فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 11:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد يمني جديد: رصد إطلاق صاروخ من اليمن والحوثيون يلوحون بالتدخل المباشر

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح السبت عن رصد إطلاق صاروخ من الأراضي اليمنية للمرة الأولى، وذلك في ظل استمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وجاء هذا التطور الميداني بعد ساعات قليلة من تصريحات لقيادات في جماعة الحوثي أكدت فيها الجاهزية التامة للانخراط في المواجهة المباشرة إذا ما استمر استهداف طهران ومكونات محور المقاومة في المنطقة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن أي تدخل مباشر من قبل الجماعة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة البحرية الدولية، لا سيما حول شبه الجزيرة العربية. ويأتي هذا القلق في وقت تعاني فيه التجارة العالمية من تداعيات الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، مما يجعل من البحر الأحمر ساحة صراع استراتيجية قد تعمق الأزمة الاقتصادية العالمية.

تعد جماعة الحوثي حركة عسكرية وسياسية متجذرة في شمال اليمن، حيث خاضت لسنوات حروب عصابات ضد الجيش اليمني قبل أن توسع نفوذها بشكل دراماتيكي عقب أحداث عام 2011. وقد تمكنت الجماعة من السيطرة على العاصمة صنعاء في عام 2014، مما أدى إلى تدخل عسكري بقيادة السعودية في العام التالي لمحاولة استعادة الشرعية، وهو الصراع الذي خلف أزمة إنسانية هي الأسوأ عالمياً.

وعلى مدار سنوات النزاع، أظهر الحوثيون قدرات متطورة في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، حيث طالت هجماتهم منشآت نفطية حيوية وبنى تحتية في العمق السعودي والإماراتي. ورغم الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ عام 2022، إلا أن الجماعة حافظت على جهوزيتها العسكرية وطورت ترسانتها بشكل ملحوظ، مؤكدة استقلال قرارها العسكري عن أي أطراف خارجية.

ارتبط اسم الحوثيين بشكل وثيق بالصراع الإقليمي عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث بدأوا بشن هجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر دعماً لقطاع غزة. وقد ردت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن غارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في اليمن، في محاولة لردع الهجمات التي أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية المارة عبر مضيق باب المندب.

وكانت الهجمات الحوثية قد شهدت فترة من الهدوء النسبي عقب وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025 بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة أمريكية. إلا أن اندلاع المواجهة المباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، أعاد تسخين الجبهة اليمنية مجدداً مع إطلاق الصاروخ الأخير الذي رصده جيش الاحتلال.

وفي خطاب متلفز، أكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن قواته في حالة استنفار قصوى، مشيراً إلى أن 'الأيدي على الزناد' بانتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية. وشدد الحوثي على أن الجماعة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بالتصعيد ضد الجمهورية الإسلامية، محذراً من أن أي توسع في التحالفات المعادية سيقابل برد حازم ومباشر.

تختلف جماعة الحوثي عن بقية فصائل محور المقاومة في أنها لا تلتزم بالمرجعية الدينية المباشرة للزعيم الأعلى الإيراني، رغم التقارب السياسي والعسكري الكبير. ويرى خبراء أن الجماعة تتحرك وفق أجندة وطنية يمنية في المقام الأول، لكنها تجد في التحالف مع طهران وحزب الله وسيلة لتعزيز موقفها الإقليمي ومواجهة الضغوط الدولية المفروضة عليها.

وتتهم الولايات المتحدة إيران بتزويد الحوثيين بالتمويل والتدريب والأسلحة المتطورة بمساعدة من خبراء حزب الله اللبناني، وهو ما تنفيه الجماعة باستمرار. ويؤكد الحوثيون أنهم يعتمدون على قدراتهم الذاتية في تطوير الصواريخ والمسيرات، معتبرين أن اتهامهم بالتبعية لإيران يهدف إلى تدويل الصراع اليمني وتبرير التدخلات الخارجية في شؤونهم.

تتجه الأنظار الآن نحو المسارات المحتملة التي قد يسلكها الحوثيون في ظل التصعيد الراهن، حيث يرى محللون أن الجماعة قد تلجأ لهجمات متفرقة ومفاجئة لإرباك الخصوم. ومن الممكن أن يشمل ذلك استهداف مصالح الدول التي تسمح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية لشن هجمات ضد إيران، مما يرفع من احتمالات نشوب مواجهة إقليمية شاملة وغير مسبوقة.

إن التهديد بإغلاق الممرات الملاحية يمثل الورقة الأقوى في يد الحوثيين، حيث يمكن لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر أن يشل حركة تصدير النفط والغاز من دول الخليج. وقالت الجماعة إنها مستعدة للتحرك إذا تم استخدام البحر الأحمر كمنطلق لعمليات عدائية ضد طهران، وهو ما يضع الملاحة الدولية في مهب الريح بانتظار قرار سياسي أو عسكري جديد.

طالب الحوثيون بوقف فوري وشامل لكافة العمليات العسكرية في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، كشرط أساسي لخفض التصعيد في المنطقة. وحذر المتحدث العسكري يحيى سريع من أن استمرار الحصار على الشعب اليمني وربطه بالتطورات الإقليمية سيؤدي إلى ردود فعل قاسية تتجاوز التوقعات، مؤكداً أن بنك الأهداف يتسع ليشمل مصالح حيوية بعيدة.

تؤكد التقارير أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، قد دفع كافة فصائل محور المقاومة إلى مراجعة استراتيجياتها الدفاعية والهجومية. ويأتي التحرك اليمني الأخير كرسالة واضحة بأن الجبهة الجنوبية للاحتلال لن تكون آمنة، وأن قواعد الاشتباك قد تغيرت بشكل جذري مع دخول الصواريخ اليمنية بعيدة المدى إلى الخدمة الفعلية.

ختاماً، يبقى الوضع في اليمن مرتبطاً بشكل عضوي بمسار المواجهة الكبرى في المنطقة، حيث يمثل الحوثيون رقماً صعباً في المعادلة العسكرية الإقليمية. ومع استمرار التحذيرات من انفجار الموقف، تظل الممرات المائية الدولية تحت رحمة التطورات المتسارعة، في ظل غياب أي أفق لحل دبلوماسي ينهي سلسلة الحروب المترابطة من غزة وصولاً إلى طهران وصنعاء.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 11:43 صباحًا - بتوقيت القدس

المؤتمر الثامن.. "فتح" على أعتاب مرحلة جديدة وسط تحديات وجودية

عباس زكي: حركة "فتح" مطالبة اليوم بأن تكون قوة دافعة نحو الإصلاح وفتح المجال أمام طاقات جديدة دون فقدان خبرتها التاريخية

د. صبري صيدم: المؤتمر العام الثامن يشكل فرصة لتطوير الأداء التنظيمي وتجويده وتحصين "فتح" أمام المفاعيل السياسية والميدانية الضاغطة

دلال سلامة: "فتح" اعتادت عقد مؤتمراتها وسط التحديات وهدفها الدائم تمتين بنية الحركة واستنهاض قدراتها بما يمكّنها من أداء دورها المركزي

فهمي الزعارير: اجتماعات الرئيس مع اللجنة التحضيرية جاءت بهدف الاطمئنان على سير التجهيزات لعقد المؤتمر الثامن بموعده في 14 أيار المقبل

محمد هواش: الموعد المحدد لا يعني انعقاد المؤتمر لكن الأهم أن تبقى الحركة جاهزة لأن عقده من الأدوات الضرورية لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية

د. رائد الدبعي: يجب توسيع التحضير للمؤتمر بحوار واسع يشمل القواعد الحركية واستلهام تجربة مؤتمر الشبيبة الفتحاوية وليس فقط بعمل اللجان التخصصية

عبد الغني سلامة: المؤتمر مطالب بتبنّي برنامج يقود إلى إجراء انتخابات عامة تعيد تفعيل الحياة السياسية وتعزز الهوية الوطنية وتجدّد شرعية منظمة التحرير

رام الله - خاص ب"القدس"-

تواصل حركة فتح استعداداتها لعقد مؤتمرها العام الثامن في 14 مايو/ أيار المقبل، كاستحقاق تنظيمي يشكل محطة حاسمة لتقوية الحركة على صعيد الأداء السياسي والوطني، في ظل ظروف وتحديات غير مسبوقة.

وتعكس التحضيرات المتسارعة أهمية انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت، لا سيما مع التحديات الكبيرة التي تواجه القضية الفلسطينية، بما في ذلك الحرب على غزة، والاعتداءات المستمرة في الضفة الغربية، ومحاولات الاحتلال فصل الجغرافيا الفلسطينية وفرض قيود على الحركة والتنقل.

ويوضح قيادات وأعضاء لجنة مركزية لحركة فتح، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن اللجان التحضيرية تعمل على استكمال إعداد البرامج السياسية والوطنية، والنظام الداخلي، وقوائم العضوية، مع بحث شامل لكيفية إشراك أعضاء الحركة من غزة والشتات عبر آليات متزامنة تحافظ على وحدة المؤتمر رغم الظروف المعقدة، كما تعمل قيادة الحركة على ضمان الالتزام بالموعد المعلن، مع مراعاة إمكانية التأجيل فقط في حال ظهور ظروف قاهرة، لضمان أن يظل المؤتمر أداة فعالة لتجديد الشرعية الداخلية وتمتين الأداء التنظيمي.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث لـ"ے"، أن المؤتمر ليس مجرد اجتماع تنظيمي، بل محطة لإصلاح شامل يعزز مشاركة الشباب والمرأة، ويعيد بناء بنى الحركة، ويضع برنامجاً وطنياً وسياسياً جديداً يتناسب مع التحديات الراهنة. ويؤكدون أنه في ظل استمرار الاستيطان ومحاولات إضعاف المشروع الوطني، يشكل المؤتمر فرصة لترسيخ دور حركة فتح كقوة مركزية في القيادة الفلسطينية، وصون الهوية الوطنية، وضمان صمود الشعب الفلسطيني على أرضه واستمرار مسار النضال السياسي بفعالية.



"فتح" حسمت خيار عقد المؤتمر


يوضح عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي أن تأكيد الرئيس محمود عباس على عقد المؤتمر الثامن لحركة فتح تعني بالأساس أن القيادة العليا في فتح حسمت خيار عقد المؤتمر كاستحقاق تنظيمي في مايو 2026، لإعادة ترتيب أوضاع الحركة وتعزيز شرعيتها الداخلية وترتيب بيتها الداخلي، إلى جانب أن فتح قادرة على تجاوز التحديات والاستمرار في أداء دورها السياسي رغم التعقيدات القائمة وأن هناك رغبة في تجديد الشرعيات التنظيمية، وأن فتح ما زالت موحدة وقادرة على إدارة نفسها.

ويشير زكي إلى أن مشاركة غزة ستكون عبر الاتصال المرئي "الفيديو كونفرنس"، بينما مشاركة كافة الساحات والأقاليم ستتم من خلال المشاركة المباشرة على أرض جمهورية مصر العربية.


قدرة الحركة على تجديد ذاتها


ويؤكد زكي أن انعقاد المؤتمر يأتي في لحظة سياسية تتسم بالتعقيد والتحول، حيث يأتي انعقاد المؤتمر كحدث يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحركة على تجديد ذاتها.

ويؤكد زكي أنه بين إرث تاريخي طويل من النضال، وواقع سياسي متغير يفرض معادلات جديدة، تجد الحركة نفسها أمام مفترق طرق، حيث لم يعد الحفاظ على الماضي كافيًا، بل أصبح التكيف مع الحاضر واستشراف المستقبل ضرورة لا مفر منها، خاصة في ظل ما يحيط بها من تحديات، بينما يشير إلى أن التحولات في مواقف الدول، وتراجع مركزية القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، تفرض على الحركة إعادة صياغة خطابها السياسي بما يتلاءم مع هذه المتغيرات، والمحافظة على حضور القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.


محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي


ويرى زكي أن المؤتمر الثامن يعد محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحركة وتجديد الشرعيات التنظيمية، وإعادة تشكيل الأطر القيادية، بما يضمن استمرارية الحركة وقدرتها على مواجهة التحديات، وضبط الانتماء والعضوية، وإتاحة الفرصة للأجيال من القيادات الشابة وضخ دماء جديدة في أطر فتح القيادية.


برنامج وخطاب سياسيان دون تغيير الثوابت


ويشدد زكي على أهمية أن يخرج المؤتمر ببرنامج وخطاب سياسي دون تغيير في الثوابت والمبادئ يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على ثوابت الحركة كحل الدولتين، والنهج الدبلوماسي، بالالتزام بالقانون الدولي، وبما يتوافق مع المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية ويتعاطي مع المرحلة لإنقاذ الشعب الفلسطيني في ظل انشغال العالم بملفات كبرى، بما يعيد طرح القضية الفلسطينية عالميًا، واستثمار القانون الدولي وحقوق الإنسان، وكذلك الأخذ بالحسبان التطورات الإقليمية مثل التطبيع العربي، والتغيرات في مواقف القوى الدولية.


قوة دافعة نحو الإصلاح


ويؤكد زكي أن حركة فتح مطالبة اليوم بأن تكون قوة دافعة نحو الإصلاح، وفتح المجال أمام طاقات جديدة دون فقدان خبرتها التاريخية، وأن تعيد الحركة تعريف دورها في مرحلة لم تعد تحتمل الجمود، بل تتطلب وضوحًا في الرؤية وجرأة في القرار.

ويشير زكي إلى أن المؤتمر سيد نفسه، مع حرص الحركة على إظهار التزامها بالممارسات الديمقراطية، من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع والحوار الداخلي، بما يعزز من شرعية مخرجات المؤتمر ويمنحها قبولًا أوسع داخل الأطر التنظيمية.


التأكيد على عقد المؤتمر بموعده


يؤكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح د. صبري صيدم أن اللقاء الذي دعا إليه رئيس الحركة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) قبل أيام هدف إلى التأكيد على أن المؤتمر سيعقد في موعده، وهذا ما أكد عليه البيان الصادر عقب هذا الاجتماع، وعليه تعمل اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام الثامن بصورة متواصلة من أجل تحقيق هذا الهدف.

وأشار صيدم إلى أن اللجنة التحضيرية عقدت اجتماعاً لها يوم الأربعاء المنصرم، ليتبعه اجتماع للجنة المركزية يوم الأحد المقبل، لإقرار بعض القضايا التي تخص المؤتمر والمحالة إليها من قبل اللجنة التحضيرية، وسيعقب هذا الاجتماع اجتماعاً آخر للجنة التحضيرية الأسبوع المقبل، لمواصلة الجهد.

ويقول صيدم: "إن الرغبة الحقيقية في عقد المؤتمر الثامن ستترجم عبر الالتزام بالموعد المحدد، لذلك فإن هذا الأمر لم يعد مكان تشكيك، وإنما دخل الآن حيز التطبيق وبصورة متسارعة رغم كل الظروف السياسية والميدانية وواقع الحرب المفروض علينا وتعقيدات المشهد".


مشاركة الأعضاء من خارج فلسطين


وبالنسبة لمشاركة الأعضاء من خارج فلسطين، يوضح صيدم أن هذا الأمر سيبت فيه قريباً عبر اللجنة المركزية واللجنة التحضيرية، حيث سبق وأن طرحت بعض السيناريوهات المحتملة، ومن الصعب الحديث عنه إلى حين إنضاجه بالشكل المطلوب والإعلان رسمياً عن الآلية المعتمدة.


انعقاد بمرحلة سياسية وميدانية خطيرة


ويشير صيدم إلى أن انعقاد هذا المؤتمر يأتي في مرحلة سياسية وميدانية هي الأخطر والأكثر صعوبة بكونها تمس مستقبل القضية الفلسطينية برمتها وبوجود الشعب الفلسطيني وصموده على أرضه وما تفرضه التحديات في كل من قطاع غزة والضفة الغربية من سعي ممنهج لدى حكومة الاحتلال لفصل الجغرافية الفلسطينية، وسرقة الأرض، ورفع وتيرة ترهيب المستوطنين للفلسطينيين الآمنين بغرض ترحيل الشعب الفلسطيني برمته، وإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية، وأسرلة القدس، وإقرار القوانين العنصرية، وبتر قطاع غزة، وقتل الجغرافيا وتصفية القضية الفلسطينية.

ويؤكد صيدم أن هذا الواقع يفرض نفسه على الحياة السياسية الفلسطينية ويستوجب أن يكون هناك تطوير للعمل الحركي عبر برنامج سياسي محّدث يقره المؤتمر، وبرنامج بناء وطني يحدد مواقف الحركة قطاعياً، إضافة إلى تبني نظام داخلي معّدل للحركة يضمن تعزيز العضوية والمشاركة النسوية والشبابية في صناعة القرار، ويؤكد على أهمية تطوير أداء الحركة وتحقيق الديناميكية السياسية المطلوبة، ناهيكم عن أهمية الاحتكام إلى صندوق الاقتراع لتجديد الشرعيات وانتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين وهو ما سيسهم في تعزيز النهج الديمقراطي، ويساهم في تجديد دماء الحركة وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على أرضه، وترابط جغرافيته، وتحقيق حلمه في إقامة الدولة.

ويشدد صيدم على أن المؤتمر العام الثامن يشكل فرصة لتطوير الأداء التنظيمي وتجويده وتحصين حركة فتح أمام المفاعيل السياسية والميدانية الضاغطة.


تسريع عمل اللجان المنبثقة عن اللجنة التحضيرية


تؤكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح دلال سلامة أن اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام الثامن لحركة فتح مع الرئيس محمود عباس جدّد الالتزام بعقد المؤتمر في 14 مايو/ أيار المقبل، مشيرة إلى أن توجيهات واضحة صدرت لتسريع عمل اللجان المنبثقة عن اللجنة التحضيرية، بما يشمل لجان البرنامج السياسي والبرنامج الوطني والنظام الداخلي والعضوية واللجان اللوجستية والإعلامية.

وتوضح سلامة أن "كل اللجان تعمل بوتيرة متسارعة لإنجاز مهامها، وإن الحركة باتت تمتلك قوائم عضوية جاهزة بنسبة كبيرة وفق الصيغة التمثيلية التي يحددها النظام الداخلي، على أن تُستكمل التفاصيل النهائية قبل منتصف أبريل / نيسان المقبل، لإرسال الدعوات وتنظيم الجوانب الإدارية".


وحدة انعقاد المؤتمر


وتشدد سلامة على أن حركة فتح تتعامل مع مؤتمرها بوصفه "مؤتمرًا واحدًا موحدًا"، وأن جدول أعماله، وبرنامجه السياسي والوطني، وتعديلات نظامه الداخلي، ستُناقش وتُقرّ ضمن إطار موحّد، لا عبر ساحات منفصلة، وبالتالي فإن عقده سيتم بالتوازي في كل الأقاليم.

وتؤكد سلامة أن "الظروف المعقدة الناتجة عن جرائم الاحتلال والإبادة في قطاع غزة ومحاولات فصل القطاع عن الضفة تؤخذ بعين الاعتبار، لكن ذلك لن يغيّر من وحدة المؤتمر"، مشيرة إلى أن انعقاد جلسات متوازية في غزة أو الشتات سيتم عبر "آليات تواصل تضمن التزامن الكامل ورئاسة موحدة" للمؤتمر.


ضرورة وطنية


وترى سلامة أن انعقاد المؤتمر الثامن ليس مجرد استحقاق نظامي، بل ضرورة وطنية في ظل اللحظة السياسية الراهنة.

وتشير سلامة إلى أن فتح اعتادت عبر تاريخها أن تعقد مؤتمراتها وسط تحديات كبيرة، وأن هدفها الدائم هو "تمتين بنية الحركة واستنهاض قدراتها"، بما يمكّنها من الاستمرار في دورها المركزي لتحقيق أهداف الثورة الفلسطينية، وعلى رأسها إنهاء الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير.


خيار استراتيجي لضمان استمرارية النضال الوطني


وتؤكد سلامة أن الحركة تحتاج اليوم إلى تعزيز وحدتها السياسية والرؤيوية والتنظيمية، خاصة في ظل محاولات الاحتلال "تعميق الاستيطان، وتفكيك القضية الفلسطينية، وكيّ الوعي الوطني".

وتشدد سلامة على أن تمتين البنى التنظيمية للحركة وتطوير قدراتها هو جزء أساسي من مواجهة سياسات الاحتلال، لضمان بقاء فتح قائدة للمشروع الوطني الفلسطيني، وقادرة على استدامة النضال الوطني في مرحلة بالغة التعقيد.

وتؤكد سلامة أن تجديد عقد المؤتمرات داخل الحركة ليس إجراءً شكليًا، بل "خيار استراتيجي لضمان استمرارية النضال الوطني عبر بنى قوية وفاعلة"، تواجه الاحتلال وأدواته في الميدان والسياسة، وتعمل على صون الهوية الوطنية ووحدة الشعب الفلسطيني رغم كل محاولات التفكيك والاقتلاع.


الاطمئنان على سير التجهيزات


يؤكد نائب أمين سر المجلس الاستشاري لحركة "فتح" فهمي الزعارير أنّ موعد انعقاد المؤتمر العام الثامن للحركة هو موعد ثابت في 14 مايو/ أيار المقبل، استناداً إلى قرار صادر عن المجلس الثوري وقرار من الرئيس محمود عباس.

وبحسب الزعارير، فإنّ التحضيرات الجارية تسير بوتيرة "جيدة ومقبولة"، وإنّ اجتماعات الرئيس مع اللجنة التحضيرية التي عقدت خلال الأيام الماضية، جاءت بهدف الاطمئنان على سير التجهيزات والإعلان بشكل واضح عن الالتزام بانعقاد المؤتمر بموعده في 14 مايو/ أيار المقبل، دون أي تأجيل، إلا في حال ظهور ظروف قاهرة تمنع ذلك.

ويوضح الزعارير أن تأخر انعقاد المؤتمر العام لحركة فتح خمس سنوات إضافية بعد المؤتمر السابع 2016 يجعل عقده اليوم ضرورة تنظيمية قصوى، بعد أن تجاوزت الأطر العليا فترة التفويض الأصلية البالغة خمس سنوات.


اللجوء إلى تقنيات الاتصال عن بُعد


ويشير الزعارير إلى أنّ خيار عقد المؤتمر في مكان واحد يبقى هو الأساس، لكن في حال تعذر حضور كوادر غزة أو الخارج، فإنّ اللجوء إلى تقنيات الاتصال عن بُعد سيكون بديلاً جاهزاً ومُجرَّباً، كما حدث في المؤتمرَين السادس والسابع، حيث شارك أعضاء غزة عبر قاعة خاصة وشاركوا عبر التصويت عن بُعد بسبب المنع الإسرائيلي أو منع حركة "حماس" لهم آنذاك، والتقنيات اليوم أحدث للمشاركة في فعاليات المؤتمر.

ويلفت الزعارير إلى أنّ استمرار الحرب الجارية وما يرافقها من قيود لا تمنع –حتى الآن– عقد المؤتمر، مشدداً على أن الحركة ستبقى جاهزة لكل الاحتمالات.


تقييم الموقف


في رده على سؤال، ما العمل في حال وصول الأوضاع إلى مستوى يمنع التنقل بين المحافظات أو تمنع الاجتماعات؟ يؤكد الزعارير أنه سيُعاد تقييم الموقف بوصفه ظرفاً قاهراً، لكن المطلوب حالياً هو استكمال كل ملفات المؤتمر باعتباره ينبغي أن يُعقد في موعده.

ويؤكد الزعارير أن حركة فتح تعيش اليوم واحدة من أعقد مراحل القضية، سياسياً ووطنياً، وسط محاولات "تصفية القضية الفلسطينية" وتداعيات حرب الإبادة والتطهير العرقي في غزة وتوسع الاعتداءات في الضفة الغربية والقدس والأماكن المقدسة، ولذلك ترى الحركة أن المؤتمر ضرورة لخلق تفويض جديد لقيادتها يمكّنها من مواجهة التحديات المقبلة، باعتبار فتح قاطرة الحركة الوطنية والنظام السياسي والبناء الوطني.


المؤتمر سيد نفسه


وحول فرص صعود جيل جديد إلى الهيئات القيادية العليا لحركة فتح، يشدد الزعارير على أن المؤتمر "سيد نفسه"، وله مطلق الحرية في تجديد الثقة بالقيادة الحالية أو انتخاب قيادات جديدة أو الدمج بين الاجيال والتحارب، سواء من الوجوه المخضرمة أو القادمة الجديدة، مؤكداً أن كل عضو في المؤتمر يمتلك حرية انتخاب من يراه قادراً على حمل مسؤولية المرحلة المقبلة، بمحض إرادته ومشيئته.


الاطمئنان لضمان سير الاستعدادات


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن إصرار حركة فتح على موعد المؤتمر الثامن في 14 أيار/مايو، كما جدّد الرئيس محمود عباس خلال لقائه اللجنة التحضيرية، يُعد رسالة واضحة بضرورة استمرار التحضيرات والجاهزية، غير أن الظروف الميدانية قد لا تسمح بعقده في موعده المحدد.

ويوضح هواش أن الرئيس أراد الاطلاع بدقة على مستوى الجاهزية في الأقاليم، واللجان، ومختلف المرافق التنظيمية، لضمان أن تكون الحركة مستعدة فور توفر الظروف المناسبة، سواء عُقد المؤتمر في موعده أو تأجّل لوقت لاحق.

ويشير هواش إلى أن الاستعدادات الحالية مهمّة في حد ذاتها، إذ جرت انتخابات داخلية في الأقاليم، وعُقدت مؤتمرات أسفرت عن انتخاب أعضاء المؤتمر، إلى جانب الأعضاء الثابتين من اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري، كما تمتلك الحركة حصصًا مخصصة لمؤسسات ومرجعيات داخلية تُحدَّد بالتشاور بين اللجنة المركزية والمجلس الثوري، في سياق لوائح تنظم آليات تشكيل المؤتمر.

ويرى هواش أنّ هذه الخطوات تعزز الجدية التنظيمية، لكن التنفيذ العملي يبقى رهناً بالواقع الأمني.


الحرب تفرض الظروف القاهرة


وبحسب هواش، فإن حركة فتح لا تستطيع جمع ألف عضو في مكان واحد في ظل الحرب الجارية وتراجع قدرة المؤسسات على استضافة مثل هذا الحدث، مشيراً إلى سقوط شظايا صواريخ إيرانية وإسرائيلية في مناطق فلسطينية كمثال على انعدام البيئة الآمنة. ويلفت هواش إلى أنه في حال توقف الحرب، ستتمكن السلطة من تنسيق وصول أعضاء الأقاليم في قطاع غزة والشتات أو ضمان مشاركتهم، لكن استمرار المواجهات يجعل ذلك "شبه مستحيل".


محطة مفصلية


ويرى هواش أن المؤتمر ليس مجرد حدث تنظيمي، بل محطة سياسية مفصلية لإقرار سياسات جديدة وتعديل توجهات الحركة بما يتلاءم مع التحديات المتصاعدة التي تواجه القضية الفلسطينية.

ويشدد هواش على وجود حاجة ملحّة لإصلاحات سياسية وتنظيمية شاملة، وتجديد القيادات وضخ دماء شابة قادرة على مواجهة المتغيرات السريعة.


إمكانية التأجيل


ويؤكد هواش أن موعد 14 مايو / أيار المقبل، لا يعني انعقاد المؤتمر حتماً، فإمكانية التأجيل واردة، لكن الأهم أن تبقى الحركة جاهزة، لأن عقد المؤتمر استحقاق وطني وتنظيمي، وأحد الأدوات الضرورية لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية في مواجهة مرحلة شديدة التعقيد.



جدّية القرار السياسي بعقد المؤتمر


يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د. رائد الدبعي، أن الإرادة السياسية لانعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في موعده قائمة بوضوح، خاصة بعد إعادة الرئيس محمود عباس التأكيد على عقده في 14 أيار/مايو 2026، وتوجيه اللجان التحضيرية لاستكمال أعمالها قبل الموعد المحدد.

ويوضح الدبعي أن اللجان القائمة—والتي تشمل النظام والبرنامجين الوطني والسياسي والإعلام واللوجستيات والعضوية—تشير إلى جدّية القرار السياسي بعقد المؤتمر، رغم أن الواقع الميداني والإقليمي قد يفرض تأجيلاً قسريًا.


حدث وطني ينعكس على مستقبل القيادة برمّتها


ويشير الدبعي إلى أن أهمية المؤتمر تتجاوز الإطار التنظيمي الداخلي، ليصبح حدثًا وطنيًا ينعكس على مستقبل القيادة الفلسطينية برمّتها، بحكم تاريخ الحركة ودورها المركزي في منظمة التحرير والسلطة الوطنية والتحولات الكبرى للمشروع الوطني منذ انطلاقها.

ويعتبر الدبعي أن المؤتمر يمثل محطة تهم كل الفلسطينيين داخل الوطن والشتات، نظرًا لامتداد الحركة أفقيًا وعموديًا في المجتمع.


خيارات متعددة


وفي ما يتعلق بتمثيل غزة والخارج، يؤكد الدبعي أن هذا الملف ما زال بلا صيغة نهائية معلنة، رغم أهمية مشاركة القطاع تاريخيًا وتنظيميًا، خاصة بعد آثار الحرب الأخيرة وإلحاح الحاجة لإعادة بناء الحركة في غزة.

وبحسب الدبعي، فإن ما يتم تداوله إعلامياً يشير إلى بحث خيارات متعددة، منها عقد المؤتمر في أكثر من ساحة، لكن دون حسم رسمي حتى الآن.


محطة برامجيّة وإصلاحية


ويؤكد الدبعي أن التجديد المطلوب ليس تغيير أسماء فحسب، بل تحويل المؤتمر إلى محطة برامجيّة وإصلاحية تعالج ثلاثة ملفات كبرى: صياغة رؤية سياسية ووطنية واجتماعية واقتصادية شاملة؛ وإعادة بناء التنظيم وتصويب وضعه الداخلي؛ وإنتاج قيادة جديدة تعبّر عن المجتمع والحركة.

ويشير الدبعي إلى ضرورة عدم اقتصار التحضير الحالي على عمل اللجان التخصصية وتوسيع ذلك لحوار واسع يشمل القواعد الحركية، داعيًا إلى استلهام تجربة مؤتمر الشبيبة الفتحاوية التي اعتمدت نقاشات مفتوحة وشاملة.


ضرورة الفصل بين السلطة وفتح


ويشدد الدبعي على ضرورة الفصل بين حركة فتح والسلطة الوطنية، معتبرًا أن اختلاط المسارين خلال العقود الماضية أضعف استقلالية القرار الفتحاوي، مستشهداً بملف مستحقات الشهداء والأسرى والجرحى الذي يعكس حجم الضغوط على الحركة.


أهمية إعادة التوازن لتمثيل الحركة


أما في ملف القيادة والعضوية، فيرى الدبعي أنه الامتحان الحقيقي للمؤتمر، متسائلًا عن مدى قدرة المؤتمر على إفساح المجال للقيادات الشابة والمرأة والقطاعات المجتمعية المختلفة، بما يعيد التوازن لتمثيل الحركة في مؤسساتها العليا، ويكسر احتكار فئات بعينها للمواقع التنظيمية.

ويشير الدبعي إلى أن نجاح المؤتمر سيُقاس بقدرته على تجديد المشروع الوطني وتحديث الحركة، عبر آليات انتخابية عادلة وشفافة تضمن سرية الاقتراع وعلنية الفرز، وتتيح تداولًا صحيًا للنخب، مؤكدًا أن التجديد لا يعني إقصاء الخبرات بل إعادة توظيفها في أطر بحثية وفكرية تسهم في صنع القرار.


فرصة تاريخية ثمينة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة أن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح في الرابع عشر من مايو/ أيار المقبل، يشكّل "فرصة تاريخية ثمينة، وربما الأخيرة" أمام الحركة، في ظل تعقّد غير مسبوق في المشهد السياسي بعد حرب الإبادة على غزة وما خلّفته من نتائج كارثية، واستمرار الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية.

ويوضح سلامة أن المؤتمر ينعقد في سياق خطير يتسم بتوسّع الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي والضم التدريجي لمناطق (ج)، إلى جانب محاولات تقويض السلطة الوطنية عبر الحصارين المالي والاقتصادي والسياسي.

ويشير سلامة إلى أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران ليست منفصلة عن ترتيب جديد يجري للمنطقة، الأمر الذي يفرض على المؤتمر التعامل مع تحديات ثقيلة جداً.


تفادي أخطاء التجارب السابقة


ويدعو سلامة المؤتمر إلى تفادي أخطاء التجارب السابقة وعدم تحوّله إلى "مهرجان انتخابي"، مطالباً باختيار أعضاء بعيداً عن الإقصاء وبما يعيد الاعتبار للكفاءات الوطنية. ويشدّد سلامة على ضرورة تجاوز الخطابات المكررة حول الثوابت والقضايا التاريخية، والتركيز بدلاً من ذلك على إعداد استراتيجية وطنية شاملة قائمة على التخطيط الفعلي، تتضمن خارطة طريق وجداول زمنية وآليات عمل تشارك فيها فئات المجتمع كافة، وتستجيب للتغيرات العالمية وأدوات العصر.


مراجعة نقدية شجاعة


ويطالب سلامة بإجراء مراجعة نقدية شجاعة لمسار القضية الفلسطينية والحركة الوطنية، تشمل محاسبة الفاسدين، ومعالجة توريث الوظائف واحتكار المواقع، والإجابة على أسئلة الفلسطينيين حول فشل إدارة الشأن العام، واستمرار الانقسام، وغياب الوحدة.

ويؤكد سلامة أهمية التخلص من منطق المصالح والقبيلة والاستزلام، وإعادة الاعتبار للقواعد التنظيمية والنقابات والاتحادات ومجالس الطلبة والمرأة والعمّال، مع استقطاب المثقفين والشباب والمعارضة.

ويدعو سلامة المؤتمر إلى تبنّي برنامج يقود لإجراء انتخابات عامة تعيد تفعيل الحياة السياسية وتعزز الهوية الوطنية وتجدّد شرعية منظمة التحرير، بما يضمن استنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

تكنولوجيا السياسة: كيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل الوعي الفلسطيني؟

بقلم: صدقي أبوضهير/ باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

لم تعد السياسة تُصنع في غرف القرار فقط، ولم يعد تشكيل الرأي العام حكرًا على الأحزاب أو وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقل مركز الثقل إلى فضاء أكثر تعقيدًا وخطورة، هو فضاء المنصات الرقمية. في هذا الفضاء، لا تُقاس القوة بعدد الأصوات أو البرامج السياسية، بل بقدرة الخوارزميات على توجيه الانتباه، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة الإدراك الجمعي بطريقة غير مرئية. وهنا تبدأ ملامح ما يمكن تسميته بـ “تكنولوجيا السياسة”، حيث تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل سياسي غير معلن.

في الحالة الفلسطينية، لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه المجتمع، فواقع يتسم بالضغط السياسي والاقتصادي، وبالقيود اليومية، يجعل الفضاء الرقمي ليس مجرد مساحة تواصل، بل مساحة بديلة للحياة والتعبير. هذا ما يفسر الاندماج العميق للفلسطينيين في المنصات الرقمية، ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كبيئة تمنح شعورًا نسبيًا بالحرية والسيطرة، حتى لو كان هذا الشعور مصنوعًا داخل بنية خوارزمية دقيقة

لكن المشكلة لا تبدأ من الاستخدام، بل من طبيعة النظام الذي يدير هذا الاستخدام. فالخوارزميات لا تعمل وفق منطق الحقيقة أو المصلحة العامة، بل وفق منطق التفاعل. هي لا تسأل من على حق، بل تسأل ما الذي يجعل المستخدم يبقى أطول ويتفاعل أكثر. وبهذا المعنى، فإن المحتوى الأكثر حدة وغضبًا واستفزازًا يصبح الأكثر انتشارًا، ليس لأنه الأكثر دقة، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه. ومع الوقت، لا تعود المنصة تعكس الواقع، بل تعيد تشكيله.

هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام تأثير طبيعي للتكنولوجيا، أم أمام شكل جديد من أشكال الهيمنة الرقمية؟ الإجابة لا يمكن أن تكون تبسيطية، لأن المنصات الرقمية اليوم ليست كيانات محايدة، بل بنى تملكها شركات ودول تمتلك القدرة على التحكم في البيانات والخوارزميات والبنية التحتية. هذه القدرة تمنحها نفوذًا غير مسبوق في تشكيل الوعي، ليس عبر فرض خطاب مباشر، بل عبر التحكم بما يظهر وما يُخفى، وما يُضخّم وما يتم تجاهله. وقد أشارت دراسات متعددة إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على توجيه الرأي العام من خلال محتوى مخصص بدقة عالية، يستند إلى تحليل سلوك المستخدمين، ما يحول التأثير من عملية إعلامية تقليدية إلى عملية هندسة إدراكية عميقة

في هذا السياق، تبدو المجتمعات التي تعاني من هشاشة سياسية أو اقتصادية أكثر قابلية للتأثر. فلسطين ليست استثناءً، بل نموذج واضح. مجتمع شاب، متصل رقميًا بنسبة عالية، يعيش ضغطًا مستمرًا، ويبحث عن مساحة للتعبير أو حتى للهروب، يجد نفسه داخل بيئة خوارزمية تعيد تشكيل وعيه تدريجيًا. هذا لا يعني وجود مؤامرة مباشرة بقدر ما يعني وجود بيئة جاهزة للتأثير، حيث تلتقي الحاجة النفسية مع التصميم الخوارزمي.

وهنا نصل إلى جوهر الفرضية: هل الخلاف داخل المجتمع الفلسطيني قائم فعلًا على اختلاف حقيقي في الرأي، أم أنه يُعاد إنتاجه رقميًا؟ الواقع أن الخلاف موجود بطبيعته في أي مجتمع، لكن المنصات لا تكتفي بعكسه، بل تعمل على تضخيمه وتسريعه وإعادة تدويره. المستخدم لا يرى الصورة الكاملة، بل يرى ما يتوافق مع ميوله، ما يخلق فقاعات رقمية مغلقة تعزز القناعات بدل أن تختبرها. ومع الوقت، يتحول النقاش من مساحة حوار إلى مساحة صراع، ومن اختلاف طبيعي إلى استقطاب حاد

الأخطر من ذلك أن هذا التأثير لا يُمارس بشكل مباشر، بل عبر ما يمكن تسميته “توجيه الانتباه”. فالمنصة لا تقول لك ماذا تفكر، لكنها تقرر ماذا ترى، ومتى تراه، وبأي كثافة. وما يُعرض بكثافة يصبح طبيعيًا، وما يُخفى يتلاشى من الوعي. وهنا يتحول التحكم في المحتوى إلى تحكم في الإدراك، وبالتالي في تشكيل المواقف. كما أن خوارزميات التوصية قادرة على بناء مسارات سلوكية كاملة للمستخدم، تبدأ من الاهتمام وتنتهي بالتبني، دون أن يشعر أنه خضع لأي تأثير خارجي

مع ذلك، لا يمكن إعفاء المستخدم من المسؤولية. نحن لا نستهلك المحتوى فقط، بل ننتجه ونعيد نشره ونعززه بتفاعلنا. البيانات التي نتركها يوميًا تتحول إلى مادة خام تُستخدم لتحليلنا والتأثير علينا. بمعنى آخر، نحن لسنا فقط متأثرين بالخوارزميات، بل شركاء في تغذيتها. نحن نُدرّب النظام الذي يعيد تشكيلنا، ونمنحه القدرة على فهمنا بشكل أعمق مما نفهم أنفسنا أحيانًا

في النهاية، لا يمكن فصل السياسة عن التكنولوجيا في العصر الرقمي، خاصة في سياق مثل فلسطين. المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي. لم تعد فقط على القرار السياسي، بل على إدراك الأفراد لما يحدث حولهم. الخطر الحقيقي ليس في وجود خلاف، بل في أن يتحول هذا الخلاف إلى منتج خوارزمي يُدار ويُضخّم ويُعاد إنتاجه بشكل مستمر، بعيدًا عن أي مشروع وطني جامع.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس من على حق، بل من يحدد ما نراه حتى نقرر من على حق. لأن من يملك القدرة على تشكيل المشهد الرقمي، يملك بالضرورة القدرة على التأثير في الوعي، ومن يملك الوعي، يملك المستقبل.


أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

تسميم الذكاء الاصطناعي

لم تعد معركة التأثير على الوعي البشري تُخاض عبر وسائل الإعلام التقليدية أو حتى منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل انتقلت إلى ساحة أكثر تعقيداً وخطورة: التلاعب بمصادر معرفة الذكاء الاصطناعي نفسه، ففي هذا السياق، يبرز مفهوم “تسميم الذكاء الاصطناعي” كأحد أخطر التحديات الرقمية في عصرنا الحديث.


تكشف الحادثة التي أُثيرت مؤخراً في الصين عن هذا التحول بوضوح، حيث تمكنت جهات منظمة من خداع أنظمة الدردشة الذكية عبر ضخ كميات ضخمة من البيانات والمراجعات المزيفة لمنتج غير موجود أساساً! وبفعل هذا التراكم الممنهج للمحتوى الوهمي، بدأت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بترشيح هذا المنتج ضمن أفضل الخيارات، وكأنه يتمتع بسمعة موثوقة وحضور حقيقي في السوق.


ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد خلل تقني، بل هو انعكاس لظهور نمط جديد من التلاعب يُعرف بـ“تحسين محركات الذكاء الاصطناعي”، وهو تطور طبيعي لما كان يُعرف سابقاً بتحسين محركات البحث، غير أن الفارق الجوهري هنا أن الهدف لم يعد التأثير على ترتيب موقع في نتائج البحث، بل التأثير على إجابات نموذج ذكي يُفترض أنه يقدم معرفة موثوقة ومُفلترة.


تعتمد هذه الممارسات على إغراق الفضاء الرقمي بمحتوى مُصطنع — من مقالات ومراجعات وتقييمات — تُصاغ بعناية لتوجيه مخرجات الذكاء الاصطناعي، ومع اعتماد هذه النماذج على البيانات المنتشرة عبر الإنترنت في التعلم أو التحديث، فتقوم بإعادة إنتاجه بثقة عالية للمستخدم.


تكمن خطورة هذا الأمر في أنه لا يقتصر على الترويج لمنتجات وهمية، بل يمتد ليشمل إمكانية التأثير على قرارات المستخدمين في مجالات حساسة، مثل الصحة والاقتصاد وحتى السياسة، فإذا أمكن إقناع نموذج ذكي بوجود منتج غير حقيقي، فمن الممكن أيضاً توجيهه لتبني سرديات مضللة أو توصيات غير دقيقة في قضايا أكثر تعقيدا.


الأكثر إثارة للقلق أن هذه الظاهرة مرشحة لأن تتحول إلى صناعة قائمة بذاتها، حيث قد تتنافس الشركات مستقبلاً على “احتلال” عقل الذكاء الاصطناعي بدلاً من التنافس على انتباه المستخدم مباشرة، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام سباق غير أخلاقي لإنتاج محتوى يبدو موثوقاً، لكنه في الحقيقة مُصمم للتلاعب.


ما نشهده اليوم يعيد إلى الأذهان بدايات الإنترنت، عندما كانت نتائج البحث تُخترق عبر تقنيات الحشو والتضليل. لكن الفارق الآن أن الوسيط نفسه — أي الذكاء الاصطناعي — أصبح هدفاً مباشراً لهذا التلاعب، وعندما يتم خداع هذا الوسيط، فإن الخداع يكتسب شرعية مضاعفة، لأنه يُقدَّم للمستخدم على أنه ناتج عن “تحليل ذكي”.


قد بدأت بعض الجهات التقنية تدرك حجم التهديد، وتسعى إلى تطوير آليات للحد من هذه الظاهرة، مثل تحسين جودة البيانات، وتعزيز معايير التحقق من المصادر، وتطوير نماذج أكثر قدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع. إلا أن هذه الجهود لا تزال في مراحلها الأولى، في وقت تتطور فيه أساليب التلاعب بوتيرة متسارعة.


السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن الوثوق بالذكاء الاصطناعي في بيئة معلوماتية قابلة للتسميم؟


الإجابة تكمن في إدراك أن الذكاء الاصطناعي ليس معصوما من الخطأ، بل هو انعكاس مباشر للبيانات التي يتغذى عليها، وإذا كانت هذه البيانات ملوثة أو موجهة، فإن مخرجاته ستعكس ذلك، مهما بلغت دقة الخوارزميات المستخدمة.


من هنا، تصبح الحاجة ملحة لوضع أطر تنظيمية وأخلاقية تضمن نزاهة البيانات، وتفرض الشفافية على مصادرها، وتحاسب الجهات التي تسعى إلى تضليل الأنظمة الذكية. فالمعركة لم تعد فقط معركة تطوير تقني، بل معركة على مصداقية المعرفة نفسها.


وهنا، قد لا يكون التحدي الأكبر هو بناء ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً، بل حماية هذا الذكاء من التلاعب، لأن أخطر ما في “تسميم الذكاء الاصطناعي” ليس أنه يخطئ، بل أنه يخطئ بثقة.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 11:41 صباحًا - بتوقيت القدس

أحمد قعبور.. الصوتُ في ساحاتٍ لا تنتهي

أحمد  قعبور من أسماء المقاومة وفلسطين، بصوته الجامح الحاسم المقتحم الجَمْريّ، الموّار بالصعود والمدّ والثبات. كبرنا على إيقاعاته فكبرت فينا الغابات. وصدحت أغانيه في الساحات وعلى الحواجز وخلف القضبان، فكان النسغ النّاري الذي أحرق العتمة، وأيقظ الخيولَ الوحشيّة في أنهار الروح. وكانت أغانيه طيورا أسطورية تدفّ من الجنوب اللبناني، فتغطّي بقوادمها التلال والسهول الفلسطينية، وتحطّ عند نقاط الاشتعال وعلى القباب.

أحمد قعبور ومارسيل خليفة والشيخ إمام، وحتى وقت قريب، كانوا تاريخنا المتعالي المتجاوز، الذي فرشَ ومهّد وأصّل المدارك، ودبّ الحرائق في العتمات.. وأعان القلب لأن يحتشد برمّانه الساخن، ويضيء في ليل القتلة قناديلّه العائدة.  

قبل بضعة أعوام؛ تمّ تسميتي مع أحمد قعبور والروائي مروان عبد العال، لحصولنا على جائزة "الابداع المُقاوم"، فكانت أكثر من جائزة، إذ اقترنت بهذا الصوت المُشْرع كالنخلة السامقة. وعلى إثرها؛ جاءني طفلٌ لبناني أو فلسطيني، في المنام..لا أذكر تماما! لكن له ذات الوجه والملامح، وقال لي: لا تردموا البئر مرة أخرى! أرجوكم! ففي القاع خاتمي، وعلى طبعته نقشٌ يظهر صورتي مع الوَحشيْن. 

وفي ذات معتقل؛ قيّدوا يديّ، فتسربت الكهرباء إليّ وهزتني، فصعقت أعصابي وحرقت رسغيّ وشعطت قلبي..ورجّتني حتى تلقلق عظمي بين لحمي، وسكبت ماء النار والفلفل في مفاصلي..ولم أثب إلا على إيقاع صوتك البحريّ الساطع.

 ..وماذا فعلت؟

 كنت أغنّي وأدندن بصوت عالٍ، فساقوني لسرير الكهرباء..غير أن أغنيةً شمالية  أنقذتني..وما زالت تملأني بالجلّنار.

اصرخْ يا أخي ب"نحنا الناس"! حتى يتزلزل الكون. ووجّه صراخك للدنيا، فهي كهف الخرافات الذي يمتصّ كلّ الرعود وتأوب إليها كل الأصداء. اصرخ "وأقول أفديكم" حتى يتشقّف صخر الجبال، ويتمزّع وجه الجرود، ويتطاير البحر قطعاً في كل مكان. اصرخ إلى أن تذوي كلّ الأصوات وتنوس ألسنة الخلائق وتخرس نداءات الإنفعال. اصرخ لتنفخت آذان المنصتين المُرجفين، وتنعقد ألسنة الحكّائين. اصرخ حتى يسمع سكان السماوات رجّة الصدى. واصرخ حتى لا يجوح أو يبكي أو ينادي من له فم وأشداق مجّانية. اصرخ فإن هذا العالم لا يرى ولا يتكلم ولا يسمع إلا ما يريد، فليسمع ما نريد. 

يا مُغنّي القلعة المحكومة بالصمود والحنان والبساطة المنداحة والأمومة الحارسة للمواقد! نحن لا نتمتع بريحانة الفِراش القابل للتقلّب وتغيير الأثواب والأصوات. لأننا من فلذة الحجر وحمأة المصاطب. ولا أعلم الفرق بين امرأة موجة، وامرأة رملية، بقدر ما أحاول أن أثبت للطفلة أمّها، وللاُمّ طفلتها. 

ويا أغنيتكَ السّارحة الجارحة الواضحة الجامحة بالأحلام وآلآم الحمل والولادة..

لن نطيق الشتاء الساخن دون أثافي الأمومة المتحوّلة. ولن يحلو الربيع دون طائرات الورق ومناغاة الحليب والخربشات الغامضة. فافتح جنةّ الدنيا لننسى جهنّم الحرب المجنونة، التي توزّع خرابها وشظاياها وأيتامها في كل الجغرافيات البائسة. وإذا أحسست بأنّ الحياة هي جهنم الدنيا، فاخشع وأنت في تقمّص الشهيد، واستذكار كربلاء الممتدة..وعندها سنفرّ كالحلم الأخير من الليل الباقي في الهزيع والقتاد. وها هي السماوات بغنائها معنا. أفلا تبصرون؟        

إن يوما جنوبيا يترسّم أغنيتك كفيلٌ بخلق ألف أغنية عميقة خضراء، تُغطّي الأرض والسماء.

وقريبا، وعند بوابات البحر، سيرى الصدفُ رحيل الغرباء عن كهوفه البريئة، وسنعي دعوته لزيارتك الغائبة الممكنة، ورؤية بيوت الأطفال الرميلة، وزلزلة الموج واندياح جدرانها الرخوة. وربما..ربما، عندئذ، أحاول أن أكون عصرياً يليق بموسيقى تريدها منّي منذ زمن على لحنك البعيد. 

أيها المُغنّي! الذي لم تفرش له أُمُّه مزودة العنكبوت، ولم تنصب له خيمة النزوح! بل تركته حتى يصل، دون دليل، إلى اللحن الساهي في الحروف المتّقدة!

 ولا حدود للحارة أو الحيّ في بلدتك البسيطة، لكنّ جهاز الاتصال الذي اجتاحها، شوّش النهر، الذي يغذّي الأعذاق، لكنّ أسماكه ظلّت ملّونة، في القاع بين تجاويف الصخور الراسخة.

ولعلك أبصرتَ مشهد اللجوء!

فقراءٌ يَلتْحَفوُنَ الغيومَ، ويلفِعُونَ الأطفال بالضَّفاَئِر ويَحُبوّنَ الحياةَ، فتنشَّقُّ السماءُ وتشهقُ، لتباركَ سواعدهمُ المُطرّزةَ بالأعشاب والندى.   

ويتصاعدُ الأرجوانُ يسربلُ اغصانَ البرق ويكسرُ الدُجى الثقيل. فتعشقُ غيمةٌ بكْر غيمةً تُشبهها، ليظلَّ الرعدُ إيقاع القوافل العائدة بالكُحْلِ والخواتم والحداء.

وعندما عاد أبوك مُرهقاً آخر ذلك النهار، وجدك نائماً..فقال: دَعوهُ يَحلم، فإنه سيُحيل السنينَ العجافَ إلى خوابٍ وندى، إتركوهُ في حَمْأة الشَمسِ يُؤَسّسُ نَشيدنَا القزحيَّ، وامشوا على خُطى أنبيائكم أيُّها اللاجئون..ودعوهُ يَحلم!

 سيخرجُ من فُصولِ سِنيّكم ومراحل دوائركُم الرماديّةِ، ليمتطيَ صهوةَ الحجارة واللظى..ليرفضَّ من روحِ حلمهِ بركانُ الوضوح، ويغطّي صفيحكم بأرجوان سبحاته ومشاويره الدامية.

و..دعوه يحلم.

وبعد عقود قليلة؛ وجدوا أنفسهم..فَخرجَ الفتيانُ تحت المطر الشرس، يفتحون قمصانَهم، ويرفعون رؤوسَهم، كأنّهم يَعبّون الغيومَ، ويتنفسّون أقواسَ قزح، ويغتسلون بالسحاب، ويعودون، والبخارُ يتفشّى حولهم، وينضحُ من أبدانهم الفتيّة الساخنة. كان ذلك أيام الانطلاقة الفاتحة..كما كان ذلك أيام الانتفاضة العبقرية..

وأغنية أحمد قعبور تؤوّب في صدورهم.

ولهذا سيقولون: الحنّون المُضْمَر في الثوب المُسْدل على أكتاف الشجرة الأُمّ، بات معزوفة سماوية ترحب بالطيور، ويدعوها للحياة.

لقد لَبّت النداء، وامتلأت بـ"أناديكم".

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 11:39 صباحًا - بتوقيت القدس

الضفة الغربية: إرهاب المستوطنين أداة للضم الزاحف وفرض السيادة

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران والتوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة، تتسارع على الأرض في الضفة الغربية المحتلة عملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تتجه الأنظار إلى ساحات الحرب، تستغل حكومة الاحتلال الإسرائيلي هذا الانشغال الدولي لتعميق سياسات السيطرة على الأرض في الضفة الغربية، عبر مزيج من القرارات الحكومية، التوسع الاستيطاني، وإرهاب المستوطنين المنظم ضد الفلسطينيين.


لم يعد ما يسمى في الخطاب الرسمي لدولة الاحتلال الإسرائيلي بـ إرهاب المستوطنين ظاهرة هامشية أو أعمال شغب يقوم بها عدد محدود من شبان التلال، فالمعطيات والبيانات المتراكمة في السنوات الأخيرة، إلى جانب التحقيقات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية والدولية، تشير بوضوح إلى أن هذه الاعتداءات أصبحت جزءاً من منظومة سياسية وأمنية أوسع تعمل عملياً على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية المحتلة.


التحقيق الذي نشرته صحيفة “هآرتس” يوم الجمعة الفائت يرسم صورة مقلقة لانهيار منظومة الرقابة الأمنية والقانونية، التي كانت تضبط ولو جزئياً هذه الاعتداءات. غير أن ما يجري في الواقع لا يمكن فهمه كظاهرة عابرة، بل كسياسة قديمة تعمقت بصورة واضحة مع صعود حكومة اليمين الاستيطاني الحالية.


فبحسب شهادات ضباط وجنود احتياط خدموا في الضفة الغربية، لم يعد  إرهاب المستوطنين مجرد حوادث استثنائية، بل تحوّل إلى نمط شبه يومي. وفي كثير من الحالات يصل الجنود إلى مواقع الهجمات بعد وقوعها، ليجدوا أنفسهم أمام صدام بين مستوطنين وفلسطينيين ينتهي غالباً باعتقال الفلسطينيين أو استخدام القوة ضدهم.


لكن المشكلة أعمق بكثير من مجرد تقاعس أمني. فإرهاب المستوطنين لم يعد فعلاً عشوائياً، بل أصبح أداة ميدانية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض. فبدلاً من عشرات من شبان التلال، كما تدّعي حكومة الاحتلال، يتحدث التحقيق عن مئات المشاركين في الاعتداءات، يعملون ضمن شبكة دعم واسعة تشمل بؤراً استيطانية ومزارع استيطانية ومجالس إقليمية في الضفة الغربية.


بل إن بعض هذه المجموعات بات ينشر تقارير شهرية عن نشاطاته، تتفاخر فيها بإحراق منازل ومركبات فلسطينية وتدمير أشجار الزيتون والاعتداء على سكان القرى المجاورة. وهو ما يعكس درجة غير مسبوقة من التنظيم والشرعنة الضمنية لهذا النوع من الإرهاب.


الأخطر من ذلك هو التداخل المتزايد بين المستوطنين والمنظومة العسكرية. فبعض المشاركين في الاعتداءات يتحركون بمركبات عسكرية أو شبه عسكرية، ويرتدون أجزاء من الزي العسكري، ويحملون أسلحة حصلوا عليها ضمن منظومات الدفاع الإقليمي، ومع توسع تسليح المستوطنين خلال السنوات الأخيرة، أصبح الخط الفاصل بين المدنيين المسلحين والجيش الإسرائيلي أكثر ضبابية.


وبهذا المعنى، يتحول المستوطنون تدريجياً إلى قوة شبه عسكرية تعمل في الميدان، تحظى بحماية الجيش وتتحرك أحياناً تحت نظره المباشر.


سياسياً، لا يمكن فهم هذا التحول من دون النظر إلى التغيرات العميقة داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية. فوزير المالية والوزير في وزارة الدفاع المسؤول عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية، بتسلئيل سموتريتش، يدفع بوضوح نحو تنفيذ رؤيته المعروفة باسم “خطة الحسم”، التي طرحها عام 2017.


تقوم هذه الخطة على توسيع السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة “C”، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، مع إبقاء الفلسطينيين محصورين داخل جيوب سكانية في مناطق “A” و”B”. وفي إطار هذا التصور، يصبح إرهاب المستوطنين وسيلة ميدانية لفرض واقع ديموغرافي جديد.


فالهجمات المتكررة على القرى الفلسطينية، وإحراق المحاصيل، وتخريب مصادر المياه، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، ليست مجرد حوادث متفرقة، بل أدوات تهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين، خصوصاً في المناطق الريفية والأغوار وجنوب الخليل.


في المقابل، تراجعت قدرة أو رغبة مؤسسات إنفاذ القانون الإسرائيلية في مواجهة هذه الظاهرة. فشرطة الاحتلال في الضفة الغربية، الواقعة تحت نفوذ وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تتعرض لانتقادات متزايدة بسبب تقاعسها عن التحقيق في اعتداءات المستوطنين. كما تقلص دور جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في متابعة ما يُعرف بـ الإرهاب اليهودي.


غير أن ما يبدو تقاعساً في الظاهر يعكس في كثير من الأحيان انسجاماً مع توجهات الحكومة الحالية. فالجيش الإسرائيلي، الذي وصف في بيانات سابقة بعض ممارسات المستوطنين بأنها  إرهاب يهودي، يجد نفسه اليوم جزءاً من واقع سياسي وأمني يدفعه إلى تجنب المواجهة مع المستوطنين.


كما أن قرارات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بإلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين، رغم محدودية استخدامها أصلاً، تعكس توجهاً سياسياً يحد من أدوات الردع القانونية تجاه هذه الاعتداءات.


هذه التحولات انعكست أيضاً داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد وقّع نحو مئتي جندي احتياط رسالة إلى القيادة العسكرية يحذرون فيها من تآكل القيم التي يفترض أن يقوم عليها الجيش، ومن تورط بعض الجنود في أعمال عنف ضد الفلسطينيين أو في التغاضي عنها.


غير أن هذا الخطاب الأخلاقي يصطدم بواقع مختلف على الأرض. فالجيش نفسه ينفذ يومياً عمليات اقتحام واعتقال في المدن والقرى الفلسطينية، ويوفر الحماية للمستوطنين خلال هجماتهم أو بعدها. ويكشف هذا التناقض بين الخطاب والممارسة حدود قدرة المؤسسة العسكرية أو رغبتها  في مواجهة إرهاب المستوطنين.


ما يتشكل اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد تصاعد في إرهاب المستوطنين، بل إعادة هندسة تدريجية للواقع السياسي والجغرافي. يتحرك المستوطنون بحرية شبه كاملة، بينما تبدو المنظومة الأمنية مترددة أو عاجزة عن ضبطهم، في حين تدفع القيادة السياسية باتجاه توسيع السيطرة على الأرض وتطبيق سياسات الضم الزاحف.


بهذا المعنى، يصبح إرهاب المستوطنين أداة ضمن سياسة أوسع لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية. إنها عملية منهجية وبطيئة، تقوم على دفع الفلسطينيين للانكماش داخل جيوب سكانية معزولة، في مقابل توسيع متواصل للمشروع الاستيطاني، وتثبيت واقع جديد يخدم أهداف إسرائيل الاستراتيجية والسياسية.


وفي ظل الحرب المدمرة على قطاع غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، تبدو الضفة الغربية ساحة موازية لعملية تغيير عميقة تجري بعيداً عن الأضواء. فبينما تستمر المأساة الإنسانية في غزة، تتسارع في الضفة سياسات السيطرة على الأرض عبر مزيج من القرارات الحكومية وإرهاب المستوطنين والتواطؤ المؤسسي، لتكريس واقع قائم على التفوق الإسرائيلي والضم الفعلي للأراضي.


والنتيجة النهائية ليست مجرد توسع استيطاني، بل ترسيخ نظام قائم على الضم التدريجي، التفوق العرقي، والطرد التدريجي للفلسطينيين من أرضهم، في حين تبقى مؤسسات الاحتلال الرسمية وأذرعها الأمنية والسياسية حاضرة لدعم هذا المشروع ومشاركته بصورة عملية ومباشرة.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس

خبراء الأمم المتحدة يحذرون من تجنيد آلاف المرتزقة الكولومبيين في نزاعات دولية

أطلق فريق من خبراء الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة بشأن انخراط نحو 10 آلاف مرتزق من الجنسية الكولومبية في نزاعات مسلحة بمناطق متفرقة من العالم خلال السنوات العشر الماضية. وأوضح الفريق أن عمليات التجنيد هذه تتم غالباً في ظروف قاسية تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، مستغلة الخبرات القتالية الطويلة لهؤلاء العناصر.

وجاءت هذه المعطيات عقب دعوة وجهها الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو للفريق الأممي لتقصي الحقائق حول هذه الظاهرة المتنامية. وأشار الخبراء إلى أن الإغراءات المالية المرتفعة وهشاشة الوضع الاقتصادي للعسكريين ورجال الشرطة المتقاعدين تعد المحرك الأساسي لقبول هذه العروض الخطيرة في الخارج.

ووفقاً للتقرير الأممي، فإن المرتزقة الكولومبيين باتوا جزءاً من خارطة النزاعات في دول مثل أوكرانيا والسودان واليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتؤكد المصادر أن هؤلاء المقاتلين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الموت في بيئات جغرافية وسياسية معقدة وبعيدة عن بلادهم.

من جانبها، صرحت ميشيل سمول، رئيسة فريق الخبراء، خلال مؤتمر صحافي في العاصمة بوغوتا، بأن الطلب الدولي على الخبرات العسكرية الكولومبية سجل قفزة كبيرة في العقد الأخير. وأضافت أن المجندين يعانون من عزلة تامة واتصالات محدودة مع ذويهم، فضلاً عن العمل في بيئات قتالية تفتقر للضمانات الأمنية.

وفي سياق متصل، أكدت عضو الفريق جوانا دي ديوس بيريرا أن حصيلة القتلى بين صفوف هؤلاء المرتزقة لا تزال غير محددة بدقة، لكن المؤشرات تؤكد أنها مرتفعة للغاية. وأوضحت أن غياب الشفافية من قبل الجهات المشغلة يجعل من الصعب تتبع مصير المئات من المقاتلين الذين انقطعت أخبارهم.

وكشف التحقيق الأممي عن دور محوري لمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك وتلغرام في تسهيل عمليات التجنيد عبر شبكات رقمية واسعة. وبينما تكتسي بعض العقود صبغة قانونية كما هو الحال في أوكرانيا، تظل الغالبية العظمى من هذه الأنشطة تندرج تحت بند الارتزاق غير القانوني.

وتحدث الخبراء عن أساليب تضليلية تتبعها شركات أمنية خاصة، حيث يتم تغيير شروط التعاقد فور وصول المجندين إلى وجهاتهم النهائية. وفي حالات موثقة، أقدمت بعض الجهات على مصادرة جوازات سفر المقاتلين لمنعهم من التراجع أو العودة إلى كولومبيا بعد اكتشافهم حقيقة المهام الموكلة إليهم.

وتعاني عائلات المجندين في كولومبيا من ضغوط نفسية هائلة نتيجة فقدان الاتصال بأبنائهم وعدم قدرتهم على الحصول على معلومات رسمية حول أوضاعهم. ويرتبط هذا التدفق للمقاتلين بالصراع الداخلي المستمر في كولومبيا منذ ستة عقود، والذي أنتج فائضاً من الكوادر المدربة التي تفشل أحياناً في الاندماج بالحياة المدنية.

وفي خطوة لمواجهة هذه الظاهرة، رحب الفريق الأممي بمصادقة الرئيس بيترو على الاتفاقية الدولية لعام 1989 المناهضة لتجنيد المرتزقة. وشدد الخبراء على ضرورة تعزيز التعاون الدولي وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية للعسكريين السابقين لحمايتهم من الوقوع في فخ شبكات التجنيد الدولية.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

عجز في الأسطول البريطاني يضطر لندن للاستعانة بفرقاطة ألمانية لتغطية مهام 'الناتو'

وجدت البحرية الملكية البريطانية نفسها في موقف محرج دولياً بعد اضطرارها للاستعانة بسفينة حربية من ألمانيا للوفاء بالتزاماتها العسكرية تجاه حلف شمال الأطلسي 'الناتو'. وجاء هذا التحرك الاضطراري عقب قرار حكومة كير ستارمر بنشر المدمرة 'دراغون' في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، مما ترك فراغاً في مهام القيادة المقررة في شمال المحيط الأطلسي.

وأفادت مصادر بأن الفرقاطة الألمانية 'ساكسن' ستحل محل المدمرة البريطانية 'دراغون'، وهي واحدة من ست مدمرات فقط من طراز 'تايب 45' تمتلكها المملكة المتحدة. وقد أثار هذا التطور موجة من الانتقادات اللاذعة للحكومة، حيث اعتبر معارضون أن الاعتماد على برلين لإنقاذ الموقف يمثل تراجعاً كبيراً في القدرات السيادية للبحرية البريطانية.

من جانبه، صرح النائب المحافظ بن أوبيس جيكتي بأن الأسطول السطحي البريطاني يعاني من عجز تشغيلي واضح وصل إلى حد استنفاد السفن المتاحة للخدمة. وأضاف جيكتي أن لجوء لندن لطلب المساعدة من ألمانيا يعكس فشلاً في إدارة الموارد العسكرية، واصفاً الواقعة بأنها 'إحراج وطني' يمس بمكانة المملكة المتحدة العسكرية.

وفي سياق متصل، أعرب تان ديسي، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان عن حزب العمال، عن قلقه البالغ إزاء هذه التطورات التي تؤكد مخاوف اللجنة بشأن نقص الحجم والقدرة القتالية. وأشار ديسي إلى أن الاعتماد على سفينة ألمانية لتغطية مهام بريطانية يضع علامات استفهام كبرى حول جاهزية القوات المسلحة لمواجهة التحديات المتزايدة.

وتعود أسباب نقل المدمرة 'دراغون' إلى المتوسط لرغبة لندن في تعزيز الدفاعات الجوية حول قواعدها في قبرص، وذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة إيرانية استهدف منشأة تابعة لسلاح الجو الملكي. هذا التحرك العسكري كشف عن ضغوط هائلة تواجهها البحرية الملكية، حيث لم يتبق سوى مدمرتين فقط في حالة الخدمة الفعلية لتغطية بقية المهام العالمية.

وتواجه حكومة ستارمر اتهامات بالبطء في الاستجابة للتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن سبقتها فرنسا بإرسال حاملة الطائرات 'شارل ديغول' إلى المنطقة. ويرى مراقبون أن بريطانيا فشلت في البداية في تأمين حضور بحري كافٍ، ولم تتحرك لإرسال 'دراغون' إلا بعد ضغوط سياسية وميدانية فرضتها طبيعة الصراع الإقليمي.

وعلى الصعيد المالي، تزداد الضغوط على رئيس الوزراء لتحديد جدول زمني واضح لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم الوعود الحكومية برفع النسبة تدريجياً لتصل إلى 3.5% بحلول عام 2035، إلا أن غياب الخطة الزمنية الفورية أثار شكوكاً لدى القادة العسكريين والسياسيين حول جدية التمويل.

وتشير تقارير اقتصادية إلى وجود فجوة تمويلية ضخمة في الميزانية العسكرية البريطانية تقدر بنحو 28 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع المقبلة. ويحول الخلاف المستمر بين وزارتي الخزانة والدفاع دون التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن خطة الاستثمار الدفاعي العشري، مما يهدد بمزيد من التراجع في كفاءة القوات المسلحة البريطانية.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

من هرمز إلى برلين.. طهران تنقل كلفة المواجهة مع واشنطن وتل أبيب إلى العمق الأوروبي

تتكشف ملامح أزمة جيوسياسية كبرى تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لتلقي بظلالها على أسواق الطاقة وحسابات السياسة في قلب القارة الأوروبية. ولم تعد المعركة محصورة في ضربات صاروخية متبادلة، بل تحولت إلى حرب استنزاف اقتصادية وأخلاقية تمتد من مضيق هرمز الاستراتيجي وصولاً إلى العاصمة الألمانية برلين.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن واشنطن وتل أبيب لم تنجحا حتى الآن في فرض معادلة ردع حاسمة تضمن حماية تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو 20% من الاستهلاك العالمي. هذا الإخفاق أدى إلى قفزات متتالية في أسعار الطاقة، مما يعكس نجاح طهران جزئياً في نقل كلفة الحرب إلى جيوب المستهلكين الغربيين والأسواق العالمية المنهكة أصلاً.

وفي الجانب السياسي، برزت برلين كساحة اختبار رئيسية للضغوط الإيرانية، حيث وجه السفير الإيراني مجيد نيلي رسائل حادة ومباشرة عبر منصة 'إكس'. ودعا نيلي الأوروبيين للاختيار بين الالتزام بالقانون الدولي أو الوقوف بجانب 'المعتدي'، محذراً من أن التردد في اتخاذ موقف أخلاقي سيكون له ثمن باهظ يصعب إصلاحه في المستقبل القريب.

ويواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس مأزقاً سياسياً حاداً، حيث يحاول الموازنة بين التحالف الاستراتيجي مع واشنطن وبين تزايد الأصوات الداخلية المعارضة للحرب. ورغم تحميله طهران مسؤولية التصعيد، إلا أن ميرتس اعترف ضمناً بوجود تحفظات ألمانية، مشيراً إلى أنه كان سينصح بعدم الانخراط في الحرب لو جرت استشارة برلين مسبقاً من قبل الإدارة الأمريكية.

في المقابل، أحدث موقف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير اختراقاً في المشهد السياسي، بوصفه الحرب الأمريكية الإسرائيلية بأنها مخالفة للقانون الدولي. هذا الموقف لقي ترحيباً من الخارجية الإيرانية ووجد صدىً واسعاً داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مما كشف عن شروخ عميقة داخل الحكومة الألمانية تجاه طريقة إدارة الأزمة في الشرق الأوسط.

ميدانياً، تواصل الولايات المتحدة تعزيز تواجدها العسكري بنقل آلاف الجنود الإضافيين إلى منطقة الخليج، وسط سيناريوهات تتحدث عن نية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية الحيوية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات لم تترجم حتى الآن إلى نصر حاسم، في ظل معارضة شعبية أمريكية واسعة للحرب وصلت إلى 75% وفقاً لتقديرات خبراء دوليين.

وعلى صعيد الدعم الإقليمي، كشفت تقارير عن تقديم تسهيلات لوجستية مصرية للاحتلال الإسرائيلي شملت استخدام مطاري طابا وشرم الشيخ لتسهيل حركة المسافرين والعمليات الجوية. كما رصدت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) رسو سفن شحن عسكرية في الموانئ المصرية، من بينها السفينة 'MSC Danit' التي أفرغت حمولة ضخمة من الفولاذ العسكري المخصص للصناعات الدفاعية الإسرائيلية.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى تضرر دول المنطقة بشكل متفاوت، حيث سجلت تركيا تراجعاً في احتياطيات الذهب بمقدار 50 طناً منذ اندلاع المواجهة في فبراير الماضي. وفي مصر، واصل الجنيه انحداره ليتجاوز حاجز 52 مقابل الدولار، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في إيرادات قناة السويس نتيجة الاضطرابات الملاحية المستمرة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

إيران من جانبها، تصر على ربط أي تهدئة مستقبلية بملف لبنان والمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية، رغم الاستنزاف الشديد الذي تعرضت له قدراتها الجوية والبحرية. وتؤكد مصادر أن طهران تسعى لاستثمار التباينات الأوروبية لإرباك خصومها سياسياً، مستفيدة من حالة الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي وخوف الغرب من انفجار شامل في سوق الطاقة.

وفي الداخل الإسرائيلي، اضطرت شركات طيران مثل 'أركيا' لنقل عملياتها إلى مطارات بديلة في الأردن ومصر بعد تضرر مطار بن غوريون من القصف الإيراني المركز. وتعتبر تل أبيب الرابح الأكبر عسكرياً حتى الآن نتيجة اختراق البنية التحتية الإيرانية، إلا أن الكلفة الأمنية والسياسية طويلة الأمد لا تزال محل شك في ظل استمرار المواجهة المفتوحة.

وتشير التوقعات إلى أن الحرب قد تترك إيران في أضعف حالاتها منذ عقود، لكنها في الوقت ذاته تستنزف القوة العالمية للولايات المتحدة التي تزداد ديونها بمئات المليارات. هذا الصراع المعقد وضع القوى الأوروبية أمام خيارات صعبة، حيث لم تعد قادرة على البقاء في منطقة رمادية بينما تشتعل النيران في ممرات الطاقة الحيوية وتتأثر أسواقها الداخلية بشكل مباشر.

ختاماً، يبدو أن الرسالة الإيرانية التي انطلقت من هرمز ووصلت صداها إلى برلين تهدف إلى إيصال حقيقة واحدة؛ وهي أن ثمن الحرب لن يقتصر على جغرافيا الشرق الأوسط. فبينما تبحث واشنطن عن إنجاز ميداني يعيد لها زمام المبادرة، تواصل طهران اللعب على أوتار الانقسام الغربي، مما يجعل من أوروبا ساحة خلفية لصراع الإرادات الدولي المحتدم.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسفة الصمود: لماذا ترفض الشعوب الانكسار أمام القوى العظمى؟

حين يغيب صوت كان ينادي للكرامة ويوقظ في الناس معنى الانتماء، لا يكون الرحيل مجرد حدث عابر، بل لحظة تأمل عميقة في جوهر الأثر المتروك. هكذا يرحل أحمد قعبور، صاحب قصيدة 'أناديكم' التي تحولت إلى نشيد للوجدان الفلسطيني والعربي، ليبقى صوته شاهداً على أن الكلمة قادرة على صناعة وعي يقاوم الانكسار.

في حضرة هذا الغياب، يصبح السؤال عن سر صمود الشعوب ليس ترفاً فكرياً، بل امتداداً لنداء إنساني آمن بأن الضعفاء حين يتمسكون بكرامتهم يرفضون الهزيمة. ومن هنا تنفتح القراءة على محاولة فهم القوة الخفية التي تجعل المجتمعات تقاوم وتبقى واقفة رغم اختلال موازين القوى المادية.

تبدو بعض الوقائع التاريخية المعاصرة مثيرة للتفكير؛ فقد صمدت طالبان أمام أعنف قوة عسكرية في العالم متمثلة في الولايات المتحدة وحلف الناتو. وفي فلسطين، تواجه حماس الاحتلال الإسرائيلي، وتمكنت من زعزعة أسطورة الجيش الذي وُصف طويلاً بأنه لا يقهر، رغم الفوارق التكنولوجية الهائلة.

تضعنا هذه النماذج، بالإضافة إلى الحالة الإيرانية التي تواجه عزلة دولية وتهديدات مباشرة، أمام تساؤل جوهري حول منبع هذه القدرة. فبينما تنهار أنظمة مركزية بسرعة مذهلة كما حدث في العراق سابقاً، تظهر هذه القوى المحلية قدرة فائقة على الاستمرار والمواجهة الطويلة.

التفسير السطحي قد يحصر السبب في 'الوطنية' وحدها، لكن حب الأرض لا يكفي لتفسير الصمود أمام حشود عسكرية متفوقة تقنياً وعددياً. هناك أمر أعمق يغذي هذا الإصرار، وهو البعد المجتمعي والثقافي والديني الذي يمنح هذه القوى معنى وجودياً يتجاوز الدفاع عن الحدود الجغرافية.

في الحالة الأفغانية، نجد دينامية اجتماعية ترتكز على شبكة قبلية وإيمانية متينة ترى في المقاومة واجباً لفرض قيمها الأصيلة. يشعر الفرد هناك بأنه جزء من مشروع تاريخي يربط بين الإيمان بالقدرة الإلهية والواجب المجتمعي تجاه العائلة والأرض، مما يجعل الهزيمة خياراً غير وارد.

أما في فلسطين، فإن المقاومة تمثل استجابة لإحساس عميق بالظلم التاريخي الممتد منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم. الشعب الفلسطيني يختبر الصمود كواجب أخلاقي ووطني، حيث تتحول الانتصارات الصغيرة إلى أساطير تغذي الروح المعنوية للأجيال المتعاقبة وتخلق إحساساً بالقدرة رغم الحصار.

الصمود الفلسطيني هو تجربة جماعية تشترك فيها كافة الأجيال، وهو ناتج عن مزيج من الوعي التاريخي والإيمان بعدالة القضية. هذا الإيمان يمنح المقاومة بعداً يعلو فوق القوانين الدولية والسياسات العابرة، ويجعل من البقاء على الأرض فعلاً نضالياً بحد ذاته.

النظام الإيراني يمثل نموذجاً آخر، حيث تبني القيادة سياساتها على هوية وطنية ممتدة مدعومة بعمق ديني يربط الأمة بمصير مشترك. القوة هنا لا تكمن في ترسانة السلاح وحدها، بل في تحويل الصراع إلى مشروع ثقافي جماعي يرى في الوقوف ضد الهيمنة واجباً أخلاقياً.

على النقيض من ذلك، نجد أن الأنظمة الهرمية التي تعتمد على السلطة الفردية المطلقة تنهار بمجرد سقوط رأس الهرم. غياب الشبكة الاجتماعية المتماسكة والمشروع الإيماني المشترك يجعل الأفراد يفتقدون للشعور بالمسؤولية المستمرة، مما يؤدي إلى تفكك الدولة أمام أول اختبار عسكري جدي.

إن الصمود الحقيقي ينبع من امتزاج العناصر الوطنية بالبعد الروحي والثقافي الذي يمنح المجتمعات قوة غير مرئية. هذه القوة تجعل الشعوب ترى نفسها ضمن مشروع أكبر من مجرد البقاء المادي، وهو ما يحفزها على مواجهة الظلم حتى لو كان الخصم متفوقاً مادياً وتقنياً.

تُظهر لنا هذه النماذج درساً إنسانياً مفاده أن الصمود نتاج تعقيد اجتماعي وروحي تتداخل فيه الهوية مع التاريخ. الدفاع عن الكرامة يصبح مشروعاً وجودياً، وهو ما يفسر كيف لمجتمعات محدودة الموارد أن تواجه قوى دولية هائلة وتستمر في رفض الخضوع.

في نهاية المطاف، يتحول الصمود من خيار بطولي استثنائي إلى فعل يومي بسيط يتكرر في حكايات الناس ووجوههم. هي إرادة صامتة تختار في كل مرة أن تحتمل الألم ولا تسلم أمرها للغزاة، مؤمنة بأن ما يصان في الداخل هو ما يجعل الاستمرار ممكناً.

ليست هذه حكاية قوة عسكرية لا تُهزم، بل هي حكاية كرامة إنسانية ترفض الاستباحة مهما طال الطريق وكثرت الجراح. إن احتمال الألم يبقى دائماً أهون من الارتهان للذل، وهذه هي القاعدة الذهبية التي تحفظ للمجتمعات بقاءها في وجه أعاصير السياسة والحروب.

تحليل

السّبت 28 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين الصوفية والسلطة

يقدم الباحث محمد حلمي عبد الوهاب في مؤلفه الأحدث 'استعادة المقدس، السلطة والتصوف' قراءة معمقة لتطور العلاقة بين المسلك الروحي والقرار السياسي في التاريخ الإسلامي. ينطلق الكتاب من تعريف التصوف كعملية تربوية شاملة تهدف لتزكية النفس البشرية وغرس الفضائل، متجاوزاً فكرة الانعزال السلبي نحو صياغة دور أخلاقي فاعل للفرد في مجتمعه.

ويرى المؤلف أن التجربة الصوفية ليست مجرد طقوس فردية، بل هي رؤية شاملة للعالم تمنح الإنسان قدرة على التمييز بين الظاهر والباطن. هذه المعرفة الذاتية تتحول بالضرورة إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في المحيط العام، مما يجعل الروحانية عنصراً موازناً بين احتياجات الفرد ومتطلبات الجماعة في الفضاء السياسي.

وينتقد عبد الوهاب المناهج الأكاديمية التقليدية التي تحاول دراسة التصوف كظاهرة خارجية عبر التحليل العقلي الجاف فقط. ويؤكد أن فهم الصوفية يتطلب مشاركة وجدانية واستيعاباً للتجربة من الداخل، حيث أن التصوف في جوهره يمثل استبطاناً للقيم الأخلاقية الإسلامية في مواجهة التيارات الفكرية والسياسية المتباينة.

تاريخياً، يوضح الكتاب أن التصوف نشأ في خضم الاضطرابات السياسية التي تلت عصر الصحابة، حيث كان الزهد في البداية موقفاً أخلاقياً للابتعاد عن صراعات الحكم. ومع مرور الوقت، تطور هذا الزهد ليصبح فلسفة نقدية تعارض الأيديولوجيات الرسمية للدولتين الأموية والعباسية، مشكلاً بديلاً روحياً مستقلاً عن السلطة التقليدية.

وشهدت أواخر العصر العباسي تحولاً جذرياً، حيث بدأت السلطة في محاولة إدماج الجماعات الصوفية ضمن إطار مؤسسي لدعم شرعيتها السياسية. وقد برز هذا التوجه بوضوح عندما كلف الخليفة الناصر لدين الله الشيخ عمر السهروردي بتنظيم الطرق الصوفية، مما نقل التصوف من حيز الزهد الفردي إلى التنظيم الطرقي الواسع.

ويشير الباحث إلى أن العلاقة بين السلطة والمتصوفة اتسمت بالانتقائية والتوظيف النفعي، خاصة في عهود الأيوبيين والموحدين. فالسلطة كانت تتحالف مع الرموز الصوفية في أوقات الأزمات لتعزيز هيمنتها، بينما تسعى لضبطها أو التضييق عليها بمجرد استقرار الأوضاع السياسية واستعادة السيطرة الكاملة على المجتمع.

وفي العصر العثماني، وصلت العلاقة إلى ذروة التحالف المؤسسي، حيث أصبح التصوف جزءاً لا يتجزأ من البنية الدينية والاجتماعية للدولة. ونشأ نموذج 'المدرسة-التكية' الذي دمج بين العلوم الشرعية والتربية الروحية، مما جعل الطرق الصوفية وسيطاً حيوياً بين السلاطين وطبقات المجتمع المختلفة من تجار وحرفيين.

ويعزو الكتاب ازدهار التصوف في تركيا ومصر العثمانية إلى رعاية السلاطين الذين وفروا الحماية للمتصوفة من تضييق الفقهاء المتشددين. وفي المقابل، ضمنت هذه الرعاية ولاء مريدي الطرق الصوفية للحكام، مما ساهم في تثبيت أركان الحكم العثماني عبر ما يسميه الباحث 'المزاجية الصوفية الشعبوية'.

أما في العصر الحديث، فيرى عبد الوهاب أن التصوف يمثل ملاذاً ضرورياً لمواجهة نزعات الحداثة العلمانية التي تقصي الجانب الروحي من الحياة العامة. ففي ظل العوالم المادية الرأسمالية التي تحول الإنسان إلى مجرد وظيفة، تعيد الصوفية وصل القلب بالعقل وتمنح الوجود معنى يتجاوز الاستهلاك المادي.

ويستحضر الباحث رؤية ابن عربي للإنسان كـ 'تجلي إلهي أعظم'، معتبراً أن هذه الرؤية العرفانية هي الكفيلة برد الاعتبار للذات الإنسانية المغتربة. فالتصوف اليوم لا يكتفي بإحياء الطقوس الدينية، بل يسعى لإعادة تأسيس صورة الإنسان في الكون ككائن روحي يرفض التشييء والتبعية للقوى المادية الطاغية.

ويلخص الكتاب مسار العلاقة التاريخية في ثلاث مراحل أساسية بدأت بالتنافر والتحفظ الأخلاقي، ثم انتقلت إلى مرحلة التوظيف السياسي المتبادل. وانتهت هذه السيرورة إلى التحالف المريح الذي وفر فيه السياسيون الملاذ الآمن للمتصوفة، مقابل ضمان الولاء الشعبي وتوطيد أركان السلطة عبر نفوذ الشيوخ.

ومع ذلك، يلاحظ القارئ تردداً لدى الباحث في توجيه نقد مباشر للدور السلبي الذي لعبته بعض الطرق الصوفية في مراحل الانحطاط التاريخي. فقد صمت الكتاب عن التهم المتعلقة بإخضاع العامة لمؤسسات الحكم الجائرة، أو دور بعض الممارسات الطرقية في تغييب الوعي الشعبي خلال فترات المواجهة مع القوى الاستعمارية.

ويبدو أن انحياز الباحث لدراسة التجربة من 'داخلها' قد أثر على موضوعية التقييم النهائي لانحرافات بعض الطرق الصوفية. فبينما يركز على صفاء الغايات الروحية، يغفل أحياناً عن تحليل كيفية تحول هذه الروحانية إلى أداة لتبرير الحيف الاجتماعي والسياسي في فترات تاريخية معينة.

ختاماً، يظل كتاب 'استعادة المقدس' وثيقة هامة لفهم التداخل المعقد بين الدين والسياسة في الفكر الإسلامي. فهو يفتح آفاقاً للنقاش حول كيفية استعادة البعد الروحي في العصر الحالي دون السقوط في فخ التوظيف السياسي، مؤكداً أن الصوفية تظل قوة كامنة قادرة على إعادة صياغة الواقع الاجتماعي.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

معضلة السلاح في غزة: لماذا تصطدم خطط 'النزع التدريجي' بالواقع البنيوي للمقاومة؟

تتصاعد النقاشات حول الخطط المطروحة لنزع السلاح في قطاع غزة، والتي تهدف في ظاهرها إلى كسر حلقة الصراع المفرغة عبر معادلة 'سلطة واحدة وسلاح واحد'. وتعتمد هذه الرؤية على مسار تدريجي يربط التخلي عن العتاد العسكري بحوافز اقتصادية وسياسية وإعادة إعمار شاملة للمنطقة.

ورغم الجاذبية النظرية لهذه الطروحات، إلا أنها تصطدم بتساؤلات جوهرية حول قدرة حركات المقاومة، وفي مقدمتها حماس، على القبول بمثل هذا المسار. فالقضية هنا لا تتعلق بمناورات تكتيكية، بل ترتبط ببنية الحركة وهويتها التي ترى في السلاح شرطاً أساسياً للوجود والاستمرار.

تؤكد التجارب التاريخية أن الحركات المسلحة لا تتخلى عن قوتها إلا في حالتين؛ إما الهزيمة العسكرية الساحقة التي تنهي قدرتها على القتال، أو وجود تسوية سياسية كبرى تحقق أهدافها. وفي الحالة الراهنة بقطاع غزة، لا يبدو أن أيّاً من هذين الشرطين قد تحقق بشكل ملموس على أرض الواقع.

مصادر مطلعة تشير إلى أن حركة حماس، رغم حجم الضربات والخسائر التي تعرضت لها، لم تصل إلى مرحلة الانهيار التنظيمي أو العسكري الكامل. وبالمقابل، لا تلوح في الأفق أي تسوية سياسية جدية تمنح الفلسطينيين حقوقاً تعادل التنازل عن مصدر قوتهم الوحيد في مواجهة الاحتلال.

إن الخلل البنيوي في هذه الخطط يكمن في افتراض وجود استعداد نفسي وسياسي لدى الفصائل للتخلي عن السلاح دون مقابل سيادي. فالسلاح في غزة ليس ملفاً منفصلاً يمكن التفاوض عليه بمعزل عن السياق العام للصراع، بل هو ركيزة أساسية في العقيدة القتالية والسياسية.

يؤدي السلاح وظائف متعددة تتجاوز العمل العسكري المباشر، فهو أداة لخلق توازن نسبي أمام التفوق العسكري الإسرائيلي الكاسح. كما يمثل ورقة تفاوضية استراتيجية لا يمكن التفريط بها، ومرتكزاً لشرعية الحركة أمام جمهور يرى في المقاومة المسلحة جوهر الهوية الوطنية.

بناءً على ذلك، فإن المطالبة بنزع السلاح تعني عملياً إعادة تعريف الحركة لنفسها وتغيير دورها ومصدر شرعيتها بشكل جذري. وهذا النوع من التحولات الكبرى لا يمكن فرضه بقرارات خارجية أو إغراءات مالية، لأنه يمس الجوهر التكويني للفصائل الفلسطينية.

تبرز معضلة الثقة كعائق إضافي أمام أي خطة لنزع السلاح، حيث يتساءل صانع القرار في غزة عن الضمانات الحقيقية لحمايتهم مستقبلاً. ففي بيئة تفتقر للضمانات الدولية الملزمة، يتحول السلاح إلى ما يشبه 'بوليصة التأمين' الأخيرة ضد أي عدوان أو ضغوط عسكرية محتملة.

المفارقة تكمن في أن الخطط الدولية تحاول تصوير السلاح كعبء يعيق التنمية والاستقرار، بينما يراه الواقع الميداني ضرورة ملحة للبقاء. هذا التناقض يجعل الفجوة واسعة بين منطق 'الدولة' الذي تنطلق منه المبادرات، ومنطق 'حركات التحرر' التي تعيش واقع الصراع المفتوح.

تنطلق المبادرات الدولية من مبدأ سيادة السلطة الواحدة، وهو مبدأ بديهي في الدول المستقرة لكنه يفتقر للواقعية في الحالة الفلسطينية. فالمشكلة تكمن في محاولة تطبيق معايير الدولة على واقع لم تتشكل فيه الدولة أصلاً، ولا تتوفر فيه الحماية والسيادة الوطنية.

حماس والعديد من الفصائل نشأت في بيئة غياب الدولة، مما جعل السلاح بديلاً عن مؤسسات الحماية الرسمية الغائبة بفعل الاحتلال. لذا، فإن مطالبتها بالتصرف كحزب سياسي أعزل دون وجود كيان وطني يوفر الأمن، يخلق تناقضاً جوهرياً يفشل أي مسعى للتفاوض.

يمكن القول إن فشل هذه الخطط لا يعود لسوء التنفيذ أو التعقيدات التقنية، بل لأنها تنطلق من افتراضات غير واقعية تفصل السلاح عن السياسة. ففي السياق الفلسطيني الحالي، لا تتوفر الشروط الموضوعية لهذا الفصل، مما يجعل الرفض موقفاً بنيوياً وليس مجرد تعنت تفاوضي.

السؤال الأهم الذي يجب طرحه ليس 'هل يمكن نزع السلاح؟'، بل 'ما هي الظروف التي تجعل هذا الخيار قابلاً للنقاش؟'. ففي ظل غياب هزيمة حاسمة أو تسوية شاملة تنهي الاحتلال، يظل الحديث عن نزع السلاح مجرد ترف نظري بعيد عن الممكنات الواقعية.

ختاماً، تظل حدود أي خطة لنزع السلاح مرتبطة بمدى قدرتها على ملامسة جذور الصراع وتوفير بدائل أمنية وسياسية حقيقية. وبدون ذلك، ستبقى هذه الطروحات مجرد أفكار مفترضة تصطدم بجدار الواقع المعقد في قطاع غزة والضمانات المفقودة للفلسطينيين.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي غير مسبوق: صواريخ من اليمن تستهدف العمق الإسرائيلي

شهد مسار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً لافتاً، مع دخول جماعة أنصار الله (الحوثي) رسمياً على خط المواجهة المباشرة. وأفادت مصادر ميدانية بتسجيل أول عملية إطلاق صاروخي من الأراضي اليمنية باتجاه أهداف إسرائيلية، وهو ما يمثل سابقة منذ اندلاع المواجهة العسكرية الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في أواخر فبراير الماضي.

وأكدت مصادر إعلامية أن الدفاعات والمنظومات الرصدية التابعة للجيش الإسرائيلي رصدت، صباح السبت، صواريخ منطلقة من جهة اليمن، في تطور يأتي تزامناً مع دخول الحرب يومها التاسع والعشرين. وتأتي هذه الخطوة بعد ساعات قليلة من تحذيرات شديدة اللهجة أطلقتها الجماعة، هددت فيها بالتدخل العسكري المباشر في حال توسع التحالفات الداعمة لواشنطن وتل أبيب.

ويرى مراقبون أن هذا الانخراط اليمني يهدف إلى تخفيف الضغط العسكري عن الجبهات الأخرى، وتأكيد وحدة ما يعرف بـ'محور المقاومة'. وقد أوضح باحثون سياسيون من صنعاء أن هذا التحول الميداني يعكس استراتيجية جديدة تهدف إلى تحويل الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة لا تقتصر على جغرافيا محددة، بل تمتد لتشمل جبهات متعددة ومترابطة.

وفي سياق تحليل الموقف، أشار الباحث السياسي فهمي اليوسفي إلى أن إطلاق الصواريخ يمثل مرحلة جديدة من الصراع، بانتظار البيانات الرسمية التي ستحدد طبيعة الأهداف. وأكد اليوسفي أن الحرب بدأت تأخذ طابعاً أوسع يشمل ثلاث جبهات رئيسية هي إيران واليمن ولبنان، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات العسكرية.

وشددت الأوساط السياسية في صنعاء على أن الموقف اليمني ثابت في دعم القضايا الإقليمية ومساندة طهران في مواجهة ما وصفته بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي. وتعتبر الجماعة نفسها جزءاً أصيلاً من المحور الذي يرفض الهيمنة في المنطقة، محذرة من أن أي استخدام للمجال البحري أو القواعد العسكرية في المنطقة ضد إيران سيقابل برد عسكري حازم.

وتمتلك القوات المسلحة في صنعاء قدرات صاروخية وباليستية وطائرات مسيرة أثبتت فاعليتها في جولات سابقة من الصراع، وهي الآن توجه نحو العمق الإسرائيلي. وتؤكد التقارير أن هذه القدرات قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية وحيوية، بالإضافة إلى قدرتها على تهديد مصالح الدول التي قد تفتح أراضيها أو أجواءها لتنفيذ هجمات ضد المحور.

ويرتبط التوقيت الحالي للتدخل اليمني بتصاعد وتيرة الضربات المتبادلة بين الأطراف الرئيسية في النزاع، حيث تعتبر صنعاء أن مساندة إيران في هذه اللحظة هي التزام أخلاقي وسياسي. كما يأتي هذا التحرك كرد فعل على الاعتداءات المتكررة التي طالت السيادة اليمنية في البحر الأحمر وبعض المحافظات الداخلية خلال الفترة الماضية من قبل القوى الدولية.

ختاماً، فإن توحيد المواقف العسكرية بين قوى المحور يهدف إلى خلق توازن ردع جديد في المنطقة لمواجهة المشاريع الأمريكية والإسرائيلية. ومن المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تعقيد الحسابات العسكرية لواشنطن وتل أبيب، خاصة مع دخول جبهة البحر الأحمر وباب المندب كعنصر ضغط استراتيجي واقتصادي في معادلة الحرب الشاملة.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين.. المحرك الجوهري لمعادلات الحرب والسلام العالمي

يمر العالم اليوم بمنعطف تاريخي شديد الخطورة، حيث تتشابك الأزمات العسكرية والسياسية في ظل تصاعد حدة المواجهة بين القوى الكبرى والإقليمية. ويبدو الانشغال الدولي منصباً حالياً على احتواء الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دون الالتفات إلى الجذور الحقيقية للأزمة.

إن الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون هي أن فلسطين تظل القضية المركزية التي لم تجد طريقاً للحل منذ أكثر من سبعة عقود. هذا النزيف المستمر في قلب المنطقة يترك النظام الدولي برمته عرضة لهزات أمنية متلاحقة وانعدام استقرار دائم لا يمكن تجاوزه بالحلول المؤقتة.

من الناحية القانونية، لا يمكن اختزال فلسطين في كونها مجرد نزاع سياسي عابر، بل هي اختبار حقيقي لمدى فاعلية القانون الدولي وحقوق الإنسان. القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة أكدت مراراً عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

لقد منح القانون الدولي الشعب الفلسطيني الحق الكامل في مقاومة الاحتلال بشتى الوسائل المشروعة حتى استعادة أرضه المغتصبة. ومع ذلك، فإن تقاعس المجتمع الدولي عن تنفيذ هذه القواعد يضع الاستقرار العالمي على المحك، لأن غياب العدالة هو الوقود الأول للحروب.

تاريخياً، لم يكن الصراع في فلسطين حادثاً عرضياً، بل هو المحور الذي دارت حوله كافة أزمات الشرق الأوسط منذ نكبة عام 1948. من الحروب العربية الإسرائيلية الكبرى وصولاً إلى الانتفاضات الشعبية، كانت فلسطين دائماً هي المحرك الخفي للأحداث.

إن المواجهات الراهنة بين القوى الإقليمية والولايات المتحدة ليست بمعزل عن الواقع الفلسطيني المرير، بل هي نتاج طبيعي لحالة الإحباط الناجمة عن الفشل الدولي. كل جولة عنف جديدة تعيد التأكيد على أن فلسطين هي رمز العدالة المفقودة في هذا العالم.

على الصعيد الإنساني، يدفع المدنيون الفلسطينيون أثماناً باهظة تفوق قدرة الاحتمال البشري نتيجة القمع والعدوان المستمر. لكن هذه المعاناة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تمتد آثارها لتصيب شعوب المنطقة بأكملها بالفقر والتشريد والاضطراب.

إن إخفاق العالم في حماية الإنسان الفلسطيني هو مؤشر مباشر على انهيار المنظومة الأخلاقية الدولية. فبينما يلوذ البعض بالملاجئ عند اندلاع الأزمات، يواجه الفلسطينيون في غزة الموت اليومي بلا حماية أو أمان منذ سنوات طويلة.

استراتيجياً، يبدو العالم منقسماً بين جبهات مشتعلة في أوكرانيا والشرق الأوسط، حيث تتصارع القوى العظمى على نفوذها ومصالحها. ورغم المكاسب الميدانية التي قد تحققها بعض الأطراف، إلا أن الاستقرار سيظل بعيد المنال ما لم تُعالج القضية الأساسية.

الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو الشرارة التي تشعل فتيل النزاعات الأخرى، وأي محاولة لتأجيل هذا الملف هي ضمانة لاستمرار الحروب. لا يمكن بناء أمن مستدام في ظل حرمان شعب كامل من حقوقه الوطنية والسياسية الأساسية.

إن تحقيق العدالة في فلسطين ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل هو قاعدة قانونية وضرورة استراتيجية لضمان السلم العالمي. التسويات السياسية السطحية التي تتجاهل جوهر الصراع لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم الذي قد يكون أكثر دموية.

في نهاية المطاف، تظل فلسطين هي قلب الانقسام ومفتاح الاستقرار في آن واحد، والحل العادل لها هو الشرط الأساسي لأي أمن مستدام. تجاهل هذه الحقيقة هو بمثابة إدانة للأجيال القادمة بالعيش في دوامة لا تنتهي من الدماء والحروب العبثية.

لا يمكن فصل الحقوق الفلسطينية عن الثوابت التي أقرتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية التي ترفض التمييز والاضطهاد. حق الإنسان في أرضه وكرامته هو أصل غير قابل للتفاوض، وهو الركيزة التي يجب أن يقوم عليها أي نظام دولي سوي.

ما لم تُصن هذه الثوابت وتُترجم إلى واقع ملموس يعيد الحقوق لأصحابها، سيظل العالم يدور في حلقة مفرغة من العنف. الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بقوة السلاح، بل بميزان الحق والعدل الذي يصون إنسانية البشر في كل مكان.

تحليل

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

ثلاث نتائج استراتيجية ترسم ملامح المنطقة بعد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران

تشير القراءة الاستراتيجية لمسار المواجهة العسكرية الراهنة بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران إلى تحولات جذرية في موازين القوى الإقليمية. لا تركز هذه الرؤية على التفاصيل التكتيكية اليومية، بل تستقرئ النتائج الكلية بناءً على المعطيات الميدانية التي استبعدت حتى الآن التدخل البري الواسع، مع التركيز على تدمير البنية العسكرية والسياسية لطهران.

تعد النتيجة الأولى والأبرز هي خروج الدولة الإيرانية من هذه الحرب في حالة من الضعف غير المسبوق منذ ثورة عام 1979. فمن الناحية السياسية، تواجه طهران عزلة إقليمية متزايدة، خاصة بعد أن طالت استهدافاتها دولاً جارة مثل قطر وسلطنة عُمان، وهي الأطراف التي استثمرت طويلاً في الوساطة والحفاظ على شعرة معاوية مع النظام الإيراني.

عسكرياً، يرى المحللون أن القدرات التقليدية الإيرانية، بما في ذلك القوات الجوية والبحرية ومنظومات الدفاع الجوي، تتعرض لعملية استنزاف شاملة. كما أن المقرات الحيوية للحرس الثوري وترسانة الصواريخ والمسيرات، التي كانت تمثل عماد الردع الإيراني، باتت في وضع متهالك سيصعب ترميمه في المدى المنظور.

وعلى صعيد الأذرع الإقليمية، تلقت الجماعات الموالية لإيران ضربات قاصمة خلال عامي 2024 و2025، مما أفقدها دورها الوظيفي كخط دفاع أول عن العمق الإيراني. هذه الأذرع لا تعاني فقط من نزيف عسكري، بل تواجه أزمة شرعية حادة داخل المجتمعات التي تنشط فيها، مما يقلص نفوذ طهران العابر للحدود.

اقتصادياً، تضع الحرب إيران أمام مأزق وجودي في ظل استمرار العقوبات الدولية والحاجة الهائلة لإعادة الإعمار. إن الفشل في النهوض بالاقتصاد المتعثر منذ عقود، بالتزامن مع الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية، قد يفجر اضطرابات داخلية واسعة تهدد استقرار النظام من الداخل نتيجة سوء الأحوال المعيشية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه الحرب تسرع من وتيرة انحدارها كقوة عالمية مهيمنة، وهو المسار الذي بدأ منذ غزو أفغانستان والعراق. ورغم التفوق العسكري، إلا أن الانجرار خلف الرؤية الإسرائيلية ساهم في تقويض القانون الدولي وتعميق فجوة الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين حول العالم.

لقد أصبحت واشنطن أكثر انكشافاً أمام القوى المنافسة مثل الصين، التي تراقب الدروس المستفادة من هذه المواجهة لاستخدامها في صراعات مستقبلية. كما أن التكلفة المالية للحرب أضافت مئات المليات من الدولارات إلى الديون الأمريكية التريليونية، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمع الأمريكي المنقسم أصلاً.

في المقابل، تبرز إسرائيل كطرف مستفيد من الناحية العملياتية، ليس فقط لتدميرها قدرات خصومها، بل لنجاحها في اختراق البنية التحتية الإيرانية. هذا الاختراق الذي تجلى في دقة العمليات الأمنية، يعود الفضل فيه إلى شبكات العملاء التي مكنت تل أبيب من تحقيق أهدافها بأقل التكاليف البشرية والمادية.

ومع ذلك، فإن هذا 'الانتصار' قد يقود إسرائيل إلى فخ الغطرسة وتضخم الذات، حيث سيسعى قادتها لفرض هيمنة مطلقة وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية قسراً. هذا التوجه قد يدفع تل أبيب لارتكاب أخطاء حسابية قاتلة، خاصة في محاولاتها لمحاصرة قوى إقليمية كبرى مثل تركيا التي بدأت تتأثر اقتصادياً بفعل تداعيات الحرب.

وعلى المدى البعيد، تواجه إسرائيل حقيقة تآكل صورتها لدى الرأي العام الأمريكي، حيث بدأ قطاع واسع من الأمريكيين يشعرون بأن بلادهم باتت 'رهينة' للسياسات الإسرائيلية. هذا التحول الثقافي والسياسي داخل الولايات المتحدة قد يشكل التهديد الأكبر لبقاء إسرائيل في المنطقة على المدى الطويل إذا ما رفعت واشنطن غطاءها عنها.

ميدانياً، كشفت تقارير عن دور لوجستي مصري لافت، حيث تم رصد تسهيلات عسكرية في مطارات طابا وشرم الشيخ لدعم التحركات الإسرائيلية. كما أثارت تقارير رسو سفن محملة بالفولاذ العسكري الهندي في ميناء الإسكندرية، والمخصص لإنتاج قذائف مدفعية لشركات سلاح إسرائيلية، تساؤلات حادة حول طبيعة التنسيق الإقليمي.

هذه التحركات اللوجستية تأتي في وقت تعاني فيه المنطقة من تبعات اقتصادية قاسية، حيث هبط الجنيه المصري لمستويات قياسية وتراجعت إيرادات قناة السويس. وفي تركيا، سجلت احتياطيات الذهب تراجعاً ملحوظاً، مما يعكس حجم الاستنزاف المالي الذي يطال كافة الأطراف المنخرطة أو المتأثرة جغرافياً بساحة الصراع.

من جانبها، تحاول إيران المناورة سياسياً عبر اشتراط إدراج الملف اللبناني في أي مفاوضات لوقف إطلاق النار، مع المطالبة بوقف سياسة الاغتيالات والحصول على تعويضات مالية. هذه الشروط تعكس رغبة طهران في الحفاظ على ما تبقى من نفوذها الإقليمي ومنع الانهيار الكامل لمنظومة 'وحدة الساحات' التي تضررت بشدة.

ختاماً، فإن اليوم التالي للحرب سيكشف عن خارطة إقليمية مشوهة، حيث تسعى إسرائيل لاستثمار التفوق العسكري لفرض واقع جديد. لكن التاريخ يثبت أن فائض القوة والاعتماد الكلي على الدعم الخارجي المتقلب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة إذا ما استمر التحول في مواقف الشعوب الغربية تجاه الصراع في الشرق الأوسط.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو رؤية عربية متجددة: النخب ومسؤولية مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية

تتوالى المحاولات الدولية والإقليمية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفق مصالح قوى خارجية، بينما يبرز غياب لافت لأصحاب الأرض عن رسم مصيرهم. إن المشاريع التي تُطرح بين الحين والآخر، سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو إسرائيلية، تهدف في جوهرها إلى إعادة هندسة النفوذ وتغييب الإرادة العربية المستقلة.

لقد عاشت المنطقة العربية خلال القرن الماضي تجارب نهضوية متنوعة، بدأت بالتيار القومي الذي نادى بالوحدة، ثم الأطروحات الاشتراكية، وصولاً إلى حركات الصحوة الإسلامية. ومع ذلك، انتهت هذه المسارات إلى مآلات متعثرة، مما ترك الساحة العربية في حالة من الفراغ الفكري والسياسي الصادم الذي يهدد كيان الدول ومستقبل شعوبها.

إن حالة الشلل التي تعاني منها المؤسسات العربية المشتركة، وعلى رأسها جامعة الدول العربية والاتحاد المغاربي، تعكس عمق المأزق الراهن. هذا الفراغ المؤسساتي هو الذي يغري القوى الإقليمية والدولية بالسيطرة، ويدفع ببعضها لإحياء أحلام توسعية مثل مشروع 'إسرائيل الكبرى' أو تعزيز الهيمنة الإيرانية والدولية.

تعتبر اللحظة التاريخية الحالية هي الأخطر على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث يجتمع المأزق الداخلي العميق مع التهديد الخارجي المحقق. وتتحمل النخب العربية، سواء في السلطة أو المعارضة، المسؤولية الكبرى عن هذا التراجع الشامل الذي جعل المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى.

تبرز الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض مشروع عربي جديد يتسم بالرشاد والواقعية، ويستجيب لتطلعات الأجيال الصاعدة التي تبحث عن بوصلة واضحة. إن هذا الانبعاث المطلوب يتطلب خيالاً سياسياً يتمرد على حالة الإحباط والانكسار، ويصيغ رؤية تلهم الشعوب وتحفزها نحو البناء المشترك بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية.

يجب على النخب العربية تجاوز الصراعات التقليدية والاندراج في استراتيجية تهدئة شاملة تهدف إلى تهيئة المناخ لبناء 'جماعة وطنية' على أسس المواطنة والتعدد. إن هذا التحرك ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب وطني تفرضه التهديدات الوجودية التي تتربص بالدول العربية في كيانها واستقرارها.

إن غياب الفكرة المؤطرة للمجتمعات العربية يجعل الأفراد في حالة تيه وضياع، مما يسهل تفكيك الاجتماع السياسي العربي وانهيار حصون المناعة الدفاعية. هذا الفراغ هو الوصفة الأخطر لتسليم الأجيال القادمة لثقافات هامشية تفقدها الارتباط بقضاياها المصيرية وهويتها الحضارية.

رغم القتامة، تبرز نماذج ملهمة للصمود والمقاومة كما هو الحال في قطاع غزة، حيث يقدم الشعب الفلسطيني مثالاً حياً على التمسك بالحقوق. ومع ذلك، يظل هذا النموذج بحاجة إلى سياق عربي أوسع يربط بين ثقافة المقاومة وثقافة البناء والنهوض الشامل لضمان استدامة الأثر.

تطالب العديد من الأصوات بضرورة إجراء مراجعات نقدية شاملة لمسارات القوى السياسية والاجتماعية التي تصدرت المشهد في العقود الماضية. إن التحرر من أوهام الماضي واجترار أحداثه هو الخطوة الأولى نحو بلورة مشروع نهضوي قادر على محاكاة الواقع المعقد وتحدياته المتسارعة.

لم يعد مقبولاً أن تظل النخب العربية عالة على رؤى قديمة تشكلت في ظروف زمنية مغايرة ولم تعد قادرة على تقديم حلول لأزمات اليوم. إن تسارع التحولات الدولية يتطلب عقولاً متجددة تدرك تداخل عناصر القوة في العالم الحديث وتجيد المناورة لحماية المصالح العربية العليا.

إن التفريط في مقدرات المنطقة وتاريخها لصالح الطامعين يمثل جريمة بحق الأجيال القادمة التي تستحق العيش في منطقة مستقرة وذات سيادة. لا يمكن القبول بأن تظل الخارطة العربية مجرد مساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية التي تسعى لتكريس تفوقها الاستراتيجي على حساب شعوبنا.

يوفر النظام الدولي الجديد الذي يتشكل حالياً، بسماته التعددية وتوازن القوى فيه، فرصة ذهبية للعرب لإعادة التموقع خارج المحاور التقليدية. إن الذكاء السياسي يقتضي استثمار هذه التحولات لاجتراح آفاق أرحب تضمن للعرب مكاناً تحت الشمس في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والمنظمين.

أمام الأنظمة والشعوب العربية لحظة حاسمة تتطلب الشجاعة في اتخاذ القرار والوضوح في تحديد الأهداف الاستراتيجية للمرحلة المقبلة. إن الانخراط الفاعل في صياغة المستقبل هو السبيل الوحيد للخروج من دائرة التبعية التي استمرت لعقود طويلة وأنهكت مقومات النهوض.

في الختام، يجب أن يدرك العرب أنهم يمتلكون كافة المقومات البشرية والجغرافية ليكونوا جزءاً فاعلاً في المفاوضات الدولية حول مستقبل النظام العالمي. إن الخيار اليوم هو بين أن نكون شركاء في رسم الخارطة الجديدة، أو أن نظل مجرد وجبة على مائدة القوى المتفاوضة التي لا تراعي إلا مصالحها الخاصة.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات أمريكية لإنهاء المواجهة مع إيران وتوقعات إسرائيلية بـ 'تهدئة مرحلية'

دخلت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، أسبوعها الخامس وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب نهايتها، ولو بشكل مرحلي. وتسود حالة من الغموض وعدم اليقين داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، التي بدأت تتطلع إلى تعاون ثلاث شخصيات إيرانية رفيعة المستوى لضمان وقف العمليات القتالية.

وأفادت مصادر مقربة من رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بأن البيت الأبيض لا يمتلك حتى اللحظة رؤية واضحة وشاملة لمسار الحرب أو التوقيت الدقيق لانتهائها. ورغم هذا التخبط، فإن تطورات الأيام الأخيرة تدفع باتجاه فرضية التهدئة، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية التي بدأت تظهر آثارها على الأطراف المشاركة في النزاع.

وفي تصريحات لمصادر إعلامية، أشار مسؤول دبلوماسي إسرائيلي رفيع إلى أن تقييم مسار الحرب بات يعتمد على مؤشرات التوقعات العامة أكثر من المعلومات الاستخباراتية الصلبة. ويعكس هذا التوجه حالة من الإحباط المتنامي داخل الأوساط الإسرائيلية، نتيجة فشل الضربات العسكرية المشتركة في إخضاع طهران أو دفعها نحو الاستسلام الكامل.

وبالرغم من الحديث عن التهدئة، كثفت قوات الاحتلال في الآونة الأخيرة هجماتها الجوية التي استهدفت البنية التحتية للصناعات الدفاعية الإيرانية. وتركزت هذه الضربات بشكل أساسي على مواقع إنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية، في محاولة إسرائيلية أخيرة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالقدرات الإيرانية قبل صدور أي قرار أمريكي بوقف العمليات.

وعلى الصعيد السياسي، بدأت التوقعات الإسرائيلية التي كانت تراهن على انهيار سريع للنظام الإيراني بالتراجع بشكل ملحوظ أمام صمود مؤسسات الدولة في طهران. وبدأ المحللون المقربون من نتنياهو يتحدثون عن استراتيجية جديدة تهدف إلى 'تهيئة الظروف' لانهيار النظام في المستقبل البعيد، بدلاً من المراهنة على سقوطه الوشيك تحت وطأة الضربات الحالية.

وكشف مسؤول أمني إسرائيلي عن وجود قنوات اتصال غير مباشرة، وصفت بالسرية، بين واشنطن وشخصيات نافذة داخل النظام الإيراني لإيجاد مخرج للأزمة. ومن أبرز هذه الشخصيات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والقيادي العسكري علي عبد الله، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي الذي يحيط بوضعه الصحي والسياسي الكثير من الغموض.

وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن هذا الثلاثي القيادي هو من يدير شؤون البلاد فعلياً في الوقت الراهن، لكنهم يواجهون تحديات كبيرة في اتخاذ قرارات مصيرية. وتفتقر هذه القيادة، بحسب الرؤية الإسرائيلية، إلى القدرة على اتخاذ قرار استراتيجي حاسم يشبه ذلك الذي اتخذته القيادة الإيرانية في نهاية الثمانينيات لإنهاء الحرب مع العراق.

وفيما يخص التنسيق بين الحلفاء، أظهرت التقارير أن نتنياهو لم يكن على علم مسبق بتفاصيل خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية لإنهاء الحرب بشكل مفاجئ. وقد تلقى الجانب الإسرائيلي إخطارات بهذا الشأن عبر نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي يُعرف بتوجهاته المعارضة للتصعيد العسكري المستمر في منطقة الشرق الأوسط.

كما سجلت المصادر تراجعاً ملحوظاً في وتيرة التواصل المباشر بين البيت الأبيض ومكتب نتنياهو، مما يشير إلى وجود فجوة في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين. ويبدو أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر إدراكاً للتكلفة الاقتصادية والسياسية الباهظة لاستمرار الحرب، وهو ما يدفعها للبحث عن حلول دبلوماسية سريعة تتجاوز المطالب الإسرائيلية.

من جهتها، ترى التقديرات الأمنية أن إيران نجحت في الصمود سياسياً رغم الضربات العسكرية المحدودة التي تعرضت لها، وأثبتت قدرة على المناورة في الملفات التفاوضية. وتواجه طهران حالياً معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية التعامل مع رغبة ترامب في الخروج من الحرب، مع الحفاظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية في المنطقة.

وفي ختام المشهد، تترقب الأوساط الدولية ما إذا كانت إيران ستعلن 'نصراً سياسياً' في حال توقفت الحرب مع بقاء النظام ورفع بعض العقوبات الاقتصادية. ورغم التعقيدات الميدانية، تظل فرضية التهدئة هي الأرجح في ظل الارتباك الواضح في المواقف الأمريكية والضغوط المتزايدة لإنهاء الصراع قبل انزلاقه إلى مواجهة شاملة لا يمكن السيطرة عليها.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

دبلوماسية خلف الكواليس.. كيف أصبحت باكستان حلقة الوصل بين واشنطن وطهران؟

دخلت باكستان على خط الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط كلاعب دبلوماسي غير متوقع، حيث تسعى إسلام آباد للوساطة بين واشنطن وطهران عقب الهجمات الأخيرة. وتأتي هذه التحركات في محاولة جادة لاحتواء التصعيد العسكري ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تعصف باستقرار الإقليم بأكمله.

وأفادت مصادر بأن الدبلوماسية الباكستانية تعمل بهدوء منذ أسابيع بعيداً عن الأضواء، حيث عرضت استضافة محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين. وقد نجحت إسلام آباد بالفعل في نقل مقترح أمريكي مفصل يتضمن 15 نقطة إلى القيادة الإيرانية، في حين تولت تمرير الردود الإيرانية المقابلة إلى البيت الأبيض.

ورغم أن طهران نفت رسمياً انخراطها في مفاوضات مباشرة، إلا أنها أقرت بتقديم مقترحات خاصة، مما يعزز فرضية وجود قنوات اتصال خلفية نشطة. وأشار وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى أن هذا المسار ليس معزولاً، بل يتزامن مع جهود مماثلة تبذلها كل من تركيا ومصر لتقريب وجهات النظر.

ويرى مراقبون أن اختيار باكستان لهذا الدور يعود إلى توازن علاقاتها مع القوى المتصارعة، فهي تمتلك حدوداً مباشرة مع إيران وتفهماً عميقاً لتعقيدات المنطقة. كما أن تحسن العلاقات بين إسلام آباد وواشنطن مؤخراً منحها الثقة اللازمة للقيام بدور الوسيط المقبول لدى الطرفين.

وبرز دور المؤسسة العسكرية الباكستانية بشكل واضح في هذا الملف، حيث جرى تواصل مباشر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقائد الجيش المشير عاصم منير. ويتمتع منير بعلاقات مهنية جيدة مع القيادات العسكرية في كل من طهران وواشنطن، مما يسهل عملية التنسيق الأمني والسياسي الحساسة.

وتدفع المصالح الاقتصادية باكستان نحو هذا التحرك المكثف، إذ تعتمد البلاد بشكل حيوي على واردات الطاقة من منطقة الخليج والشرق الأوسط. وأي اضطراب في سلاسل التوريد سيؤدي إلى تفاقم الأزمات المعيشية في الداخل الباكستاني الذي يعاني أصلاً من ضغوط تضخمية كبيرة.

كما تشكل تحويلات المغتربين الباكستانيين في دول الخليج، والذين يقدر عددهم بنحو 5 ملايين عامل، ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وتخشى الحكومة الباكستانية من أن يؤدي أي صراع واسع إلى تهديد أمن هؤلاء العاملين أو التأثير على تدفقات العملة الصعبة التي يحتاجها البنك المركزي.

داخلياً، تسببت التوترات الإقليمية في موجة من الاحتجاجات الغاضبة، خاصة بعد الضربات التي استهدفت مواقع إيرانية واغتيال شخصيات قيادية. وشهدت مدينة كراتشي أعمال عنف واشتباكات مع قوات الأمن أسفرت عن سقوط ضحايا، مما وضع حكومة شهباز شريف تحت ضغط شعبي وسياسي هائل.

وتستند باكستان في وساطتها الحالية إلى سجل تاريخي حافل، حيث سبق وأن مهدت الطريق للتقارب التاريخي بين الولايات المتحدة والصين في السبعينيات. كما لعبت دوراً محورياً في اتفاقيات جنيف عام 1988 التي أدت لانسحاب السوفييت من أفغانستان، وصولاً إلى تسهيل الحوار مع حركة طالبان في عام 2020.

ويرى خبراء أمنيون أن التحرك الباكستاني بدأ يؤتي ثماره من خلال رصد مؤشرات على ضبط النفس من الجانبين الأمريكي والإيراني. فقد لوحظ تأجيل بعض الضربات الأمريكية التي كانت تستهدف البنية التحتية الإيرانية، مقابل ردود إيرانية وُصفت بأنها محسوبة بدقة في مياه الخليج.

يبقى التحدي الأكبر أمام الدبلوماسية الباكستانية هو القدرة على تحويل هذه التفاهمات الأولية إلى إطار عمل مستدام يضمن وقف التصعيد. ومع استمرار التنسيق مع القوى الإقليمية الأخرى، تأمل إسلام آباد أن تنجح في تجنيب المنطقة كارثة عسكرية قد تمتد آثارها إلى ما وراء الحدود الجغرافية للشرق الأوسط.

تحليل

السّبت 28 مارس 2026 7:27 صباحًا - بتوقيت القدس

ديفيد هيرست: الحرب على إيران تعيد مأساة العراق وتدمر النظام الدولي

اعتبر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي تدخل شهرها الثاني، تمثل ذروة الفشل الاستراتيجي المبني على معلومات مضللة. وأشار هيرست في مقال له إلى أن القرار العسكري لم يكن مرتبطاً بمسار المفاوضات، بل استند إلى أوهام استخباراتية حول سهولة إسقاط النظام الإيراني من الداخل.

وكشف المقال عن دور محوري لمدير الموساد، ديفيد بارنيا، الذي قدم تقارير لنتنياهو تزعم قدرة الجهاز على تحريك المعارضة الإيرانية للانقلاب فور بدء القصف الجوي. هذه التقديرات دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمضي قدماً في الهجوم، متجاهلاً تحذيرات وكالات استخباراتية أخرى شككت في دقة هذه التوقعات.

وعلى الصعيد الميداني، أكدت مصادر أن الهجوم الجوي الأولي أسفر عن مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وإصابة نجله مجتبى، بالإضافة إلى تصفية عشرات الجنرالات. ورغم فداحة الخسائر في سلاح الجو والدفاعات الإيرانية، إلا أن طهران بدأت رداً غير متناظر لم يتوقف منذ الساعة الأولى للعدوان.

ونقل هيرست عن محمد البرادعي، المدير الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، قوله إن ما يحدث اليوم هو نسخة مضخمة من الخديعة التي سبقت غزو العراق عام 2003. وأوضح البرادعي أن الادعاءات حول قرب إيران من امتلاك سلاح نووي تذكره بالأكاذيب التي روجت لها إدارة بوش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.

وأعرب البرادعي عن حزنه العميق تجاه انهيار المنظومة الدولية، مشيراً إلى أن القوى الغربية فقدت بوصلتها الأخلاقية والقانونية. وأكد أن تجاهل قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بشأن غزة وإيران يرسل رسالة كارثية لدول الجنوب العالمي بأن الأمن لا يتحقق إلا بالقوة.

وتطرق المقال إلى التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، حيث رصدت بيانات الطيران نقل قوات ضخمة إلى إسرائيل والأردن استعداداً لعملية برية محتملة. ويرى هيرست أن هذا التصعيد يعكس رغبة ترامب ونتنياهو في إعادة تشكيل المنطقة بالقوة الغاشمة، بعيداً عن أي أطر دبلوماسية أو قانونية.

وفي سياق الرد الإيراني، نجحت طهران في شل خُمس تجارة النفط والغاز العالمية عبر استهداف القواعد الأمريكية وناقلات النفط وإغلاق مضيق هرمز. وأثبتت الأسابيع الأولى من الحرب أن إيران لا تزال قادرة على الحفاظ على تدفق مستمر للصواريخ والطائرات المسيرة رغم الضربات الموجعة التي تلقتها.

وانتقد البرادعي بشدة اغتيال الشخصيات السياسية والمفاوضين، مستشهداً بمقتل علي لاريجاني في غارة إسرائيلية مؤخراً، واصفاً إياه بالرجل الذي كان يمكن التفاوض معه. واعتبر أن تحويل الإبادة الجماعية واغتيال الصحفيين والفلاسفة إلى أدوات حرب مقبولة يمثل نهاية عصر القانون الدولي.

كما لفت المقال إلى محاولات تقويض المحكمة الجنائية الدولية من الداخل، خاصة بعد تبرئة المدعي العام كريم خان من تهم سوء السلوك. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن هناك جهوداً مستمرة من بعض الأطراف لمنع خان من استئناف مهامه، في محاولة لعرقلة ملاحقة القادة الإسرائيليين.

وحذر البرادعي من أن الشعور بالظلم والاضطهاد في العالم العربي سيؤدي حتماً إلى انفجار جديد، مؤكداً أن روح الربيع العربي لم تمت. وأشار إلى أن غياب المساواة والحرية السياسية، مضافاً إليهما التنكيل بالشعوب، هي أسباب كافية لاندلاع ثورات قادمة لا يمكن إيقافها.

وفيما يخص الموقف الأوروبي، يرى هيرست أن أوروبا جعلت نفسها هامشية في الصراعات الكبرى من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران. وحذر من أن انهيار الإمبراطورية الأمريكية سيترك أوروبا بلا حماية عسكرية وبلا مؤسسات دولية قوية كانت تعتمد عليها في السابق.

ووصف البرادعي الوضع الحالي بأنه 'حرب على العلم والمنطق'، حيث تنسحب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية واتفاقيات المناخ بينما تشتعل الأزمات. وتساءل باستنكار عن دور مجلس الأمن الدولي المشلول تماماً أمام ما يحدث في أوكرانيا وغزة وإيران، واصفاً إياه بالمنتدى الفارغ.

وختم هيرست مقاله بالتأكيد على أن ترامب ونتنياهو 'يحرقان الشمعة من طرفيها'، وأن عواقب أفعالهما ستطال الجميع في نهاية المطاف. وأشار إلى أن تجاهل قواعد الحرب اليوم سيفتح الباب أمام الأعداء المستقبليين لتطبيق نفس القواعد الوحشية ضد الغرب ومدنه ومستشفياته.

إن هذه الحرب الإقليمية الشاملة، بحسب التحليل، لا تهدف فقط لتغيير أنظمة، بل لتفتيت جغرافيا سياسية كاملة وإعادة صياغتها وفق رؤية أحادية. ومع استمرار القصف والدمار، يبقى التساؤل حول الثمن الإنساني الباهظ الذي سيدفعه الملايين في صراع قد يتجاوز في دمويته كل ما شهدته المنطقة في العقود الماضية.

تحليل

السّبت 28 مارس 2026 7:25 صباحًا - بتوقيت القدس

طليب تقدم حزمة تشريعية بالكونغرس لوقف الدعم الأميركي لإسرائيل في لبنان

رسالة واشنطن

28/3/2026

في خطوة لافتة تعكس تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن سياستها في الشرق الأوسط، أعلنت عضوة الكونغرس الأميركية رشيدة طليب، في 27 آذار 2026، تقديم حزمة تشريعية داخل مجلس النواب الأميركي، تهدف إلى وقف الدعم الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان. وتأتي هذه المبادرة في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، عقب حادثة وقعت أواخر شباط الماضي.

وتتألف الحزمة التشريعية من مشروعين رئيسيين يعكسان توجهًا تصعيديًا في الخطاب السياسي المناهض للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل. يتمثل الأول في مشروع قرار داخل مجلس النواب يعلن الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني في مواجهة ما وصفته طليب بـ"غزو غير قانوني وجرائم حرب وتطهير عرقي". ويطالب القرار بوقف العمليات العسكرية فورًا، ورفض أي تهديدات باحتلال غير قانوني، إضافة إلى الدعوة لفتح تحقيقات دولية في الانتهاكات المحتملة، ودعم عودة النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم.

أما المشروع الثاني، فهو قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويهدف إلى إلزام الإدارة الأميركية بسحب أي دعم عسكري مباشر أو غير مباشر للعمليات الجارية في لبنان. ويشمل ذلك وقف تقديم المساعدة في الاستهداف العسكري أو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل، وهو ما يمثل، في حال إقراره، تحولًا جذريًا في طبيعة الانخراط الأميركي في النزاع.

وفي سياق تبريرها لهذه الخطوة، وجهت طليب اتهامات حادة لإسرائيل، معتبرة أنها تطبق في لبنان ما وصفته بـ"دليل إبادة جماعية"، على غرار ما تقول إنه حدث في قطاع غزة. كما حمّلت الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة، مؤكدة أن هذه العمليات “ما كانت لتحدث لولا الدعم الأميركي الممول من أموال دافعي الضرائب”، داعية إلى فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.

وتشير تصريحات طليب إلى قلق متزايد بشأن استهداف البنية التحتية المدنية في جنوب لبنان، حيث تحدثت عن تدمير واسع للقرى وتهجير جماعي للسكان. وتنسجم هذه المزاعم مع تقارير متداولة حول تصاعد الضربات الجوية والعمليات البرية، في سياق المواجهة المستمرة مع حزب الله، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويثير مخاوف من توسع رقعة النزاع.

في المقابل، من المتوقع أن تواجه هذه المبادرة معارضة قوية داخل الكونغرس، في ظل استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وإن كان هذا الإجماع يشهد تآكلًا تدريجيًا، خاصة داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي. كما يُرجح أن تثير هذه الخطوة نقاشًا واسعًا حول حدود صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية الخارجية، ودور الكونغرس في كبحها.

ويأتي هذا التحرك في لحظة سياسية حساسة، حيث تتزايد الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية لإعادة تقييم سياستها تجاه النزاعات في الشرق الأوسط، في ظل الانتقادات المتصاعدة من منظمات حقوقية وأوساط سياسية ترى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل يقوض مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.

وتعكس مبادرة رشيدة طليب تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد النقد محصورًا في الأوساط الأكاديمية أو الحقوقية، بل بات يتجسد في تحركات تشريعية ملموسة. هذا التحول يشير إلى تزايد نفوذ التيار التقدمي الذي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل على أسس حقوقية وقانونية. غير أن نجاح هذه المبادرة يظل محدودًا في ظل موازين القوى داخل الكونغرس، ما يجعلها أقرب إلى محاولة لتغيير النقاش العام، بدلًا من إحداث تغيير فوري في السياسات، مع ذلك فإن تأثيرها التراكمي قد يكون عميقًا.

كما يثير مشروع قرار صلاحيات الحرب تساؤلات جوهرية حول طبيعة الانخراط الأميركي في النزاعات الخارجية، وحدود السلطة التنفيذية في تقديم الدعم العسكري دون تفويض صريح. تاريخيًا، نادرًا ما نجح الكونغرس في فرض قيود فعالة على هذا النوع من الانخراط، لكن تصاعد الجدل حول الكلفة السياسية والأخلاقية للدعم العسكري قد يعيد إحياء هذا الدور. في هذا السياق، لا تتعلق المبادرة بلبنان فقط، بل تمثل اختبارًا أوسع لقدرة المؤسسات الأميركية على إعادة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في قضايا الحرب والسلام.

وعلى الصعيد الإقليمي، قد تسهم هذه المبادرة في تعزيز الخطاب الرافض للدعم الأميركي لإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من حدة الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة. فبينما يرى مؤيدوها أنها خطوة ضرورية لمساءلة السياسات العسكرية، يعتبرها معارضوها تهديدًا للعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل. هذا الانقسام يعكس تحولات أعمق في الرأي العام الأميركي، خاصة بين الأجيال الشابة، التي باتت أكثر انتقادًا للسياسات التقليدية. وعليه، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن في دلالاتها السياسية بعيدة المدى، أكثر من نتائجها التشريعية المباشرة.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 6:27 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابة 12 جنديًا أميركيًا في هجوم صاروخي ومسير استهدف قاعدة الأمير سلطان بالسعودية

أفادت مصادر مطلعة بإصابة 12 جنديًا أميركيًا جراء هجوم استهدف قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية يوم الجمعة. وأكد مسؤولون أن الهجوم نُفذ بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة انطلقت ضمن موجة تصعيد جديدة تشهدها المنطقة، مما أدى إلى وقوع إصابات متفاوتة الخطورة بين القوات المتمركزة هناك.

وتشير التقارير الطبية الأولية إلى أن اثنين من الجنود المصابين في حالة حرجة للغاية، بينما يعاني ثمانية آخرون من جراح خطيرة استدعت تدخلاً طبيًا عاجلاً. ولا تزال الحالة الصحية لبقية المصابين تخضع للتقييم والمراقبة المستمرة داخل المنشآت الطبية التابعة للقاعدة، وسط استنفار أمني واسع.

وكشفت مصادر إعلامية أن الهجوم المشترك تسبب في أضرار مادية جسيمة طالت العتاد العسكري الجوي، حيث تعرضت طائرتان من طراز KC-135 المخصصة للتزود بالوقود لدمار كبير. وقد أظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي خلفه القصف داخل مدرجات القاعدة الجوية الحيوية.

يأتي هذا الاستهداف في سياق المواجهات العسكرية المباشرة التي اندلعت منذ أواخر فبراير الماضي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وتتبادل الأطراف الضربات الصاروخية والجوية، حيث تستهدف طهران ما تصفه بالمصالح والمواقع الأمريكية في المنطقة ردًا على العمليات العسكرية المستمرة ضدها.

وأوضحت مصادر أن الهجوم وقع بينما كان الجنود يمارسون مهامهم الاعتيادية داخل القاعدة، حيث باغتهم صاروخ واحد على الأقل تبعته أسراب من الطائرات المسيرة الانتحارية. وتعد هذه الضربة واحدة من أكثر الهجمات دقة وتأثيرًا على منظومات الدفاع الجوي المتمركزة في المواقع العسكرية بالمنطقة.

وفي سياق متصل، ذكرت بيانات عسكرية أن حصيلة المصابين في صفوف الجيش الأمريكي منذ اندلاع شرارة الحرب مع إيران قد تجاوزت حاجز الـ 300 جندي. وبالرغم من عودة 273 منهم إلى الخدمة الفعلية، إلا أن تكرار هذه الهجمات يرفع من مستوى القلق بشأن سلامة القوات المنتشرة في القواعد الخارجية.

وسجلت الإحصائيات الرسمية مقتل 13 جنديًا أميركيًا منذ بدء العمليات القتالية، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط متزايدة للتعامل مع التهديدات الصاروخية المتنامية. وتعتبر قاعدة الأمير سلطان هدفًا متكررًا في الآونة الأخيرة، حيث يمثل هذا الهجوم الاستهداف الثاني لها خلال أسابيع قليلة فقط.

وكانت القاعدة ذاتها قد تعرضت لهجوم سابق في الخامس من مارس الجاري، أسفر حينها عن إلحاق أضرار بخمس طائرات عسكرية ومقتل جندي أمريكي متأثرًا بجراحه لاحقًا. وتؤكد هذه السلسلة من الهجمات إصرار الأطراف المهاجمة على شل القدرات الجوية واللوجستية للقوات الأمريكية في القواعد الاستراتيجية.

من جانبه، أدان عدد من الدول استهداف الأعيان المدنية والمصالح الدولية، محذرين من انزلاق المنطقة إلى صراع شامل لا يمكن السيطرة عليه. وتطالب العواصم المتضررة بوقف فوري لهذه الهجمات التي باتت تهدد الأمن الإقليمي وسلامة الممرات الجوية والبرية في الدول العربية المستضيفة للقوات.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 5:43 صباحًا - بتوقيت القدس

استشهاد طفل في بيت لحم وتحذيرات من تهجير 200 أسرة فلسطينية بالقدس

أعلنت مصادر طبية فلسطينية، مساء الجمعة، عن استشهاد الطفل أدهم سيد صالح دهمان، البالغ من العمر 15 عاماً، متأثراً بإصابته برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي. ووقع الحادث خلال اقتحام عسكري استهدف مخيم الدهيشة الواقع جنوب مدينة بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.

وأوضحت وزارة الصحة أن الطفل دهمان أصيب برصاصة حية في منطقة البطن، وصفت بالحرجة جداً، حيث جرى نقله على وجه السرعة إلى مستشفى بيت جالا الحكومي. ورغم محاولات الطواقم الطبية لإنقاذ حياته، إلا أنه فارق الحياة متأثراً بجراحه الخطيرة التي أصيب بها خلال المواجهات.

وبارتقاء الطفل دهمان، يرتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية خلال يوم الجمعة وحده إلى ثلاثة فلسطينيين، بعد استشهاد مواطنين آخرين يبلغان من العمر 22 و46 عاماً. وقد سقط الشهيدان الآخران خلال عمليات اقتحام نفذتها قوات الاحتلال في بلدة كفر عقب ومخيم قلنديا شمال مدينة القدس المحتلة.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى تصاعد مستمر في أعداد الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث بلغ عدد الشهداء في الضفة 1138 شهيداً. كما سجلت الطواقم الطبية نحو 11 ألفاً و700 إصابة، في حين تجاوز عدد المعتقلين في سجون الاحتلال حاجز 22 ألف فلسطيني خلال الفترة ذاتها.

وفي سياق متصل، حذرت وزارة الخارجية الفلسطينية من خطر داهم يهدد الوجود الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة، وتحديداً في بلدة سلوان. وأكدت الوزارة أن نحو 200 أسرة فلسطينية تواجه في الوقت الراهن خطر التهجير القسري والإخلاء الوشيك من منازلها وممتلكاتها.

وأوضحت الخارجية في بيان رسمي أن هذه العائلات تضم نحو 900 مواطن مقدسي، يواجهون دعاوى قضائية مرفوعة ضدهم من قبل جمعيات استيطانية متطرفة. ووصفت الوزارة هذه الجمعيات بأنها أدوات إرهابية تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين لصالح المستوطنين.

وانتقدت الخارجية الفلسطينية بشدة دور المنظومة القضائية الإسرائيلية، معتبرة أن المحاكم تُستخدم كغطاء قانوني لتكريس واقع غير شرعي في القدس. وأكدت أن هذه المحاكم تمنح شرعية زائفة لعمليات الاستيلاء على العقارات الفلسطينية وتغيير الهوية الديموغرافية للمدينة المقدسة.

وأدانت الوزارة تصاعد عمليات الإخلاء القسري، مشيرة إلى تهجير 15 أسرة من منازلها في منطقة بطن الهوى ببلدة سلوان خلال الأسبوع الماضي فقط. كما لفتت إلى إصدار بلدية الاحتلال أوامر هدم فورية وغير قابلة للاستئناف لسبعة منازل في بلدة قلنديا، مما يزيد من معاناة السكان.

واعتبر البيان الفلسطيني أن ما يجري في القدس يندرج ضمن مخطط ممنهج لتهويد المدينة وفرض وقائع جديدة على الأرض. وشددت الوزارة على أن هذه الإجراءات تهدف إلى تغيير الوضع الديموغرافي على المدى القريب، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الانتهاكات.

وطالبت الخارجية الفلسطينية المجتمع الدولي والمنظمات الدولية باتخاذ خطوات حازمة للحيلولة دون استمرار سياسة التهجير القسري. ودعت إلى تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي على سلطات الاحتلال لضمان حماية حقوق الفلسطينيين وصون مكانة المدينة المقدسة.

كما حثت الوزارة على تعزيز الحضور الدولي في الميدان لمراقبة الانتهاكات الإسرائيلية وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. وأكدت أن جميع تدابير الاحتلال في القدس تعتبر لاغية وباطلة من الناحية القانونية ولا يترتب عليها أي أثر شرعي.

ميدانياً، أفادت مصادر حقوقية بأن مستوطنين استولوا يوم الأربعاء الماضي على 13 شقة سكنية في بلدة سلوان، مما رفع إجمالي الشقق المستولى عليها إلى 15 خلال أربعة أيام. وجرت هذه العمليات تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال التي أمنت دخول المستوطنين للعقارات.

وذكر مركز معلومات وادي حلوة أن طواقم دائرة الإجراء والتنفيذ الإسرائيلية باشرت بتفريغ محتويات 11 شقة تعود لعائلة الرجبي لتسليمها للمستوطنين. وكان ذلك قد بدأ بإخلاء عائلة بصبوص من شقتين سكنيتين في المنطقة ذاتها، وسط حالة من التوتر الشديد.

يُذكر أن جمعية 'عطيرات كوهانيم' الاستيطانية كانت قد استولت مطلع الأسبوع الماضي على شقتين إضافيتين في سلوان. وتأتي هذه التحركات الاستيطانية المكثفة في إطار مساعي الجمعيات اليمينية للسيطرة على كامل حي بطن الهوى المطل على المسجد الأقصى المبارك.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 3:57 صباحًا - بتوقيت القدس

موانئ مصر وممراتها.. هل تحولت إلى شريان لوجستي في الحرب ضد إيران؟

كشفت تقارير إعلامية وبيانات ملاحية حديثة عن تقديم السلطات المصرية دعماً لوجستياً وعسكرياً غير مباشر للاحتلال الإسرائيلي، في إطار المواجهة العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي مدعوماً بالولايات المتحدة ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي. وتأتي هذه التطورات لتثير تساؤلات جدية حول حقيقة الموقف المصري الرسمي الذي يعلن الحياد في الأزمة الإقليمية المتصاعدة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن شركة 'أركيا'، ثاني أكبر شركات الطيران في إسرائيل، قد نقلت مركز عملياتها إلى مدينتي طابا المصرية والعقبة الأردنية، وذلك نتيجة تأزم الملاحة في مطار بن غوريون جراء القصف الإيراني للمرافق الحيوية. ويتم نقل المسافرين الإسرائيليين عبر الحافلات إلى مطار سيناء لمواصلة رحلاتهم الدولية تحت حماية وتسهيلات أمنية مصرية.

وفي سياق متصل، أكدت بيانات صادرة عن السفارة الأمريكية في إسرائيل وجود تسهيلات واسعة للمسافرين القادمين من إسرائيل عبر معبر طابا ومطاري طابا وشرم الشيخ. وتشمل هذه التسهيلات منح تأشيرات دخول فورية لمدة 30 يوماً أو أختام دخول مجانية للسفر داخل جنوب سيناء، مما يعزز من قدرة الجانب الإسرائيلي على المناورة اللوجستية خلال الحرب.

من جانبها، رصدت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) وصول سفينة الحاويات 'MSC Danit' إلى ميناء أبوقير بالإسكندرية في الرابع والعشرين من مارس الجاري. وأوضحت الحركة أن السفينة تحمل شحنات من الفولاذ العسكري الهندي المخصص لإنتاج آلاف القذائف المدفعية لصالح شركتي 'إلبيت سيستمز' و'آي إم آي' الإسرائيليتين، وهما الموردان الرئيسيان للذخيرة.

وأشارت التحليلات الملاحية إلى أن السفينة اضطرت للجوء إلى الموانئ المصرية بعد أن واجهت صعوبات بالغة في الرسو بموانئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وتركيا، نتيجة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لتزويد الاحتلال بالسلاح. ويقدر خبراء أن الشحنة تحتوي على نحو 600 طن من الفولاذ الكافي لإنتاج 13 ألف قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم.

ولا تعد هذه الواقعة معزولة، حيث رصدت تقارير سابقة رسو السفينة 'MV Kathrin' في ميناء الإسكندرية خلال أكتوبر 2024، وهي محملة بمواد شديدة الانفجار مخصصة للصناعات العسكرية الإسرائيلية. كما سجلت بيانات ملاحية قيام سفن ترفع العلم المصري برحلات مكوكية بين موانئ بورسعيد والدخيلة وميناء أشدود الإسرائيلي خلال فترات التصعيد العسكري.

ويرى باحثون في العلاقات الدولية أن ما تمارسه القاهرة يندرج تحت مفهوم 'الحياد الوظيفي'، حيث لا تشارك الدولة في العمليات القتالية بشكل مباشر، لكنها لا تعرقل تدفق الموارد العسكرية الحيوية عبر أراضيها وموانئها. ويُعتبر هذا السلوك جزءاً من إدارة الصراعات الحديثة التي تعتمد بشكل أساسي على استدامة سلاسل الإمداد اللوجستي.

وتواجه مصر ضغوطاً اقتصادية وجيوسياسية هائلة منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي، حيث تراجعت إيرادات قناة السويس بشكل حاد وتأثر قطاع السياحة، بالإضافة إلى هروب مليارات الدولارات من سوق الدين المحلي. وقد أدى هذا الضغط إلى هبوط قيمة العملة المحلية لتتجاوز حاجز 52 جنيهاً مقابل الدولار الأمريكي الواحد في الأسواق.

وفي الوقت الذي تطالب فيه قوى دولية بوقف إمدادات الأسلحة لإسرائيل، يرى مراقبون أن الموانئ المصرية باتت تمثل 'طوق نجاة' للشحنات العسكرية التي يرفض العالم استقبالها. وتثير هذه السياسة غضباً في الأوساط الشعبية والحقوقية التي ترى فيها تناقضاً مع الالتزامات القومية والأخلاقية تجاه القضايا العربية العادلة.

وعلى الصعيد الإقليمي، تشترط إيران في مفاوضاتها الجارية عبر وساطة باكستانية إدراج الملف اللبناني في أي تسوية لوقف إطلاق النار، مع المطالبة بوقف الاغتيالات والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز. وتتخوف طهران من تعرضها لخداع دبلوماسي جديد، مما يدفعها للاستمرار في التصعيد العسكري كأداة ضغط في المفاوضات.

وفي تركيا، أظهرت التقارير تراجعاً حاداً في احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية منذ بدء المواجهة الأمريكية الإيرانية، حيث بلغت مبيعات العملات الصعبة نحو 26 مليار دولار. ويعكس هذا التدهور الاقتصادي حجم التداعيات العابرة للحدود التي خلفتها الحرب على القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة بما فيها مصر وتركيا.

ويؤكد خبراء عسكريون أن الفولاذ العسكري الذي يمر عبر الموانئ المصرية يمكن تجهيزه برؤوس حربية متنوعة، تشمل المتفجرات التقليدية والذخائر العنقودية المحرمة دولياً. وهذا ما يجعل من تسهيل مرور هذه الشحنات مساهمة غير مباشرة في العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية في المنطقة.

إن تحول الممرات البحرية والموانئ إلى أدوات تأثير جيوسياسي يعيد تعريف مفهوم المشاركة في الحروب؛ فالدول لم تعد تُقاس فقط بما تطلقه من صواريخ، بل بما تسمح له بالرسو والعبور. وفي هذا الإطار، يظل التساؤل قائماً حول الثمن الذي تدفعه القاهرة مقابل هذا الدور اللوجستي الحساس في ظل الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.

ختاماً، تضع هذه التطورات النظام المصري أمام مأزق أخلاقي وسياسي، حيث تتزايد الدعوات الشعبية لمنع استخدام الموانئ المصرية في إيصال أدوات القتل للاحتلال. ومع استمرار الحرب وتوسع رقعتها، قد تتحول هذه الممرات من نقاط 'حياد وظيفي' إلى بؤر اختبار حقيقية للانحيازات الاستراتيجية في المنطقة.

اسرائيليات

السّبت 28 مارس 2026 3:57 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'انهيار داخلي' في الجيش الإسرائيلي: أزمة استنزاف وتعدد جبهات

تصاعدت في الآونة الأخيرة التحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بشأن الوضع الراهن للجيش، عقب تصريحات غير مسبوقة أطلقها رئيس الأركان إيال زامير. وحذر زامير من خطر حقيقي يتمثل في 'انهيار داخلي' وشيك إذا لم يتم تدارك الأزمات المتراكمة ومعالجتها بشكل جذري وفوري.

وأفادت مصادر بأن رئيس الأركان أبلغ الحكومة خلال اجتماع مغلق بأن الجيش قد ينهار على نفسه، مشيراً إلى وجود مؤشرات خطيرة تتزايد يوماً بعد يوم. وتأتي هذه التحذيرات في وقت حساس تشهد فيه الجبهات العسكرية تصعيداً مستمراً، وسط غياب الحلول العملية من قبل المستوى السياسي.

وتتلخص الأزمة وفقاً للرؤية العسكرية في عدة عوامل متداخلة، أبرزها الضغط العملياتي غير المسبوق الذي تتعرض له القوات الميدانية. كما يعاني الجيش من نقص حاد في عدد الجنود، مما أدى إلى تآكل قدرات قوات الاحتياط نتيجة طول فترات الخدمة والمهام الموكلة إليها.

ويواجه جيش الاحتلال تحدياً استراتيجياً يتمثل في القتال على عدة جبهات متزامنة، تشمل غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، بالإضافة إلى التوترات مع إيران. هذا التعدد في الجبهات أدى إلى استنزاف مستمر للقوى البشرية والموارد العسكرية دون وجود تعزيزات كافية لتعويض النقص.

من جانبه، دخل زعيم المعارضة يائير لابيد على خط الأزمة، مؤكداً أن الحكومة لن تستطيع الادعاء بجهلها لهذه التحذيرات الخطيرة. وحمل لابيد الحكومة المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات مستقبلية قد تمس بأمن الدولة نتيجة تجاهل صرخات المؤسسة العسكرية.

وفي سياق متصل، وصف بيني غانتس، رئيس الأركان السابق، هذه التصريحات بأنها 'إدانة خطيرة' ومباشرة لأداء الحكومة في إدارة الحرب. واعتبر غانتس أن الفجوة بين احتياجات الجيش والقرارات السياسية أصبحت تهدد الكفاءة القتالية للمنظومة العسكرية بشكل غير مسبوق.

وتبرز أزمة التجنيد كواحدة من أعقد المشكلات التي تواجه المؤسسة العسكرية، خاصة مع فشل الحكومة في تمرير قوانين جديدة تشمل تجنيد 'الحريديم'. هذا الفشل التشريعي يتزامن مع عدم القدرة على تمديد مدة الخدمة الإلزامية، مما يضع الجيش في مأزق بشري حقيقي.

وتشير التقارير إلى أن قوات الاحتياط، التي تعد العمود الفقري للجيش، بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق الشديد وعدم القدرة على الصمود لفترات أطول. ويرى مراقبون أن بعض قرارات الحكومة، مثل احتمال تقليص الخدمة الإلزامية، تزيد من تعقيد المشهد وتعمق الفجوة بين الواقع والاحتياج.

ومع استمرار غياب الحلول السياسية والتشريعية، يسود القلق داخل أروقة المؤسسة العسكرية من الوصول إلى لحظة العجز الكلي عن تنفيذ المهام. إن وصف 'الانهيار' الذي استخدمه زامير يعكس حجم اليأس من إمكانية الاستمرار بنفس الكفاءة في ظل المعطيات الراهنة.

وعلى صعيد التفاعلات، يرى خبراء عسكريون أن الاعتماد المفرط على القوات الجوية لا يمكن أن يحسم المعارك دون وجود سلاح مشاة قوي ومتماسك. وتؤكد القراءات الميدانية أن طول أمد الحرب منذ أكتوبر 2023 قد استهلك طاقة الجيش وقدرته على المناورة على جبهات متعددة في آن واحد.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 3:27 صباحًا - بتوقيت القدس

بلديات غزة تصارع الانهيار: 'حالة نجاة' لتقديم الحد الأدنى من الخدمات وسط الركام

تواصل طواقم البلديات في قطاع غزة العمل في ظروف ميدانية قاسية، حيث تسعى جاهدة لإزالة النفايات المتكدسة وتنظيف مصارف المياه العادمة في الشوارع التي طالها الدمار. وتأتي هذه الجهود في إطار محاولات مستمرة لتقديم الحد الأدنى من الخدمات الحيوية للسكان، رغم الأعباء الهائلة التي خلفها العدوان الإسرائيلي المستمر على البنية التحتية والمرافق العامة.

وأكد الدكتور يحيى السراج، رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة أن الهيئات المحلية تعمل حالياً وفق نظام إدارة الطوارئ في ظل غياب أي بوادر لممارسة اللجنة الوطنية لمهامها. وأوضح أن البلديات تعتمد على إمكانات ذاتية محدودة جداً، مع انعدام الدعم المالي والفني الخارجي، وتدمير واسع للمعدات التي كانت تستخدم في الصيانة والتشغيل اليومي.

وتلجأ البلديات إلى حلول اضطرارية ومؤقتة للحفاظ على استمرارية العمل، من بينها إعادة تدوير الموارد المتاحة وصيانة المعدات المتضررة بطرق بدائية وبسيطة. كما يتم التنسيق مع مؤسسات محلية وشركاء إنسانيين لمحاولة سد العجز الكبير في الاحتياجات الأساسية، وضمان عدم توقف الخدمات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووصف السراج الواقع الحالي بأنه 'حالة نجاة' وليس عملاً إدارياً تقليدياً، حيث تفتقر البلديات لأبسط الأدوات مثل أجهزة الحاسوب وقطع الغيار اللازمة للآليات. وتعتمد الهيئات المحلية بشكل أساسي على الجهد البشري والمبادرات التطوعية من المجتمع المحلي لتعويض النقص الحاد في الآليات الثقيلة والمعدات المتطورة.

وتتركز الأولويات الحالية للبلديات في تشغيل وصيانة ما تبقى من آبار المياه ومضخات الصرف الصحي لضمان وصول المياه للسكان ومنع فيضان المياه العادمة. كما يتم التركيز على عمليات الجمع الأولي للنفايات الصلبة لمنع انتشار الأمراض، والاستجابة العاجلة للمخاطر البيئية المرتبطة بالمنخفضات الجوية وحالات الطوارئ الصحية.

في المقابل، اضطرت البلديات لتأجيل كافة المشاريع التطويرية والإستراتيجية، بما في ذلك صيانة الطرق الرئيسية وفتح الشوارع المغلقة بالركام بسبب نقص الوقود. كما تم تجميد العمل في تحسين الأسواق العامة والحدائق والمتنزهات، والاكتفاء بالإجراءات 'الترقيعية' التي تهدف فقط لتسيير حياة الناس في حدها الأدنى.

وحذر السراج من أن استمرار نقص التمويل وشح الوقود ينذر بانهيار تدريجي قد يؤدي إلى توقف كامل للخدمات الحيوية في القريب العاجل. وأشار إلى أن العجز عن ضخ المياه أو إزالة النفايات سيحول مراكز النزوح والمستشفيات إلى بؤر للأوبئة الفتاكة، وهو ما قد يكون أخطر من القصف العسكري المباشر.

وفي جنوب القطاع، تواجه بلدية خان يونس ضغوطاً هائلة حيث تخدم نحو 900 ألف مواطن ونازح يتكدسون في مساحة ضيقة لا تتجاوز 30 كيلومتراً مربعاً. وأوضح رئيس البلدية علاء الدين البطة أن المدينة تعاني من أزمات مركبة تهدد بانتشار كوارث بيئية نتيجة انهيار منظومتي العمل الصحي والخدماتي بشكل شبه كامل.

وتشكل النفايات الطبية والمواد الكيميائية وبقايا الذخائر غير المنفجرة معضلة كبرى أمام طواقم البلدية التي تفتقر للإمكانات اللازمة للتخلص السليم منها. كما يبرز خطر المكبات العشوائية التي قد تسرب سمومها إلى الخزان الجوفي، خاصة مع اختلاط النفايات بمياه الأمطار وانجرافها نحو خيام النازحين.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن بلدية خان يونس إلى وجود نحو 15 مليون طن من الركام في المحافظة وحدها، من أصل 70 مليون طن في كافة أرجاء القطاع. كما تم تدمير آلاف حاويات جمع النفايات، مما جعل عملية السيطرة على المكبات العشوائية أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد في ظل غياب الآليات المناسبة.

أما في شمال القطاع، فتدير بلدية بيت لاهيا حالة الطوارئ رغم فقدانها لأكثر من نصف مساحتها الجغرافية نتيجة السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وأفاد رئيس البلدية علاء العطار بأن العمل يعتمد على تعظيم الموارد المتاحة وتوجيهها نحو الأولويات القصوى مثل توفير مياه الشرب وفتح ممرات ضيقة لحركة الإسعاف.

وتتبع بلدية بيت لاهيا سياسة تقشفية حادة في تشغيل الخدمات، مع تعزيز الشراكات مع لجان الأحياء لتنفيذ مبادرات تطوعية تسهم في تخفيف حدة الأزمة. وأكد العطار أن القدرة على الاستمرار تتراجع يوماً بعد يوم، مطالباً بتدخل دولي عاجل لتوفير الدعم اللازم قبل الوصول إلى مرحلة العجز الكامل عن العمل.

وطالب اتحاد البلديات بضرورة فتح المعابر دون قيود لإدخال الجرافات وصهاريج المياه والوقود بكميات كافية للأغراض التجارية والإغاثية على حد سواء. كما شدد على أهمية توفير دعم مالي مستدام لتمكين البلديات من دفع رواتب الموظفين الذين يعملون في ظروف خطيرة دون مقابل منتظم منذ أشهر طويلة.

وختم السراج بمطالبة المجتمع الدولي بتوفير حماية قانونية وميدانية لفرق البلديات التي تتعرض للاستهداف المباشر أثناء أداء مهامها الإنسانية. وأكد أن إدخال مواد البناء والمواسير وقطع الغيار ومنظومات الطاقة الشمسية هو السبيل الوحيد لمنع وقوع كارثة إنسانية وبيئية شاملة في قطاع غزة.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 3:27 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يمنح إيران مهلة 10 أيام: مناورة دبلوماسية أم استعداد لضربة طاقة كبرى؟

أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتأجيل الهجوم الوشيك على البنية التحتية للطاقة في إيران تساؤلات جوهرية حول الاستراتيجية الأمريكية الحالية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون فرصة أخيرة للدبلوماسية، أو مجرد تكتيك عسكري لكسب الوقت قبل تصعيد غير مسبوق.

وأعلن ترمب مساء الخميس رسمياً تأجيل الضربة لمدة عشرة أيام، لتنتهي المهلة الجديدة في السادس من أبريل/ نيسان المقبل. وتأتي هذه الخطوة في ظل مواجهة عسكرية مستمرة منذ أسابيع، مما يجعل من هذه المهلة القصيرة نقطة تحول محتملة في مسار الصراع الإقليمي.

لا يبدو قرار التأجيل مجرد إجراء إداري عابر، بل يعكس نمطاً متكرراً في إدارة ترمب للأزمات الدولية الكبرى. حيث تُستخدم هذه المهل الزمنية كأداة لإرسال إشارات سياسية مزدوجة، تهدف لتشتيت انتباه الخصم وإعادة ترتيب الأوراق العسكرية والميدانية.

وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن أحد الأهداف المباشرة لهذا التأجيل هو تهدئة الأسواق المالية العالمية المضطربة. فقد صدر الإعلان مباشرة بعد إغلاق التداول في بورصة وول ستريت، في محاولة واضحة لطمأنة المستثمرين وتجنب صدمة نفطية كبرى.

ومع ذلك، تظل المخاوف قائمة من أن أي استهداف مستقبلي لمنشآت الطاقة الإيرانية سيؤدي إلى ردود فعل انتقامية واسعة. وقد تشمل هذه الردود استهداف منشآت نفطية في دول الخليج، مما يهدد بإرباك كامل لإمدادات الطاقة في الاقتصاد العالمي.

بالتوازي مع لغة التهديد، كشفت مصادر عن وجود قنوات اتصال غير مباشرة تجري حالياً بين واشنطن وطهران. وتلعب باكستان دور الوسيط الرئيسي في تبادل الرسائل، رغم أن التوقعات بالوصول إلى خرق دبلوماسي حقيقي لا تزال متواضعة حتى اللحظة.

ويكتنف المشهد السياسي الكثير من الغموض والتضليل المتعمد من كلا الجانبين، وسط شكوك حول فاعلية قنوات الاتصال. ورغم تأكيدات ترمب بأن المحادثات 'تسير بشكل جيد'، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استعدادات لسيناريوهات مغايرة تماماً.

بعيداً عن أروقة السياسة، تستغل واشنطن هذه المهلة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة بشكل ملحوظ. وقد بدأت بالفعل تحركات لقوات أمريكية تشمل وصول نحو 2000 جندي من مشاة البحرية القادمين من القواعد الأمريكية في اليابان.

ولم تقتصر التعزيزات على مشاة البحرية، بل شملت أيضاً انتشار وحدات من المظليين القادمين من ولاية كاليفورنيا. وتتحدث تقارير عسكرية عن احتمال إرسال آلاف الجنود الإضافيين، مما يشير إلى استعداد لعمليات عسكرية برية أو جوية أوسع نطاقاً.

ويرى محللون سياسيون أن ترمب يسعى لامتلاك خيارات عسكرية متعددة تمنحه التفوق في أي مفاوضات قادمة. وتعكس تصريحاته الأخيرة نبرة تصعيدية واضحة حين هدد بأن الولايات المتحدة ستكون 'الكابوس الأسوأ' لإيران في حال رفض الشروط الأمريكية.

وفي هذا السياق، يربط خبراء بين هذه المهلة وبين تجارب سابقة في المفاوضات التي سبقت اندلاع المواجهات الحالية. حيث استغل ترمب فترات الهدوء المؤقتة لحشد القوات وضمان الجاهزية الكاملة قبل اتخاذ قرارات الهجوم الحاسمة.

وتستند استراتيجية الإدارة الأمريكية الحالية إلى عقيدة 'السلام من خلال القوة'، التي تهدف لفرض شروط واشنطن. ويبدو أن الهدف النهائي هو دفع إيران نحو اتفاق بشروط قاسية، تُعتبر في العرف السياسي أقرب إلى شروط الاستسلام الكامل.

في المدى المنظور، يساهم قرار التأجيل في استمرار حالة الجمود والتوتر القائم في الممرات المائية الحيوية. ويظل مضيق هرمز تحت قيود مشددة تؤثر على حركة التجارة، حيث تحول الصراع إلى معركة سيطرة على هذا الشريان الاقتصادي العالمي.

فلسطين

السّبت 28 مارس 2026 3:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الشرطة الفلسطينية تتعامل مع سقوط 39 شظية صاروخية في عدة محافظات

أعلنت الشرطة الفلسطينية، مساء الخميس أن طواقمها المختصة تعاملت مع سقوط عشرات الشظايا الصاروخية التي تناثرت في عدة محافظات بالضفة الغربية. وأوضح المتحدث الرسمي باسم الشرطة، العميد لؤي إرزيقات أن غرفة العمليات المركزية رصدت منذ ساعات الصباح سقوط ما يقارب 39 شظية، حيث استنفرت دوريات الاستجابة السريعة لتأمين المواقع المستهدفة وضمان سلامة المارة.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الشرطة، فقد تركز العدد الأكبر من هذه الشظايا في محافظة رام الله بواقع 21 شظية، تلتها محافظة نابلس بـ 6 شظايا، ثم طولكرم بـ 5 شظايا. كما سجلت الطواقم الميدانية سقوط 4 شظايا في سلفيت، وشظيتين في ضواحي القدس، بالإضافة إلى شظية واحدة في محافظة بيت لحم، حيث تولت إدارة هندسة المتفجرات فحصها وتحييد خطرها.

وجددت المؤسسة الأمنية تحذيراتها الصارمة للمواطنين بضرورة الالتزام بتعليمات السلامة العامة والبحث عن الأماكن المحصنة عند الضرورة. وشددت الشرطة على خطورة التجمهر في مواقع سقوط الشظايا أو الصعود إلى أسطح المنازل لمشاهدة الصواريخ في السماء، مؤكدة أن هذه السلوكيات تعرض حياة المدنيين لخطر داهم ومباشر نتيجة الشظايا المتساقطة.

وفي سياق متصل، نبهت الشرطة إلى ضرورة توفير الحماية الكاملة للأطفال وكبار السن، ومنعهم من الاقتراب من الأجسام المشبوهة أو محاولة نقلها من مكانها. وأشارت المصادر إلى أن بقايا الصواريخ قد تحتوي على مواد كيميائية سامة أو حارقة، مما يجعل العبث بها سبباً في وقوع انفجارات مفاجئة أو إصابات خطيرة لا تحمد عقباها.

واختتمت الشرطة بيانها بدعوة الجمهور إلى ممارسة أعلى درجات الحيطة والحذر، والإبلاغ الفوري عن أي أجسام غريبة عبر التواصل مع أرقام الطوارئ المجانية. وأكدت على ضرورة الاتصال بالرقم (100) للشرطة، أو (102) للدفاع المدني، أو (101) للهلال الأحمر لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي طارئ ميداني يهدد أمن وسلامة المجتمع.

عربي ودولي

السّبت 28 مارس 2026 2:27 صباحًا - بتوقيت القدس

جماعة الحوثي تلوح بالتدخل العسكري المباشر حال اتساع التحالف ضد إيران

أعلنت جماعة الحوثي في اليمن، مساء الجمعة، عن استعدادها الكامل للتدخل العسكري المباشر في المواجهة الإقليمية المحتدمة. وجاء هذا التهديد مشروطاً بانضمام أي تحالفات دولية أو إقليمية جديدة إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما ضد إيران، أو في حال تم استغلال الممرات المائية الحيوية لتنفيذ هجمات.

وأكد المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، في بيان مصور أن القوات التابعة لهم تضع 'أيديها على الزناد' بانتظار أي تصعيد إضافي. وأوضح أن هذا الموقف يأتي رداً على استخدام البحر الأحمر كمنطلق لعمليات عدائية تستهدف طهران أو أي دولة مسلمة، مشيراً إلى أن الجماعة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام توسع رقعة الصراع.

ويرتبط هذا التهديد الحوثي بسلسلة من المواجهات العسكرية التي بدأت منذ أواخر فبراير الماضي، حيث تشن القوات الإسرائيلية والأمريكية هجمات واسعة على الأراضي الإيرانية. وفي المقابل، تواصل طهران الرد عبر إطلاق رشقات من الصواريخ والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى استهداف ما تصفه بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية.

وشدد البيان على أن التحرك العسكري المرتقب للجماعة محكوم بمدى استمرار التصعيد ضد ما وصفه بـ 'محور الجهاد والمقاومة'. كما أشار سريع إلى أن مسرح العمليات العسكرية هو الذي سيحدد طبيعة وحجم الرد اليمني، محذراً في الوقت ذاته من أي محاولات دولية تهدف إلى تضييق الخناق الاقتصادي أو تشديد الحصار على اليمن.

وفي سياق توضيح أهداف عملياتهم، ذكرت الجماعة أن نشاطها العسكري يتركز حصراً ضد الأهداف الإسرائيلية والأمريكية لإحباط المخططات التي تستهدف المنطقة. ونفى المتحدث العسكري أن تكون هذه العمليات موجهة ضد أي شعب مسلم، مؤكداً أن البوصلة تظل موجهة نحو إفشال ما وصفه بـ 'المشروع الصهيوني' في الشرق الأوسط.

ووجهت الجماعة دعوة صريحة لواشنطن وتل أبيب بضرورة التجاوب مع المبادرات الدبلوماسية الدولية الرامية لوقف التصعيد العسكري. واعتبر البيان أن استمرار العدوان على إيران وبلدان المحور يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي والأمن الإقليمي، فضلاً عن تداعياته الكارثية على حركة الاقتصاد والتجارة الدولية.

وختم الحوثيون بيانهم بالمطالبة بوقف فوري وشامل لكافة العمليات العسكرية في فلسطين ولبنان والعراق وإيران، مع ضرورة رفع الحصار عن اليمن. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً غير مسبوق يهدد بانفجار مواجهة شاملة تتجاوز الحدود التقليدية للصراع.

أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 1:57 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الوعي: لماذا لا يكفي الذكاء والثقافة لإنقاذ العالم؟

لا تكمن معضلة العالم المعاصر في ندرة الكفاءات أو غياب الشعارات الأخلاقية البراقة، بل في أزمة أعمق تتعلق بالخلط الجوهري بين الوعي الحقيقي وما يشبهه من صفات. فالذكاء والثقافة والتدين، رغم أهميتها، قد تجتمع في شخص واحد دون أن تصنع منه إنساناً واعياً يمتلك بصيرة نافذة.

يمنح الذكاء صاحبه قدرات تحليلية فائقة ومهارة في ربط الأحداث، لكنه لا يضمن له القدرة على نقد الذات أو اكتشاف التحيزات الشخصية. وفي كثير من الأحيان، يتحول الذكاء إلى أداة لتبرير الأخطاء، مما يجعل الإنسان أكثر تمسكاً بضلالاته كلما زاد تعمقه في التفكير والتحليل.

أما الثقافة، فقد تتحول في غياب الوعي إلى مجرد تراكم للمعلومات بلا مركز أو هدف واضح، حيث يصبح المثقف مخزناً للأفكار والاقتباسات دون أن يمتلك رؤية نقدية. الثقافة بلا وعي تشبه مكتبة ضخمة لا يزورها قارئ نقدي، فهي لا تقدم حلولاً حقيقية للواقع المعاش.

وفي سياق التدين، يبرز الخطر عندما يتحول من قيم لضبط السلوك ومحاسبة النفس إلى هوية مغلقة تمنح صاحبها شعوراً زائفاً بالتفوق الأخلاقي. التدين بلا فهم يصبح وسيلة للحكم على الآخرين وإقصائهم، بدلاً من أن يكون أداة للارتقاء بالروح وتصويب فاعلية الغرائز البشرية.

إن الوعي هو تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين الفكرة وصاحبها، وبين القناعة الراسخة وإمكانية مراجعتها وتصحيحها عند الضرورة. هو الموقف الذي يجعل الإنسان يرى نفسه والواقع بوضوح تام، بعيداً عن الرغبات الشخصية أو الصور التي يود تقديمها للعالم.

الإنسان الواعي لا يتعامل مع أفكاره كحقائق مطلقة لا تقبل النقاش، بل ينظر إليها كفرضيات خاضعة للاختبار الدائم والمراجعة المستمرة. هو لا يخشى الاعتراف بالخطأ، لأن هويته وقيمته لا ترتبطان بصواب رأيه بقدر ما ترتبطان بمدى اقترابه من الحقيقة المجردة.

تتضاعف الأزمة عندما ننتقل من مستوى الأفراد إلى مستوى القيادة، حيث يصبح القائد غير الواعي أسيراً لدائرة ضيقة تعكس قناعاته الشخصية فقط. في هذه الحالة، يظن القائد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ويتحول أي اختلاف في الرأي إلى تهديد مباشر لمكانته أو مساره.

عندما يغيب الوعي عن مراكز القرار، لا تعود القرارات الخاطئة مجرد احتمالات، بل تصبح مساراً مستمراً نتيجة إلغاء آليات التصحيح والنقد. السؤال هنا لا يكمن في سبب اتخاذ القرارات الخاطئة، بل في عجز القيادات عن إدراك خطئها بسبب الثقة المطلقة وغياب الشك الذاتي.

يعاني العالم اليوم من سوء ترتيب المعلومات داخل المنظومات العقلية التي باتت تستخدم القيم بشكل انتقائي لتبرير أهداف نفعية بحتة. إنها أزمة غياب 'التفكير في التفكير'، وهي طبقة عميقة من الإدراك لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال وعي حقيقي ومسؤول.

الوعي ليس حالة ذهنية ثابتة أو محطة نهائية يصل إليها المرء ليستريح، بل هو عملية مستمرة وجهد دائم لمراقبة النفس والبيئة المحيطة. الإنسان الواعي يمتلك آلية داخلية للعودة والتصحيح، فهو يدرك حدود علمه ويعرف متى يكون مسيطراً على رغباته ومتى يفقد السيطرة.

لو ارتفع منسوب الوعي لدى الأفراد والقيادات، فإن الصراعات والمصالح لن تختفي، لكن أدوات إدارتها ستشهد تحولاً جذرياً ونوعياً. سيتحول التركيز من مجرد تحقيق الانتصار السريع إلى التساؤل عما يجب الحفاظ عليه من قيم وإنسانية خلال رحلة البحث عن المكاسب.

إن الفرق الجوهري بين الإنسان الذكي أو المثقف وبين الإنسان الواعي يكمن في الغاية من استخدام الأدوات المعرفية المتاحة. فالواعي يسأل نفسه دائماً: هل أستخدم هذه المعرفة لأرى الحقيقة بوضوح، أم أستخدمها لأبني جداراً يحميني من مواجهتها؟

في نهاية المطاف، ليست المشكلة في تعقيد العالم، بل في سطحية العقليات التي تديره وهي متدثرة بثوب الثقة الزائفة واليقين السهل. الوعي هو الكفيل وحده بصناعة الفارق بين عالم يفهم بعمق وبين عالم يدار فيه العبث تحت مسميات الذكاء والثقافة.

إن المسؤولية الفردية والجماعية تقتضي السعي نحو هذا الوعي كضرورة للبقاء، فهو الضمانة الوحيدة لعدم تحول الأدوات البشرية إلى وسائل تدمير. الوعي هو البوصلة التي توجه الذكاء والثقافة والتدين نحو خدمة الإنسان والحقيقة بدلاً من خدمة الأوهام والتحيزات.

اسرائيليات

السّبت 28 مارس 2026 1:57 صباحًا - بتوقيت القدس

مقتل إسرائيلي وإصابات في قصف صاروخي إيراني استهدف تل أبيب والقدس

لقي إسرائيلي مصرعه وأصيب اثنان آخران بجروح متفاوتة، فجر الجمعة، إثر هجوم صاروخي إيراني مكثف استهدف منطقة تل أبيب الكبرى والقدس المحتلة. وأكدت مصادر طبية إسرائيلية أن القتيل سقط نتيجة إصابة مباشرة وشظايا تساقطت في عدة مناطق حيوية، وسط دوي انفجارات عنيفة هزت أرجاء المركز والقدس ومحيطهما.

وأفاد جهاز الإسعاف الإسرائيلي بأنه تعامل مع عدة بلاغات تتعلق بسقوط شظايا صواريخ في ثمانية مواقع مختلفة داخل نطاق تل أبيب الكبرى والقدس. وتسببت هذه الرشقات الصاروخية في حالة من الذعر العام، حيث هرعت طواقم الإنقاذ إلى الأماكن المتضررة لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين وتقييم الأضرار المادية الناتجة عن القصف.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن أحد الصواريخ أصاب مبنى بشكل مباشر في قلب مدينة تل أبيب، مما أحدث دماراً ملموساً في الموقع. وتزامن ذلك مع رصد سقوط شظايا في مناطق متفرقة من مدينة القدس، وهو ما يشير إلى اتساع رقعة الاستهداف الإيراني ليشمل مراكز الثقل السياسي والاقتصادي للاحتلال.

وأوضحت مصادر ميدانية أن الانفجارات التي سُمعت في سماء تل أبيب كانت ناتجة عن محاولات اعتراض صاروخ عنقودي واحد على الأقل أُطلق من الأراضي الإيرانية. هذا النوع من الصواريخ يتميز بقدرته على التشظي في الجو إلى قذائف صغيرة متعددة عند تعرضه لعملية اعتراض، مما يؤدي إلى انتشار الشظايا على مساحات واسعة وصعبة السيطرة.

ورغم أن الصواريخ العنقودية قد تفتقر إلى القوة التدميرية الهائلة التي تمتلكها الصواريخ الباليستية الثقيلة، إلا أن خطورتها تكمن في توزيع الضرر على نقاط جغرافية متعددة في آن واحد. وتسببت الشظايا المتساقطة في إلحاق أضرار بالأعيان المدنية والممتلكات، وهو ما زاد من تعقيد عمليات الإخلاء والإنقاذ في المناطق المأهولة بالسكان.

وتشير الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية إلى تصاعد مستمر في حصيلة الخسائر البشرية منذ اندلاع المواجهة المباشرة مع إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ووفقاً للمعطيات الأخيرة، فقد بلغ عدد القتلى الإسرائيليين 22 شخصاً، بينما تجاوز عدد المصابين حاجز الخمسة آلاف جريح جراء الهجمات الصاروخية والمسيرات المستمرة.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية، وهو ما تقابله طهران بردود صاروخية تستهدف العمق الإسرائيلي. كما أعلنت طهران في وقت سابق عن استهداف ما تصفه بالمصالح والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، معتبرة ذلك رداً مشروعاً على الهجمات التي تتعرض لها.

وفي سياق متصل، أعربت عدة دول في المنطقة عن إدانتها لتصاعد الهجمات التي تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين وتضرر المنشآت غير العسكرية. وطالبت هذه الأطراف بضرورة وقف التصعيد الفوري لتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد لا يمكن السيطرة على تداعياتها الإقليمية والدولية في ظل التوتر الراهن.