تواجه دولة الاحتلال أزمة دبلوماسية متصاعدة في الولايات المتحدة، حيث تشير التقارير إلى تدهور ملموس في مكانتها ليس فقط داخل المعسكر الديمقراطي التقليدي، بل وأيضاً بين صفوف الجمهوريين. ويرى مراقبون أن استمرار حكومة اليمين المتطرف الحالية في سياساتها قد يؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه في العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
أكد شلومو شامير، خبير الشؤون الأمريكية أن مناقشة التراجع غير المسبوق في التأييد الأمريكي باتت ضرورة ملحة لا يمكن التغاضي عنها. وحذر شامير من الاكتفاء بالرضا عن العلاقة مع دونالد ترامب، مشيراً إلى أن التحولات العميقة في الرأي العام الأمريكي تتجاوز التحالفات الشخصية العابرة.
تظهر القراءات السياسية فرقاً جوهرياً في طبيعة الدعم بين الحزبين؛ فبينما كان الديمقراطيون يعتبرون التعاطف مع إسرائيل جزءاً من هويتهم السياسية التاريخية، يعتمد الجمهوريون في دعمهم على حسابات سياسية ومصالح متغيرة. هذا التمييز لا يزال قائماً ويؤثر بشكل مباشر على كيفية اتخاذ القرارات في واشنطن تجاه قضايا الشرق الأوسط.
يسود القلق في الأوساط الإسرائيلية من شخصيات ديمقراطية بارزة مثل السيناتور بيرني ساندرز، الذي يوصف في الأوساط اليمينية الإسرائيلية بالتشدد تجاه سياسات الاحتلال. كما يبرز اسم جافين نيوسوم، حاكم كاليفورنيا، كشخصية طموحة للرئاسة تحمل مواقف نقدية حادة تجاه الممارسات الإسرائيلية الحالية.
على الجانب الجمهوري، تتصاعد المخاوف من نفوذ شخصيات مثل ستيف بانون وجي دي فانس، حيث يُنظر إلى الأخير بوصفه تهديداً جدياً نظراً لمواقفه التي توصف بالعدائية تجاه إسرائيل. وقد نجح فانس في إبعاد شخصيات كانت تعتبر جسوراً للتواصل مع تل أبيب، مثل جاريد كوشنر، عن دوائر صنع القرار.
تشير الإحصاءات البرلمانية الأخيرة إلى تحول مقلق، حيث أيد 40 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ قراراً بتأجيل بيع معدات عسكرية ثقيلة للاحتلال. كما صوت 36 عضواً آخرين لصالح منع بيع القنابل، مما يعكس فجوة متزايدة بين الإدارة الأمريكية والقاعدة التشريعية للحزب الديمقراطي.
تتهم مصادر إسرائيلية حكومة بنيامين نتنياهو بالعمى السياسي تجاه التطورات الداخلية في الولايات المتحدة، حيث يتم تصوير ترامب في الداخل الإسرائيلي كحليف مطلق بينما يواجه انتقادات حادة من كبار الجمهوريين. هذا التباين في الرؤية يعكس انفصالاً عن الواقع الدبلوماسي والأخلاقي الذي تمر به واشنطن حالياً.
تراجع تأييد إسرائيل لا يقتصر على الديمقراطيين فحسب، بل يتزايد أيضاً بين الجمهوريين، وهو أمر يحمل عواقب سياسية وأخلاقية وخيمة.
يرى محللون أن وجود وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش في مراكز القرار يشوه صورة إسرائيل بشكل غير مسبوق في العواصم الغربية. هؤلاء الوزراء يمثلون بالنسبة للمجتمع الدولي وجهاً متطرفاً يصعب الدفاع عنه، مما يضعف موقف المدافعين عن إسرائيل في المحافل الدولية.
أوضح آريك يوف، رئيس الحركة الإصلاحية اليهودية أن الدعم الأمريكي وصل إلى أدنى مستوياته التاريخية، معتبراً أن نتنياهو يمثل جزءاً كبيراً من هذه المعضلة. وأشار إلى أن الرأي العام الأمريكي بات يربط بين شخص نتنياهو وبين إسرائيل ككيان واحد، مما يزيد من حدة الانتقادات الموجهة للدولة ككل.
تنتقد الأوساط السياسية غياب الوعي الإسرائيلي بالأثر السلبي الذي تتركه الحكومة الحالية على الساحة الدولية، خاصة في واشنطن التي تعتبر الحليف الأهم. ويُعزى هذا الفشل إلى إصرار الائتلاف الحاكم على اتباع أجندات أيديولوجية تتصادم مع القيم الديمقراطية التي تدعيها الإدارة الأمريكية.
هناك فجوة كبيرة في التحرك الدبلوماسي الإسرائيلي، حيث يغيب قادة المعارضة عن الساحة الأمريكية ولا يبذلون جهداً كافياً للتواصل مع الجاليات اليهودية أو الناشطين المجتمعيين. هذا الغياب يترك الساحة خالية للرواية التي تربط إسرائيل بالكامل بسياسات الليكود واليمين المتطرف.
تؤكد التقارير أن الانتقادات الأمريكية الموجهة حالياً ليست موجهة ضد وجود إسرائيل بحد ذاته، بل ضد سياسات الحكومة الحالية وشخصياتها المحورية. ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج قد يؤدي تدريجياً إلى تحول النقد من المستوى الحكومي إلى المستوى الوجودي والشرعي.
يعتقد خبراء أن استعادة الدعم التقليدي في الولايات المتحدة تتطلب تغييراً جذرياً في القيادة السياسية الإسرائيلية واستبدالها بحكومة أكثر عقلانية. ويرى هؤلاء أن الانتخابات القادمة قد تكون الفرصة الأخيرة لتقليل الأضرار الناجمة عن سياسات الحكومة الحالية وإعادة بناء الجسور مع الحزبين.
في الختام، يبدو أن الخلل في الدعم الأمريكي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بجيل شاب متمرد، بل أصبح توجهاً مؤسسياً يتغلغل في مراكز القوى. إن بقاء إسرائيل رهينة لأهواء سياسية داخلية قد يكلفها خسارة الغطاء الدولي الأهم الذي تمتعت به لعقود طويلة.





شارك برأيك
تآكل الدعم الأمريكي للاحتلال: مخاوف إسرائيلية من تحولات الديمقراطيين والجمهوريين