أقلام وأراء

الخميس 04 يونيو 2026 11:40 صباحًا - بتوقيت القدس

المثقف العربي في مواجهة 'الترند': هل فقدت النخبة سلطة التأثير لصالح الخوارزميات؟

لم يعد حضور صنّاع 'الترند' مقتصرًا على منصات التواصل الاجتماعي، بل تمدد ليشمل شاشات التلفزة ووسائل الإعلام التقليدية، حيث باتوا يتصدرون النقاشات العامة ويخوضون في قضايا تخصصية دون دراية كافية. هذا التحول فرض واقعاً جديداً يتم فيه تقديم هؤلاء المؤثرين كمرجعيات فكرية تحت مسمى 'الكرونيكور'، مما يساهم في تغلغل آرائهم الانطباعية داخل المجتمع وتحويلها إلى مسلمات تؤثر في الوعي الجمعي.

في تونس على سبيل المثال، وصل الأمر إلى توظيف المؤثرين في الأعمال الدرامية الرمضانية بدافع الربح المادي البحت وزيادة نسب المشاهدة. هذا التوجه أرسى تقاليد تسويقية جديدة تعتمد على 'الهوس الرقمي'، مما أدى إلى تعميق الفجوة بين المحتوى القيمي وبين ما يطلبه الجمهور في سوق الإعلانات والمشاهدات السريعة.

يرى الروائي والباحث الجزائري بومدين بلكبير أن ما يحدث ليس مجرد تحول عابر، بل هو تغيير بنيوي أعاد تشكيل موقع المثقف داخل فضاء تحكمه خوارزميات التسليع. ويشير بلكبير إلى أن الأنظمة السياسية فطنت لهذا التحول، فاستبدلت القمع المباشر باستراتيجية تمييع المشهد وإغراقه في موجات من الترفيه السطحي لدفن الحقيقة وسط 'الترندات'.

من جانبها، تعتبر الإعلامية التونسية حنان الفرجاني أن آليات إنتاج المعرفة وتداولها تغيرت جذرياً، مما وضع المثقف التقليدي في مأزق. وتوضح أن الإشكالية تكمن في تمسك النخبة بـ 'وصاية' عفا عليها الزمن، في حين وفرت المنصات الرقمية مساحات من الحرية والمجهولية لصناعة رأي عام عاطفي وسريع وعنيف أحياناً.

وتضيف الفرجاني أن المثقف يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنه لم يستشرف التحولات الرقمية العميقة وترفع عنها في بداياتها. هذا الانعزال جعل الخطاب الأكاديمي النخبوي عاجزاً عن التواصل مع واقع الناس واهتماماتهم اليومية، مما ترك فراغاً كبيراً سارع 'الفاعلون الجدد' إلى ملئه بكل سهولة.

في المقابل، تربط الكاتبة اللبنانية ميشلين مبارك تراجع دور المثقف بتراجع القضايا العربية الكبرى التي كانت توحد الشعوب. وترى مبارك أن سيطرة المؤسسات التكنولوجية العالمية على الخوارزميات ساهمت بشكل مباشر في تقدم 'دولة التفاهة' على حساب الفكر الرصين الذي يحتاج إلى تأمل ووقت.

وعن إمكانية اعتبار صناع المحتوى 'مثقفين جدد'، تفرق الفرجاني بين من يقدم 'لا محتوى' وبين فئة تحاول تبسيط العلوم والمعارف مثل تجربة 'الدحيح'. وتعتبر أن هذه الفئة يمكن وصفها بأنها امتداد للمثقف التقليدي لكن بأدوات عصرية قادرة على الوصول للجمهور العريض بلغة سلسة وجذابة.

أما بومدين بلكبير فيبدو أكثر حذراً، مؤكداً أنه لا يمكن نعت المؤثرين بالمثقفين، بل إن مساحات المثقف هي التي تآكلت لصالحهم. ويحذر من انجراف المثقف الحقيقي خلف 'الترند' بحثاً عن الانتشار، لأن ذلك يفقده قيمته كصوت لمن لا صوت لهم وشاهد على القضايا المهمشة.

وفي قراءة مغايرة تماماً، يطرح الكاتب السوري باسم سليمان تساؤلاً حول ما إذا كان للمثقف تأثير حقيقي في أي وقت مضى. ويشير سليمان إلى أن من لا يطبع أكثر من ألف نسخة من كتابه لا يمكنه صناعة رأي عام، معتبراً أن دور المثقف تاريخياً لم يتجاوز كونه أداة 'بروباغندا' في بعض الأحيان.

ويعتقد سليمان أن أدوات العصر الرقمي تتعارض جوهرياً مع طبيعة الثقافة والمثقف، وبالتالي فإن عدم 'ركوب الموجة' لن يغير من الواقع شيئاً. ويخلص بأسلوب ساخر إلى أن المثقف العربي ولد غريباً في بيئة وزمن لا يشبهانه، مما يجعل محاولات إعادة تعريفه أمراً معقداً.

التحدي الراهن أمام النخبة العربية يتمثل في كيفية تحويل المعرفة إلى خطاب قابل للتداول الرقمي دون السقوط في فخ السطحية. فالمسألة لم تعد تقتصر على المقاومة السلبية للوسائط الجديدة، بل في ابتكار أدوات فعل ثقافي تتجاوز الأطر الكلاسيكية التي لم تعد تجذب الأجيال الجديدة.

إن إعادة تعريف المثقف في العصر الرقمي باتت ضرورة ملحة لمواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي والنشر الرقمي. ويؤكد مراقبون أن التطور لا يعني إفراغ الأمور من معناها، بل الحفاظ على العمق المعرفي مع استخدام قوالب تواصلية حديثة تضمن بقاء المثقف فاعلاً في الميدان.

بين من يرى أن المعركة خُسرت نهائياً ومن يرى أنها لم تبدأ بعد، يظل الفضاء الرقمي ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات. فالمثقف الذي يختار العزلة يساهم بصمته في تعزيز سلطة 'الترند'، بينما يواجه المنخرطون في هذا الفضاء خطر الذوبان في معايير الخوارزميات الصارمة.

ختاماً، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة المثقف العربي على إعادة تموقعه في عالم يتغير بسرعة الضوء. فهل ينجح في استعادة سلطته الأخلاقية والمعرفية، أم أن زمن التأثير قد انتقل فعلياً إلى فاعلين جدد يصيغون وعي الشعوب وفق منطق 'المشاهدات' و'اللايكات'؟

دلالات

شارك برأيك

المثقف العربي في مواجهة 'الترند': هل فقدت النخبة سلطة التأثير لصالح الخوارزميات؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.