واشنطن – سعيد عريقات – 27/4/2026
تحليل إخباري
بدا قرار الرئيس دونالد ترمب إلغاء رحلة كان من المقرر أن يقوم بها اثنان من كبار مساعديه إلى إسلام آباد لحظة كاشفة لحقيقة المسار المتعثر بين واشنطن وطهران. فالرحلة التي أُعدت لجولة جديدة من المحادثات بشأن اتفاق محتمل لإنهاء الحرب على إيران أُلغيت قبل ساعات من انطلاقها، في رسالة سياسية حملت أكثر مما حملته من دلالة إجرائية، وأكدت أن المفاوضات لا تزال بعيدة عن أي اختراق جدي حتى الآن.
وقال ترمب أنه أبلغ فريقه بعدم القيام "برحلة تستغرق ثماني عشرة ساعة للجلوس والتحدث بلا جدوى"، مضيفاً أن الولايات المتحدة " تمتلك كل الأوراق". هذا الخطاب يلخص فلسفة الرئيس الأميركي في إدارة الأزمات الخارجية، حيث يُنظر إلى التفاوض بوصفه امتداداً للضغط العسكري والاقتصادي، لا باعتباره مساراً مستقلاً لتسوية النزاعات المعقدة. وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه المقاربة أكثر تعقيداً وأقل فاعلية مما تتصوره واشنطن.
الخطوة الأميركية مثلت أيضاً انتكاسة ثانية للوساطة الباكستانية خلال أقل من أسبوع، بعدما ألغيت زيارة كان يُتوقع أن يقوم بها نائب الرئيس جي دي فانس إلى إسلام آباد. وتكشف هذه التطورات أن الإدارة الأميركية لم تمنح القناة الباكستانية الثقل السياسي الكامل، رغم ما تتمتع به باكستان من علاقات مفتوحة مع طهران وواشنطن، وقدرة نظرية على تسهيل الاتصالات بين الطرفين في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
في المقابل، عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد بعد مغادرته بساعات، في مؤشر إلى أن طهران لا تزال ترى في الوساطة الباكستانية منفذاً قابلاً للاستثمار، أو على الأقل ساحة مناسبة لتبادل الرسائل السياسية قبل انتقاله إلى موسكو. وتحرص إيران عادة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد، من دون أن تقدم إشارات ضعف أو استعجال.
العقدة الأبرز أمام أي تفاوض تتمثل في استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، وهو إجراء يهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة في طهران إلى تقديم تنازلات. غير أن إيران أعلنت مراراً رفضها التفاوض تحت الضغط، معتبرة أن أي اتفاق يُنتزع في ظل الإكراه يفتقر إلى الشرعية السياسية والسيادية. وبين الرغبة الأميركية في فرض شروطها، والإصرار الإيراني على الصمود، يتعثر المسار قبل أن يبدأ.
ولا تنفصل هذه الأزمة عن التوتر المتصاعد في مضيق هرمز، الممر الحيوي لصادرات النفط والغاز من الخليج. فقد واصل الطرفان احتجاز سفن واتهامها بانتهاك القيود المفروضة على الملاحة، ما يجعل البحر ساحة ضغط موازية لطاولة التفاوض. وأي حادث محدود في هذه المنطقة قادر على نسف أشهر من الاتصالات، ودفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع الفوري.
أما الملف النووي، فيظل القضية الأكثر تعقيداً. فالخلاف لا يقتصر على حجم التخصيب أو مستويات الرقابة، بل يشمل مبدأ الحق نفسه. إيران تقول إن معاهدة عدم الانتشار النووي تكفل لها حق تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، بينما تصر واشنطن على منع أي قدرة تضع طهران على مسافة قصيرة من إنتاج سلاح نووي. وهكذا يتحول الخلاف من تقني إلى سيادي واستراتيجي في آن واحد.
المفارقة أن ترمب يفاوض اليوم على أزمة ساهم بنفسه في تعقيدها عندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع عام 2015. صحيح أن الاتفاق السابق لم يكن مثالياً، لكنه فرض قيوداً صارمة وآليات تفتيش واسعة. أما الانسحاب الأميركي الأحادي فقد أضعف التيار البراغماتي داخل إيران، وعزز حجج المتشددين القائلين إن واشنطن لا تلتزم بتعهداتها، ثم دفع طهران إلى تسريع التخصيب وتوسيع مخزونها النووي.
وتكشف هذه الخلفية حدود الاعتقاد الأميركي المزمن بأن العقوبات والقوة العسكرية تكفيان لتغيير سلوك الدول المستهدفة. فالضغوط قد تُضعف الاقتصاد، لكنها لا تنتج تلقائياً استسلاماً سياسياً، بل كثيراً ما تعزز النزعة الدفاعية وتمنح السلطة ذرائع إضافية للتشدد. وفي الحالة الإيرانية، كلما تصاعد التهديد الخارجي، تراجعت فرص التيارات البراغماتية واتسع نفوذ المؤسسات الأمنية.
كما أن أسلوب اتخاذ القرار داخل الإدارة الأميركية يثير تساؤلات إضافية. فحين تُلغى الزيارات والمواعيد في اللحظة الأخيرة، تتآكل ثقة الوسطاء بجدية واشنطن، ويصعب البناء على تعهداتها. الدبلوماسية تحتاج شريكاً مستقراً يمكن توقع سلوكه، لا إدارة تتأرجح بين التصعيد والانكفاء تبعاً للحسابات اليومية أو المزاج السياسي.
في المقابل، تراهن طهران على ما تسميه “النفس الطويل”. فهي تدرك أن الإدارة الأميركية تحتاج إلى إنجاز سريع يمكن تسويقه داخلياً، بينما تستطيع إيران، رغم الكلفة الباهظة، تحمل جمود أطول أمداً. ومن هنا تنبع إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية: الوقت. فكلما طال أمد الأزمة من دون انفجار شامل، تزداد الضغوط على واشنطن لإظهار نتيجة ما.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيران تمسك بزمام المبادرة كاملة. فهي تواجه اقتصاداً مثقلاً بالعقوبات، وتحديات اجتماعية داخلية، وضغوطاً أمنية متصاعدة. غير أن القيادة الإيرانية تبدو مقتنعة بأن تقديم تنازلات كبرى تحت الحصار سيكون أكثر كلفة من احتمال استمرار الأزمة، خصوصاً في ظل غياب ضمانات أميركية موثوقة بعد تجارب السنوات الماضية.
وإذا استمر منطق الإكراه الحالي، فقد تتحول المفاوضات إلى مجرد غطاء لإدارة الصراع لا لإنهائه. أما إذا أدركت واشنطن أن القوة وحدها لا تكفي، فقد تنشأ فرصة لتسوية تدريجية تقوم على تبادل الخطوات ورفع جزئي للعقوبات مقابل قيود قابلة للتحقق. السؤال الحقيقي لم يعد من يربح جولة التصريحات، بل من يملك تصوراً قابلاً للتنفيذ يحفظ ماء الوجه للطرفين.
حتى الآن، يبدو أن ترمب يريد اتفاقاً سريعاً يعلن من خلاله تفوقه على سلفه باراك أوباما، فيما تريد إيران اتفاقاً يضمن مصالحها ويمنع تكرار الانسحاب الأميركي مستقبلاً. وبين استعجال واشنطن وصبر طهران، تبقى رحلة إسلام آباد الملغاة رمزاً لفجوة واسعة لم تُردم بعد، ولصراع يتجاوز الأشخاص إلى تناقض عميق في فهم معنى القوة وحدودها.
التكهن الأول: تسوية مرحلية محدودة
ويعتقد الخبراء أن الاحتمال الأكثر واقعية بشأن المستقبل ، يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي لا يعالج كل الملفات، بل يجمّد التصعيد ويمنح الطرفين وقتاً إضافياً. قد يشمل ذلك تخفيفاً جزئياً للعقوبات مقابل وقف بعض أنشطة التخصيب وتوسيع الرقابة الدولية. هذا السيناريو يناسب ترمب لأنه يوفر إنجازاً سريعاً، ويناسب إيران لأنه يمنحها متنفساً اقتصادياً من دون تنازلات استراتيجية كبرى. لكنه سيظل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة سياسية أو أمنية مفاجئة بين الجانبين لاحقاً.
أما السيناريو الثاني هو استمرار الوضع الحالي: اتصالات غير مباشرة، جولات تفاوض متباعدة، وتصعيد مضبوط لا ينزلق إلى حرب شاملة. ستواصل واشنطن الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بينما تواصل طهران المناورة وتوسيع أوراقها الإقليمية والنووية تدريجياً. هذا النمط قد يستمر أشهراً أو سنوات، لأنه يسمح للطرفين بتجنب التنازل الكامل أو المواجهة الكبرى. لكنه يراكم المخاطر ببطء، ويجعل أي حادث بحري أو أمني سبباً لانفجار غير محسوب في أي لحظة لاحقة.
وإذا ما أصر ترمب على شروط قصوى، أو قررت إيران رفع مستوى التخصيب والتحدي الإقليمي، فقد تنهار المفاوضات كلياً وتعود المنطقة إلى حافة الصدام المباشر. حينها قد تلجأ واشنطن إلى ضربات محدودة أو تشديد حصار أشد، بينما ترد طهران عبر مضيق هرمز أو عبر حلفائها في الإقليم. هذا السيناريو لا يضمن نصراً لأي طرف، بل يرفع الكلفة الاقتصادية والأمنية على الجميع، ويجعل العودة إلى الدبلوماسية أكثر صعوبة لاحقاً.




