رسالة واشنطن
28/3/2026
في خطوة لافتة تعكس تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن سياستها في الشرق الأوسط، أعلنت عضوة الكونغرس الأميركية رشيدة طليب، في 27 آذار 2026، تقديم حزمة تشريعية داخل مجلس النواب الأميركي، تهدف إلى وقف الدعم الأميركي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان. وتأتي هذه المبادرة في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، عقب حادثة وقعت أواخر شباط الماضي.
وتتألف الحزمة التشريعية من مشروعين رئيسيين يعكسان توجهًا تصعيديًا في الخطاب السياسي المناهض للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل. يتمثل الأول في مشروع قرار داخل مجلس النواب يعلن الوقوف إلى جانب الشعب اللبناني في مواجهة ما وصفته طليب بـ"غزو غير قانوني وجرائم حرب وتطهير عرقي". ويطالب القرار بوقف العمليات العسكرية فورًا، ورفض أي تهديدات باحتلال غير قانوني، إضافة إلى الدعوة لفتح تحقيقات دولية في الانتهاكات المحتملة، ودعم عودة النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم.
أما المشروع الثاني، فهو قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويهدف إلى إلزام الإدارة الأميركية بسحب أي دعم عسكري مباشر أو غير مباشر للعمليات الجارية في لبنان. ويشمل ذلك وقف تقديم المساعدة في الاستهداف العسكري أو تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل، وهو ما يمثل، في حال إقراره، تحولًا جذريًا في طبيعة الانخراط الأميركي في النزاع.
وفي سياق تبريرها لهذه الخطوة، وجهت طليب اتهامات حادة لإسرائيل، معتبرة أنها تطبق في لبنان ما وصفته بـ"دليل إبادة جماعية"، على غرار ما تقول إنه حدث في قطاع غزة. كما حمّلت الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة، مؤكدة أن هذه العمليات “ما كانت لتحدث لولا الدعم الأميركي الممول من أموال دافعي الضرائب”، داعية إلى فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وتشير تصريحات طليب إلى قلق متزايد بشأن استهداف البنية التحتية المدنية في جنوب لبنان، حيث تحدثت عن تدمير واسع للقرى وتهجير جماعي للسكان. وتنسجم هذه المزاعم مع تقارير متداولة حول تصاعد الضربات الجوية والعمليات البرية، في سياق المواجهة المستمرة مع حزب الله، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويثير مخاوف من توسع رقعة النزاع.
في المقابل، من المتوقع أن تواجه هذه المبادرة معارضة قوية داخل الكونغرس، في ظل استمرار الدعم التقليدي لإسرائيل من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وإن كان هذا الإجماع يشهد تآكلًا تدريجيًا، خاصة داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي. كما يُرجح أن تثير هذه الخطوة نقاشًا واسعًا حول حدود صلاحيات الرئيس في إدارة العمليات العسكرية الخارجية، ودور الكونغرس في كبحها.
ويأتي هذا التحرك في لحظة سياسية حساسة، حيث تتزايد الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية لإعادة تقييم سياستها تجاه النزاعات في الشرق الأوسط، في ظل الانتقادات المتصاعدة من منظمات حقوقية وأوساط سياسية ترى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل يقوض مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
وتعكس مبادرة رشيدة طليب تحولًا مهمًا في الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث لم يعد النقد محصورًا في الأوساط الأكاديمية أو الحقوقية، بل بات يتجسد في تحركات تشريعية ملموسة. هذا التحول يشير إلى تزايد نفوذ التيار التقدمي الذي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل على أسس حقوقية وقانونية. غير أن نجاح هذه المبادرة يظل محدودًا في ظل موازين القوى داخل الكونغرس، ما يجعلها أقرب إلى محاولة لتغيير النقاش العام، بدلًا من إحداث تغيير فوري في السياسات، مع ذلك فإن تأثيرها التراكمي قد يكون عميقًا.
كما يثير مشروع قرار صلاحيات الحرب تساؤلات جوهرية حول طبيعة الانخراط الأميركي في النزاعات الخارجية، وحدود السلطة التنفيذية في تقديم الدعم العسكري دون تفويض صريح. تاريخيًا، نادرًا ما نجح الكونغرس في فرض قيود فعالة على هذا النوع من الانخراط، لكن تصاعد الجدل حول الكلفة السياسية والأخلاقية للدعم العسكري قد يعيد إحياء هذا الدور. في هذا السياق، لا تتعلق المبادرة بلبنان فقط، بل تمثل اختبارًا أوسع لقدرة المؤسسات الأميركية على إعادة التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في قضايا الحرب والسلام.
وعلى الصعيد الإقليمي، قد تسهم هذه المبادرة في تعزيز الخطاب الرافض للدعم الأميركي لإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من حدة الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة. فبينما يرى مؤيدوها أنها خطوة ضرورية لمساءلة السياسات العسكرية، يعتبرها معارضوها تهديدًا للعلاقات الاستراتيجية مع إسرائيل. هذا الانقسام يعكس تحولات أعمق في الرأي العام الأميركي، خاصة بين الأجيال الشابة، التي باتت أكثر انتقادًا للسياسات التقليدية. وعليه، فإن أهمية هذه الخطوة تكمن في دلالاتها السياسية بعيدة المدى، أكثر من نتائجها التشريعية المباشرة.





شارك برأيك
طليب تقدم حزمة تشريعية بالكونغرس لوقف الدعم الأميركي لإسرائيل في لبنان