أقلام وأراء

السّبت 28 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو رؤية عربية متجددة: النخب ومسؤولية مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية

تتوالى المحاولات الدولية والإقليمية لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وفق مصالح قوى خارجية، بينما يبرز غياب لافت لأصحاب الأرض عن رسم مصيرهم. إن المشاريع التي تُطرح بين الحين والآخر، سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو إسرائيلية، تهدف في جوهرها إلى إعادة هندسة النفوذ وتغييب الإرادة العربية المستقلة.

لقد عاشت المنطقة العربية خلال القرن الماضي تجارب نهضوية متنوعة، بدأت بالتيار القومي الذي نادى بالوحدة، ثم الأطروحات الاشتراكية، وصولاً إلى حركات الصحوة الإسلامية. ومع ذلك، انتهت هذه المسارات إلى مآلات متعثرة، مما ترك الساحة العربية في حالة من الفراغ الفكري والسياسي الصادم الذي يهدد كيان الدول ومستقبل شعوبها.

إن حالة الشلل التي تعاني منها المؤسسات العربية المشتركة، وعلى رأسها جامعة الدول العربية والاتحاد المغاربي، تعكس عمق المأزق الراهن. هذا الفراغ المؤسساتي هو الذي يغري القوى الإقليمية والدولية بالسيطرة، ويدفع ببعضها لإحياء أحلام توسعية مثل مشروع 'إسرائيل الكبرى' أو تعزيز الهيمنة الإيرانية والدولية.

تعتبر اللحظة التاريخية الحالية هي الأخطر على المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث يجتمع المأزق الداخلي العميق مع التهديد الخارجي المحقق. وتتحمل النخب العربية، سواء في السلطة أو المعارضة، المسؤولية الكبرى عن هذا التراجع الشامل الذي جعل المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى.

تبرز الحاجة اليوم ملحة لاستنهاض مشروع عربي جديد يتسم بالرشاد والواقعية، ويستجيب لتطلعات الأجيال الصاعدة التي تبحث عن بوصلة واضحة. إن هذا الانبعاث المطلوب يتطلب خيالاً سياسياً يتمرد على حالة الإحباط والانكسار، ويصيغ رؤية تلهم الشعوب وتحفزها نحو البناء المشترك بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية.

يجب على النخب العربية تجاوز الصراعات التقليدية والاندراج في استراتيجية تهدئة شاملة تهدف إلى تهيئة المناخ لبناء 'جماعة وطنية' على أسس المواطنة والتعدد. إن هذا التحرك ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب وطني تفرضه التهديدات الوجودية التي تتربص بالدول العربية في كيانها واستقرارها.

إن غياب الفكرة المؤطرة للمجتمعات العربية يجعل الأفراد في حالة تيه وضياع، مما يسهل تفكيك الاجتماع السياسي العربي وانهيار حصون المناعة الدفاعية. هذا الفراغ هو الوصفة الأخطر لتسليم الأجيال القادمة لثقافات هامشية تفقدها الارتباط بقضاياها المصيرية وهويتها الحضارية.

رغم القتامة، تبرز نماذج ملهمة للصمود والمقاومة كما هو الحال في قطاع غزة، حيث يقدم الشعب الفلسطيني مثالاً حياً على التمسك بالحقوق. ومع ذلك، يظل هذا النموذج بحاجة إلى سياق عربي أوسع يربط بين ثقافة المقاومة وثقافة البناء والنهوض الشامل لضمان استدامة الأثر.

تطالب العديد من الأصوات بضرورة إجراء مراجعات نقدية شاملة لمسارات القوى السياسية والاجتماعية التي تصدرت المشهد في العقود الماضية. إن التحرر من أوهام الماضي واجترار أحداثه هو الخطوة الأولى نحو بلورة مشروع نهضوي قادر على محاكاة الواقع المعقد وتحدياته المتسارعة.

لم يعد مقبولاً أن تظل النخب العربية عالة على رؤى قديمة تشكلت في ظروف زمنية مغايرة ولم تعد قادرة على تقديم حلول لأزمات اليوم. إن تسارع التحولات الدولية يتطلب عقولاً متجددة تدرك تداخل عناصر القوة في العالم الحديث وتجيد المناورة لحماية المصالح العربية العليا.

إن التفريط في مقدرات المنطقة وتاريخها لصالح الطامعين يمثل جريمة بحق الأجيال القادمة التي تستحق العيش في منطقة مستقرة وذات سيادة. لا يمكن القبول بأن تظل الخارطة العربية مجرد مساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية التي تسعى لتكريس تفوقها الاستراتيجي على حساب شعوبنا.

يوفر النظام الدولي الجديد الذي يتشكل حالياً، بسماته التعددية وتوازن القوى فيه، فرصة ذهبية للعرب لإعادة التموقع خارج المحاور التقليدية. إن الذكاء السياسي يقتضي استثمار هذه التحولات لاجتراح آفاق أرحب تضمن للعرب مكاناً تحت الشمس في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والمنظمين.

أمام الأنظمة والشعوب العربية لحظة حاسمة تتطلب الشجاعة في اتخاذ القرار والوضوح في تحديد الأهداف الاستراتيجية للمرحلة المقبلة. إن الانخراط الفاعل في صياغة المستقبل هو السبيل الوحيد للخروج من دائرة التبعية التي استمرت لعقود طويلة وأنهكت مقومات النهوض.

في الختام، يجب أن يدرك العرب أنهم يمتلكون كافة المقومات البشرية والجغرافية ليكونوا جزءاً فاعلاً في المفاوضات الدولية حول مستقبل النظام العالمي. إن الخيار اليوم هو بين أن نكون شركاء في رسم الخارطة الجديدة، أو أن نظل مجرد وجبة على مائدة القوى المتفاوضة التي لا تراعي إلا مصالحها الخاصة.

دلالات

شارك برأيك

نحو رؤية عربية متجددة: النخب ومسؤولية مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.