز على أثره العميق في الأحياء والأمكنة التي تتحول فجأة إلى فراغات موحشة تستوجب الرثاء والتوثيق.

رغم كثافة حضور الفقد، فإن العنوان 'يجب أن تعيش' يمثل إعلاناً فلسفياً وأخلاقياً يتحدى منطق الإبادة الجماعية. فالحياة في هذه القصائد ليست مجرد حالة بيولوجية، بل هي فعل مقاومة مستمر يتطلب إرادة صلبة لانتزاع المعنى من قلب الخراب والدمار المحيط بالإنسان الفلسطيني.

تبرز السخرية السوداء في المختارات كآلية دفاعية نفسية وجمالية يلجأ إليها الشعراء لفهم العبث المحيط بهم. حين يتجاوز الواقع حدود الخيال في قسوته، تصبح السخرية وسيلة للحفاظ على التوازن النفسي، حيث تدمج الصور الشعرية بين المأساة والفكاهة الصادمة لتكشف عن قدرة الإنسان على الصمود.

تشير الأنطولوجيا أيضاً إلى تحولات عميقة في بنية القصيدة الفلسطينية، حيث تبتعد عن الإيقاع التقليدي واللغة المباشرة نحو أشكال أكثر حرية وتفكيكاً. تتداخل في هذه النصوص اليوميات والسرد والتأملات الفلسفية، مما يعكس تأثراً بالمدارس الشعرية العالمية مع الحفاظ على الخصوصية والهوية الوطنية.

تكمن القيمة الكبرى لهذا العمل في كونه أرشيفاً إنسانياً يحمي الذاكرة والرواية من المحو الممنهج الذي يمارسه الاحتلال. فالكتابة هنا هي شكل من أشكال المقاومة الثقافية التي ترفض تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار، وتؤكد على حقهم في أن يُروا ويُسمعوا كبشر مبدعين.

المحررة جوري غراهام، الحائزة على جائزة بوليتزر، تعد من أهم الأصوات الشعرية في الولايات المتحدة، وقد عرفت باهتمامها بالقضايا الوجودية والأخلاقية الكبرى. انخراطها في تحرير هذا الكتاب يعكس رؤيتها للشعر كأداة للشهادة الأخلاقية التي لا تنفصل عن قضايا العدالة الإنسانية والتغيرات السياسية العالمية.

لم تكن غراهام يوماً ناشطة سياسية بالمعنى التقليدي، لكن موقفها من فلسطين نبع من إيمان عميق بضرورة إيصال أصوات المبدعين الذين يعيشون ظروفاً استثنائية. لقد سعت من خلال هذا المشروع إلى إدخال الشعر الفلسطيني إلى قلب المشهد الأدبي العالمي، معتبرة إياه أدباً حياً يمتلك قيمة جمالية مستقلة.

تؤكد غراهام في تقديمها للمختارات أن القصائد الفلسطينية تمثل دفاعاً مستميتاً عن الكرامة الإنسانية في وجه العنف المفرط. وهي ترى أن مهمة الأدب الأساسية هي حماية التجربة البشرية من الاختزال، ومنح الصوت لمن تحاول القوى الكبرى إسكاتهم أو تهميش تجاربهم الوجودية العميقة.

في نهاية المطاف، يمثل كتاب 'يجب أن تعيش' جسراً ثقافياً يربط بين مأساة غزة والضفة وبين القارئ العالمي بلغة إنسانية رفيعة. إنه تذكير دائم بأن وراء كل خبر سياسي هناك بشر يواصلون الحب والحلم والكتابة، وأن الشعر يظل الحصن الأخير للذاكرة في مواجهة النسيان والمحو.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

المقاومة الفلسطينية في ميزان حركات التحرر العالمية: قراءة في كتاب جديد

صدر حديثاً عن مركز الجزيرة للدراسات مؤلف جماعي بعنوان 'المقاومة الفلسطينية في سياق حركات التحرر العالمية'، والذي يسعى لتقديم قراءة معمقة في البنى والاستراتيجيات التي تحكم النضال الفلسطيني. يأتي هذا الكتاب في توقيت حساس أعقب عملية 'طوفان الأقصى'، ليعيد وضع القضية في صدارة الاهتمام الأكاديمي والسياسي الدولي.

ينطلق محررو الكتاب من فرضية جوهرية مفادها أن أحداث السابع من أكتوبر لا يمكن عزلها عن سياقها التاريخي الطويل. ويرى الباحثون أن ما جرى يمثل حلقة متقدمة ضمن مسار مقاوم ممتد لأكثر من قرن، رافضين القراءات الاختزالية التي تسوقها بعض المنصات الغربية بتجاهل الجذور الاستعمارية للصراع.

يعتمد الكتاب على منهج التاريخ المقارن كأداة تحليلية رئيسية لفهم التجربة الفلسطينية. حيث يتم وضع المقاومة في فلسطين جنباً إلى جنب مع تجارب التحرر في الجزائر والمغرب وفيتنام وجنوب إفريقيا، بهدف استخلاص الدروس المشتركة وفهم العوامل التي تسهم في تطور حركات المقاومة.

تؤكد الأطروحة المركزية للعمل أن المقاومة هي عملية تاريخية مركبة تتشكل بفعل تفاعل البنى الاجتماعية والسياسية مع طبيعة الاستعمار. ولذلك، فإن فهم الحالة الفلسطينية يقتضي تجاوز الخصوصية المحلية للنظر في تجارب الشعوب التي واجهت أنظمة الهيمنة والاستيطان عبر العصور المختلفة.

في الفصل الأول، يتتبع الباحث بلال محمد شلش خطاً تاريخياً متصلاً للمقاومة منذ ثورة الشيخ عز الدين القسام عام 1935. ويبرز البحث التحولات التنظيمية والفكرية التي طرأت على الفصائل الفلسطينية، وصولاً إلى تطور كتائب القسام وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الميدانية والسياسية.

من جانبه، يقدم الباحث علاء جمال النجار تحليلاً للاستراتيجيات العسكرية المبتكرة التي ظهرت خلال 'طوفان الأقصى'. ويصف النجار هذه المرحلة بأنها 'مدرسة ثورية فريدة' تدمج بين حرب العصابات والحروب غير المتماثلة، مع التركيز على تكتيكات الأنفاق والدفاع المرن والحرب النفسية.

تتناول الباحثة فاطمة الصمادي في دراستها 'اللغة المبصرة' وسلطتها الرمزية من خلال تحليل خطابات الناطق العسكري 'أبو عبيدة'. وترى الصمادي أن هذا الخطاب يتجاوز مجرد الوصف العسكري لبناء وعي جمعي وتشكيل سردية مقاومة قادرة على التأثير في الجمهور المحلي والدولي.

يربط الباحث المكسيكي مويزيس غارسيا بين منطق الاستعمار الاستيطاني الإسباني في الأمريكتين والمشروع الصهيوني في فلسطين. ويخلص إلى أن 'انتزاع الأرض' هو العنصر المركزي المشترك، محللاً آليات الإبادة والتضامن القائم بين حركات المقاومة العابرة للقارات.

يسلط الكتاب الضوء على الثورة الجزائرية (1954-1962) كنموذج رائد في تصفية الاحتلال الاستيطاني الفرنسي. ويستعرض الباحث مصطفى داودي كيف نجحت القيادة الجماعية وحرب العصابات والدبلوماسية النشطة في تدويل القضية وتحقيق الاستقلال رغم العنف الاستعماري المفرط.

وفي سياق المغرب العربي، يستعرض المحررون تجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي في ثورة الريف. وتبرز الدراسة قدرة الخطابي على توحيد القبائل وبناء جيش نظامي يعتمد تكتيكات مبتكرة، مما جعل تجربته ملهمة للعديد من حركات التحرر العالمية في القرن العشرين.

تنتقل الدراسات إلى جنوب شرق آسيا لتحليل استراتيجية المقاومة الفيتنامية القائمة على 'حرب الشعب'. ويركز الباحث ليو سيانيبار على عناصر النجاح الثلاثة: التعبئة الجماهيرية الشاملة، وشبكات الدعم الدولية، والقدرة اللوجستية الفائقة التي ميزت النضال الفيتنامي ضد القوى الكبرى.

كما يفرد الكتاب مساحة لنضال جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري 'الأبارتهايد'. ويتتبع الباحث نعيم جيناه التحول من المقاومة السلمية إلى الكفاح المسلح، موضحاً جدلية العمل السياسي والعسكري ودور الدعم الدولي في تقويض أركان النظام العنصري.

يختتم الكتاب بخلاصات مقارنة شاملة أعدها عز الدين عبد المولى والحاج محمد الناسك حول جدلية الخصوص والعموم. ويؤكد المحرران أن المقاومة الفلسطينية تقدم اليوم نموذجاً معاصراً وفريداً في مواجهة استعمار استيطاني حديث، مستفيدة من إرث حركات التحرر العالمية.

إن هذا العمل الأكاديمي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية والدولية، كونه يخرج القضية الفلسطينية من إطار 'الحالة الاستثنائية'. فهو يثبت بالدليل التاريخي والمقارن أنها جزء أصيل من كفاح البشرية ضد الظلم، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم مستقبل الصراع واستراتيجيات التحرر.

تحليل

السّبت 06 يونيو 2026 7:54 صباحًا - بتوقيت القدس

طبول حرب أوسع: لماذا تتحول اتفاقات وقف النار إلى عتبات للتصعيد؟

تشير القراءة المتأنية للمشهد الميداني في لبنان وفلسطين إلى أن اتفاقات وقف إطلاق النار المعلنة لم تكن سوى فترات انتقالية لفتح جبهات جديدة وتوسيع رقعة النار. ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق تدوينات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الوساطة، إلا أن الواقع على الأرض في جنوب لبنان شهد وتيرة أعنف من القصف الإسرائيلي، مما يعكس فجوة عميقة بين التصريحات السياسية والتحركات العسكرية.

وفي قطاع غزة، تكرر سيناريو الالتفاف على التفاهمات، حيث تراجعت قوات الاحتلال عن استحقاقات 'خطة ترامب' للسلام، وبدلاً من الانسحاب، عمدت إلى زيادة مساحة سيطرتها لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع. هذا التوسع ترافق مع تضييق خانق على دخول المساعدات الإنسانية التي لم تتجاوز 20% من الحصص المتفق عليها، مما أفرغ الاتفاق من محتواه الإنساني والسياسي.

سجلت المصادر الميدانية أكثر من ثلاثة آلاف خرق إسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025، مما أدى إلى ارتقاء نحو ألف شهيد فلسطيني جديد. هذه الخروقات لم تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، بل شملت عمليات اغتيال ممنهجة استهدفت قيادات المقاومة، وسط صمت مطبق من الإدارة الأمريكية التي لم تبدِ أي اعتراض جدي على تقويض خطتها المزعومة.

المشهد في الضفة الغربية وسوريا ليس بعيداً عن هذا التصعيد، حيث تواصل سلطات الاحتلال خطط الضم والاستيطان وتفكيك السلطة الفلسطينية تمهيداً لإلغاء اتفاقات أوسلو قانونياً. وفي الجبهة السورية، استغل الاحتلال حالة الهدوء النسبي ليقضم مساحات واسعة من الجنوب السوري تعادل ضعف مساحة غزة، مضافاً إليها الجولان المحتل، في ظل غياب أي رد فعل دولي وازن.

أما على الجبهة اللبنانية، فقد أثبتت التطورات أن سياسة الأرض المحروقة وإخلاء القرى الحدودية لم تنجح في كسر إرادة المقاومة أو تأمين المستعمرات الشمالية. ورغم ادعاءات الاحتلال بالسيطرة على نقاط استراتيجية مثل قلعة الشقيف، إلا أن طائرات حزب الله المسيرة وصواريخه الموجهة بالألياف الضوئية لا تزال تستنزف قدرات جيش الاحتلال وتوقع خسائر يومية في صفوف ضباطه وجنوده.

وعلى الصعيد الإقليمي، تبدو المواجهة الإيرانية الأمريكية مرشحة للانفجار رغم استمرار جولات التفاوض المتعثرة بسبب تعارض الأهداف الجذرية بين الطرفين. وتؤكد تقارير استخباراتية أن طهران نجحت في تعزيز دفاعاتها الجوية عبر شراكات مع الصين وروسيا، مع احتفاظها بترسانة صاروخية ضخمة في منشآت محصنة تحت الجبال، مما يجعل خيار الحرب الشاملة مكلفاً جداً للجانب الأمريكي.

إن الحالة الراهنة تشير بوضوح إلى أن المنطقة تذهب نحو حرب أوسع وأكثر شمولاً، حيث لم يحقق الاحتلال أهدافه الاستراتيجية رغم حجم الدمار الهائل. وفي المقابل، تواصل قوى المقاومة تطوير تكتيكات 'حرب العصابات' واستخدام تقنيات متطورة في الاستنزاف، مما يجعل حسم الصراع عسكرياً أمراً بعيد المنال ويفتح الباب أمام جولات مواجهة قد تشمل كافة الجبهات في آن واحد.

أقلام وأراء

السّبت 06 يونيو 2026 7:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الجملوكية العابرة للقارات: كيف تحول الحكم في الجمهوريات والديمقراطيات إلى شأن عائلي؟

ابتكر الإعلام العربي مصطلح 'الجملوكية' للتعبير عن الحالة الهجينة التي تعيشها بعض الأنظمة، حيث تتدثر بعباءة الجمهورية بينما تمارس الملكية الوراثية في أبهى صورها. وقد تجلى هذا النموذج في عدة دول عربية، بدءاً من سوريا وانتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ولده بشار، وصولاً إلى محاولات التوريث في مصر وليبيا واليمن قبل اندلاع ثورات الربيع العربي.

لا يقتصر التوريث على الأنظمة الشمولية فحسب، بل يمتد ليشمل الساحة اللبنانية التي تُعد نموذجاً فريداً للديمقراطية الحزبية الوراثية. فالعائلات السياسية مثل آل شمعون وآل الجميل وآل جنبلاط حافظت على مقاعدها القيادية عبر الأجيال، مما جعل العمل الحزبي مرتبطاً بالجينات العائلية أكثر من البرامج السياسية المتغيرة.

وفي السودان، برزت زعامة حزب الأمة كنموذج آخر لتوارث النفوذ الديني والسياسي، حيث انتقلت القيادة من عبد الرحمن المهدي إلى ابنه الصديق ثم حفيده الصادق المهدي. هذا النمط من القيادة يعكس تجذر الولاءات العائلية في بنية الأحزاب السياسية الكبرى في المنطقة العربية، متجاوزاً الأطر الديمقراطية التقليدية.

وعلى ضفة أخرى، تبرز الولايات المتحدة التي تقدم نفسها كوصية على الديمقراطية العالمية، لكنها لا تخلو من ممارسات التوريث السياسي الواضحة. فقد أعد الرئيس جون كينيدي شقيقه روبرت ليكون ولياً للعهد عبر تعيينه مدعياً عاماً، قبل أن تنتهي طموحات العائلة باغتيال روبرت على يد الفلسطيني سرحان بشارة عام 1968.

عائلة بوش قدمت مثالاً صارخاً آخر، حيث ورث جورج دبليو بوش كرسي الرئاسة عن والده جورج هيربرت بوش، في مشهد يعيد للأذهان الأنظمة الملكية. كما حاولت عائلة كلينتون الحفاظ على نفوذها من خلال دفع هيلاري كلينتون لخوض السباق الرئاسي، مما يعزز فكرة 'العائلات الحاكمة' داخل النظام الديمقراطي الأمريكي.

لكن الجريمة الأكبر في حق البشرية، كما يصفها المحللون، كانت في عهد الرئيس أيزنهاور حين سلم مقاليد السياسة الخارجية والمخابرات للأخوين دلاس. فقد تولى جون فوستر دلاس وزارة الخارجية، بينما ترأس شقيقه ألين وكالة المخابرات المركزية، ليتحول القرار السيادي الأمريكي إلى 'بزنس عائلي' بامتياز.

تسبب الشقيقان دلاس في موجة من الاضطرابات العالمية التي لا يزال العالم يعاني من تبعاتها حتى اليوم، خاصة في فيتنام وإيران وغواتيمالا. وقد اتسمت سياستهما بالدموية والاعتماد على الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية لفرض الهيمنة الأمريكية وتأمين مصالح واشنطن في القارات المختلفة.

في عام 2013، صدر كتاب 'الأخوان' ليسلط الضوء على هذه الحقبة، حيث وصفت رئيسة تحرير الغارديان الكتاب بأنه يفسر سبب كراهية معظم دول العالم للسياسة الأمريكية. الكتاب يكشف كيف غرس الشقيقان 'الفيروس الأمريكي' في أوصال النظام العالمي عبر صياغة مبادئ تبرر التدخل العسكري المباشر والمستتر.

كان 'مبدأ أيزنهاور' الذي صاغه الأخوان دلاس يهدف بالأساس لملء الفراغ الذي تركه الاستعمار البريطاني والفرنسي في الخمسينيات. وقد منح هذا المبدأ واشنطن الذريعة للتدخل في أي بلد تظهر فيه بوادر نفوذ سوفييتي، مما حول العالم إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى العظمى على حساب سيادة الشعوب.

وفي الشرق الأوسط، كان للأخوين دلاس دور محوري في هندسة التدخل العسكري في لبنان عام 1958 لدعم حكومة كميل شمعون. كان الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل هو منع لبنان من الانخراط في مشروع الوحدة العربية الذي قاده جمال عبد الناصر، وتطويق المد القومي الذي كان يهدد المصالح الغربية.

العداء الشخصي والسياسي تجاه جمال عبد الناصر كان واضحاً في تصريحات ألين دلاس، الذي هدد صراحة بتمزيق الزعيم المصري إذا استمر في سياساته الوحدوية. هذا الموقف يعكس النظرة الاستعلائية التي كان يدار بها الملف العربي، حيث كان يُنظر للوحدة العربية كخطر وجودي يجب تحطيمه بكافة الوسائل.

نشأ الأخوان دلاس في بيئة دينية متشددة ترى نفسها أعلى شأناً من الآخرين، وهو ما انعكس على رؤيتهما السياسية للعالم. فقد ورثا عن جدهما، الذي كان وزيراً للخارجية ومهندساً لأول انقلاب خارجي في هاييتي، نظرة استعمارية تعتبر الشعوب الأخرى 'برابرة' يحتاجون للتمدين القسري.

هذه الخلفية العائلية أنتجت نظرة 'مانوية' للكون، تقسم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق، إما 'معنا أو علينا'. هذه العقلية الإقصائية كانت المحرك الأساسي للتدخلات الأمريكية التي خلفت حصاداً مراً في عشرات البلدان، حيث دُمرت أنظمة ديمقراطية ناشئة لصالح ديكتاتوريات عسكرية موالية لواشنطن.

إن قصة الأخوين دلاس والأنظمة 'الجملوكية' العربية تلتقي في نقطة واحدة، وهي تغليب المصالح العائلية والضيق بالديمقراطية الحقيقية. وسواء كان التوريث في دمشق أو واشنطن، فإن النتيجة واحدة: تهميش إرادة الشعوب وتحويل مقدرات الدول إلى إرث خاص يتداوله الأبناء والإخوة بعيداً عن صناديق الاقتراع النزيهة.

رياضة

السّبت 06 يونيو 2026 7:24 صباحًا - بتوقيت القدس

بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي 'فيفا' ويطالب بـ 25 مليون دولار

دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في نزاع قانوني معقد أمام القضاء الفيدرالي الأمريكي، بعدما أقام الفنان البيئي الشهير روبرت وايلاند دعوى قضائية تطالب بتعويضات مالية ضخمة. وتأتي هذه الخطوة على خلفية إزالة إحدى أبرز جدارياته الفنية في مدينة دالاس، والتي كانت تعد معلماً بصرياً للمدينة منذ عقود طويلة.

وتتمحور القضية حول جدارية تحمل اسم 'حائط صيد الحيتان 82'، والتي كانت تزين واجهة أحد المباني المركزية في دالاس لأكثر من ثلاثين عاماً. وقد تمت إزالة هذا العمل الفني في إطار عمليات إعادة التطوير العمراني التي تشهدها المدينة استعداداً لاستضافة مباريات بطولة كأس العالم 2026.

ويطالب وايلاند في دعواه بتعويض يصل إلى 25 مليون دولار، متهماً الفيفا والجهات المحلية المنظمة بتجاهل القيمة الفنية والتاريخية للعمل. ويرى الفنان أن تدمير الجدارية تم دون الحصول على موافقته المسبقة، مما يعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الملكية الفكرية والمعنوية التي يكفلها القانون.

تستند المرافعة القانونية لوايلاند إلى 'قانون حماية حقوق الفنانين البصريين' (VARA)، وهو تشريع فيدرالي يحمي الأعمال الفنية ذات المكانة المعترف بها من التشويه أو التدمير. ويؤكد الفريق القانوني للفنان أن الجدارية لم تكن مجرد طلاء على جدار، بل كانت كياناً فنياً مستقلاً يحظى بحماية قانونية خاصة.

ويُعد روبرت وايلاند من الرواد في مجال الفن البيئي، حيث اشتهر بسلسلة جدارياته العالمية التي تهدف للتوعية بحماية المحيطات. وتعتبر جدارية دالاس الرقم 82 في هذه السلسلة، مما يجعل فقدانها خسارة كبيرة للإرث الفني الذي يسعى الفنان لتوثيقه في مختلف المدن الأمريكية.

تأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث تتسارع وتيرة الاستعدادات لاستضافة المونديال الأكبر في التاريخ بمشاركة 48 منتخباً. وتواجه المدن المستضيفة تحديات موازنة بين تحديث البنية التحتية والحفاظ على الهوية الثقافية والمعالم التاريخية التي تميزها.

ويرى مراقبون أن هذه القضية قد تفتح الباب أمام نقاشات أوسع حول حدود سلطة المنظمات الدولية والجهات الحكومية في تغيير ملامح المدن. فالمشاريع الكبرى المرتبطة بالأحداث الرياضية غالباً ما تصطدم بمصالح المجتمعات المحلية وحقوق المبدعين في الحفاظ على أعمالهم.

إن الجدارية التي أُزيلت لم تكن مجرد عنصر تجميلي، بل تحولت بمرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الجماعية لسكان دالاس. ويجادل المدافعون عن وايلاند بأن إتلاف مثل هذه الأعمال يمثل خسارة ثقافية لا يمكن تعويضها بالمال، رغم ضخامة المبلغ المطلوب في الدعوى.

وتسلط القضية الضوء على 'الحقوق المعنوية' للفنانين، وهي حقوق تظل مرتبطة بالمبدع حتى لو لم يكن يملك العقار الذي يضم العمل. ويهدف وايلاند من خلال هذا التحرك القضائي إلى تثبيت سابقة قانونية تمنع تكرار مثل هذه التجاوزات في مشاريع مستقبلية.

من جانبه، لم يصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم تعليقاً مفصلاً على الدعوى حتى الآن، لكن من المتوقع أن تتركز الدفوع القانونية حول ضرورة التطوير العمراني. وستكون المحكمة الفيدرالية أمام مهمة صعبة لتقدير القيمة الفنية مقابل الاحتياجات اللوجستية لبطولة عالمية.

وتشهد المدن الأمريكية المستضيفة لكأس العالم، مثل دالاس ولوس أنجلوس ونيويورك، تحولات جذرية في مرافقها العامة. وتراقب الأوساط الفنية والرياضية نتائج هذه القضية باهتمام كبير، نظراً لما قد تفرضه من قيود جديدة على عمليات الهدم والتطوير.

إن الصراع بين 'الحداثة الرياضية' و'الإرث الفني' يضع المنظمين في موقف محرج أمام الرأي العام المهتم بالبيئة والثقافة. فالفنان وايلاند يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة تدعم توجهاته في حماية البيئة البحرية عبر فنه، مما يزيد من الضغط الإعلامي على الفيفا.

وفي حال كسب وايلاند القضية، فإن ذلك قد يؤدي إلى مراجعة شاملة لكافة خطط التطوير في المدن الأخرى المستضيفة للمونديال. وقد تضطر الجهات المنظمة إلى إجراء مسوحات فنية دقيقة قبل البدء في أي أعمال إنشائية قد تمس أعمالاً فنية قائمة.

ختاماً، تظل قضية 'جدارية الحيتان' تذكيراً بأن استضافة الأحداث العالمية الكبرى لا تتعلق فقط بالملاعب والنتائج الرياضية. بل هي اختبار لمدى احترام الدول والمنظمات للقيم الإنسانية والثقافية التي تشكل جوهر المجتمعات التي تستضيف هذه الفعاليات.

فلسطين

السّبت 06 يونيو 2026 7:24 صباحًا - بتوقيت القدس

إدراج إسرائيل في 'قائمة العار' الأممية: أبعاد قانونية وضربة سياسية للاحتلال

يعود مصطلح 'القائمة السوداء' تاريخياً إلى العقد الثاني من القرن السابع عشر، حيث استُخدم كأداة للدلالة على الأشخاص المتهمين بالخيانة أو المشتبه بهم. وفي سياق الأمم المتحدة، يمثل هذا التصنيف أداة دولية لفضح الأطراف والدول التي تتورط في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان عبر تقارير رسمية دورية.

في تطور دبلوماسي لافت، أدرجت المنظمة الدولية مجدداً في الثامن والعشرين من مايو 2026، سلطات الاحتلال الإسرائيلي على 'القائمة السوداء' للدول والمنظمات المتورطة في ممارسة العنف في مناطق النزاع. وجاء هذا القرار ليعكس حجم التدهور الحقوقي في الأراضي المحتلة واستمرار السياسات العدوانية تجاه المدنيين الفلسطينيين.

شمل التقرير الأممي السنوي السابع عشر حول العنف في النزاعات، وبشكل صريح، كلاً من الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون، بالإضافة إلى وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة المعروفة باسم 'يمام'. واستند الإدراج إلى معلومات موثوقة تشير إلى أنماط مستمرة من الاعتداءات الجسدية والانتهاكات المروعة التي تفتقر لأي معايير أخلاقية.

كشف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن إحصائيات صادمة، حيث أشار إلى أن نحو ثلث الفلسطينيين الذين استشهدوا منذ سريان هدنة أكتوبر 2025، سقطوا في مناطق قريبة من خط الهدنة. وتعزز هذه الأرقام المخاوف الدولية من تعمد قوات الاحتلال إطلاق النار على المدنيين لمجرد اقترابهم من المناطق الحدودية دون تشكيل أي خطر.

من جانبه، وجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش انتقادات حادة للسلطات الإسرائيلية، متهماً إياها بالتقاعس المتعمد عن إجراء تحقيقات شفافة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وأكد غوتيريش أن إغلاق ملفات التحقيق مع جنود متورطين في جرائم بمعسكر 'سيدي تيمان' يساهم في تعزيز بيئة الإفلات من العقاب.

يُذكر أن هذا الإدراج ليس الأول من نوعه، فقد سبق للأمم المتحدة في يونيو 2024 أن وضعت إسرائيل في القائمة السنوية للجهات التي ترتكب انتهاكات جسيمة ضد الأطفال. وجاء ذلك القرار بعد ثمانية أشهر من الحرب الشاملة على قطاع غزة، والتي شهدت استهدافاً ممنهجاً للبنية التحتية والمنشآت التعليمية والصحية.

يمثل القرار الأممي الأخير ضربة قانونية وسياسية ودبلوماسية موجعة للكيان الصهيوني، كما يعد دعماً أخلاقياً لنضال الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية. ويرى مراقبون أن هذا التصنيف يعزز قناعة المجتمع الدولي بوحشية الممارسات الإسرائيلية في التعامل مع المدنيين العزل والاعتداء عليهم بوسائل همجية.

تكمن أهمية هذا القرار في كونه يفند الادعاءات الإسرائيلية المستمرة باحترام حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية أمام العالم. ومن خلال تسليط الضوء على المأساة الإنسانية في غزة والضفة، تصبح هذه التقارير أدوات قانونية حاسمة يمكن للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية الاستناد إليها في ملاحقة القادة المسؤولين.

من المتوقع أن يدعم هذا التقرير مواقف الدول التي انضمت للدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، وفي مقدمتها جنوب أفريقيا وإسبانيا. وقد يساهم الضغط الأممي في تسريع إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق قادة الاحتلال، مما يضيق الخناق عليهم ويحد من قدرتهم على الحركة دولياً.

تؤدي هذه التحركات القانونية إلى إجبار قادة الاحتلال على مراجعة سياساتهم الميدانية، خشية الملاحقة القضائية المستمرة. إن توثيق الإرهاب العسكري وإرهاب المستوطنين والتهجير القسري يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القوانين الدولية التي طالما حاولت القفز فوقها بدعم من قوى كبرى.

إن سياسة التدمير المتعمد لكافة مقومات الحياة في الأراضي الفلسطينية تعكس روح الانتقام والكراهية التي تتبناها الحكومات المتعاقبة في تل أبيب. وهذا السلوك يمثل قمة الاستخفاف بالمنظومة الدولية، مما جعل المنظمة الأممية تتجاهل محاولات سفير الاحتلال للتهرب من المسؤولية أو تبرير الجرائم المرتكبة.

في الختام، يفتح القرار الأممي الباب واسعاً أمام لجان التحقيق الدولية للعمل بحرية أكبر وتوثيق الجرائم الميدانية بشكل أكثر دقة. ويعد هذا الإنجاز الدبلوماسي ثمرة لصمود الشعب الفلسطيني وثباته في وجه آلة الحرب، مما حول 'القائمة السوداء' إلى 'قائمة عار' تلاحق الاحتلال في كل محفل.

GENERAL

السّبت 06 يونيو 2026 6:54 صباحًا - بتوقيت القدس

الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين.. مسيرة عالم رباني سخر حياته لخدمة العلم والتربية

يُعد الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين نموذجاً فريداً للعالم الرباني الذي جمع بين سعة العلم والتواضع الجم، حيث عُرف بمنهجه اليسير في تقريب مسائل الدين للعامة وحلمه الكبير مع الشباب. وقد تركت كلماته وتوجيهاته أثراً عميقاً في نفوس طلابه، إذ كان يركز دائماً على تعليق القلوب بالله وحده واللجوء إليه في المحن والشدائد.

ولد الفقيد في ليلة السابع والعشرين من رمضان عام 1347هـ بمدينة عنيزة في منطقة القصيم، ونشأ في بيئة علمية بدأت بحفظ القرآن الكريم على يد جده الشيخ عبد الرحمن الدامغ. ولم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره حتى كان قد أتم حفظ كتاب الله، ليبدأ بعدها رحلته في طلب العلوم الشرعية بالتحاقه بحلقات العلم في الجامع الكبير.

تأثر الشيخ ابن عثيمين بشكل جوهري بشيخه الأول عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حيث استقى منه المنهج التأصيلي وطريقة التدريس والاهتمام بالدليل الشرعي. كما ارتبط بعلاقة علمية وطيدة بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، الذي اعتبره شيخه الثاني، حيث قرأ عليه في صحيح البخاري ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية.

اتسمت حياة الشيخ المعيشية ببساطة نادرة وزهد حقيقي في مظاهر الدنيا، حيث قضى معظم سنوات عمره في بيت من طين بعيداً عن التكلف والترف. وبالرغم من مكانته المرموقة، إلا أنه كان يرفض المظاهر الفارهة في الملبس أو المركب، مفضلاً التواضع الذي جعله قريباً من قلوب الفقراء والأغنياء على حد سواء.

تجلت رعاية الشيخ لطلابه في مواقف عملية عديدة، لعل أبرزها تحويل العمارة التي أهداها له الملك خالد بن عبد العزيز إلى وقف سكني مجاني لطلاب العلم. ولم يكتفِ بذلك، بل افتتح لهم مطعماً خاصاً وهيأ مكتبة شاملة، ليخلق بيئة تعليمية متكاملة تجمع بين التحصيل العلمي وتوفير احتياجات الحياة الأساسية.

بدأت مسيرة الشيخ في التدريس مبكراً بتشجيع من شيخه السعدي الذي توسم فيه النجابة، حيث شرع في إلقاء الدروس عام 1370هـ وهو لا يزال طالباً. وبعد وفاة شيخه، تسلم إمامة الجامع الكبير في عنيزة، لتصبح حلقاته مقصداً لمئات الطلاب الوافدين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي طلباً للعلم الراسخ.

لم يقتصر نشاط الشيخ العلمي على مدينة عنيزة، بل امتد ليشمل الحرمين الشريفين، حيث كان يعقد حلقات علمية في مواسم الحج ورمضان منذ عام 1402هـ. وكانت دروسه في المسجد الحرام تمتد لمد البصر، حيث يجيب على أسئلة الناس بصدر رحب وعلم غزير، مما ساهم في نشر الوعي الديني الصحيح.

ترك الشيخ ابن عثيمين إرثاً علمياً ضخماً تجاوز الخمسين عاماً من العطاء، شمل عشرات الكتب والرسائل المحققة في التفسير والحديث والفقه. كما خلّف آلاف الساعات الصوتية المسجلة التي تتناول شرح المتون العلمية، والتي تتولى مؤسسته الخيرية حالياً جمعها وتحقيقها ونشرها عبر الوسائط الحديثة.

شغل الشيخ مناصب رسمية وعلمية رفيعة، كان أبرزها عضويته في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية منذ عام 1407هـ. كما ساهم بفعالية في وضع المناهج الدراسية للمعاهد العلمية، وكان ركناً أساسياً في برامج التوعية الإسلامية خلال مواسم الحج لسنوات طويلة.

اشتهر الشيخ بمشاركته الفاعلة في برنامج 'نور على الدرب' عبر إذاعة القرآن الكريم، حيث كان يجيب على تساؤلات المستفتين بأسلوب فقهي رصين ومبسط. وقد نذر نفسه لخدمة السائلين عبر الهاتف والمكاتبة، مخصصاً أوقاتاً محددة للقاءات العلمية الأسبوعية والشهرية التي لا تنقطع.

كان للشيخ حضور بارز في العمل الخيري والاجتماعي، حيث ترأس جمعية تحفيظ القرآن الكريم في عنيزة منذ تأسيسها، وسعى في حوائج الناس وإصلاح ذات البين. وقد حظيت اختياراته الفقهية بقبول واسع لدى جمهور المسلمين نظراً لالتزامه بالدليل الشرعي ووسطية المنهج التي كان يدعو إليها.

تقديراً لجهوده العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، مُنح الشيخ جائزة الملك فيصل العالمية عام 1414هـ، وهو تكريم جاء ليتوج مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي. وقد ظل الشيخ على عهده في نشر العلم حتى الأيام الأخيرة من حياته، رغم انشغالاته الكثيرة ومسؤولياته المتعددة.

انتقل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين إلى رحمة الله في مدينة جدة قبيل مغرب يوم الأربعاء 15 شوال 1421هـ، الموافق العاشر من يناير لعام 2001م. وقد شيعت جنازته في موكب مهيب من الحرم المكي، حيث ووري جثمانه الثرى في مقبرة العدل بمكة المكرمة وسط حزن عميق لف العالم الإسلامي.

يبقى تراث الشيخ ابن عثيمين سراجاً منيراً للأجيال القادمة، حيث استطاع بمؤلفاته وتسجيلاته أن يكسر الحواجز الجغرافية ويصل بعلمه إلى كل بيت. إن سيرته تمثل نموذجاً للمزاوجة الناجحة بين العلم والعمل، وبين التمسك بالأصالة الشرعية والانفتاح على وسائل العصر في تبليغ رسالة الإسلام.

اسرائيليات

السّبت 06 يونيو 2026 6:54 صباحًا - بتوقيت القدس

جدل في تل أبيب حول 'ثمن التبعية' لواشنطن بعد تسريبات مكالمة ترامب ونتنياهو

لا تزال أصداء المكالمة الهاتفية الأخيرة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسيطر على المشهد السياسي في تل أبيب. وقد كشفت تقارير عن استخدام ترامب لغة حادة تضمنت شتائم، مما فجر نقاشاً واسعاً حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.

يرى مراقبون أن هذه الحادثة أعادت طرح السؤال الجوهري حول مستقبل إسرائيل وقدرتها على الموازنة بين التحالف الاستراتيجي والتبعية الكاملة. فبينما يدرك الجميع أهمية الدعم الأمريكي، يبرز تخوف من أن يصبح القرار الأمني الإسرائيلي رهيناً للإدارة الأمريكية.

أكدت مصادر صحفية أن المساعدة الأمنية والتعاون الاستخباراتي والدعم السياسي الأمريكي تمثل أصولاً استراتيجية لا غنى عنها في منطقة مضطربة. ومع ذلك، شددت هذه المصادر على ضرورة التمييز بوضوح بين مفهوم التحالف القائم على المصالح المشتركة وبين التبعية التي تلغي استقلالية القرار.

تشير التحليلات إلى أن التاريخ يعلم الدول الصغيرة ضرورة الحفاظ على شراكات دولية قوية دون تسليم مصيرها بالكامل للآخرين. فالدولة التي أُقيمت لاتخاذ قراراتها السيادية لا يمكنها الاعتماد حصراً على نصائح الأصدقاء الذين لا يتحملون عواقب القرارات الخاطئة ميدانياً.

في الجبهة الشمالية، لا يزال المستوطنون يعيشون تحت تهديد مستمر من نيران حزب الله، مما يبرز فجوة مقلقة بين التصريحات الرسمية والواقع. ورغم الوعود برد حاسم في الضاحية الجنوبية لبيروت، يبدو أن مراكز صنع القرار لم تعد محصورة في تل أبيب وحدها.

هذا الوضع يثير قلقاً من أن يعتقد الخصوم، وتحديداً إيران وحزب الله أن الطريق لإيقاف أي تحرك عسكري إسرائيلي يمر حتماً عبر واشنطن. إن تراكم هذا الشعور لدى الأعداء يلحق ضرراً جسيماً بقوة الردع الإسرائيلية، وهو ضرر قد يفوق أي مكاسب تكتيكية مؤقتة.

لا تدعو الأصوات المنتقدة إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تطالب بشراكة تحترم سيادة كل طرف. فالتحالف الذي صمد لعقود يجب أن يسمح بوجود اختلافات في الرأي دون أن يؤدي ذلك إلى شلل في التحرك العسكري الضروري.

تؤكد المصادر أن إسرائيل مطالبة اليوم بأن تكون أكثر وضوحاً في إبلاغ حلفائها بأن مسؤولية حماية مواطنيها تقع على عاتقها وحدها. ولا يمكن إخضاع كل خطوة عسكرية أو قرار أمني حساس لضغوط سياسية دولية أو موافقات مسبقة من البيت الأبيض.

الوضع الراهن في الشمال يمثل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على اتخاذ قرارات صعبة ومستقلة عندما لا تتوفر خيارات أخرى. والرسالة الموجهة للحلفاء هي أن إسرائيل لا تطلب من الآخرين خوض حروبها نيابة عنها، بل تطلب احترام حقها في الدفاع عن نفسها.

يتحمل الجنود الإسرائيليون وعائلاتهم العبء الأكبر في هذه المواجهة، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا تنبع المطالبة بضرورة أن يمتلك القادة في تل أبيب الشجاعة الكافية لاتخاذ ما يلزم من قرارات دون انتظار ضوء أخضر خارجي.

التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل في السنوات القادمة لا يقتصر فقط على المواجهة العسكرية مع حماس وحزب الله وإيران. بل يمتد ليشمل الحفاظ على التحالفات الحيوية مع القوى الكبرى دون فقدان الاستقلال في صنع القرار السياسي والعسكري.

لقد كشفت الأشهر الأخيرة عن حقيقة مهينة للبعض، وهي أن واشنطن هي من يمتلك الكلمة الفصل في كثير من الملفات الحساسة. وهذا الانكشاف تسبب في حرج كبير للمؤسسة الحاكمة أمام الجمهور الإسرائيلي الذي يطالب بسيادة حقيقية.

إن أسلوب الرئيس ترامب في التعامل، والذي يتسم بالصراحة المفرطة وأحياناً القسوة، وضع القيادة الإسرائيلية في موقف دفاعي. وأصبح لزاماً على تل أبيب إعادة تعريف حدود علاقتها مع واشنطن بما يضمن عدم تحولها إلى أداة تنفيذية للسياسات الأمريكية.

في نهاية المطاف، يبقى التوازن بين الحاجة للدعم الخارجي والحفاظ على الكرامة الوطنية والسيادة الأمنية هو الاختبار الأصعب. فالدولة التي لا تستطيع قول 'لا' لحليفها عند الضرورة، قد تجد نفسها عاجزة عن قول 'نعم' لمصالحها الوجودية.

GENERAL

السّبت 06 يونيو 2026 5:39 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات ديموغرافية في مصر: المواليد يتراجعون لأدنى مستوى وانقسام حول 'الإنجاز السكاني'

أظهرت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة المصرية تغيراً جوهرياً في الخريطة السكانية للبلاد، حيث سجلت أعداد المواليد انخفاضاً غير مسبوق لتستقر تحت حاجز المليوني مولود خلال عام 2025. ويشير 'الإصدار الثامن من المؤشرات السكانية' إلى تحسن في توزيع الكثافة، مع تراجع ملحوظ في عدد المحافظات والمناطق المصنفة كأكثر اكتظاظاً واحتياجاً للتدخل التنموي.

ووفقاً للأرقام المستندة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد انخفض معدل المواليد ليصل إلى 18.1 لكل ألف نسمة، مقارنة بنحو 19.4 في عام 2023. كما سجل معدل الإنجاب الكلي تراجعاً إلى 2.34 طفل لكل سيدة، وهو ما يعكس استجابة للسياسات الحكومية المكثفة التي استهدفت تقليص الزيادة السكانية على مدار العقد الماضي.

الحكومة المصرية اعتبرت هذه النتائج إنجازاً استراتيجياً يعزز من قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحسين الخصائص الديموغرافية للمواطنين. وصرحت مصادر رسمية بأن هذا التراجع يمثل نقطة تحول في مسار التنمية، حيث تسعى الدولة لخفض معدل النمو السكاني تدريجياً ليصل إلى 1.3% بحلول عام 2030، تماشياً مع رؤية القيادة السياسية.

في المقابل، تثير هذه الأرقام قلقاً لدى خبراء ومراقبين يرون في انخفاض الخصوبة الحاد تهديداً لمستقبل القوة البشرية المصرية. وأشارت مصادر لـ 'عربي21' إلى أن الاحتفاء بتراجع المواليد قد يخفي وراءه مخاطر تتعلق بشيخوخة المجتمع وتقلص فئة الشباب التي تمثل المحرك الأساسي للاقتصاد والإنتاج والدفاع.

ويرى الخبير الاستراتيجي الدكتور ممدوح المنير أن التعامل مع الزيادة السكانية كعبء مالي بدلاً من كونها ثروة بشرية يعكس خللاً في الرؤية التنموية. وأوضح أن الدول الكبرى تسعى لتعزيز نموها السكاني لدعم أسواق العمل، بينما تتبنى مصر سياسات قد تؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف قدرتها التنافسية في الإقليم.

التقارير الفنية كشفت أيضاً عن انكماش 'المناطق الحمراء' الأكثر احتياجاً من 74 منطقة في إصدارات سابقة إلى 20 منطقة فقط بنهاية 2025. وفي المقابل، ارتفع عدد المناطق المصنفة كـ 'خضراء وصفراء'، وهي المناطق الأفضل من حيث المؤشرات التنموية، مما يشير إلى تحسن نسبي في توزيع الخدمات والموارد الأساسية.

وعلى صعيد التمويل الدولي، تلعب المؤسسات والوكالات الأجنبية دوراً محورياً في دعم هذه التوجهات، حيث قدم الاتحاد الأوروبي تمويلات بقيمة 39 مليون يورو لدعم الاستراتيجية الوطنية للسكان. وتهدف هذه المنح إلى توفير وسائل تنظيم الأسرة ورفع الوعي المجتمعي بضرورة خفض معدلات الإنجاب تحت شعارات مثل 'اثنان كفاية'.

كما تبرز مساهمات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والتعاون الإيطالي والألماني في هذا الملف، من خلال اتفاقيات تشمل تحويل أجزاء من الديون لمشروعات تمكين المرأة. وتشارك شركات عالمية مثل 'باير' الألمانية في تمويل برامج الصحة الإنجابية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، مما يعكس اهتماماً دولياً واسعاً بضبط النمو السكاني في مصر.

جغرافياً، لا تزال محافظة القاهرة تتصدر قائمة المحافظات الأكثر اكتظاظاً بأكثر من 10 ملايين نسمة، تليها الجيزة والشرقية. وفي حين تسجل محافظات الصعيد مثل أسيوط وسوهاج أعلى معدلات للمواليد، تظهر محافظات القناة والوجه البحري مثل بورسعيد ودمياط أدنى المعدلات، مما يكشف عن تباين اجتماعي واقتصادي واضح.

السياسات الحكومية لم تخلُ من الجدل، خاصة مع تقارير تتحدث عن تقديم حوافز مادية للمتزوجات اللواتي يلتزمن بإنجاب طفلين فقط. كما أثارت بعض الممارسات الطبية في المحافظات، مثل تركيب وسائل منع الحمل فور الولادة، نقاشات قانونية وحقوقية حول مدى طواعية هذه الإجراءات وتوافقها مع المعايير الأخلاقية.

ويحذر منتقدون من أن خفض الإنجاب دون تحقيق نهضة تعليمية وصناعية شاملة لن يؤدي إلى حل أزمة الفقر، بل قد يفاقمها. فالمشكلة بحسب رؤيتهم تكمن في إدارة الموارد وتوجيهها نحو مشروعات إنتاجية بدلاً من المشروعات الاستعراضية التي تزيد من أعباء الديون دون خلق فرص عمل حقيقية للشباب.

الساعة السكانية في مصر سجلت مؤخراً تجاوز عدد السكان حاجز 109 ملايين نسمة، مع توقعات رسمية بالوصول إلى 160 مليوناً بحلول عام 2072. هذا النمو المستقبلي يضع الدولة أمام تحديات جسيمة تتطلب توازناً دقيقاً بين ضبط الأعداد وبين الاستثمار في الكتلة البشرية الحالية لضمان عائد ديموغرافي إيجابي.

ويربط محللون بين الخطاب الرسمي الذي يلوم الفقراء على الزيادة السكانية وبين الرغبة في تبرئة السلطة من الإخفاقات الاقتصادية. فبدلاً من تحميل المواطن مسؤولية الأزمة، يطالب المعارضون بوقف الهدر في المال العام وتحقيق عدالة في توزيع الثروات لضمان حياة كريمة للأجيال القادمة بغض النظر عن عددهم.

في نهاية المطاف، يبقى ملف السكان في مصر ساحة للصراع بين رؤية حكومية ترى في 'الضبط' سبيلاً للنجاة، ورؤية معارضة تراه 'تقزيماً' لدولة مركزية. وبين هذا وذاك، تظل الأرقام الصادرة في 2025 مؤشراً قوياً على أن المجتمع المصري يمر بمرحلة تحول ديموغرافي ستلقي بظلالها على كافة مناحي الحياة لعقود قادمة.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 5:39 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري واسع في مضيق هرمز: تبادل ضربات جوية بين إيران والولايات المتحدة وهجمات تطال دولاً خليجية

أعلن الحرس الثوري الإيراني، صباح اليوم السبت، عن تنفيذ عمليات قصف صاروخي استهدفت قواعد عسكرية تابعة للولايات المتحدة في المنطقة. وأوضح الحرس الثوري أن هذا التحرك يأتي رداً مباشراً على ما وصفه بالعدوان الأمريكي الذي استهدف جزيرتي سيريك وقشم في وقت سابق.

من جانبه، أكد الجيش الأمريكي تنفيذ غارات جوية مركزة استهدفت مواقع رادار إيرانية مخصصة لمراقبة السواحل في منطقتي جوروك وجزيرة قشم. ووصف المسؤولون العسكريون الأمريكيون هذه الضربات بأنها عمل دفاعي ضروري لحماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الأمريكية تمكنت من اعتراض وإسقاط أربع طائرات مسيرة هجومية أطلقتها إيران باتجاه المضيق. وأشارت المصادر إلى أن هذه المسيرات كانت تشكل تهديداً وشيكاً ومباشراً لحركة السفن التجارية والناقلات في المنطقة الحيوية.

وعلى صعيد الجبهات الإقليمية، أعلن الجيش الكويتي أن منظومات الدفاع الجوي التابعة له تصدت لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية في أجوائه. وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من الاستنفار العسكري القصوى التي تشهدها القوات المسلحة في دول المنطقة لمواجهة التهديدات المتزايدة.

وفي مملكة البحرين، أطلقت وزارة الداخلية صافرات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد كإجراء احترازي لتنبيه المواطنين والمقيمين. ودعت السلطات البحرينية الجميع إلى التزام الهدوء والتوجه إلى أقرب أماكن آمنة، مع ضرورة متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن القنوات الحكومية.

وأصدرت القيادة الوسطى الأمريكية بياناً أكدت فيه اعتراض مجموعة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي انطلقت من الأراضي الإيرانية. وأوضح البيان أن الهجمات الإيرانية لم تقتصر على الأهداف العسكرية الأمريكية بل طالت دولاً خليجية مجاورة لمضيق هرمز.

وكشفت القيادة الوسطى أن إيران أطلقت ما لا يقل عن سبعة صواريخ باتجاه الأراضي الكويتية والبحرينية خلال الساعات الأخيرة. وجاء هذا التصعيد الصاروخي بعد وقت قصير من إحباط الهجوم الجوي الذي استهدف الملاحة البحرية في مياه الخليج.

وتعود جذور المواجهة الحالية إلى الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين بدأت حرب واسعة النطاق خلفت حتى الآن أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. وقد شهدت هذه الفترة تبادلاً مستمراً للضربات بين طهران وتل أبيب، بالإضافة إلى استهداف المصالح الأمريكية في عدة دول عربية.

وتفرض الولايات المتحدة منذ منتصف أبريل الماضي حصاراً مشدداً على الموانئ الإيرانية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية. وقد شمل هذا الحصار كافة المنافذ البحرية الحيوية على مضيق هرمز، وهو ما تعتبره طهران خنقاً اقتصادياً يستوجب الرد العسكري.

وردت السلطات الإيرانية على إجراءات الحصار بفرض قيود صارمة على حركة المرور في مضيق هرمز، مشترطة التنسيق المسبق مع قواتها البحرية. وقد أدى هذا الإجراء إلى زيادة حدة التوتر مع القوى الدولية التي تعتمد على المضيق لتأمين إمدادات الطاقة العالمية.

وتسود مخاوف دولية واسعة من احتمال انهيار الهدنة الهشة التي بدأت في الثامن من أبريل الماضي إذا لم يتم التوصل لاتفاق شامل. ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الطاقة العالمية وزيادة معدلات التضخم.

وفي ظل تعثر المفاوضات التي جرت مؤخراً في باكستان، يبدو أن خيارات الحل الدبلوماسي تتقلص لصالح التصعيد الميداني. وتراقب العواصم الكبرى بحذر شديد تطورات الساعات القادمة، وسط دعوات دولية لضبط النفس وتجنب الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة.

عربي ودولي

السّبت 06 يونيو 2026 5:25 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات دراماتيكية في الكويت: لماذا بات يوم الخميس يثير قلق المواطنين؟

كشف تقرير صحفي دولي عن حالة من التوجس تسود الشارع الكويتي، حيث بات يوم الخميس موعداً ثقيلاً يترقبه المواطنون بقلق. ويرتبط هذا اليوم بنشر القوائم الجديدة للمواطنين الذين قرر الأمير مشعل الأحمد الصباح سحب جنسياتهم، في خطوة وصفتها السلطات بأنها عملية 'تطهير وطني' تهدف لتصويب أوضاع الهوية الوطنية.

وتشير تقديرات حقوقية إلى أن هذه الإجراءات طالت نحو 70 ألف شخص مع تابعيهم منذ مايو 2024، وهو ما يعادل تقريباً 16% من إجمالي المواطنين الكويتيين. ويواجه المجردون من جنسيتهم تداعيات معيشية قاسية، حيث يفقدون فوراً حق الوصول إلى الوظائف الحكومية الدائمة والرعاية الصحية المجانية، فضلاً عن حرمانهم من تملك العقارات أو إدارة الأنشطة التجارية.

التقارير الواردة من الداخل الكويتي تتحدث عن ضغوط نفسية واجتماعية هائلة بلغت حد دفع البعض نحو اليأس والانتحار نتيجة فقدان الاستقرار القانوني والمعيشي. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تأتي في سياق أمني أوسع تشهده المنطقة، حيث تتقاطع الملفات الداخلية مع التهديدات الاستراتيجية الخارجية.

ولا تقتصر هذه التحولات على الكويت وحدها، بل تعيش دول خليجية أخرى حالة من الاستنفار الأمني بسبب التهديدات الإقليمية المتزايدة من جانب طهران وميليشياتها في العراق. وقد أدت هذه المخاوف إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تشبه الأحكام العرفية، شملت عمليات طرد واعتقالات واسعة طالت وافدين ومواطنين على حد سواء.

في الكويت، تزامنت حملة سحب الجنسيات مع تغييرات سياسية جذرية، حيث تم تعليق عمل البرلمان المنتخب الذي يعد أعرق تجربة ديمقراطية في المنطقة منذ ثلاثينيات القرن الماضي. ومنذ مايو 2024، انتقلت سلطة التشريع بالكامل إلى المراسيم الأميرية، مما قلص مساحة العمل السياسي والرقابي في البلاد.

الإجراءات الأمنية امتدت لتشمل تضييقاً غير مسبوق على حرية التعبير، حيث أغلقت السلطات 'الديوانيات' التي تمثل المنتديات التقليدية للنقاش العام. كما فرضت قيود صارمة على البرامج الحوارية ووسائل الإعلام، وصلت إلى حد مراقبة المجموعات الصغيرة على تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل 'واتساب'.

ويرى أكاديميون ومحللون أمنيون أن هذه الحملات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الدول الصغيرة في المنطقة التي تعاني أصلاً من انخفاض معدلات المواليد ونقص التعداد السكاني. وحذر خبراء من أن استهداف فئات مهنية عليا، مثل سفراء ومسؤولين في قطاع النفط، قد يفرغ الدولة من كفاءاتها الأساسية في وقت حرج.

وعلى صعيد آخر، برزت مخاوف من إحياء النزعات الطائفية نتيجة الضغوط الممارسة على المكونات الشيعية في بعض دول الخليج. فقد أفادت مصادر بأن الإمارات أغلقت مؤسسات تعليمية وصحية تابعة لإيرانيين، بينما شهدت الكويت خفض رتب مئات الضباط الشيعة داخل الأجهزة الأمنية تحت ذريعة الولاءات الخارجية.

هذه السياسات دفعت ببعض الشخصيات العسكرية والمدنية السابقة للتعبير عن قلقهم من تآكل الولاء الوطني، حيث تساءل ناشطون عن جدوى التضحية من أجل أوطان تمارس سياسات التنفير تجاه مواطنيها. وأشار جنرال متقاعد شارك في مقاومة الغزو العراقي إلى أن الروح القتالية للدفاع عن الوطن قد لا تكون كما كانت في السابق.

في المقابل، تبرز سلطنة عمان كنموذج مغاير في التعامل مع الملفات الإقليمية، حيث اختارت مسار التعزيز الدبلوماسي والاقتصادي مع إيران. وتسعى مسقط للاستفادة من موقعها الجغرافي المتميز خارج مضيق هرمز لتكون البوابة التجارية الرئيسية الجديدة في المنطقة، بعيداً عن سياسات المحاور المتصارعة.

وتشهد السلطنة حالياً تدفقاً للاستثمارات والمغتربين، بما في ذلك رجال أعمال إيرانيون نقلوا مقار عملهم من دبي إلى مسقط. ويرجع هذا التحول إلى تجنب عمان لسياسات الهوية المتشددة، مما ساهم في تفوق أداء سوقها المالي مقارنة بالأسواق الإقليمية الأخرى خلال العام المنصرم.

وبالعودة إلى الشأن الكويتي، فإن معايير سحب الجنسية المتغيرة باستمرار تثير حالة من عدم اليقين القانوني، حيث شملت القوائم فئات لم تكن متوقعة. ويرى قانونيون أن غياب الرقابة البرلمانية والقضائية على هذه القرارات يجعل من الصعب الطعن فيها أو حماية المتضررين من تبعاتها القانونية.

وتعلق مصادر أمنية على هذا الوضع بوصفه حالة من الشك العام التي طالت الجميع، حيث يتم التعامل مع قطاعات واسعة من السكان كـ 'طابور خامس' محتمل. هذا المناخ أدى إلى تغييرات في السلوك الاجتماعي، حيث يحاول الكثيرون إظهار الولاء المطلق للسلطة لتجنب الملاحقة أو سحب الهوية.

ختاماً، يظل التساؤل قائماً حول مآلات هذه السياسات المتشددة على المدى الطويل، وما إذا كانت ستحقق الأمن المنشود أم أنها ستخلق شروخاً اجتماعية يصعب ترميمها. فبينما تسعى السلطات لتأمين الجبهة الداخلية، يخشى مراقبون من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إضعاف النسيج الوطني في مواجهة التحديات الخارجية الكبرى.