تطوي قضية البرلمانية والطبيبة الليبية سهام سرقيوة سنواتها السادسة دون إجابات شافية، حيث لا يزال مصيرها مجهولاً منذ تلك الليلة الدامية في يوليو 2019. الحادثة التي بدأت باقتحام مسلح لمنزلها في مدينة بنغازي، تحولت إلى واحدة من أبرز ملفات الاختفاء القسري التي تؤرق المشهد السياسي والحقوقي في ليبيا.
تعود جذور المأساة إلى السابع عشر من يوليو 2019، حين اقتحمت مجموعات مسلحة منزل سرقيوة عقب ساعات قليلة من مداخلة تلفزيونية انتقدت فيها الحرب على العاصمة طرابلس. المسلحون لم يكتفوا باختطاف النائبة، بل أطلقوا النار على زوجها واعتدوا بالضرب على أحد أبنائها قبل اقتيادها إلى جهة غير معلومة.
سهام سرقيوة، التي تنحدر من عائلة عريقة في مدينة درنة، لم تكن مجرد وجه سياسي عابر، بل أكاديمية مرموقة حصلت على الدكتوراه في علم النفس السريري من جامعة لندن. عادت إلى وطنها لتسهم في تأسيس أول جمعية لمرض التوحد في بنغازي، مكرسةً سنوات من عمرها للعمل الأكاديمي والإنساني قبل دخولها معترك السياسة.
برز نجم سرقيوة السياسي عقب ثورة 17 فبراير، حيث كانت من الأصوات النسائية القوية الداعية للديمقراطية والمشاركة السياسية. وفي عام 2014، نجحت في حجز مقعدها داخل مجلس النواب عن مدينة بنغازي بحصولها على آلاف الأصوات، مما عكس ثقة شعبية واسعة في طرحها المتوازن.
عُرفت النائبة المختطفة بمواقفها الجريئة التي طالبت بضرورة توحيد المؤسسات السيادية وإخضاع المؤسسة العسكرية للرقابة المدنية الكاملة. وفي أكتوبر 2018، ذهبت إلى أبعد من ذلك بمطالبتها بمساءلة قيادة قوات شرق ليبيا أمام البرلمان، مشددة على الفصل بين العمل العسكري والطموح السياسي.
تؤكد مصادر مقربة من العائلة أن معارضة سرقيوة للهجوم العسكري على طرابلس في أبريل 2019 كانت نقطة التحول الخطيرة في مسارها. فمن القاهرة، أعلنت صراحة رفضها للحلول العسكرية ودعت للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما اعتبره خصومها تجاوزاً للخطوط الحمراء المرسومة في المنطقة الشرقية.
ليلة الاختطاف شهدت تفاصيل مرعبة، حيث ترك الخاطفون رسائل تهديد واضحة على جدران المنزل تحمل عبارات مثل 'الجيش خط أحمر'. هذه الإشارات ربطتها منظمات دولية، ومنها منظمة العفو الدولية، بمجموعات مسلحة تعمل تحت غطاء القوات المسيطرة على مدينة بنغازي في ذلك الوقت.
إن مقعد سهام سرقيوة في مجلس النواب لا يزال شاغراً، وهي رسالة تذكير مستمرة بجريمة الاختفاء القسري.
رغم الحصانة البرلمانية التي كانت تتمتع بها سرقيوة، إلا أن التحقيقات الرسمية لم تسفر عن أي نتائج ملموسة أو كشف لهوية المنفذين. غياب تسجيلات كاميرات المراقبة وعدم تحديد هوية المركبات العسكرية التي حاصرت المنزل أثار شكوكاً واسعة حول وجود رغبة في طمس معالم الجريمة.
في عام 2020، فجر تسريب صوتي منسوب للنائب عيسى العريبي جدلاً واسعاً، بعدما أشار فيه إلى أن المجموعة التي اختطفت سرقيوة وقتلتها تتبع جهات أمنية في الشرق. ورغم خطورة هذه التصريحات، إلا أنها بقيت في إطار السجال السياسي دون أن تتحول إلى مسار قضائي يحقق العدالة للضحية.
الضغوط الدولية لم تتوقف، حيث أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي وسفارات 12 دولة بيانات تطالب بالإفراج الفوري عن سرقيوة. كما دعت المستشارة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز مراراً إلى كشف مصيرها، معتبرة أن بقاء مقعدها شاغراً في البرلمان يمثل وصمة عار في جبين العدالة الليبية.
مع حلول عام 2025، عادت القضية للواجهة مجدداً بعد تداول صور غير مؤكدة قيل إنها تعود للنائبة المختطفة في أحد مراكز الاحتجاز. ومع ذلك، سارعت منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش للمطالبة بتحقيق شفاف للتحقق من هذه الادعاءات، محذرة من تضليل الرأي العام.
يرى محللون سياسيون أن قضية سرقيوة تعكس الثمن الباهظ الذي يدفعه أصحاب الرأي المعارض في بيئات النزاع المسلح. فالاختفاء لم يكن مجرد استهداف لشخصها، بل كان رسالة ترهيب لكل الأصوات التي تنادي بالدولة المدنية ورفض عسكرة الدولة في ليبيا.
عائلة سرقيوة، وتحديداً زوجها علي ربيع، لا يزالون يتمسكون بالأمل في معرفة الحقيقة رغم مرور السنوات الطويلة. ويؤكد ربيع في شهاداته أن زوجته كانت تؤمن دائماً بأن الحوار هو السبيل الوحيد لإنقاذ ليبيا من حمام الدم، وهو المبدأ الذي دفعته حياتها ثمناً له.
تبقى قصة سهام سرقيوة جرحاً نازفاً في ذاكرة الليبيين وشاهداً على حقبة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبينما تستمر المطالبات بمحاسبة المسؤولين، يظل السؤال القائم: أين سهام سرقيوة؟ وهو السؤال الذي ينتظر إجابة قانونية وأخلاقية تنهي معاناة عائلتها ووطنها.





شارك برأيك
لغز اختفاء سهام سرقيوة: سنوات من الغموض تلاحق مصير البرلمانية الليبية