تحليل

السّبت 28 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين الصوفية والسلطة

يقدم الباحث محمد حلمي عبد الوهاب في مؤلفه الأحدث 'استعادة المقدس، السلطة والتصوف' قراءة معمقة لتطور العلاقة بين المسلك الروحي والقرار السياسي في التاريخ الإسلامي. ينطلق الكتاب من تعريف التصوف كعملية تربوية شاملة تهدف لتزكية النفس البشرية وغرس الفضائل، متجاوزاً فكرة الانعزال السلبي نحو صياغة دور أخلاقي فاعل للفرد في مجتمعه.

ويرى المؤلف أن التجربة الصوفية ليست مجرد طقوس فردية، بل هي رؤية شاملة للعالم تمنح الإنسان قدرة على التمييز بين الظاهر والباطن. هذه المعرفة الذاتية تتحول بالضرورة إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في المحيط العام، مما يجعل الروحانية عنصراً موازناً بين احتياجات الفرد ومتطلبات الجماعة في الفضاء السياسي.

وينتقد عبد الوهاب المناهج الأكاديمية التقليدية التي تحاول دراسة التصوف كظاهرة خارجية عبر التحليل العقلي الجاف فقط. ويؤكد أن فهم الصوفية يتطلب مشاركة وجدانية واستيعاباً للتجربة من الداخل، حيث أن التصوف في جوهره يمثل استبطاناً للقيم الأخلاقية الإسلامية في مواجهة التيارات الفكرية والسياسية المتباينة.

تاريخياً، يوضح الكتاب أن التصوف نشأ في خضم الاضطرابات السياسية التي تلت عصر الصحابة، حيث كان الزهد في البداية موقفاً أخلاقياً للابتعاد عن صراعات الحكم. ومع مرور الوقت، تطور هذا الزهد ليصبح فلسفة نقدية تعارض الأيديولوجيات الرسمية للدولتين الأموية والعباسية، مشكلاً بديلاً روحياً مستقلاً عن السلطة التقليدية.

وشهدت أواخر العصر العباسي تحولاً جذرياً، حيث بدأت السلطة في محاولة إدماج الجماعات الصوفية ضمن إطار مؤسسي لدعم شرعيتها السياسية. وقد برز هذا التوجه بوضوح عندما كلف الخليفة الناصر لدين الله الشيخ عمر السهروردي بتنظيم الطرق الصوفية، مما نقل التصوف من حيز الزهد الفردي إلى التنظيم الطرقي الواسع.

ويشير الباحث إلى أن العلاقة بين السلطة والمتصوفة اتسمت بالانتقائية والتوظيف النفعي، خاصة في عهود الأيوبيين والموحدين. فالسلطة كانت تتحالف مع الرموز الصوفية في أوقات الأزمات لتعزيز هيمنتها، بينما تسعى لضبطها أو التضييق عليها بمجرد استقرار الأوضاع السياسية واستعادة السيطرة الكاملة على المجتمع.

وفي العصر العثماني، وصلت العلاقة إلى ذروة التحالف المؤسسي، حيث أصبح التصوف جزءاً لا يتجزأ من البنية الدينية والاجتماعية للدولة. ونشأ نموذج 'المدرسة-التكية' الذي دمج بين العلوم الشرعية والتربية الروحية، مما جعل الطرق الصوفية وسيطاً حيوياً بين السلاطين وطبقات المجتمع المختلفة من تجار وحرفيين.

ويعزو الكتاب ازدهار التصوف في تركيا ومصر العثمانية إلى رعاية السلاطين الذين وفروا الحماية للمتصوفة من تضييق الفقهاء المتشددين. وفي المقابل، ضمنت هذه الرعاية ولاء مريدي الطرق الصوفية للحكام، مما ساهم في تثبيت أركان الحكم العثماني عبر ما يسميه الباحث 'المزاجية الصوفية الشعبوية'.

أما في العصر الحديث، فيرى عبد الوهاب أن التصوف يمثل ملاذاً ضرورياً لمواجهة نزعات الحداثة العلمانية التي تقصي الجانب الروحي من الحياة العامة. ففي ظل العوالم المادية الرأسمالية التي تحول الإنسان إلى مجرد وظيفة، تعيد الصوفية وصل القلب بالعقل وتمنح الوجود معنى يتجاوز الاستهلاك المادي.

ويستحضر الباحث رؤية ابن عربي للإنسان كـ 'تجلي إلهي أعظم'، معتبراً أن هذه الرؤية العرفانية هي الكفيلة برد الاعتبار للذات الإنسانية المغتربة. فالتصوف اليوم لا يكتفي بإحياء الطقوس الدينية، بل يسعى لإعادة تأسيس صورة الإنسان في الكون ككائن روحي يرفض التشييء والتبعية للقوى المادية الطاغية.

ويلخص الكتاب مسار العلاقة التاريخية في ثلاث مراحل أساسية بدأت بالتنافر والتحفظ الأخلاقي، ثم انتقلت إلى مرحلة التوظيف السياسي المتبادل. وانتهت هذه السيرورة إلى التحالف المريح الذي وفر فيه السياسيون الملاذ الآمن للمتصوفة، مقابل ضمان الولاء الشعبي وتوطيد أركان السلطة عبر نفوذ الشيوخ.

ومع ذلك، يلاحظ القارئ تردداً لدى الباحث في توجيه نقد مباشر للدور السلبي الذي لعبته بعض الطرق الصوفية في مراحل الانحطاط التاريخي. فقد صمت الكتاب عن التهم المتعلقة بإخضاع العامة لمؤسسات الحكم الجائرة، أو دور بعض الممارسات الطرقية في تغييب الوعي الشعبي خلال فترات المواجهة مع القوى الاستعمارية.

ويبدو أن انحياز الباحث لدراسة التجربة من 'داخلها' قد أثر على موضوعية التقييم النهائي لانحرافات بعض الطرق الصوفية. فبينما يركز على صفاء الغايات الروحية، يغفل أحياناً عن تحليل كيفية تحول هذه الروحانية إلى أداة لتبرير الحيف الاجتماعي والسياسي في فترات تاريخية معينة.

ختاماً، يظل كتاب 'استعادة المقدس' وثيقة هامة لفهم التداخل المعقد بين الدين والسياسة في الفكر الإسلامي. فهو يفتح آفاقاً للنقاش حول كيفية استعادة البعد الروحي في العصر الحالي دون السقوط في فخ التوظيف السياسي، مؤكداً أن الصوفية تظل قوة كامنة قادرة على إعادة صياغة الواقع الاجتماعي.

دلالات

شارك برأيك

من الزهد إلى المؤسسة.. دراسة تاريخية في تحولات العلاقة بين الصوفية والسلطة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.