تحليل

الخميس 04 يونيو 2026 6:54 صباحًا - بتوقيت القدس

مأزق نتنياهو في لبنان: كيف ترسم الصفقة الأمريكية الإيرانية ملامح السقوط؟

تشهد الساحة اللبنانية تحولاً جذرياً في المعادلات الميدانية والسياسية، مدفوعاً بتهديدات إيرانية صريحة وضعت ضاحية بيروت الجنوبية في كفة ميزان واحدة مع مدن الشمال الإسرائيلي. هذا التهديد بمقايضة التهجير بالتهجير والدمار بالدمار، فرض واقعاً جديداً يبدو أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بدأ يستوعب أبعاده مرغماً.

لم يجد نتنياهو مفراً من الاستجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف التهديدات الواسعة، رغم ادعاءاته السابقة بأن قرار التصعيد قد اتخذ بالفعل بالتنسيق مع قيادة الأركان. ومع ذلك، يحاول نتنياهو إبقاء ثغرة لعمليات محدودة في الضاحية مع استمرار حرية القصف في الجنوب اللبناني، سعياً للحفاظ على ماء وجهه السياسي.

تدرك الأوساط السياسية أن نتنياهو يعيش مرحلة حرجة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع المصير الشخصي، وهو ما يدفعه لممارسة "ثعلبية" سياسية لمحاولة الالتفاف على القيود الجديدة. إلا أن الواقع الميداني وتردي أوضاع قواته في الجنوب باتا يفرضان قيوداً لا يمكن تجاوزها بسهولة، خاصة مع تزايد مؤشرات حرب الاستنزاف.

فهم نتنياهو جيداً أن توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة لا تتقاطع بالضرورة مع طموحاته العسكرية، حيث يبدو ترامب مستعداً لتجميد الصراع في لبنان كجزء من صفقة كبرى مع إيران. هذا التوجه الأمريكي أثار رعباً في الأوساط الإسرائيلية، خاصة مع ورود أنباء عن اتصالات بين مساعدي ترامب وأطراف لبنانية فاعلة.

خسر نتنياهو في هذه المرحلة أربع أوراق استراتيجية كانت تشكل ركيزة لخططه، أولها ورقة استهداف العاصمة بيروت التي كانت بمثابة "ذخر" احتياطي للضغط عند تدهور الأوضاع الميدانية. ومع خروج بيروت من معادلة القصف السهل، يجد الاحتلال نفسه محاصراً في جبهة استنزاف لا أفق واضحاً لها.

الورقة الثانية التي بدأت تتلاشى هي الرهان على دور السلطة الرسمية في لبنان أو إحداث صدام داخلي لبناني يخدم الاستراتيجية الإسرائيلية. فقد أثبتت التطورات أن القوى الفاعلة على الأرض هي التي تدير الدفة، بينما تراجع دور المؤسسات الرسمية إلى مجرد إطار بروتوكولي لا يملك القدرة على تغيير الواقع الميداني.

تتمثل الورقة الثالثة والحاسمة في تثبيت حزب الله لمعادلة اشتباك جديدة تعتمد على حماية الحاضنة الشعبية والمدنيين مقابل استمرار المواجهة العسكرية الصرفة. فإذا واصل الاحتلال قصف القرى اللبنانية، فإن الرد سيكون باستهداف المستوطنات الشمالية، مما يحرم الاحتلال من تحقيق أي أمن لمستوطنيه.

يجد نتنياهو نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما القبول بمواجهة عسكرية مباشرة مع المقاومة دون القدرة على استخدام سلاح تدمير المدن، وهو ما يفضله الحزب. أو الانضواء تحت مظلة صفقة شاملة تنهي القتال، وهو ما يعتبره مراقبون بمثابة انتحار سياسي لنتنياهو الذي بنى مستقبله على استمرار الحروب.

إن قبول نتنياهو بالصفقة الأمريكية الإيرانية المحتملة لن يقتصر أثره على الجبهة اللبنانية فحسب، بل سيمتد لتقييد حركته في قطاع غزة والضفة الغربية. هذه الورقة الرابعة والقاتلة هي ما يخشاه نتنياهو، لأنها تعني نهاية مشروعه السياسي القائم على التوسع العسكري المطلق.

أفادت مصادر بأن حجم التوبيخ والتقريع الذي تعرض له نتنياهو من قبل الإدارة الأمريكية يعكس عمق الفجوة في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين. واشنطن تبحث عن استقرار إقليمي يخدم مصالحها الكبرى، بينما يبحث نتنياهو عن انتصارات تكتيكية تطيل أمد بقائه في السلطة.

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن لبنان الذي أراد نتنياهو سحقه، قد يتحول إلى الساحة التي تشهد سقوطه السياسي المدوي. فاستمرار الحرب المحدودة والمقيدة سيكبد لبنان أثماناً باهظة، لكنه في المقابل سيستنزف قدرات الاحتلال العسكرية والسياسية إلى حد الانهيار.

المعادلة الجديدة التي فرضتها المقاومة، مدعومة بظروف دولية متغيرة، سحبت من يد نتنياهو أهم أسلحته وهي تدمير القرى وقتل المدنيين للضغط السياسي. لقد أثبتت الوقائع أن جيش الاحتلال يمتلك القدرة على القتل والتدمير من الجو، لكنه يفشل باستمرار في المواجهة البرية والقتال المباشر.

إذا أذعن نتنياهو للصفقة الشاملة، فإنه يخرج عملياً من المعادلة السياسية الإسرائيلية كزعيم "قوي"، ويتحول إلى مجرد منفذ لأجندات دولية لا تخدم طموحاته اليمينية. وهذا التناقض بين رغباته والواقع الدولي يضعه في زاوية ضيقة لا مخرج منها سوى السقوط.

ختاماً، فإن الأيام القادمة ستكشف مدى قدرة نتنياهو على الصمود أمام هذه الضغوط المتزايدة، في وقت تقترب فيه الصفقة الكبرى من النضوج. وسواء اختار الاستمرار في حرب الاستنزاف أو القبول بالحلول السياسية، فإن الثمن الذي سيدفعه سيكون باهظاً على الصعيدين الشخصي والسياسي.

دلالات

شارك برأيك

مأزق نتنياهو في لبنان: كيف ترسم الصفقة الأمريكية الإيرانية ملامح السقوط؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.