شهدت الساحة الثقافية والاجتماعية في مصر حالة من الصخب الشديد عقب عرض فيلم 'برشامة'، الذي يتناول ظاهرة الغش في امتحانات طلبة المنازل. وتدور أحداث العمل داخل لجنة امتحانية، حيث يحاول الطلاب إقناع زميل لهم متدين بمساعدتهم في الغش، مما يفتح باباً لحوارات مطولة حول المبررات الأخلاقية والدينية لهذه الظاهرة.
ما فجر الغضب لدى قطاع من الجمهور هو تضمن الفيلم عبارات رآها البعض تمس الثوابت الدينية وتستهزئ بالقيم تحت غطاء الكوميديا. ومن أبرز المشاهد التي أثارت الحساسية، الإشارة إلى محاولة استخدام ميكروفونات المساجد لتغشيش الطلاب، وهو ما اعتبره منتقدون تجاوزاً غير مقبول في حق المقدسات.
انقسم الشارع المصري حيال الفيلم إلى فريقين؛ الأول يرى في الحوارات سخرية فجة من الدين وتهييماً لمشاعر المسلمين دون مبرر درامي كافٍ. بينما دافع الفريق الآخر عن العمل، معتبراً أن العبارات جاءت على لسان شخصيات تمثل 'نماذج إجرامية' داخل السياق الدرامي، وأن البطل المتدين كان يرد عليها ويفند ادعاءاتها.
دخلت الأزمة منعطفاً سياسياً وقانونياً بعد تحرك حزب النور السلفي، حيث قدم أحد نوابه استجواباً برلمانياً يطالب بسحب الفيلم من دور العرض ومنع تداوله. وجاء هذا التحرك رغم أن الفيلم كان قد حقق بالفعل أرباحاً طائلة ونسب مشاهدة مرتفعة قبل رفعه من السينمات وبدء عرضه على المنصات الرقمية.
رد فعل النقابات الفنية لم يتأخر، حيث أصدر اتحاد النقابات السينمائية والتمثيلية والموسيقية بياناً شديد اللهجة يرفض ما وصفه بـ'الوصاية الدينية' على الفن. وأكد البيان أن النقد الفني هو الوسيلة الوحيدة لتقييم الأعمال، معتبراً تدخل النواب أو الجهات الدينية تعدياً على حرية الإبداع المكفولة دستورياً.
يثير هذا الصدام تساؤلات جوهرية حول حدود الحرية الفنية وهل هي مطلقة أم محكومة بالنظام العام والذوق الجمعي للمجتمع. ويرى مراقبون أن ادعاء استقلالية الفن التامة يصطدم بواقع التدخلات المتكررة التي طالت أعمالاً سابقة لأسباب سياسية أو عقائدية، مما يجعل المعايير تبدو مزدوجة أحياناً.
بالعودة إلى التاريخ القريب، نجد أن السلطة السياسية تدخلت مباشرة في توجيه الفن، كما حدث في انتقادات رسمية لفيلم 'الإرهاب والكباب' بدعوى تحريضه ضد الدولة. كما شملت التدخلات أعمالاً لم تكتمل أو تم تعديل مسارها لتتوافق مع رؤية معينة للشخصيات القيادية، مما يضع شعار 'حرية الفن' على المحك.
الفن لا يحاكمه الدين ولا المشايخ، لكن هل الفن وأهله فوق القانون والدستور والنظام العام للمجتمع؟
المؤسسات الدينية أيضاً كان لها نصيب من ممارسة الرقابة، حيث يُذكر استجابة الفنان عادل إمام لطلبات الكنيسة في فيلم 'حسن ومرقص'. فقد تدخل البابا شنودة آنذاك لتعديل تفاصيل تخص شخصية القسيس في الفيلم، وهو ما التزم به طاقم العمل والسيناريست الراحل يوسف معاطي تجنباً للأزمات.
لا تقتصر هذه الحساسية على السينما فقط، بل امتدت لتشمل المناهج التعليمية، كما حدث في واقعة إلغاء تدريس كتاب 'محمد.. الرسالة والرسول' في الخمسينيات. ورغم أن مؤلف الكتاب مسيحي وكان منصفاً للإسلام، إلا أن الضغوط الكنسية أدت حينها إلى سحب الكتاب من المدارس الثانوية.
إن حالة الاستقطاب الحالية حول فيلم 'برشامة' تعكس صراعاً أعمق بين تيار علماني يرفض أي تدخل في المحتوى الفني، وتيار محافظ يرى في الفن أداة قد تُستخدم لتقويض القيم. وهذا الصراع يضع الدولة في موقف حرج بين حماية حرية التعبير وبين الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع تهييج المشاعر الدينية.
من الناحية الشرعية والقانونية، يرى البعض أن الحكم على النوايا في الأعمال الفنية أمر معقد يتطلب تريثاً كبيراً قبل إطلاق اتهامات بالتكفير أو الفسق. فالمصطلحات المستخدمة في الدراما قد تحمل دلالات عرفية تختلف عن مدلولاتها الفقهية، مما يستوجب عرض الأمر على لجان مختصة تجمع بين الفن والدين.
العجيب في الأزمة الحالية هو موقف بعض الأقلام المحسوبة على التيار الليبرالي، التي ترفض مجرد إبداء الرأي المعارض للفيلم من قبل الجمهور أو المتخصصين. فالحرية يجب أن تكون مكفولة للطرفين؛ للمبدع في تقديم رؤيته، وللمتلقي في قبولها أو رفضها وانتقادها بما لا يخالف القانون.
في نهاية المطاف، يبقى فيلم 'برشامة' حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأعمال المثيرة للجدل في التاريخ المصري المعاصر. وسواء اتفقنا مع محتوى الفيلم أو اختلفنا، فإن النقاش الذي أثاره يكشف عن حاجة ماسة لميثاق شرف يوازن بين جرأة الطرح واحترام معتقدات المجتمع.
إن الحل لا يكمن في المصادرة أو المنع، خاصة في عصر السماوات المفتوحة والمنصات الرقمية التي لا تعترف بالحدود الجغرافية. بل يكمن الحل في فتح حوار مجتمعي رصين، يحترم التخصصات ويقدر قيمة الفن كمرآة للمجتمع، دون أن تتحول هذه المرآة إلى أداة للصدام مع الثوابت المستقرة.





شارك برأيك
فيلم 'برشامة' يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثوابت الدينية