عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:28 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد أوكراني بالمسيرات يستهدف متحفاً تاريخياً في القرم ومنشآت بوسط روسيا

أعلنت السلطات المحلية في مدينة سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم، اليوم الأربعاء، عن تعرض متحف تاريخي بارز لهجوم بواسطة طائرات مسيرة أوكرانية. وأفادت مصادر رسمية بأن الهجوم تسبب في اندلاع حريق على سطح المبنى الذي يخلد ذكرى حرب القرم التاريخية في القرن التاسع عشر، وهي الحرب التي شهدت هزيمة الإمبراطورية الروسية أمام تحالف دولي قادته الدولة العثمانية.

وفي سياق متصل، أكد ميخائيل رازفوزاييف، حاكم سيفاستوبول، وقوع الحريق دون أن يدلي بتفاصيل دقيقة حول حجم الأضرار التي لحقت بالمقتنيات التاريخية أو وقوع إصابات بشرية. وتوعد المسؤول الروسي الجانب الأوكراني برد قاسٍ واصفاً الهجوم بأنه عملية تدنيس للمواقع التاريخية، في حين تشهد المنطقة استنفاراً أمنياً واسعاً لمواجهة التهديدات الجوية المتزايدة.

وعلى صعيد التحركات الميدانية الأخرى، قررت الإدارة الروسية في شبه جزيرة القرم تقليص جداول رحلات القطارات الليلية بشكل حاد في مختلف أنحاء الإقليم. وجاء هذا القرار عقب هجوم دامٍ بالمسيرات وقع مطلع الأسبوع الجاري، وأسفر عن مقتل مساعد سائق قطار وإصابة السائق بجروح خطيرة، مما دفع السلطات لفرض إجراءات احترازية لحماية خطوط الإمداد والنقل.

من جانبه، أعلن الجيش الأوكراني عن تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت البنية التحتية في ميناء ماريوبول الخاضع للسيطرة الروسية. وأوضحت مصادر عسكرية أوكرانية أن الهجمات ركزت على منشآت الطاقة والإدارة، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن الميناء، وهو ما سيقلص بشكل كبير من قدرة القوات الروسية على استخدامه كمركز لوجستي عسكري في العمليات الجارية.

ولم تقتصر الهجمات على المناطق الحدودية، حيث امتدت المسيرات الأوكرانية لتصل إلى منطقة فلاديمير في قلب الأراضي الروسية. وأكد حاكم المنطقة ألكسندر أفدييف اندلاع حرائق في منشأتين صناعيتين قرب بلدتي كاميشكوفو وألكساندروفو، مشيراً إلى أن فرق الإطفاء تعاملت مع الموقف فور وقوع الانفجارات، مع التأكيد على عدم وقوع ضحايا بين المدنيين في تلك المواقع.

سياسياً، كشفت التقارير عن رفض الكرملين لمقترح تقدم به الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأسبوع الماضي لعقد محادثات مباشرة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. واعتبرت الرئاسة الروسية أن الهجمات الأخيرة، خاصة تلك التي استهدفت السكك الحديدية، تمثل تقويضاً صريحاً لأي مساعٍ تهدف للوصول إلى حل سلمي للصراع، محملة كييف مسؤولية التصعيد الميداني الأخير.

وتأتي هذه التطورات في ظل تكثيف أوكرانيا لاستخدام الأنظمة المسيرة لضرب العمق الروسي والمواقع الاستراتيجية في الأراضي التي تسيطر عليها موسكو. ويرى مراقبون أن استهداف ميناء ماريوبول ومواقع القرم يهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد الروسية وإضعاف السيطرة اللوجستية قبل موجة جديدة من المواجهات المتوقعة على جبهات القتال المختلفة.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 12:28 مساءً - بتوقيت القدس

الانتخابات الفلسطينية


أصدر الرئيس محمود عباس، في الثاني من شباط/فبراير 2026، مرسوماً يدعو إلى إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026. وفي الرابع من حزيران/يونيو 2026، صادق على نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني لعام 2026. وبموجب النظام الجديد، يتألف المجلس الوطني من 350 عضواً: 200 عضو يمثلون دائرة الأرض الفلسطينية، و150 عضواً يمثلون الفلسطينيين في الخارج وفي الشتات.

وينص النظام الانتخابي الصادر في الرابع من حزيران/يونيو على أن أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخبين يكونون أعضاء في المجلس الوطني طوال مدة ولايتهم، وأن عضويتهم تُحتسب ضمن المقاعد الـ200 المخصصة لدائرة الأرض الفلسطينية. كما ينص على أنه في حال إجراء انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني في الوقت نفسه، تُملأ المقاعد المخصصة للأرض الفلسطينية تلقائياً من خلال أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين.

وهنا تكمن الدلالة السياسية الكبيرة:

إذا كان من المقرر أن تُملأ المقاعد الـ200 المخصصة لفلسطينيي الداخل في المجلس الوطني من خلال أعضاء منتخبين في المجلس التشريعي، فإن إجراء انتخابات حقيقية للمجلس الوطني داخل فلسطين يتطلب أيضاً إجراء انتخابات للمجلس التشريعي، أو على الأقل إيجاد مخرج قانوني واضح.

عباس فتح الباب - وعليه الآن أن يعبر منه

لا يستطيع عباس أن يدعو إلى تجديد ديمقراطي لمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال انتخابات المجلس الوطني، وفي الوقت نفسه يتجنب الاختبار الديمقراطي المركزي داخل فلسطين: انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. فإذا كانت المقاعد الـ200 في المجلس الوطني مرتبطة بالمجلس التشريعي، فإن الطريق إلى تجديد منظمة التحرير لا بد أن يمر عبر انتخابات في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

1. يجب أن تشمل الانتخابات غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.من دون هذه المناطق الثلاث، ستفتقر الانتخابات إلى الشرعية الوطنية.

2. لا يجوز السماح لحماس بالمشاركة كميليشيا مسلحة.ينبغي أن يُطلب من أي قائمة انتخابية القبول بمبدأ «سلطة واحدة وسلاح واحد»، وبالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبالمنافسة الديمقراطية السلمية. وهذا ينسجم مع الاتجاه الأخير في القواعد الانتخابية التي أقرها عباس، والتي تشدد على التمثيل النسبي وعلى المشاركة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

3. ستحاول إسرائيل منع التصويت في القدس الشرقية.يجب مواجهة ذلك دولياً الآن، لا قبل أسبوع واحد من موعد الانتخابات. لا يحق لإسرائيل أن يكون لها قول في هذه المسألة، وهناك طرق كثيرة يستطيع المقدسيون من خلالها التصويت من دون أي تدخل إسرائيلي. يجب التخطيط لذلك وتنفيذه. فالقدس، ويجب ألا ننسى ذلك، هي أكبر مدينة فلسطينية في فلسطين.

4. عنصر الشتات ثوري، لكنه صعب.يسمح النظام الجديد بإجراء انتخابات في الخارج حيثما أمكن ذلك، وحيث يتعذر إجراؤها، يجري اختيار الممثلين عبر جمعيات أو توافقات أو تعيينات. وقد يوسع ذلك قاعدة التمثيل، لكنه قد يتحول أيضاً إلى آلية أخرى للسيطرة إذا لم يخضع للرقابة.

5. هذه فرصة لبديل ديمقراطي فلسطيني جديد.يمكن لحزب جديد مثل «مسار جديد» بقيادة سامر سنجلاوي أن يؤكد أن انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي ليست مجرد إصلاح مؤسسي، بل هي أول فرصة حقيقية منذ عقدين لإعادة الشرعية إلى الحياة السياسية الفلسطينية.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 11:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تهديدات ترامب لعُمان تثير ذعر الحلفاء في الخليج وتساؤلات حول استقرار السياسة الأمريكية

كشف تقرير صحفي دولي عن حالة من القلق المتزايد تسود العواصم الخليجية عقب التصريحات الحادة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن هذه التهديدات، التي تضمنت التلويح بعمل عسكري، أثارت تساؤلات عميقة حول مدى إمكانية التنبؤ بالنهج الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع إيران والأمن الملاحي في مضيق هرمز.

وأوضحت المصادر أن تهديد ترامب بقصف الشريك العريق والوسيط الإقليمي الموثوق، سلطنة عُمان، زاد من مظاهر الارتباك لدى حلفاء واشنطن التقليديين. ويأتي هذا التحول المفاجئ في الخطاب الأمريكي ليعكس فجوة كبيرة بين المصالح الاقتصادية والسياسية، حيث كانت شركة عائلة ترامب قد أعلنت سابقاً عن استثمارات ضخمة في السلطنة تقدر بنحو 500 مليون دولار.

وتجد مسقط نفسها اليوم في قلب عاصفة دبلوماسية بعد تحذير ترامب العلني لها بضرورة تغيير سياساتها أو مواجهة عواقب وخيمة. هذا الهجوم غير المسبوق استهدف دولة عُرفت لعقود بحيادها الدبلوماسي وقدرتها على تيسير قنوات الاتصال السرية والعلنية بين واشنطن وطهران، مما جعلها ركيزة للاستقرار الإقليمي.

ويرى مراقبون أن غضب ترامب نابع من شكوكه في أن السلطنة قد تدعم المساعي الإيرانية لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز. ورغم النفي العُماني القاطع لهذه الاتهامات وتأكيد الالتزام بالقانون الدولي وحرية الملاحة، إلا أن الإدارة الأمريكية تواصل ممارسة ضغوط قصوى لإجبار مسقط على الانخراط الكامل في استراتيجيتها.

وفي سياق تحليل هذه التطورات، أشار خبراء في مراكز دراسات دولية إلى أن ترامب يسعى لانتزاع أي مكسب استراتيجي في مواجهته مع إيران عبر الضغط على الحلفاء. ويبدو أن الإدارة الأمريكية ترى أن الدول التي لا تتماشى تماماً مع رؤيتها، أو تلك التي تعرقل جهودها، يجب أن تتحمل تبعات هذا الموقف بشكل مباشر وصارم.

وتشير التقارير إلى أن إحباط الرئيس الأمريكي من فشله في إجبار طهران على إعادة فتح الممر المائي الحيوي بشروطه، دفعه لصب جام غضبه على الوسطاء الإقليميين. ومن وجهة نظر البيت الأبيض، فإن عدم تحقيق نصر دبلوماسي مع إيران يلقي بالمسؤولية على دول الخليج لتقديم تنازلات تعوض هذا الإخفاق.

ولا تقتصر الضغوط الأمريكية على الملف البحري فحسب، بل تمتد لتشمل مطالبة الحكومات العربية بتسريع وتيرة تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال. وتصطدم هذه الرغبة الأمريكية بمعارضة إقليمية تربط أي تقدم في هذا الملف بضرورة تحقيق تقدم ملموس في قضية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

هذا التحول في النهج الأمريكي دفع العديد من الحكومات الخليجية إلى مراقبة الموقف بحذر شديد وإعادة النظر في رهاناتها الاستراتيجية. فقد عززت هذه الحادثة المخاوف من أن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية قد ينطوي على مخاطر غير محسوبة في ظل إدارة تتسم قراراتها بالتقلب والمفاجأة.

ونتيجة لهذه السياسات، بدأت دول المنطقة في السعي الجاد لتنويع شراكاتها الدولية مع قوى عالمية أخرى لضمان توازن مصالحها. ورغم استمرار التعاون العسكري والدفاعي الوثيق مع واشنطن، إلا أن التوجه نحو بناء علاقات اقتصادية ودبلوماسية متينة مع أقطاب دولية بديلة أصبح خياراً استراتيجياً لا مفر منه.

في نهاية المطاف، تظل سلطنة عُمان متمسكة بدورها التقليدي كصوت للعقل والحكمة في منطقة تعصف بها الأزمات، رغم الضغوط الهائلة. وتراقب العواصم الخليجية عن كثب كيف ستتعامل مسقط مع هذه النوبات من الغضب الأمريكي، وما إذا كانت واشنطن ستدرك أهمية الحفاظ على حلفائها بدلاً من تهديد استقرارهم.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 11:44 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس القرار الصعب: كيف دفع قادة البنتاغون ترمب للرد عسكرياً على إيران؟

شهدت أروقة البيت الأبيض كواليس معقدة سبقت اتخاذ القرار بتوجيه ضربة عسكرية ضد أهداف إيرانية، حيث كشفت مصادر صحفية أن الرئيس دونالد ترمب لم يكن مقتنعاً في البداية بجدوى الرد العسكري. واعتبر ترمب أن نجاة طاقم المروحية الأمريكية المستهدفة يقلل من خطورة الحادثة ولا يستوجب تصعيداً مباشراً، إلا أن هذا التوجه واجه معارضة شديدة من كبار القادة العسكريين في إدارته.

وأفادت التقارير أن وزير الدفاع بيت هيغسيث، رفقة رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، قادا جبهة الضغط داخل الإدارة لإقناع الرئيس بضرورة التحرك العسكري لردع أي هجمات مستقبلية. وأكد القادة العسكريون أن الصمت على استهداف الأصول الجوية الأمريكية سيعطي إشارة ضعف، مما دفع ترمب في نهاية المطاف إلى تبني خيار القوة والموافقة على خطط الهجوم التي وضعتها القيادة العسكرية.

وفيما يخص تفاصيل الهجوم الذي أشعل فتيل الأزمة، نقلت مصادر عن تقارير استخباراتية أن المروحية الأمريكية قد تكون تعرضت للقصف بواسطة طائرة مسيرة انتحارية من طراز 'شاهد'. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الدوافع الحقيقية وراء العملية، حيث يسود انقسام داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية حول ما إذا كان الحادث استهدافاً مقصوداً ومخططاً له من طهران، أم أنه نتج عن خطأ تقني أو عملياتي في الميدان.

وبحسب المعلومات المسربة، فقد تحولت غرفة العمليات المشتركة في واشنطن إلى خلية نحل تزامناً مع انطلاق العملية العسكرية في تمام الساعة الخامسة مساء الثلاثاء بتوقيت واشنطن. وضم الاجتماع رفيع المستوى كلاً من نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، لمتابعة مسار الضربات الجوية لحظة بلحظة.

وعلى الصعيد السياسي، فضل الرئيس ترمب الصمت المؤقت وتجنب الإدلاء بتصريحات علنية فورية حول النتائج، رغم انشغاله بمقابلة تلفزيونية مجدولة مسبقاً أثناء اندلاع الأحداث. وتشير المعطيات إلى وجود تباين واضح في تقييم الموقف داخل الإدارة الأمريكية، بين تيار يطالب بالحزم الكامل لمواجهة التهديدات، وتيار آخر يخشى من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة غير محسوبة العواقب.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 11:44 صباحًا - بتوقيت القدس

تفتيش دقيق ومصادرات قسرية.. شهادات قاسية للفلسطينيين العائدين إلى غزة عبر معبر رفح

يواجه المسافرون الفلسطينيون العائدون إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري سلسلة من الإجراءات الأمنية المعقدة وعمليات التفتيش الدقيقة التي تزيد من وطأة معاناة النزوح والعلاج في الخارج. وتكشف شهادات العائدين عن واقع مرير يختلط فيه التعب الجسدي بالضغط النفسي، حيث تضيع مقتنيات أساسية وأدوية حيوية في أروقة المعبر الخاضع لرقابة مشددة من جهات متعددة، مما يحول رحلة العودة إلى تجربة قاسية تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية.

وفي إحدى القصص المؤلمة، روت المواطنة أم محمد تفاصيل فقدان جرعة علاج كيماوي كانت مخصصة لزوجها المصاب بالسرطان، حيث وضعتها في وعاء حافظ للحرارة لضمان سلامتها أثناء السفر. وأكدت السيدة أنها فوجئت باختفاء الجرعة بعد انتهاء مراحل التفتيش التي تشرف عليها أطراف دولية وإسرائيلية، مشيرة إلى أن فقدان هذا العلاج يمثل ضربة قاسية لمريض يخوض معركة يومية من أجل البقاء، في ظل صعوبة تأمين البدائل الطبية داخل القطاع المحاصر.

على صعيد آخر، تبرز القيود الصارمة على المقتنيات الشخصية كعائق إضافي أمام العائدين، حيث تمنع التعليمات إدخال أكثر من هاتف محمول واحد لكل فرد. وروت أم جهاد، التي عادت برفقة ابنها الجريح، كيف اضطرت للبحث عن وساطات وتنسيقات لتأمين دخول هواتف اشترتها لعائلتها، موضحة أن الرقابة على المعبر كانت دقيقة لدرجة معرفة عدد الأجهزة التي بحوزتها قبل وصولها إلى نقطة الفحص النهائية، مما يعكس حجم الرقابة المفروضة.

ولم تقتصر المعاناة على الأدوية والأجهزة، بل امتدت لتشمل مصادرة وإتلاف السلع التي يمنع الاحتلال دخولها بكميات تجارية، مثل السجائر التي تفتقر إليها أسواق غزة. وأفادت شيماء يحيى، التي كانت ترافق شقيقتها المبتورة القدم، بأن سلطات الاحتلال صادرت كميات من التبغ كانت بحوزتها وأحرقتها أمام عينيها في أفران مخصص بساحة التفتيش، في مشهد وصفته بالصادم والمستفز، خاصة في ظل الظروف الصحية الصعبة التي تمر بها عائلتها.

تختصر هذه الشهادات واقع العبور عبر معبر رفح، حيث تتحول الإجراءات الإدارية والأمنية إلى أدوات لمضاعفة عذابات الجرحى والمرضى. وبينما يأمل العائدون في الوصول إلى ديارهم بسلام، تصطدم تطلعاتهم بواقع المصادرات والتفتيش المهين، مما يجعل من المعبر نقطة استنزاف إضافية تضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها سكان قطاع غزة في ظل الحرب والحصار المستمر.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 11:44 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري حدودي: قتلى وجرحى في غارات جوية باكستانية على أفغانستان

شنت القوات الجوية الباكستانية سلسلة من الغارات العنيفة على مناطق حدودية داخل الأراضي الأفغانية، مما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر رسمية بأن الهجمات استهدفت مواقع في ثلاث ولايات رئيسية هي كونار وخوست وباكتيكا، في خطوة تمثل تصعيداً ميدانياً جديداً في العلاقة المتوترة بين الجارين.

من جانبه، أدان المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، هذه العمليات العسكرية مؤكداً أن الطائرات الباكستانية استهدفت بشكل مباشر منازل يقطنها مدنيون. وأوضح مجاهد أن قائمة الضحايا شملت أطفالاً ونساءً وكباراً في السن، متهماً الجيش الباكستاني بخرق السيادة الوطنية لبلاده وانتهاك المجال الجوي الأفغاني دون مبرر قانوني.

وفي تفاصيل الميدان، ذكرت مصادر محلية في ولاية خوست أن غارة جوية استهدفت منزلاً في منطقة سبيرا، مما تسبب في دمار واسع وسقوط ضحايا من القاطنين. كما أكد شهود عيان في ولاية باكتيكا المجاورة أن القصف طال منزلاً في منطقة بارمال، مشيرين إلى أن المشاهد الأولية أظهرت وجود أطفال بين القتلى والجرحى الذين تم نقلهم للمشافي القريبة.

على الجانب الآخر، قدمت السلطات الباكستانية رواية مغايرة للأحداث، حيث صرح وزير الإعلام الباكستاني عطاء الله طرار بأن العمليات استهدفت مخابئ تابعة لجماعات متشددة تنشط على الحدود. وأكد طرار أن الهجمات نجحت في تصفية ما لا يقل عن 26 عنصراً من المتشددين، مشدداً على أن بلاده تلاحق المسؤولين عن تنفيذ هجمات إرهابية داخل أراضيها.

وتصر إسلام آباد على أن تحركاتها العسكرية داخل أفغانستان لا تستهدف المدنيين، بل تهدف لتقويض قدرات الجماعات المسلحة التي تتخذ من الأراضي الأفغانية منطلقاً لعملياتها. وتأتي هذه الغارات في ظل حالة من الاحتقان المستمر على طول الحدود المشتركة، رغم الهدوء النسبي الذي ساد المنطقة عقب مواجهات عنيفة اندلعت في فبراير الماضي.

وفي سياق متصل، كشف تقرير صادر عن الأمم المتحدة عن حجم المأساة الإنسانية الناتجة عن النزاع الحدودي، حيث سجل مقتل وإصابة المئات من المدنيين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري. وتعكس هذه الأرقام تدهوراً كبيراً في الوضع الأمني، حيث بات المدنيون هم الضحية الأولى لتبادل إطلاق النار والغارات الجوية المتبادلة بين الطرفين.

يُذكر أن العلاقات بين كابل وإسلام آباد دخلت نفقاً مظلماً منذ استعادة حركة طالبان للسلطة في عام 2021، وسط اتهامات باكستانية متكررة لكابل بإيواء عناصر 'طالبان-باكستان'. ولم يقتصر أثر هذا التوتر على الجانب الأمني فحسب، بل امتد ليعطل الحركة التجارية والاقتصادية نتيجة الإغلاقات المتكررة للمعابر الحدودية الحيوية بين البلدين.

اسرائيليات

الأربعاء 10 يونيو 2026 10:59 صباحًا - بتوقيت القدس

شقيقة جندي قُتل في 'الشقيف': إسرائيل تستنسخ أخطاء الماضي وتقدس الحجارة على حساب الحياة

لا تزال أصداء العمليات العسكرية في قلعة الشقيف بجنوب لبنان تثير انقساماً حاداً داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث عبّرت رنيت غوترمان، شقيقة أحد الجنود الذين سقطوا في ذات الموقع عام 1982، عن استيائها من تكرار المشاهد ذاتها. واعتبرت غوترمان أن إسرائيل تصر على 'تجريب المجرب' واستنساخ أخطاء تاريخية أدت سابقاً إلى خسائر بشرية فادحة دون تغيير حقيقي في الواقع الأمني.

وفي حديث أدلت به لوسائل إعلام عبرية، تساءلت غوترمان بسخرية عما إذا كانت القلعة قد عادت حقاً للسيطرة الإسرائيلية، واصفة الاحتفالات الحالية باحتلال 'البوفور' بأنها من أكثر الهتافات إيلاماً. وأكدت أن هذا الحصن الصليبي المدمر ليس سوى كومة من الحجارة الشاهقة التي تحولت لدى البعض إلى رمز قومي زائف يغذي نشوة القوة، بينما يمثل لها ولعائلات الثكلى رمزاً للإحباط والفقد.

واستذكرت غوترمان شقيقها الأكبر، الرقيب راز غوترمان، الذي كان ضمن وحدة استطلاع 'غولاني' وأول من وطئت أقدامهم الحصن في اليوم الأول من حرب لبنان الأولى قبل عقود. وأشارت إلى أن شقيقها دفع حياته ثمناً لمعركة ثارت حولها شكوك كثيرة وآراء متباينة بشأن ضرورتها الجدوى العسكرية من ورائها في ذلك الوقت.

ووجهت السيدة الإسرائيلية تساؤلات قاسية للمؤسسة العسكرية والسياسية حول جدوى المعارك التي لا تغير الواقع الأمني في الشمال، بل تكتفي بخطف الأبناء إلى الأبد. ورأت أن البقاء لسنوات طويلة في شريط أمني غارق في الدماء لم يحقق الأمن المنشود، بل كان مقدمة لسلسلة من الجنائز التي لا تنتهي لجنود سقطوا بالقذائف والعبوات.

وشددت غوترمان على أن تجدد المواجهات العسكرية مراراً وتكراراً يثبت أن السيطرة على القلاع والمواقع الجغرافية لا تغير وجه الواقع السياسي أو الأمني. وأوضحت أن الحقيقة الماثلة هي أن هذه العمليات تقود فقط إلى مزيد من موت الجنود، دون الوصول إلى حل جذري ينهي حالة الصراع المستمر مع مقاتلي حزب الله.

وفي سياق نقدها للرواية الرسمية، توقفت عند ما روجته الصحف العبرية حول نشاط وحدة 'بدر' التابعة لحزب الله داخل القلعة لتبرير الهجوم الأخير. وأبدت استغرابها من هذه المبررات، مشيرة إلى أنها لم تسمع عن هذه الوحدة من قبل، ولم ترد تقارير عن اشتباكات فعلية هناك، مما يجعل الأمر يبدو كمحاولة لتضخيم 'إنجاز' عسكري وهمي.

وعبرت غوترمان عن مخاوفها العميقة من التحولات التي طرأت على وحدة استطلاع 'غولاني' والجيش الإسرائيلي بشكل عام، واصفة إياها بالتحولات ذات الطابع 'المسياني الغيبي'. وحذرت من خطورة تقديم تقديس الحجارة والمواقع التاريخية على قدسية الحياة البشرية، مؤكدة أنها لا تستطيع تقبل هذا النهج الذي يضحي بالجنود من أجل رموز صخرية.

وكشفت عن حجم الضغوط والترهيب الذي تتعرض له هي وعائلات قتلى معركة الشقيف عام 1982، حيث يتم وصفهم باليساريين وكارهي الدولة. وأشارت إلى أن الاستقطاب والكراهية في المجتمع الإسرائيلي وصل إلى مستويات خطيرة، وصلت إلى حد توجيه إهانات لوالدها الراحل والادعاء بأن ابنه الجندي كان سيخجل من مواقفه السياسية.

وردت غوترمان على منتقديها الذين يصفونها بالساذجة والحالمة، مؤكدة إدراكها لخطورة المنطقة التي تعيش فيها ووجود أعداء يحيطون بإسرائيل. ومع ذلك، شددت على أن الحل لا يكمن في القوة العسكرية المحضة، بل في السعي الجاد للتوصل إلى اتفاقات سياسية ممكنة مع الحكومة اللبنانية لتكون مسؤولة عن أراضيها.

واقترحت غوترمان استراتيجية بديلة تعتمد على الضغط الدولي، وتحديداً على الإدارة الأمريكية، للتوصل إلى تفاهمات مع إيران تتضمن كبح نيران حزب الله في المنطقة. وترى أن الدبلوماسية الدولية قد تكون أكثر فاعلية في حماية أمن إسرائيل من التورط في مغامرات عسكرية برية غير محسومة النتائج.

ودعت إلى ضرورة انتشار الجيش الإسرائيلي داخل الحدود أو على الخطوط المباشرة لضمان عدم المفاجأة، مع الحفاظ على يقظة استخبارية دائمة لا تتجاهل التحذيرات. كما طالبت بوقف الاستخفاف بدور المراقبات العسكريات، والابتعاد عن التصريحات الشوفينية التي تهمش دور الكفاءات في رصد التحركات المعادية قبل وقوع الكوارث.

وضربت غوترمان مثلاً بـ 'السلام البارد' مع مصر، معتبرة أنه رغم الانتقادات التي وجهت له، إلا أنه أثبت جدواه في تجنيب البلاد حروباً دامية مثل حرب أكتوبر. وتساءلت عما إذا كان هناك من يفضل العودة إلى أجواء الحروب الشاملة بدلاً من الحفاظ على اتفاقات السلام التي تحقن دماء الجنود والمدنيين على حد سواء.

وفي ختام حديثها، تطرقت إلى اللوحة المعدنية التي وضعت في قلعة الشقيف تخليداً لذكرى الجنود ثم أزيلت عند الانسحاب عام 2000، مؤكدة أنها كانت مبادرة فردية لم تُستشر فيها العائلات. واعتبرت أن مكان تلك اللوحات الطبيعي هو القواعد العسكرية وليس فوق قلاع لبنانية، مطالبة بالكف عن استغلال ذكرى الراحلين لأغراض سياسية.

وتعكس تصريحات غوترمان صوتاً متصاعداً داخل إسرائيل يحذر من الغرق مجدداً في 'المستنقع اللبناني'، وسط مخاوف من أن تكون العمليات الحالية مجرد تكرار لسيناريوهات سابقة لم تجلب سوى الاستنزاف. وتضع هذه الانتقادات الحكومة الإسرائيلية أمام تساؤلات صعبة حول الأهداف النهائية للتحركات العسكرية في الشمال ومدى قدرتها على تحقيق أمن مستدام.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 10:43 صباحًا - بتوقيت القدس

استهداف الأطفال الفلسطينيين.. نمط إسرائيلي متكرر يتجاوز حدود 'الأخطاء العسكرية'

يستمر جيش الاحتلال الإسرائيلي في حصد أرواح الأطفال الفلسطينيين عبر مختلف الأراضي المحتلة، مستخدماً الرصاص الحي وصواريخ الطائرات الحربية بشكل يومي. وتتركز هذه الانتهاكات بشكل صارخ في قطاع غزة المحاصر منذ قرابة عقدين، حيث يواجه أكثر من 2.2 مليون إنسان ظروفاً معيشية وأمنية قاسية.

وتشير الإحصائيات الميدانية إلى أن حرب الإبادة الجماعية المستمرة ضد القطاع أسفرت عن استشهاد نحو 73 ألف فلسطيني، يشكل الأطفال منهم نسبة تصل إلى 30 في المئة. وتعكس هذه الأرقام حجم الاستهداف المباشر للفئات الضعيفة في المجتمع الفلسطيني، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية.

وإلى جانب الشهداء، تسببت العمليات العسكرية في إصابة أكثر من 173 ألف شخص، غالبيتهم العظمى من الأطفال دون سن الثامنة عشرة. ولا تزال آلاف الجثامين مفقودة تحت الأنقاض، حيث تشير تقارير إلى أن شدة الانفجارات أدت في بعض الحالات إلى تلاشي أجساد الضحايا بالكامل.

وفي الضفة الغربية، أثارت جريمة استشهاد الرضيع سام أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر فقط، موجة غضب واسعة في الأوساط الفلسطينية. الرضيع قُتل برصاص جنود الاحتلال في مدينة الخليل قبل أيام قليلة، في حادثة وصفتها مصادر إعلامية بأنها تعبير عن استسهال الضغط على الزناد.

وأفادت مصادر بأن قوة عسكرية أطلقت النار بشكل مباشر على سيارة عائلة أبو هيكل في وضح النهار، مما أدى لإصابة الرضيع برصاصة في الرأس. وكان الأب قد أوقف المركبة تماماً استجابة لأوامر الجنود، إلا أن ذلك لم يمنعهم من فتح النار على المقاعد الخلفية حيث كان الطفل في حضن والدته.

من جانبه، أقر المتحدث باسم جيش الاحتلال بأن أفراد العائلة المستهدفة لم يكونوا منخرطين في أي نشاط أمني أو عسكري. وزعم الجيش في تبريره الأولي أن الجنود اعتقدوا خطأً أن السيارة كانت تتسارع نحوهم، وهو التبرير الذي يتكرر في معظم حوادث قتل المدنيين.

وانتقدت تقارير صحفية عبرية اللغة العسكرية المستخدمة لوصف هذه الجرائم، معتبرة أن وصف مقتل الأطفال بـ 'المأساة' أو 'الحادث الاستثنائي' هو محاولة لدفن الحقيقة. وأكدت المصادر أن هذه الوقائع يجب ألا تمر عبر تحقيقات داخلية شكلية تنتهي عادة دون محاسبة حقيقية للمتسببين.

وشددت المصادر على أن إسرائيل تواجه فشلاً أخلاقياً وعملياتياً يتسع يوماً بعد آخر في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء. ويدفع المواطنون الفلسطينيون ثمن هذه السياسات من دمائهم، رغم عدم صلتهم بأي مواجهات مسلحة أو أنشطة تشكل تهديداً فعلياً.

واستذكرت التقارير واقعة بلدة طمون التي حدثت في مارس الماضي، حين قُتل أربعة أفراد من عائلة واحدة أثناء تسوقهم استعداداً لعيد الفطر. تلك الحادثة التي نفذتها قوات خاصة خلفت جرحى من الأطفال وشهادات قاسية حول استهداف مركبات مدنية دون سابق إنذار.

ومع تزايد هذه الحوادث، يصبح من الصعب تصنيفها كحالات معزولة أو أخطاء فردية، بل هي نمط متكرر يعكس عقيدة قتالية معينة. إن تكرار المشهد في مناطق وجغرافيا مختلفة يؤكد أن هناك ضوءاً أخضر يمنح للجنود لاستخدام القوة المميتة ضد المدنيين.

وحملت المصادر رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال المسؤولية المباشرة عن تدهور الانضباط العسكري وتحول قتل الفلسطينيين إلى أمر اعتيادي. واعتبرت أن صمت القيادة العسكرية عن هذه التجاوزات يمنح شرعية ضمنية للممارسات القاتلة التي ينفذها الجنود في الميدان.

إن المطلوب حالياً ليس مجرد بيانات أسف أو إبداء الندم، بل إجراء فحص جدي وشامل للتعليمات التي تبيح إطلاق النار بسهولة مقلقة. فالمسؤولية تمتد من الجندي الذي ضغط على الزناد لتصل إلى أعلى الهرم المؤسسي الذي يضع قواعد استخدام القوة.

ويؤكد مراقبون أن الدم الفلسطيني بات مستباحاً في ظل غياب الرقابة الدولية والمحاسبة القانونية الفعالة. ولا يجوز التعامل مع مقتل الرضع والأطفال كأنه تفصيل عابر في المشهد اليومي للصراع، بل يجب اعتباره جريمة حرب مكتملة الأركان.

ختاماً، يبقى الطفل الفلسطيني هو الضحية الأكبر لسياسات الاحتلال الممنهجة، سواء عبر الحصار الخانق في غزة أو عبر رصاص القناصة في الضفة. وتستمر هذه المأساة في ظل صمت دولي يغذي إفلات الجناة من العقاب ويسمح بتكرار المجازر بحق الأبرياء.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

بين طبول الحرب في تل أبيب ومفاوضات القاهرة: حماس تقبل 'حصر السلاح' بشروط والاحتلال يجهز لعملية واسعة

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن مصادقة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، على مجموعة من الخطط العملياتية الرامية لاستئناف القتال في قطاع غزة بشكل واسع. وتأتي هذه التحركات في ظل تقييمات أمنية تدعي استغلال حركة حماس للأشهر الماضية في إعادة بناء قدراتها العسكرية، وترميم أجزاء حيوية من شبكة الأنفاق التي تضررت خلال مراحل الحرب السابقة.

وأوضحت التقارير أن قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، يانيف عاسور، عرض سيناريوهات متعددة للعودة إلى العمليات العسكرية المكثفة خلال مناقشات مغلقة. ويرى عاسور أن غياب جهة دولية قادرة على تولي مهمة نزع سلاح المقاومة قد يفرض على الجيش تنفيذ هجوم واسع النطاق في مرحلة لاحقة لضمان عدم استعادة الحركة لسيطرتها الميدانية.

وتشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن حماس نجحت في إعادة بناء بعض مقراتها ومنظومات القيادة والسيطرة، رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي لحقت بها. ويدفع قادة المنطقة الجنوبية باتجاه تسريع تنفيذ هذه الخطط، محذرين من أن الاكتفاء بالوضع القائم في المناطق العازلة قد يمنح المقاومة فرصة أكبر لتعزيز تموضعها.

وعلى الرغم من الجاهزية العسكرية، إلا أن المستوى السياسي في تل أبيب لم يمنح الضوء الأخضر النهائي لتوسيع العمليات حتى الآن. ومع ذلك، يواصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الضغط على المؤسسة العسكرية لرفع مستوى الاستعداد، تحسباً لانهيار المسار الدبلوماسي الجاري في العاصمة المصرية القاهرة.

في المقابل، أعلنت حركة حماس عن إحراز تقدم في المفاوضات الجارية، حيث أكدت التوصل إلى 'مقاربات مقبولة' بشأن القضايا الشائكة المتعلقة باتفاق وقف إطلاق النار. وصرح المتحدث باسم الحركة بأن الفصائل تعاملت بمرونة وإيجابية مع المقترحات التي قدمها الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، بهدف وقف حرب الإبادة الجماعية المستمرة.

وكشفت مصادر مطلعة أن الفصائل الفلسطينية المجتمعة في القاهرة وافقت من حيث المبدأ على قضية 'حصر السلاح' في قطاع غزة، شريطة أن يكون بيد هيئة فلسطينية يتم التوافق عليها وطنياً. ويمثل هذا التطور تحولاً مهماً في مسار التفاوض، حيث كان ملف السلاح يمثل العقبة الأبرز أمام التوصل لاتفاق نهائي.

ورغم هذا الانفتاح الفلسطيني، تشير التوقعات إلى احتمالية رفض الاحتلال لهذه الصيغة المشروطة، حيث تصر تل أبيب على تسليم كافة الأسلحة لقوات استقرار دولية. وتأتي هذه المطالب الإسرائيلية منسجمة مع الرؤية التي طرحتها الإدارة الأمريكية السابقة ضمن ما يعرف بخطة ترامب لتسوية الصراع.

ميدانياً، يواصل الاحتلال سيطرته على نحو 60% من مساحة قطاع غزة عبر ما يعرف بـ 'الخط الأصفر'، وهو ما يعقد جهود العودة إلى الحياة الطبيعية. وقد أسفرت الخروقات الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2025 عن ارتقاء نحو 985 شهيداً وإصابة آلاف آخرين، مما يهدد بانهيار أي تهدئة هشّة يتم التوصل إليها.

وتأتي هذه التطورات في وقت بلغت فيه حصيلة حرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023 أرقاماً كارثية، حيث استشهد نحو 73 ألف فلسطيني وأصيب أكثر من 173 ألفاً. كما تسببت العمليات العسكرية في تدمير ما يقارب 90% من البنية التحتية للقطاع، مما جعل الأوضاع الإنسانية تصل إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور.

ودعت حركة حماس الوسطاء والدول الضامنة إلى ممارسة ضغوط حقيقية على الاحتلال لإلزامه بوقف الخروقات والقبول بالمقاربات المطروحة للدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق. ويبقى الترقب سيد الموقف بين إمكانية التوصل لتهدئة شاملة أو انفجار الأوضاع مجدداً في ظل التحشيد العسكري الإسرائيلي المستمر.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

الفكرة الإسلامية والحركة الوطنية في جنوب اليمن

يمثل مقال "حركتنا في حاجة إلى منهاج" للمفكر الإسلامي اليمني الكبير الأستاذ عمر سالم طرموم، المنشور في جريدة "الفكر" العدنية سنة 1957م، إحدى الوثائق الفكرية المبكرة التي تكشف ملامح تشكل الوعي الإسلامي السياسي في جنوب اليمن، والذي كان يقبع تحت الاستعمار البريطاني منذ 1839م، كما يعكس البدايات الأولى للحركة الإصلاحية اليمنية ذات الجذور الإسلامية في عدن، والتي يُعد عمر طرموم أبرز مؤسسيها الأوائل وروادها الفكريين والتنظيميين.

فالرجل لم يكن مجرد كاتب صحفي أو صاحب رأي عابر، بل مثل -بحسب ما تكشفه كتاباته- أحد أوائل الأصوات التي سعت إلى بناء مشروع إصلاحي إسلامي داخل البيئة العدنية والجنوبية لليمن، يقوم على الربط بين الهوية الإسلامية والعمل الوطني، وبين الدعوة الفكرية والتنظيم السياسي، في مرحلة كانت تعيش فيها عدن حالة حراك فكري وسياسي واسع تحت الاستعمار البريطاني.

ومن المهم -عند قراءة هذا المقال- وضعه في سياقه الفكري والسياسي الأوسع داخل عدن خلال الخمسينيات والستينيات، وهي المرحلة التي شهدت حراكاً ثقافياً وسياسياً استثنائياً، حيث تحولت الصحافة العدنية إلى ساحة مفتوحة للنقاشات الفكرية والمناظرات السياسية بين مختلف التيارات والأيديولوجيات.

فمن يفتش في أرشيف الصحافة العدنية الصادرة في أواخر عهد الاستعمار البريطاني سيجد كمّاً كبيراً من المقالات والسجالات الفكرية والتفاعلات السياسية التي كانت تعكس حالة الوعي المتقدم التي عرفتها عدن آنذاك، كما تكشف عن تشكل تيارات فكرية متعددة تنافست على قيادة الوعي الوطني وتوجيه الحركة السياسية في جنوب اليمن.

وفي مقدمة هذه التيارات برز عبد الله باذيب بوصفه أحد أبرز ممثلي التيار اليساري الماركسي، حيث حمل خطاباً ثورياً متأثراً بالأدبيات الاشتراكية والتحولات الفكرية العالمية في تلك المرحلة، ودافع عن الرؤية الطبقية والطرح الثوري اليساري في مواجهة التيارات الأخرى.

وفي المقابل، مثّل عمر سالم طرموم الاتجاه الوطني الإصلاحي الإسلامي، الذي سعى إلى ربط المشروع الوطني بالمرجعية الإسلامية، واعتبر أن الإسلام يمثل الإطار الفكري والثقافي القادر على تعبئة الجماهير وحماية الهوية الوطنية من الذوبان في المشاريع المستوردة. وقد عكست كتاباته -ومنها مقال "حركتنا في حاجة إلى منهاج"- هذا التوجه بوضوح، من خلال التركيز على فكرة "المنهاج الإسلامي" وضرورة بناء الحركة الوطنية على أساس عقائدي متجذر في وجدان المجتمع اليمني.

أما التيار القومي العروبي، فقد مثّله عدد من الشخصيات السياسية والفكرية البارزة، من بينهم عبد الله الأصنج ومحمد سالم باسندوة، اللذان تأثرا بالموجة القومية العربية الصاعدة آنذاك، سواء في بُعدها الناصري أو البعثي، وطرحت كتاباتهما وخطاباتهما مفاهيم الوحدة العربية والتحرر القومي ومقاومة الاستعمار ضمن الإطار العروبي العام الذي كان سائداً في المنطقة، ثم بعد ذلك سيظهر إلى الواجهة السياسية مع مطلع الستينيات فرع حركة القوميين العرب بقيادة فيصل عبد اللطيف الشعبي وسلطان أحمد عمر، العائدين من الدراسة في القاهرة وبيروت، وليشكلا فرعاً للحركة في جنوب اليمن وشماله.

وهكذا، كانت عدن في تلك المرحلة فضاءً مفتوحاً لتفاعل ثلاثة اتجاهات كبرى: التيار اليساري الماركسي، التيار القومي العروبي، التيار الوطني الإصلاحي الإسلامي.

وقد انعكس هذا التنوع بوضوح في الصحافة والمنتديات والنقابات والحركات السياسية، الأمر الذي جعل من عدن واحدة من أكثر المدن العربية حيويةً على مستوى الجدل الفكري والسياسي في تلك الحقبة.

وفي هذا السياق الفكري والسياسي كتب عمر طرموم مقاله "حركتنا في حاجة إلى منهاج"، حيث لم يناقش القضايا التنظيمية للأحزاب والحركات السياسية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً: ما المرجعية الفكرية التي ينبغي أن تقوم عليها الحركة الوطنية؟ وما "المنهاج" القادر على توجيه الجماهير وصناعة مشروع تحرري متماسك؟

ينطلق عمر طرموم من نقد الطرح الذي يحصر أزمة الهيئات السياسية في غياب "اللجان المتفرغة"، مؤكداً أن التنظيم وحده لا يكفي، وأن أي حركة لا بد أن تستند إلى "منهاج واضح" مرتبط بعقيدة الشعب وتاريخه وثقافته. ومن هنا يطرح الإسلام بوصفه المرجعية الطبيعية للمجتمع اليمني والعربي، والفكرة القادرة -في نظره- على توحيد الجماهير وتحريكها وحماية الحركة الوطنية من التشتت والضعف.

ويلاحظ في المقال حضور واضح لمفاهيم: الدعوة الإسلامية، الجماهير المسلمة، المنهاج الإسلامي، التنظيم المرتبط بالعقيدة. وهي مفاهيم تعكس تأثر الكاتب بأدبيات حركة الإخوان المسلمين، والمدرسة الإصلاحية الإسلامية التي كانت تنتشر آنذاك في عدد من الأقطار العربية، غير أن خصوصية عمر طرموم تكمن في محاولته إسقاط هذه المفاهيم على الواقع اليمني الجنوبي وربطها بقضية التحرر الوطني ومقاومة الاستعمار.

كما يكشف المقال عن وعي سياسي مبكر بطبيعة "المرحلة الانتقالية" التي كانت تمر بها الحركة الوطنية في جنوب اليمن، إذ يشير الكاتب إلى أن مراحل التحول السياسي تتطلب مراجعة فكرية عميقة وفهماً لطبيعة المجتمع وقيمه النفسية والثقافية، ولذلك يدعو إلى: البحث العميق في الفكرة التي تقوم عليها الدعوة، ودراسة عقيدة الجماهير ونفسيتها، وبناء نظام منسجم مع ثقافة المجتمع وتاريخه.

ومن هنا يمكن النظر إلى عمر طرموم بوصفه أحد المؤسسين الأوائل للتيار الإصلاحي الإسلامي اليمني في جنوب الوطن، وخاصة في عدن، حيث ساهم -عبر الكتابة الصحفية والخطاب الفكري- في بلورة تصور يربط بين الإسلام والعمل الوطني والإصلاح المجتمعي، وهو التصور الذي سيظهر لاحقاً بصورة أكثر تنظيماً في تجارب الحركة الإسلامية اليمنية.

أما من الناحية الأسلوبية، فيتميز المقال بلغة خطابية حماسية تعكس طبيعة الكتابات الفكرية والسياسية في خمسينيات القرن العشرين، كما يعتمد على التكرار والتأكيد والثنائيات الفكرية، مثل: التنظيم والفكرة، الجماهير والنخبة، الإسلام والمناهج المستوردة.

وهي ثنائيات أراد الكاتب من خلالها التأكيد على أن نجاح أي حركة وطنية لا يتحقق بالأدوات التنظيمية وحدها، بل بامتلاك مشروع فكري متجذر في هوية المجتمع.

وفي المحصلة، فإن مقال "حركتنا في حاجة إلى منهاج" لا يمثل مجرد مقال صحفي عابر، بل وثيقة فكرية وتاريخية مهمة تكشف عن البدايات الأولى للحركة الإصلاحية الإسلامية في جنوب اليمن، وعن الدور الذي لعبه عمر طرموم بوصفه أحد رواد هذا الاتجاه الفكري في عدن، ومحاولة مبكرة لصياغة مشروع وطني ذي مرجعية إسلامية في مواجهة الاستعمار والتحولات السياسية التي كانت تعيشها البلاد آنذاك.

ولأهمية هذه الوثيقة الفكرية والتاريخية، وما تعكسه من ملامح الصراع الفكري والسياسي في عدن خلال مرحلة الخمسينيات، فإننا نعيد نشر نص المقال كاملاً كما ورد في عدد جريدة "الفكر" العدنية الصادر بتاريخ 11 أيار/مايو 1957م، لما يمثله من شهادة مبكرة على تشكل التيار الوطني الإصلاحي الإسلامي في جنوب الوطن، ولما يكشفه من طبيعة النقاشات الفكرية التي كانت تدور داخل الصحافة العدنية في تلك المرحلة.

* * *

حركتنا في حاجة إلى منهاج

في العدد الأخير من صحيفة "القات" الغراء كلمة بعنوان "أحزابنا السياسية" لكاتب بإمضاء مراقب، وتتلخص كلمة المراقب هذا في أن من أحزابنا السياسية "في حاجة إلى لجان متفرغة"! وهذا صحيح إلى حد ما! بل إن عدم وجود مكاتب للجان متفرغة يعد عيباً من العيوب المأخوذة على هيئاتنا السياسية، وإذا كانت الهيئات السياسية لا تجد في ميزانيتها ما يمكنها من تمويل مكاتب المتفرغين في اللجان.. فلا أقل من أن يوجد رجال متخصصون في كل قسم من الأقسام التي تتشكل منها تلك الهيئات لتعالج المشاكل التي تتعرض لها وتمارس المهام التي تزاولها بكفاءة وتنظيم بالمجان! ولكن! ولكن ليس هذا هو المهم.. المهم -يا مراقب- هو أن يكون لدى الهيئات "منهاج" واضح للأسس التي تبني هذه الهيئات دعوتها. من الضروري جداً أن تركز هيئاتنا دعوتها، وتقيم فكرتها، وتنظم برامجها على قاعدة متينة الأساس قوية البنيان، وكلما كان أسس الفكرة قريباً من حياة الشعب وعقيدته.. كان الأساس عميقاً متيناً، وكلما كان وضع المنهاج مرتبطاً بتاريخ الجماهير ودينها.. كان البنيان قوياً شامخاً. ولا يفيد الحركة الوطنية شيء كقيامها على الفكرة الإسلامية.. فالفكرة الإسلامية فكرة منبثقة من العقيدة التي يعتنقها شعبنا ويحيا عليها والفكرة الإسلامية.. دعوة مرتبطة بديننا الخالد وتاريخنا المجيد. وحركتنا الوطنية -في هذه الفترة- تنتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل الكفاح.. وفترات الانتقال في عمر الحركات فترات خطيرة دقيقة تستلزم منها بحثاً وملاحظة ودراسة لكل ما يحيط -بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها- من ظروف وملابسات. وهذه الفترة تستلزم من الهيئات:

- البحث العميق في الفكرة التي توضح دعوتها.

- الملاحظة المستنيرة للنظام الذي تسير عليه هذه الدعوة.

- الدراسة المتكاملة لعقيدة الجماهير التي تدعوها.

وهيئاتنا مدعوة الآن إلى أن تقدم للشعب منهاجاً واضحاً مبنياً على قاعدة متينة، أساسها عقيدة راسخة في أعماق الشعب، وفكرة وثيقة الارتباط بحياته متصلة بتاريخه، ونظام متجاوب مع نفسيته ومشاهره، متناسق مع القوى الكامنة في دينه.. والتي في إمكانها أن تدفع بالقضية الوطنية في موجات متواكبة قدماً إلى الأمام. وشعبنا العربي يدين بالإسلام، ويؤمن به: عقيدة راسخة في أعماقه، وفكرة تنظم حياته وعلاقاته، ونظاماً تسير عليه معاملاته وأعماله.

إن الحركة الوطنية في أشد الحاجة إلى منهاج إسلامي، وأي منهاج لا يستمد أصوله من الإسلام فهو مرفوض.. سترفضه الجماهير. وأما الأقطاب الذين يتزعمون حركتنا الوطنية طبقاً لهذه المفاهيم الإسلامية فلن تفاجئهم الأحداث مهما تلاحقت ولن ترهق أعصابهم المفاجآت مهما كانت سرعتها.. لسبب بسيط.. هو أن الفكرة الإسلامية تفرض على دعاتها أن يكونوا دائماً على استعداد لكافة الاحتمالات.. والدعوة إلى الفكرة الإسلامية تمسك زمام المفتاح الذي تستطيع الهيئات أن تنفذ به إلى أعماق الجماهير لتقطع بالحركة في خطوات واسعة أشواطاً بعيدة نحو الاتحاد والاستقلال، وهي فوق هذا تمدها بالوقود اللازم الذي يضمن بكفاح التطور والاستمرار، لأن الفكرة الإسلامية هي الضمان الوحيد لحفظ الحركة الوطنية من الفتور أو الانتكاس! وبالدعوة إلى الفكرة الإسلامية لن يقتصر العمل على أولئك الذين سيتفرغون لكراسي اللجان أو يجلسون وراء المكاتب.. ولكن الفكرة الإسلامية ستجعل من هذه الجماهير العربية المسلمة التي ستقبل عليها ولن تتخلى عنها، طاقات وطاقات كفيلة بتحقيق المعجزات.

عمر سالم طرموم

جريدة "الفكر" العدنية، العدد (38)، بتاريخ 11 أيار/مايو 1957م. 

نقلاً عن موقع عربي 21

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

أم كلثوم في الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال



في كتابه: أم كلثوم في تجربة المعتقلين الفلسطينيين، تناول الكاتب د. حسن عبد الله إبداعا آخر من المقاومة التي سطرها الأسرى داخل السجون، إنها المقاومة الروحية، المقاومة ضد البلادة والجفاف العاطفي وتجميد الإحساس في زمن الأسير المغلق والمتكرر خلف آلاف الأبواب، المقاومة بالاستماع إلى صوت الأغنية، صوت المطربة أم كلثوم وهي تزور الأسرى كل مساء، حاملة لهم معونات وجدانية وعاطفية عبر الأثير والهواء.
في السبعينيات والثمانينيات كان للجدران أذن واحدة تصغي وقلب واحد يخفق خارج الزنزانة، وفي الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال كان الزمن الموازي للأسرى ينكسر، وكانت إدارة السجون تظن أنها توزع برنامجا ترفيهيا بفتح الراديو على محطة إسرائيل وتبث أغاني أم كلثوم، لكن الأسرى تسلقوا على كلمات الاغاني وخرجوا معها إلى رحاب الفضاء.
الدكتور حسن يوثق اللحظات الحميمية للأغنية التي تغلبت على القيد والسيف في زمن منعت فيه الاغاني والكتابة والثقافة والقلم والكتاب، وخنق الصوت في حجرات اسمنتية، اغنية ينتظرها الأسرى وهي تتسلل كغيمة مشبعة بالماء من مصر العروبة، تملأ فراغ الوقت وتعيد شحن اوتار الحنجرة والقلب.
ايقاع وطني وقومي وإنساني أعلى من أصوات المتفجرات والصواريخ، خارج نظام السيطرة والرقابة والقمع والتفتيشات، خارج تجريد الإنسان من إنسانيته وتحويله إلى مجرد رقم او لا شيء، خارج سياسة صهر وعي وذاكرة الأسرى وتحويلهم إلى مجرد جثث تنتظر الموت، إنه صوت أم كلثوم في المكان الأكثر قسوة وتشديدا، صوت يفتح الباب ويدخل إلى غرف الأسرى فيعيد إحياء الأنفاس والأرواح، إيقاع فلسطيني ولحن رباني، ونبرة ناصرية عروبية تقطع الحدود والاسلاك وتكسر الحصار، تعانق الأسرى كل مساء: إلى فلسطين خذوني معكم، اصبح عندي الآن بندقية.
في السجون وفي الساعة السادسة والنصف كل مساء تضع أم كلثوم جدول أعمال للقلب: الهدوء التام، الإصغاء، التدخين على مهل وشفط القهوة الباردة، غياب مطلق للسجن وتلاشيه من المكان، كلمات أقبل الليل وألف ليلة وليلة تفتح نوافذ أخرى في زنزانة معتمة وتحلق في سماء لا يراها السجان.
اذا كان هناك ست جهات في الحياة البشرية وجميعها في السجن مغلقة، فإن أم كلثوم فتحت للأسرى جهة سابعة يتمكنون من خلالها الخروج من الأسوار على خيال الذكريات والأحلام والحب أحرارا على جناح أغنية.
يقول أحد الأسرى: سمعت أم كلثوم في السجن فحفرت نفقا اوصلني إلى مدينة الناصرة، وآخر يقول: سمعتها فالتحمت مع نفسي وهمسي وخوفي حتى كتبت على وقعها رسالة وقصيدة، وذلك الأسير شعر أن الحنين ينفجر في شرايينه حتى التقى مع أولاده واجتمعت العائلة، سمعت أم كلثوم فكان لي موعد مع حبيبتي الجميلة، أدركت قوة النشيد وقدرة سكان النشيد على إعادة صياغة الواقع الجديد.
الكاتب وهو يوثق هذه التجربة في حياة الأسرى يريد أن يقول: إن أم كلثوم في تلك الساعة لم تكن مطربة فقط، بل كانت فكرة، وان الجمال لا يسجن، الزمن لا يملكه الحارس دائما، الروح حين تسمع صوتا يشبهها  تحلق فوق الجدران وكأنها غير مقيدة، تفتح الباب بمفتاح اغنية.
أم كلثوم كانت رسالة للأسير تقول له: إن القهر قد يسيطر على جسدك، لكنه لا يملك نغمة داخلك، النغمة هي إرادة الحرية حين تصبح صوتا، يقول محمود درويش: وانا استمع الى الموسيقى تتفتح حولي حدائق فتصير النغمة زهرة اسمعها بعيني، للصوت صورة وللصورة صوت متدرج متموج ابعد من مجاز ادبي، يخرج القرنفل من احواضه لتعويض الغريب عن خسارة منسية.

خلال حرب الإبادة على قطاع غزة منعت اسرائيل أم كلثوم من دخول السجون، صادرت الراديو والتلفاز وجردت الأسرى من كل مقومات الحياة، استبدلت صوت أم كلثوم بصوت التعذيب والموسيقى الصاخبة والمزعجة، وأصوات الهراوات والقنابل والضرب والتكسير، عزلت الأسرى وأصبح الاخفاء والصمت أشد وسائل العقاب ووسيلة لحرمان الاسير وإحساسه بتدفق الزمن.

اختفت أم كلثوم في حرب الإبادة وطغى صوت الصواريخ، محو حضور الحياة وعبور الاغنية، لهذا قتلت إسرائيل المغنين والفنانين والكتاب والموسيقيين في غزة، ربما تكون أم كلثوم قد القي القبض عليها ولا زالت معتقلة في سجن سدي تيمان الرهيب، لقد سجنوا نبض العالم.
ماذا يريد الكاتب أن يقول لنا في هذا الكتاب؟
اولا: الأسرى الفلسطينيون قاوموا السجن ليس فقط بأجسادهم بل بعقولهم ومشاعرهم واشواقهم وذواتهم، فلم يسمحوا للسجن أن يتغلغل إلى دواخلهم، الأغنية والاستماع مقاومة أخلاقية وتحرر داخلي وهي أهم أنواع المقاومة.
ثانيا: حين تصغي لفن يلمس أعماقك توقظ المستعمر داخلك، مشاعرك التي تظنها ميتة تنتظر إشارة لتنهض، إنه الاكتمال الإنساني الذي ينتصر على الدبابة والمعسكر.
ثالثا: الانصات في ارض الموت مقاومة، فالاستماع الفاعل موقف وجودي، رفض الامتثال والخواء العاطفي، تحويل الالم إلى جمال وسلاح في وجه القبح والبشاعة، الموسيقى تذيب الجليد والجمود وتعيد تعريف القوة، الجرح يغني حتى يشفى.
رابعا: حين يستمع الأسير إلى أغنية لا يسمع الكلمات فقط، بل يستعيد نفسه التي يحاول السجن محوها، يصبح الصوت حماية للروح والذاكرة من الموت البطيئ، فالسجان يستطيع أن يقيد الجسد، لكنه يخشى دائما من الأشياء التي لا يمكن تقييدها: الخيال والحنين والموسيقى والحب والذكريات.
خامسا: الأغنية حركت ساعة السجن الواقفة وكسرت روتين الايام المتشابهة، واعادت ترتيب الوقت نفسيا، أم كلثوم أشعرت الأسير أنه جزء من العالم، لذلك كثير من الأسرى كانوا يتعاملون مع أغاني أم كلثوم كأنها رسائل سرية من الحرية.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

رؤية أخلاقية لحماية الإنسان في العصر الرقمي...البابا لاون الرابع عشر يطلق أول رسالة عامة حول الذكاء الاصطناعي: "الإنسانية الرائعة"


في 25 أيار 2026، شهد الفاتيكان لقاءً رسميًا ترأسه قداسة البابا لاون الرابع عشر لتقديم أول رسالة عامة في حبريته بعنوان "الإنسانية الرائعة"، والمخصصة لموضوع "حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي". ويُعدّ هذا الحدث من أبرز محطات بداية الحبرية الجديدة، نظرًا لما تحمله الرسالة من رؤية أخلاقية وروحية تجاه التحولات العميقة التي يشهدها العالم في ظل الثورة الرقمية والتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد كان هذا الحدث استثنائيًا ومهمًا للكرسي الرسولي، إذ شارك البابا للمرة الأولى شخصيًا في تقديم الوثيقة التي كتبها.
وشارك في اللقاء عدد من الشخصيات الكنسية والأكاديمية البارزة، والسفراء المعتمدون لدى الكرسي الرسولي، وفي مقدمتهم رئيس دائرة عقيدة الإيمان الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، ورئيس دائرة خدمة التنمية البشرية المتكاملة الكاردينال مايكل تشيرني. كما لفت الأنظار حضور الباحث الأمريكي كريستوفر أولاه، المؤسس المشارك لشركة Anthropic والمتخصص في أبحاث قابلية تفسير الذكاء الاصطناعي، حيث رحّب به البابا وشكره على مساهمته في النقاش حول مستقبل هذه التكنولوجيا وتأثيرها في حياة البشر.
وتتوجه الرسالة إلى الكنيسة والعالم معًا، مقدّمةً مقاربة إنسانية وإيمانية للتحديات المعاصرة المرتبطة بكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية ومستقبل الحضارة البشرية. ومنذ الصفحات الأولى، يُظهر البابا إدراكًا عميقًا للتأثير المتزايد لثورة الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، مؤكدًا أن التكنولوجيا ليست شرًا في ذاتها، لكنها ليست محايدة أيضًا؛ لأنها تعكس القيم والخيارات التي يتبناها مطوّروها ومموّلوها ومستخدموها. وبما أنها تبدو في سباق لا حدود له، يشدّد قداسته على ضرورة وضع الضوابط والقوانين لتنظيم استخدامها بما يحفظ البشرية وكرامة الإنسان والإيمان بقوة الله.
وتتألف هذه الرسالة العامة "الإنسانية الرائعة" من خمسة فصول تضم في مجموعها 245 فقرة، وتشكل مسارًا متكاملًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا في ضوء الإيمان المسيحي، وتعليم الكنيسة الاجتماعي، وتلازم العلم مع الإيمان. ومن خلال هذا البناء المنهجي، يدعو البابا لاون الرابع عشر إلى إعادة اكتشاف مفهوم الخير العام بوصفه الإطار الأخلاقي الذي ينبغي أن يوجّه التطور العلمي والتكنولوجي. ويشدّد على أن الحفاظ على إنسانية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي يتطلب تبنّي عقلية شجاعة قائمة على المسؤولية المشتركة والشراكة بين الشعوب والمؤسسات والأفراد، بعيدًا عن منطق الهيمنة والاحتقار. ويرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، بل في نوع الإنسان الذي نريد أن نصنعه من خلالها. لذلك، يؤكد أن العالم مدعو إلى إدراك من جديد أن قلب الإنسان هو المكان الذي يريده الله أن يحل فيه، وأن أي تقدم لا يصون هذه الحقيقة يبقى تقدمًا ناقصًا مهما بلغت إنجازاته التقنية والعلمية، منوّهاً إلى أنّ الآلة مجردة من الأحاسيس والشعور.
وانطلاقًا من مبدأ الخير العام، يدعو البابا إلى توجيه الابتكار التكنولوجي نحو خدمة الإنسان وتعزيز كرامته، بدلًا من تحويله إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء أو التمييز. ويرى أن مستقبل التكنولوجيا يجب أن يُقاس بمدى مساهمتها في ازدهار الإنسان وحماية حقوقه الأساسية، وتسخير التكنولوجيا للصالح العام، لا بقدرتها على تحقيق الأرباح أو توسيع النفوذ. كما تشير الوثيقة إلى أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة قد يُسهمان في ظهور أشكال جديدة من العبودية والاستغلال وتهميش فئات عمّالية في قطاعات تنموية متعددة، ولا سيما عبر ظروف العمل القاسية المرتبطة باستخراج المواد الخام الضرورية للتقنيات الرقمية، وكذلك من خلال تحويل البيانات الشخصية والحياتية إلى مورد اقتصادي قابل للاستغلال، بما يشكل نوعًا جديدًا من الاستعمار الرقمي. ويؤكد البابا أن مكافحة هذه الظواهر تمثل اختبارًا أخلاقيًا حاسمًا في زمن التحول الرقمي والتطور التكنولوجي الهائل، مجددًا إدانة الكنيسة القاطعة لكل أشكال العبودية والاتجار بالبشر، ومحذرًا من أن التهاون مع انتهاك كرامة الإنسان يجعل الإنسان شريكًا فيه. كما يعبّر عن أسف الكنيسة لتأخر موقفها التاريخي في إدانة العبودية، مشددًا على التمسك بدور الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية مع مواكبة تطورات العصر، وذلك في إطار مشروع "حضارة المحبة" الذي طرحته الكنيسة باعتباره نموذجًا قائمًا على التضامن والعدالة والأخوّة وخدمة الخير العام العالمي. وينتقد النص تطبيع الحرب في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر، وتراجع الذاكرة التاريخية، وهيمنة المصالح العسكرية والاقتصادية التي تغذي الصراعات، كما يدعو إلى تجاوز نظرية "الحرب العادلة" بوصفها إطارًا يُستعمل كثيرًا لتبرير الحروب، مع الإبقاء على حق الدفاع المشروع عن النفس بمعناه الضيق. وفي ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي العسكري، يؤكد أن القرار الأخلاقي لا يمكن تفويضه إلى الآلات، وأن استخدام القوة المميتة يجب أن يبقى خاضعًا لمسؤولية بشرية مباشرة، مع وضع ضوابط دولية صارمة تمنع سباق التسلح وتحمي المدنيين وكرامة الإنسان. كما نوّه إلى خطورة تعزيز ثقافة القوة التي تجعل الحرب أكثر سهولة وتجريدًا من البعد الإنساني، من خلال الأتمتة والتضليل الإعلامي وسباقات التسلح.
وتؤكد الوثيقة أن الخير العام يُعدّ التعبير الاجتماعي عن الكرامة المتأصلة في كل إنسان، ولا يمكن تحقيقه بمعزل عن احترام حق الشعوب في الوجود وحق تقرير المصير، والحفاظ على هويتها الخاصة بعيدًا عن السيطرة والاحتلال، والإسهام بخصائصها المميزة في الأسرة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، يُدان أخلاقيًا كل مشروع أو محاولة تهدف إلى إلغاء شعب ما أو إخضاعه، باعتبار ذلك انتهاكًا جسيمًا للكرامة الإنسانية ولحقوق الشعوب الأساسية.
ومن أبرز ما تطرحه الرسالة الدعوة إلى "نزع سلاح الذكاء الاصطناعي" (To Disarm AI)، على غرار الدعوات الدولية التاريخية لنزع الأسلحة النووية. وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في سياق موقف الرسالة من الحرب والعنف، مع الحفاظ على حق الدفاع عن النفس، إذ تعيد النظر في مفهوم "الحرب العادلة" الذي استُخدم عبر التاريخ لتبرير النزاعات المسلحة، معتبرةً أنه لم يعد صالحًا لمواجهة تعقيدات العصر الراهن. وبدلًا من ذلك، تدعو الوثيقة إلى ترسيخ ثقافة الحوار والدبلوماسية والمغفرة، مؤكدة أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى على أسس العدالة والتفاهم والمصالحة. وتشدد على أنه لا يجوز فصل القرارات التقنية عن الوعي الأخلاقي والمسؤولية الإنسانية؛ لأن إضعاف التكنولوجيا للقدرة النقدية لدى الإنسان يهدد أسس السلام الحقيقي القائم على العدالة لا مجرد غياب الحرب. وفي المقابل، لا يقتصر التحدي على الحدّ من المخاطر بما فيها إساءة استعمال الذكاء الاصطناعي، بل يتطلب أيضًا بناء مستقبل إنساني مشترك. وانطلاقًا من تجربة قداسته في إعادة الإعمار بعد الكوارث الطبيعية في البيرو، يؤكد أن البناء الحقيقي لا يعني تعويض ما فُقد ماديًا فحسب، بل يشمل ترميم العلاقات الإنسانية، واستعادة الثقة، وإحياء الأمل، في عملية جماعية لا يمكن أن ينجزها الأفراد بمعزل عن بعضهم البعض.
وقد انتقد بقوة التوجهات الفكرية المرتبطة بالتيارات المسماة بـ"ما بعد الإنسانية وما يتجاوز الإنسانية" (transhumanism and posthumanism)، والتي ترى في التقدم التكنولوجي وسيلة لتجاوز حدود الإنسان الطبيعية أو إعادة تشكيله جذريًا من خلال الدمج بين الإنسان والآلة والتقنيات المتقدمة. ويرى قداسته أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الرؤية الأنثروبولوجية التي تقف وراءها؛ فعندما يُختزل الإنسان إلى مادة قابلة للتحسين أو كائن ينبغي تجاوزه، تصبح كرامته مرتبطة بالكفاءة والأداء بدلًا من كونها قيمة متأصلة فيه. وتُحذّر الوثيقة من أن هذا المنطق قد يؤدي إلى تبرير التمييز ضد الضعفاء أو اعتبار بعض البشر أقل قيمة باسم التقدم وتحسين الجنس البشري. لذلك يؤكد تعليم الكنيسة الاجتماعي على ضرورة إدماج التطور التكنولوجي ضمن رؤية إنسانية وأخلاقية تعترف بالكرامة المتساوية لجميع الأشخاص، ويرفض في المقابل أي تصور يَعِد بخلاص تقني محض أو يتخيل مستقبلًا تُلغى فيه الحدود الأساسية للحالة البشرية. وترى الوثيقة أن حدود الإنسان وضعفه وآلامه ليست نقائص يجب تجاوزها، بل جزء من إنسانيته ومصدر لنمو الرحمة والمحبة والحكمة. لذلك ينبغي أن يخدم التقدم التكنولوجي كرامة الإنسان وعلاقاته، لا أن يسعى إلى استبداله أو تجاوز طبيعته البشرية؛ لأن كمال الإنسان يتحقق في الحب والانفتاح على الله والآخرين لا في التفوق التقني وحده.
كما أكد البابا الدور المحوري للأسرة بوصفها مؤسسة قائمة على الاتحاد المستقر بين الرجل والمرأة، ويرى فيها خيرًا اجتماعيًا أساسيًا والخلية الأولى التي لا غنى عنها في بناء المجتمع. ولذلك يدعو إلى دعمها وحمايتها من خلال سياسات اجتماعية وعمالية تعزز الاستقرار وتراعي الإيقاع الإنساني للحياة والعمل، بما يضمن قدرة المجتمع على بناء مستقبله واستدامة تطوره، محذرًا من الإفرازات السلبية لتقديم التكنولوجيا على حساب التماسك الأسري.
وتستند الرسالة في رؤيتها إلى الكتاب المقدس وتعليم الكنيسة الاجتماعي، واضعةً في صلب اهتمامها الخير العام وحقوق الإنسان والتنمية البشرية المتكاملة. كما تحذر من مخاطر توظيف التكنولوجيا كأداة لفرض أشكال جديدة من الاستعمار الرقمي أو لتكريس الحروب وتعزيز أنظمة السيطرة والهيمنة. وفي مواجهة ما تصفه بـ"ثقافة القوة"، تدعو الوثيقة إلى بناء "حضارة المحبة" القائمة على التضامن والمسؤولية المشتركة واحترام الكرامة الإنسانية.
وفي أحد أكثر المقاطع رمزية، يشير البابا إلى أن البشرية تقف اليوم أمام خيارين: إعادة بناء برج بابل بما يرمز إليه من انقسام وصراع وتنافس، أو تشييد مدينة القدس بوصفها رمزًا للوحدة والتعايش والشركة بين الإنسان والله. ويختصر هذا التصوير الرمزي الرسالة الأساسية للوثيقة، التي ترى أن التقدم التكنولوجي يجب أن يكون وسيلة لتعزيز الأخوّة الإنسانية لا سببًا لمزيد من الانقسامات والتشرذمات.
كما تؤكد الرسالة أن الكنيسة لا تعارض العلم أو الابتكار، بل تشجع التقدم العلمي والتكنولوجي باعتباره جزءًا من مسيرة التنمية البشرية، غير أن هذا التقدم يفرض مسؤوليات أخلاقية غير مسبوقة في زمن باتت فيه البشرية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في مصيرها ومستقبلها. ومن هنا يأتي التحذير من أن يؤدي الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا، ومن خلال الذكاء الاصطناعي، إلى تآكل البعد الإنساني واختزال الإنسان في معايير الإنتاجية والكفاءة والربحية.
وفي استحضار تاريخي ذي دلالة، يربط البابا لاون الرابع عشر رسالته بإرث البابا لاون الثالث عشر الذي أصدر عام 1891 الرسالة العامة "الشؤون الجديدة" (Rerum Novarum)، مدافعًا عن حقوق العمال في مواجهة تحديات الثورة الصناعية، ومذكّرًا بأنه "في اللحظات المفصلية من التاريخ، تُدعى الكنيسة إلى قراءة الأمور الجديدة في ضوء الإنجيل وكرامة الإنسان... وقد أدرك آنذاك أن الكنيسة لا تستطيع أن تبقى على هامش هذه التغيرات العميقة... فجاءت الرسالة العامة "ريروم نوفاروم" لتعبّر بوضوح عن الرؤية الإنجيلية والاجتماعية للكنيسة تجاه هذه المرحلة".
وأكد أنه كما وقفت الكنيسة آنذاك إلى جانب الإنسان في مواجهة أشكال الاستغلال الاقتصادي، فإنها تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية أخلاقية مماثلة في التعامل مع تحديات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ومن خلال "الإنسانية الرائعة"، يضع البابا لاون الرابع عشر معالم رؤية جديدة تجمع بين الإيمان والأخلاق والتكنولوجيا، مؤكدًا أن أي تقدم حضاري حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بقي الإنسان، بوصفه مخلوقًا على صورة الله ومثاله، محور التنمية وغايتها النهائية.
وتدعو الرسالة إلى تعزيز الحوار بوصفه بديلًا عن ثقافة القوة، والانتقال نحو ثقافة تقوم على التفاوض والتفاهم، مع التأكيد على الأهمية الحاسمة للحوار بين الأديان باعتباره وسيلة لنشر رسالة السلام. كما يرفض استخدام اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب، معتبرًا ذلك تشويهًا لطبيعة الدين نفسها. ويشير إلى أن دبلوماسية الكرسي الرسولي تعتمد مبدأ الرحمة الإنجيلية كمعيار عملي للعمل السياسي، مع التأكيد على أهمية الصلاة، لأن السلام في جوهره عطية إلهية.
وفي ختام خطابه أمام الحضور، دعا قداسته الجميع إلى التحلي باليقظة والمسؤولية في مواجهة تحديات العصر، وإلى الاضطلاع بدور فاعل بوصفهم "صنّاع رجاء" يسهمون في بناء الحاضر والمستقبل، مختتمًا بتمنٍّ أن يعضد روح المسيح القائم من بين الأموات الجهود المشتركة في خدمة الإنسان والمجتمع.
إن هذه الوثيقة تعبّر عن الحكمة العميقة والإنسانية الرحيمة لقداسة البابا لاون الرابع عشر، وعن قلقه العميق تجاه كرامة الإنسان والعدالة ورفاه الإنسانية، واستغلال الذكاء الاصطناعي لتدمير الإنسان وإنجازاته الحضارية من خلال الحروب، وهذا ما شاهدناه في الحرب على غزة أو الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا. وهي وثيقة بالغة الأهمية لبناء البشرية وحمايتها من أفعال أهل الشر.
وفي الختام، نرى أن الوثيقة قد استبقت الأحداث، ومركزيتها الإنسان وحماية مستقبل البشرية مع تسارع التطور التكنولوجي، وخاصة منها الذكاء الاصطناعي. مع أملنا أن تُقرأ هذه الوثيقة جيدًا، وأن يتمّ ربطها بوثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقعها البابا الراحل فرنسيس مع الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، وربما أدخلنا تعديلات على دستورنا المؤقت ليواكب تحديات العصر. وفي اعتقادي أنه من الأهمية اتخاذ قرارٍ بإدراج هذه الوثيقة في المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، وخصوصًا الكاثوليكية منها، لإمكانية إسهامها في بناء الأمم والمجتمعات والأوطان على أسس الحق والعدل والسلام، واضعين الإنسان في المركز.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

برك سليمان: استهداف المكان وسرقة الرواية


لا يتوقف الخطر الاستيطاني؛ فهو يتهدد كل شيء ويزحف في كل اتجاه، ويتمدد ليبتلع الأراضي بما في جوفها وما عليها من حياة وأصالة وهوية وأضرحة ومقامات وبرك مائية ومزارع وغابات. وبين مصادرة وأخرى، أطماع تعبر عنها تصريحات رعناء وهوجاء تتوعد بالمزيد من المصادرة والبناء الاستيطاني، وليس آخرها تلك التصريحات التي رافقت اقتحام سموتيرتش وآخرين من المستوطنين لموقع برك سليمان قبل أيام، وقد أعلنوا نواياهم الخبيثة بضم المنطقة التاريخية ذات الرمزية والدلالة الفلسطينية، في إطار الهجمة الاستيطانية المستمرة بوقاحة المحتل وسفالة مستوطنيه، وهم لا يعبثون بالحاضر فقط بل بالتاريخ والرمزية والدلالة.
إن برك سليمان واحة مائية خضراء، وموقعًا هامًا بأبعاده التاريخية والحضارية والمعمارية، وهو يجمع فن العمارة المذهلة وفن الهندسة المدهشة بذكاء يفوق عتبة الزمان في الجمال؛ إذ كانت خزان الماء الذي يزود القدس وما حولها بالمياه لعقود طويلة، من خلال شبكة قنوات تنساب منها شلالات الماء العذب، وتندفع في مسارات بطرق رهيبة، لتقطع كل المسافة وتصل، فتروي المدينة المقدسة وزوارها والحجيج القادمين إليها آنذاك. ولأنها فتنة رسمتها الطبيعة ويد الأولين بحرفية مبدعة ومثيرة، يريد المستوطنون الاستيلاء عليها وإلحاقها بالمستوطنة التي تتمدد حولها وتقترب كل يوم لتبتلع المكان بتاريخه وتراثه وهويته، وهي تغتصب شواهد كثيرة من حولها، وتطمس هوية البلاد بمزيد من الافتراء والكذب وتضليل وجه الحقيقة.
ما يحدث من جرائم لا يستهدف الإنسان الفلسطيني فحسب، بل يستهدف المكان والرواية، ويسرق الشواهد، وينسج من الوهم سردية غير مقنعة، ويرسم حكايات مسروقة من أصحابها، ليتخذها رواية يستند إليها من أجل الضم والتهويد وقضم المزيد من الأرض واحتلالها. فسليمان القانوني العثماني ليس سليمان النبي أو الملك التلمودي، والشواهد التي حول البرك الثلاث لا تدل إلا على صدق الرواية الفلسطينية، وما غير ذلك ادعاء كاذب، وتجريب أحمق لرواية مسروقة يراد لها أن تكون حقيقة، من خلال ما يقترفوه من ممارسات آثمة.
اقتحام سموتيرتش ومن معه لموقع تاريخي هام، هو موقع برك سليمان، استمرارٌ لمسلسل استيطاني يستمد من سرقة الأرض شرعيةً لوجوده غير الشرعي. وهذا المشروع لا يكتفي بموقعٍ معين، بل يلاحق المزارع والفلاح في حقله، ويطارد البدوي وماشيته، ويطرد الناس من بيوتهم، كما يحدث في البلدة القديمة في القدس والخليل، ويسرق أرزاق البشر، ويضيّق سبل العيش، ويخنق حياة الفلسطيني في مختلف مناحي الحياة. وهو بذلك لا يستهدف الجغرافيا وحدها، بل يستهدف التاريخ والذاكرة والهوية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، ومحو الشواهد التي تؤكد أصالة الوجود الفلسطيني وتجذره في أرضه، غير أن هذه السياسات، مهما بلغت من بطش وتغول، لن تنجح في طمس الحقيقة أو اقتلاع الرواية الفلسطينية من وجدان أصحابها، فالأرض التي حفظت أسماء أهلها وتاريخهم عبر القرون ستبقى شاهدة على حقهم، وستظل معالمها وتراثها جزءًا أصيلًا من هوية وطنية عصية على التزوير والمصادرة.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

بين اتفاق عدم الاعتداء والسلام العادل: لبنان وفلسطين أمام استحقاق التاريخ

"السلام الذي لا يقوم على العدالة يبقى هدنة مؤقتة، أما السلام القائم على الحقوق فهو وحده القادر على صناعة المستقبل."
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس اللبناني جوزيف عون بشأن السعي إلى اتفاق عدم اعتداء مع إسرائيل، وليس إلى سلام شامل، نقاشاً سياسياً واسعاً داخل لبنان وخارجه. وهو نقاش مشروع، ليس فقط بسبب حساسية العلاقة اللبنانية الإسرائيلية، بل لأن تداعياته تمتد إلى القضية الفلسطينية وإلى مستقبل الاستقرار في المنطقة بأسرها.
فمن حق لبنان، دولةً وشعباً، أن يبحث عن الأمن والاستقرار، وأن يسعى إلى حماية حدوده وسيادته وإعادة بناء اقتصاده ومؤسساته بعد سنوات طويلة من الأزمات والحروب. ومن حق اللبنانيين أن يتطلعوا إلى مستقبل آمن بعيداً عن دوامات المواجهة المفتوحة والاستنزاف المستمر، خاصة بعد ما شهدته البلاد من أعباء ثقيلة دفعت أثمانها الدولة والمجتمع والاقتصاد.
غير أن البحث عن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى تجاوز للحقائق السياسية والتاريخية التي ما زالت تشكل جوهر الصراع في المنطقة.
 فالمشكلة الأساسية لم تكن يوماً غياب الترتيبات الأمنية، بل غياب الحلول السياسية العادلة القائمة على إنهاء الاحتلال واحترام حقوق الشعوب وتمكينها من تقرير مصيرها بحرية واستقلال.
إن الحديث عن اتفاق عدم اعتداء بين لبنان وإسرائيل قد يكون مفهوماً من زاوية الحاجة اللبنانية إلى الاستقرار وإعادة الإعمار واستعادة دور الدولة ومؤسساتها، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لتجاوز القضايا الجوهرية العالقة أو إلى بوابة لتهميش الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على موازين القوة وحدها، وإنما على العدالة والحقوق والاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة.
وعلى المستوى اللبناني، فإن مسؤولية الدولة والقوى السياسية كافة تقتضي إدارة هذا الملف بمنتهى الحكمة والشفافية والتوافق الوطني، بعيداً عن الانقسامات الداخلية أو الضغوط الخارجية. فلبنان يحتاج إلى حماية سيادته واستقراره ووحدته الوطنية، كما يحتاج إلى الحفاظ على موقعه التاريخي الداعم للحقوق الفلسطينية والعربية، وعدم الانزلاق إلى مقاربات تختزل الصراع في جوانبه الأمنية فقط وتتجاهل أبعاده السياسية والإنسانية والقانونية.
أما فلسطينياً، فإن التطورات الإقليمية المتسارعة تفرض مراجعة وطنية شاملة تتجاوز الانقسامات والصراعات الفصائلية الضيقة.
فكلما تأخر الفلسطينيون في إعادة بناء وحدتهم الوطنية ومؤسساتهم التمثيلية على أسس ديمقراطية جامعة، ازدادت قدرة الآخرين على تقرير مصير قضيتهم نيابة عنهم.
إن حماية القضية الفلسطينية تبدأ أولاً باستعادة وحدة القرار الوطني الفلسطيني وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجامع القادر على تمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
إن أي حديث عن سلام دائم أو استقرار مستدام في الشرق الأوسط سيبقى ناقصاً ما لم يترافق مع معالجة عادلة للقضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع ومفتاح الحل في المنطقة.
 فالشعب الفلسطيني لا يزال يرزح تحت الاحتلال، ولا تزال حقوقه الوطنية المشروعة غير منجزة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على أرضه الوطنية وعاصمتها القدس.
ومن بين هذه الحقوق، يبرز حق العودة للاجئين الفلسطينيين بوصفه حقاً سياسياً وقانونياً وإنسانياً فردياً وجماعياً لا يسقط بالتقادم ولا يجوز شطبه أو الالتفاف عليه تحت أي ظرف من الظروف.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة للبنان تحديداً، باعتباره أحد أبرز البلدان التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين وتحملت، إلى جانب شعبه ومؤسساته، أعباء إنسانية وسياسية واقتصادية كبيرة على امتداد عقود طويلة.
إن لبنان، الذي يرفض التوطين حفاظاً على هويته الوطنية وتوازناته الداخلية، يجد نفسه معنياً أكثر من غيره بالتمسك بحق العودة باعتباره الحل الطبيعي والعادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
فالتخلي عن هذا الحق لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع الدول المستضيفة أمام استحقاقات وتعقيدات لم تكن هي سبباً في نشوئها، ويشكل مساساً بمبادئ العدالة والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وعربياً، لم يعد مقبولاً أن تبقى القضية الفلسطينية رهينة الشعارات أو المزايدات أو الحسابات الإقليمية المتضاربة.
 فالمطلوب موقف عربي عقلاني ومتوازن يدعم الحقوق الفلسطينية المشروعة ويعمل في الوقت ذاته على حماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى حروب لا نهاية لها.
كما أن المطلوب إعادة الاعتبار للمبادرة السياسية العربية القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام والحقوق مقابل الاستقرار.
أما إقليمياً ودولياً، فإن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق عبر ترتيبات أمنية مؤقتة أو تفاهمات تكتيكية محدودة.
فالمنطقة تحتاج إلى معالجة سياسية شاملة تعالج جذور الصراع لا أعراضه فقط. وكل محاولة لتجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها أو فرض حلول أحادية الجانب لن تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة وصراعات أكثر تعقيداً.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الأمن القائم على التفوق العسكري وحده لا يصنع سلاماً دائماً، وأن تجاهل الحقوق الوطنية للشعوب لا يؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار وإعادة إنتاج أسباب الصراع بأشكال جديدة.
 لذلك فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على احتواء الأزمات ومنع الحروب، بل تمتد إلى معالجة أسبابها الحقيقية والعمل الجاد من أجل تطبيق قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
إن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها التسويات العادلة والشراكات الإقليمية القائمة على الاحترام المتبادل والحقوق المتكافئة، وإما البقاء أسرى دوامة الصراعات والحروب وعدم الاستقرار.
وبين اتفاق عدم الاعتداء والسلام العادل تبقى الحقيقة الأهم أن السلام ليس مجرد وثيقة تُوقَّع، ولا ترتيبات أمنية تُبرم، بل هو منظومة متكاملة من العدالة والحقوق والاعتراف المتبادل والمصالح المتوازنة.
وما لم تتوافر هذه الشروط، ستظل الاتفاقات هشة، وسيظل الاستقرار مؤقتاً، وستبقى المنطقة تبحث عن سلام لم يكتمل بعد.
فلا أمن دائماً بلا عدالة، ولا سلام حقيقياً بلا إنهاء للاحتلال، ولا استقرار مستداماً دون إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة، وفي مقدمتها حق العودة وحق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
تلك هي الرسالة التي ينبغي أن يسمعها الجميع في بيروت ورام الله وغزة والقدس، كما في العواصم العربية والإقليمية والدولية: أن السلام الذي يصمد هو السلام القائم على الحق، أما السلام الذي يتجاوز الحقوق أو يحاول القفز فوقها فلن يكون سوى هدنة مؤقتة في صراع لم تنتهِ أسبابه بعد.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الاقتصاد الثقافي في القدس: الواقع والتحديات والفرص الممكنة


أطرح في هذا المقال موضوعًا مركزيًا من مكونات الصمود الاجتماعي والثقافي في القدس، وهو الاقتصاد الثقافي، ذلك الحقل الذي يتقاطع فيه الإنتاج الثقافي مع شروط بقائه المادي، وتتداخل فيه القيمة الرمزية مع القدرة على الاستمرار والتأثير، ويستند المقال الى فرضية مركزية تتمثل بان المعركة في القدس تتجاوز القضايا الجيوسياسية، لتشمل المواجهة المستمرة على المعنى والرواية وهوية المدينة، وعلى الحق في إنتاج الثقافة وحمايتها من الاستنزاف والتهميش.
ومن هنا يحاول المقال الإجابة على السؤال المركزي التالي: لماذا لا يتحول الغنى الثقافي المقدسي المتراكم، بكل ما يحمله من مؤسسات ومبادرات وممارسات يومية، إلى قوة اقتصادية– ثقافية مستدامة، تعزز قدرة الفاعلين الثقافيين على الصمود، وتحوّل الثقافة من نشاط هش إلى بنية صمود فعّالة؟
- وفرة المعنى وهشاشة البنية الاقتصادية
تشكل الثقافة في القدس شبكة واسعة من الإنتاج الرمزي والمعرفي والفني ضمن حالة تراكم تحقق الوفرة في سياق الرمز والمعنى, الا انها لا تزال تصطدم ببنية اقتصادية هشة تجعل الاستمرار ذاته تحديًا يوميًا.
المفارقة الأساسية هنا أن القدس تمتلك رأسمالًا ثقافيًا كثيفًا، لكنه لا يتحول إلى منظومة إنتاج قادرة على الاستدامة، فالكثير من المبادرات الثقافية تعمل ضمن دورات قصيرة الأمد، مرتبطة بالمنح أو الجهود الفردية أو التطوع، دون أن تمتلك أدوات التحول إلى مشاريع اقتصادية – ثقافية مستقلة.
- ما الذي يمنع تشكل اقتصاد ثقافي متماسك في القدس؟
يمكن قراءة  التحديات أو المعيقات في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. ضعف البيئة الحاضنة للصناعات الثقافية: يحتاج الاقتصاد الثقافي إلى بيئة حاضنة ترتكز على بنية كاملة، تشمل التدريب، والتسويق، والحاضنات، والتمويل، ومساحات العرض، وأدوات الإنتاج الرقمي، اذ لا يمكن الاعتماد المطلق على الفعل الإبداعي فقط، وفي حالة القدس تتوفر جميع هذه العناصر لكنها مجزأة وغير مترابطة، حيث تنجح كثير من المؤسسات في إنتاج محتوى ثقافي نوعي، لكنها تفتقر إلى أدوات تحويل هذا المحتوى إلى دورة اقتصادية مستمرة، قادرة على خلق فرص عمل وتوسيع الأثر الاجتماعي.
2. الفصل بين القيمة الثقافية والاستدامة المالية: لا يزال هناك تصور ضمني لدى بعض الفاعلين الثقافيين بأن التفكير الاقتصادي يُضعف البعد الثقافي أو الرمزي للعمل، خلق هذا التصور ثنائية غير صحية بين الثقافة والاقتصاد، بينما الواقع يؤكد أن غياب النموذج الاقتصادي هو ما يهدد استمرارية الثقافة لا العكس، وتتجسد المشكلة هنا في غياب نموذج يربط الدخل بالرسالة الثقافية ويحوّله إلى أداة دعم لها، دون ان يكون بديلاً عنها.
3. السياق السياسي والإداري المقيد: لا يمكن فصل الاقتصاد الثقافي في القدس عن السياق السياسي والإداري الذي يؤثر في حركة المؤسسات، وإتاحة الموارد، وتنظيم الفعاليات، تشكّل هذه القيود جزءًا من الواقع البنيوي القائم، وهي معطى يجب إدراكه بوضوح دون أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل الفعل أو تجميد المبادرة، غير أن التحدي الحقيقي لا يختزل في تشخيص هذه القيود، وإنما في تطوير أنماط عمل مرنة وواقعية تتعامل معها بوصفها جزءًا من بيئة العمل وعدم الاكتفاء بوصفها عائقًا خارجها، أي الانتقال من منطق التبرير أو التنظير إلى منطق الفعل القادرعلى التكيّف، عبر إرادة واعية تستثمر ما هو ممكن، وتعيد توظيف الفرص المتاحة لصناعة مسارات اقتصادية – ثقافية قابلة للحياة، بهذا المعنى، تصبح القيود نفسها جزءًا من معادلة الابتكار، وتشكل نقطة بداية لا نهاية لها، إذ يمكن تحويلها، عبر العمل التراكمي والشبكي، إلى فرص تنتج دائرة اقتصادية تدعم استدامة الفعل الثقافي.

- أين تكمن الفرص الممكنة؟
تمتلك القدس رغم هشاشة واقعها، فرصًا كامنة يمكن البناء عليها إذا تم التعامل معها بمنطق تنموي بدل منطق إدارة الأزمة فقط.
أولًا: الفضاء الرقمي كمساحة امتداد: فتح التحول الرقمي أفقًا جديدًا أمام الثقافة المقدسية، حيث أصبح بالإمكان إنتاج المحتوى الثقافي وتوثيق الذاكرة وتوزيع الإنتاج الفني خارج حدود الجغرافيا التقليدية، لا يعوض هذا الفضاء الحضور المادي، لكنه يوسع دائرة التأثير ويخلق مسارات جديدة للتمويل والتفاعل.
ثانيًا: ربط الثقافة بالاقتصاد المحلي الصغير: يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتحول من منصات فعاليات إلى منصات إنتاج مهارات، عبر التدريب على إدارة المشاريع الإبداعية، وصناعة المحتوى، والحرف التراثية، والتسويق الثقافي، كما يمكن تحويل الثقافة إلى جزء من الاقتصاد المحلي اليومي، بدل الاعتماد عليها كنشاط
موازي فقط، يعزز هذا التحول من دور الشباب، ويخلق فرص عمل مرتبطة بالهوية الثقافية.
ثالثًا: بناء شبكات تعاون ثقافي – اجتماعي: أحد أبرز التحديات في المشهد الثقافي المقدسي تتجسد بالعمل المنفصل للمبادرات رغم تقاطع أهدافها، لذا يتيح العمل على بناء شبكات تعاون حقيقية تقاسم الموارد والخبرات، ويخفض الكلفة، ويضاعف الأثر، ويعزز نمو الاقتصاد الثقافي عبر التراكم الشبكي والتكامل.
- ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
لتحويل هذه الرؤية إلى مسار قابل للتطبيق، يمكن البدء بخطوات تأسيسية واضحة:
1.    إنشاء قاعدة بيانات ثقافية مقدسية توثق الفاعلين والمبادرات والاحتياجات والفجوات.
2.    بناء شبكة تعاون مؤسسي بين المراكز الثقافية والتعليمية والاقتصادية.
3.    تطوير نماذج تمويل مرنة ومتعددة المصادر تشمل التمويل المحلي، والشتات، والتمويل الجماعي.
4.    تبني نموذج اقتصادي مزدوج يدمج بين الرسالة الثقافية والاستدامة المالية عبر ورش مدفوعة، وإنتاج رقمي، ومواد معرفية، وخدمات ثقافية.
- نحو اقتصاد ثقافي مستدام
يتجلى الاقتصاد الثقافي في القدس في أشكال متعددة من الإنتاج الثقافي والمبادرات الفردية والمؤسساتية، إلا أن هذه الحيوية ما تزال غير مهيكلة بالشكل الذي يسمح بتحويلها إلى منظومة اقتصادية مستدامة وفاعلة، فالمشكلة تتجسد في محدودية القدرة على تحويل هذا الرأسمال الثقافي المتراكم إلى قوة إنتاج مستمرة قادرة على التأثير والصمود.
يتداخل الفعل الثقافي في القدس مع معنى الوجود ذاته، لتصبح الثقافة أكثر من نشاط رمزي أو تعبير إبداعي، فهي جزء رئيسي من بنية الصمود الاجتماعي وآلية من آليات الحفاظ على الهوية واستمرارها، من هنا، فإن التفكير في الاقتصاد الثقافي لا ينبغي أن يُختزل كخيار تنموي ثانوي، وانما كمسار أساسي لحماية الفضاء الثقافي وتعزيز قدرته على الاستمرار والتجدد، والمقصود بالانتقال نحو اقتصاد ثقافي مستدام هو الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى البنية، ومن الجهود الفردية إلى الفعل الجماعي المنظم، ومن هشاشة الاستجابة إلى قوة الفعل المنتج، حيث تتحدد في هذا التحول ملامح مستقبل الثقافة في القدس، بإعتبارة حلقة توازن ما بين اقتصاد المعنى واقتصاد الإنتاج.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

الأسيرات الفلسطينيات.. عندما تصبح المرأة ساحة حرب


ثمة حروب تُخاض على الجبهات، وأخرى تُخاض في الزنازين. وفي فلسطين، لم تعد السجون مجرد أماكن لاحتجاز الأفراد، بل تحولت، على نحو متزايد، إلى امتداد مباشر لمعركة تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله. ولعل ما تتعرض له الأسيرات الفلسطينيات اليوم يكشف واحداً من أكثر وجوه هذه الحرب قسوةً وخطورة؛ حرب لا تكتفي بحرمان المرأة من حريتها، بل تسعى إلى تجريدها من كرامتها وإنسانيتها وحقها في أن تكون شاهدة على زمنها لا ضحية له.
المعطيات الأخيرة التي نشرها نادي الأسير الفلسطيني بشأن ارتفاع عدد الأسيرات إلى نحو خمسة وتسعين أسيرة، بينهن طفلات ونساء حوامل ومعتقلات إدارياً، لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد أرقام في تقرير حقوقي جديد. فالأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تنقل وحدها حجم الألم المختبئ خلف أبواب الزنازين. وراء كل رقم أمّ انتُزعت من أطفالها، أو طالبة جامعية أُخرجت من قاعة محاضراتها إلى غرفة تحقيق، أو امرأة وجدت نفسها فجأة في مواجهة منظومة كاملة من العزل والقهر والإذلال.
الأمر اللافت أن الاعتقالات لم تعد تقتصر على الناشطات السياسيات أو على النساء المرتبطات بشكل مباشر بملفات المقاومة والأسرى، بل باتت تطال الطالبات والخريجات والنساء من مختلف الفئات الاجتماعية. وكأن الرسالة المراد إيصالها تتجاوز الفرد إلى المجتمع نفسه: لا أحد خارج دائرة الاستهداف. لكن الاعتقال، على فداحته، ليس سوى بداية الحكاية.
فالشهادات المتواترة عن الضرب والتنكيل والتفتيش المهين والعزل الانفرادي والتجويع والحرمان من العلاج تكشف عن واقع يتجاوز فكرة الاحتجاز إلى صناعة معاناة يومية مقصودة. وحين تتحول الإهانة إلى سياسة، والعزل إلى أداة عقاب ممنهجة، والحرمان من الرعاية الصحية إلى وسيلة ضغط، فإننا نكون أمام محاولة منظمة لإخضاع الإنسان عبر استنزافه نفسياً وجسدياً.
الأشد إيلاماً أن المرأة الفلسطينية تدفع اليوم ثمن كونها امرأة وفلسطينية في آن واحد. فهي مستهدفة باعتبارها جزءاً من شعب واقع تحت الاحتلال، ومستهدفة أيضاً لدورها المركزي داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن فصل استهداف الأسيرات عن محاولات أوسع لتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية وإضعاف مصادر صمودها. فالمرأة التي تحفظ تماسك الأسرة، وتربي أبناءها على الأمل رغم الخراب، وتواصل تعليمها وعملها رغم الحصار، تمثل في نظر الاحتلال عنواناً للصمود بقدر ما تمثل عنواناً للحياة. غير أن القضية لا تكمن فقط فيما يجري داخل السجون.
القضية الحقيقية تكمن في ذلك العجز الأخلاقي الذي بات يطبع الموقف الدولي. فمنظمات حقوق الإنسان توثق، والهيئات الأممية تعرب عن القلق، والتقارير تتراكم عاماً بعد عام، فيما تستمر الانتهاكات بوتيرة متصاعدة. وكأن العالم نجح في تحويل المأساة الفلسطينية إلى مشهد اعتيادي؛ مأساة تُشاهَد وتُوثَّق وتُناقَش، لكنها نادراً ما تُواجَه بإجراءات حقيقية.
لقد أصبح من المشروع التساؤل: كيف يمكن للمنظومة الدولية أن تتحدث عن حماية المرأة وحقوق الإنسان بينما تعجز عن حماية أسيرات يتعرضن لانتهاكات موثقة ومستمرة؟ وكيف يمكن للقانون الدولي أن يحتفظ بسلطته المعنوية إذا كان تطبيقه خاضعاً لاعتبارات السياسة وموازين القوة؟
إن قضية الأسيرات الفلسطينيات ليست قضية نسوية فحسب، وليست ملفاً حقوقياً معزولاً عن سياقه. إنها اختبار يومي لصدقية العالم المعاصر في حديثه عن العدالة والكرامة الإنسانية. وهي تذكير مؤلم بأن الاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى أيضاً إلى مصادرة الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب تبدو الأسيرات الفلسطينيات اليوم أكثر من مجرد ضحايا. إنهن شاهدات على زمن فقد كثيراً من يقينه الأخلاقي، وعلى عالم بات يعرف كل شيء عمّا يحدث، لكنه يفضّل في معظم الأحيان أن ينظر في الاتجاه الآخر.
وإذا كانت الحرية هي المعيار الأسمى لكرامة الإنسان، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام ضمير العالم هو: كم أسيرة أخرى يجب أن تدخل الزنزانة قبل أن يتحول التعاطف إلى موقف، والتوثيق إلى محاسبة، والصمت إلى فعل؟
حتى الآن، لا تملك الأسيرات سوى الصبر.
اما العالم، فلا يزال مديناً لهن بالعدالة.



أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

من وهم السلام إلى منطق الهيمنة: التحول الإسرائيلي يكشف أن الأزمة في طبيعة المشروع لا في رفض التسوية


منذ عقود طويلة هيمنت على الخطاب الغربي والإسرائيلي رواية سياسية مفادها أن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي يكمن في رفض العرب والفلسطينيين للسلام وعدم استعدادهم لقبول إسرائيل بوصفها حقيقة سياسية نهائية في المنطقة. ووفق هذا التصور، فإن إسرائيل قدمت نفسها باعتبارها طرفًا يسعى إلى التسوية والتعايش، بينما كانت المشكلة الأساسية، بحسب هذه الرواية، في الطرف العربي الذي لم يتكيف مع التحولات التاريخية ولم يتقبل نتائجها.
إلا أن مسار الأحداث خلال العقود الماضية، وما شهدته إسرائيل من تحولات فكرية وسياسية متراكمة، يدفع إلى إعادة النظر في هذه الفرضية من أساسها. فالأزمة لا تبدو مرتبطة فقط بمسألة قبول إسرائيل أو رفضها، ولا تتعلق حصراً بحدود عام 1967 أو بترتيبات الأمن والتفاوض، وإنما ترتبط بصورة أعمق بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته، وبالمنطق الذي حكم تطوره منذ نشأته وحتى اللحظة الراهنة.
فالصهيونية لم تكن مجرد حركة سياسية تسعى إلى إيجاد ملاذ آمن لليهود المضطهدين في أوروبا، بل كانت مشروعًا قوميًا استيطانيًا هدف إلى إنشاء كيان سياسي جديد عبر إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والهوية السياسية لفلسطين. وقد انطلقت معظم التيارات الصهيونية، رغم اختلافاتها الفكرية، من افتراض أساسي يتمثل في أولوية إقامة دولة ذات أغلبية يهودية وسيادة يهودية حصرية على الأرض.
صحيح أن الصهيونية لم تكن تيارًا واحدًا متجانسًا؛ فقد ضمت الصهيونية العمالية والصهيونية التصحيحية والصهيونية الدينية وغيرها من التيارات المختلفة، إلا أن هذه الاختلافات دارت غالبًا حول الوسائل والتكتيكات أكثر مما دارت حول الأهداف النهائية. فقد اشتركت هذه التيارات بدرجات متفاوتة في السعي إلى ضمان أغلبية يهودية مستقرة، والحفاظ على التفوق الأمني والعسكري، ومنع أي ترتيبات سياسية قد تهدد الطابع اليهودي للدولة.
ومن هنا فإن أحد الأخطاء الشائعة في قراءة التحولات الإسرائيلية يتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل انتقلت فجأة من الاعتدال إلى التطرف، أو من مشروع سلام إلى مشروع توسع. فالواقع أن ما نشهده اليوم لا يعكس بالضرورة ولادة مشروع جديد، بل يكشف بصورة أوضح كثيرًا عن مضامين كامنة داخل المشروع منذ عقود طويلة.
لقد كان ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع عبر أدوات دبلوماسية وسياسية تسمح بالحفاظ على الشرعية الدولية وتقليل كلفة السيطرة، بينما تميل التيارات القومية والدينية الصاعدة إلى التعبير المباشر عن الأهداف ذاتها دون الحاجة إلى الغطاء الخطابي الذي ساد في مراحل سابقة. وبعبارة أخرى، فإن التحول الأساسي لا يكمن فقط في تغيير الأهداف، بل في الانتقال من مرحلة كانت الهيمنة تُدار فيها بلغة التسوية إلى مرحلة يجري فيها الإفصاح عنها بلغة القوة.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الحالة الإسرائيلية ضمن إطار أوسع يتعلق بالمشاريع الاستيطانية في التاريخ الحديث. فالتجارب الاستيطانية الكبرى، سواء في أمريكا الشمالية أو أستراليا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر الفرنسية، لم تنظر إلى السكان الأصليين بوصفهم شركاء متساوين في السيادة، بل باعتبارهم معضلة ديموغرافية وسياسية يجب التعامل معها عبر الإقصاء أو الاحتواء أو إعادة الهندسة الاجتماعية والسياسية.
ولا يعني ذلك التطابق الكامل بين هذه التجارب والحالة الإسرائيلية، فلكل تجربة خصوصيتها التاريخية والسياسية، إلا أن المقارنة تكشف نمطًا متكررًا يتمثل في سعي المشروع الاستيطاني إلى الجمع بين السيطرة على الأرض وتقليص الوزن السياسي للسكان الأصليين. ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب مهم من المعضلة الإسرائيلية المستمرة: فإسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من الأرض، لكنها في الوقت نفسه تخشى من النتائج الديموغرافية والسياسية المترتبة على منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية كاملة داخل هذه المساحة.
ومن هنا تنشأ المعضلة البنيوية التي تواجهها الدولة الإسرائيلية: كيف يمكن الجمع بين السيطرة على كامل الأرض تقريبًا، والحفاظ على الأغلبية اليهودية، والاستمرار في تقديم الدولة باعتبارها ديمقراطية في الوقت نفسه؟ لقد شكل هذا السؤال أحد المحركات الرئيسية للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال العقود الماضية، وهو يفسر جانبًا مهمًا من التردد الإسرائيلي المزمن تجاه أي تسوية نهائية قائمة على المساواة السياسية الكاملة.
لكن فهم التحولات الإسرائيلية الراهنة يتطلب أيضًا إدخال متغير آخر أكثر أهمية، وهو متغير فائض القوة.
ففي الأدبيات الواقعية للعلاقات الدولية، تسعى الدول في الظروف الطبيعية إلى تحقيق الأمن والبقاء. غير أن امتلاك قوة تفوق كثيرًا متطلبات الدفاع المباشر قد يدفع بعض الدول إلى الانتقال من منطق الأمن إلى منطق الهيمنة. وعندما يتحول التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي إلى فائض قوة مستدام، تصبح الدولة أكثر قدرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
وهذا ما يبدو أنه حدث تدريجيًا في الحالة الإسرائيلية بعد حرب عام 1967. فقد خرجت إسرائيل من تلك الحرب وهي لا تملك فقط تفوقًا عسكريًا واضحًا، بل تمتلك أيضًا شعورًا متزايدًا بالقدرة على إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفق مصالحها الخاصة. ومع مرور الوقت، وتعاظم الدعم الغربي، وتراجع النظام العربي، وتفكك عدد من الدول المركزية في المنطقة، بدأت إسرائيل تنتقل تدريجيًا من دولة منشغلة أساسًا بمسألة البقاء إلى دولة تمتلك القدرة على التأثير في شكل البيئة الإقليمية نفسها.
ومن منظور استراتيجي، فإن فائض القوة لا يغير فقط قدرات الدولة، بل يغير أيضًا طريقة تفكيرها. فكلما ازداد اختلال ميزان القوى لصالح طرف معين، تقل حوافزه لتقديم تنازلات جوهرية، وتزداد قدرته على فرض الوقائع من جانب واحد. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتزامن مراحل التفوق الإسرائيلي المتزايد مع توسع الاستيطان وتعميق السيطرة الأمنية ورفع سقف المطالب السياسية.
ومن هذه الزاوية يمكن تفسير مفارقة تاريخية مهمة: فكلما ازدادت التنازلات الفلسطينية والعربية، لم يقترب الصراع من الحل النهائي بقدر ما ازداد اختلال ميزان القوى. فالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل لم يوقف الاستيطان، واتفاقيات أوسلو لم تؤد إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وموجات التطبيع العربي لم تنتج تحولًا موازياً داخل الفكر السياسي الإسرائيلي نحو تسوية نهائية شاملة.
والسبب في ذلك أن الصراع، من منظور جزء متزايد من النخبة الإسرائيلية، لم يعد يُنظر إليه باعتباره نزاعًا حدوديًا يمكن حله عبر التسويات التقليدية، بل باعتباره عملية مستمرة لإدارة المجال الجيوسياسي بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي ومنع ظهور أي مراكز قوة قادرة على تحديه مستقبلاً.
وقد عزز صعود التيارات القومية والدينية هذا الاتجاه بصورة غير مسبوقة. فهذه التيارات لا تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها مجرد منطقة متنازع عليها، بل باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي والديني للشعب اليهودي. وضمن هذا التصور تصبح التسوية الإقليمية أقل أهمية من تثبيت السيطرة طويلة الأمد على الأرض، ويتحول الصراع تدريجيًا من صراع سياسي إلى صراع مرتبط بالهوية والعقيدة والتاريخ.
كما أن هذا التحول ترافق مع تراجع نسبي للقوى الليبرالية داخل إسرائيل وصعود قوى أكثر استعدادًا لاستخدام مفردات الضم والحسم والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بصورة علنية. وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة؛ فهي لا تكشف فقط عن تغيرات سياسية عابرة، بل تعكس تحولات أعمق في طبيعة النخبة الحاكمة وفي تصورها لمستقبل المنطقة.
وقد جاءت الحرب التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتكشف هذه التحولات بصورة أكثر وضوحًا. فالنقاشات التي دارت داخل إسرائيل لم تقتصر على الأمن والردع، بل امتدت إلى أسئلة تتعلق بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه، وبإعادة تشكيل غزة سياسيًا وديموغرافيًا، وبإمكانية القضاء على أي أفق لقيام كيان سياسي فلسطيني مستقل.
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح من الصعب تفسير السلوك الإسرائيلي بالاعتماد على مفهوم الأمن وحده. فالأمن يفسر جزءًا من السياسات الإسرائيلية، لكنه لا يفسر وحده التوسع الاستيطاني المستمر، ولا يفسر رفض العديد من التيارات الإسرائيلية لأي صيغة سيادة فلسطينية حقيقية، ولا يفسر النزعة المتزايدة نحو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي لعقود قادمة.
إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة. وفي هذا السياق لا يعود الصراع مجرد خلاف على الحدود أو على ترتيبات أمنية قابلة للتفاوض، بل يصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم المجال السياسي والجيوسياسي في الشرق الأوسط وفق موازين قوة تميل بصورة ساحقة لصالح إسرائيل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا فشلت محاولات السلام المتعاقبة؟ بل أصبح: هل يمكن أصلًا إنتاج سلام مستدام في ظل مشروع يمتلك فائضًا كبيرًا من القوة، ويرى في استمرار تفوقه الاستراتيجي شرطًا لبقائه، ويعتبر أن إعادة تشكيل البيئة المحيطة به جزء من أمنه القومي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة ليس فقط لفهم مستقبل القضية الفلسطينية، بل لفهم مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بأكمله.
========================

إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

نعم إحنا غير ..


نحتفل بمناسبة تولي رأس الدولة الملك عبدالله سلطاته الدستورية، بمباهاة وافتخار، بدون منة أو مجاملة، أو فرض رسمي، تجيزه الأدوات والسلطات والحوافز، ولكن الدوافع ذاتية وطنية قومية، فرضتها ما نعيشه، من اطمئنان وواجب ومتطلبات العيش الكريم.
لسنا مرفهين، نعم، لسنا أثرياء أكيد، ولكننا نعيش في وطن الطمأنينة الوطنية، ووطن الانحياز والدعم للشعب الفلسطيني، ونتمسك بقيمنا القومية وضروراتها، كمسلمين ومسيحيين، وكبشر يستحقون أصول الحياة، كل منا حسب ظروفه ومعطياته، ومعاييره وتطلعاته، دائماً.
لسنا نموذجاً، ومع ذلك لسنا في آخر الطيف، لدينا من الأمن والاستقرار، ومن التعددية والهامش الديمقراطي، ومفاتيح الوصول إلى مؤسسات صنع القرار، يجعلنا كمواطنين، ومهنيين، وحزبيين، وقادة مجتمع مدني، كي نكون عبر النقابات، والبلديات والاحزاب ومجلس النواب، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والإعلام، شركاء في صنع القرار.
لدينا نظام سياسي، مهما سجلنا عليه من ملاحظات، ولكنه لا يتصف بالعنف والقمع وحرمان الآخر من التعبير والاحتجاج، والمطالبة بالتغيير والتصويب، وقبول الفكرة واستحسان الفكرة إذا ملكت الموضوعية والاستجابة لمتطلبات احتياجاتنا المتعددة.
نحتفل بإدارة الدولة، من قبل رأس الدولة، وكلنا نظر وتقييم لما حصل، طوال ربع القرن الماضي، بروح نقدية، ودوافع وطنية، وتطلعات تقدمية، عشناها بالمقارنة لما حولنا، ومن معنا، فتستقر نفوسنا، وكلنا أمل ورجاء نحو غد أفضل، نصنعه معاً، عبر استقرار واحترام، والإقرار بأهمية صناديق الاقتراع، للنقابات، للبلديات، للأحزاب، لمجلس النواب، لعلنا نصل حقاً لما تمت المبادرة إليه: حكومات برلمانية حزبية تعتمد على أصوات الأغلبية البرلمانية، تعبيراً عن أغلبية انحياز الأردنيين لمن يمثلهم.
نحتفل، نتوقف، كمحطة رصد لما كان، ولما سيكون، لن تأتينا الرفاهية، ولكننا نعمل لها، لن تأتينا الوظائف، ولكننا نصنع عوامل وجودها، خلفياتها، ننجح في جامعاتنا ومدارسنا ومعاهدنا، ولكن هذا يحتاج للجهد والتعب، ولذلك أقول معاً نحفظ ما نحن فيه وعليه، ونصنع معاً الغد الأفضل لشعبنا، وهذا الأردن الذي نصنعه هو الرافعة لفلسطين، وهذا مصدر ما نتباهى به، وهذا لم يكن ولن يكون إلا بحكمة رأس الدولة وتفانيه ونحن معه، وإليه، ولكننا جميعاً معا من أجل الأردن الذي ننتمي إليه ونعيشه ويعيش فينا ومعنا.



فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المقاصة.. استراتيجية إسرائيلية لتقويض السلطة وفرض واقع جديد

مسيف مسيف: هناك نهج إسرائيلي مستمر وليس وليد المرحلة الحالية يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسي
جهاد حرب: إسرائيل تسعى لتحميل السلطة مسؤولية أيّ عمليات لدفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلال
أيهم أبو غوش: مواصلة إسرائيل سياسة الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد تؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن القيام بالتزاماتها
محمد الرجوب: الخطورة في تأسيس معادلة جديدة بالتعامل مع أموال المقاصة المحتجزة لتصبح أداة دائمة للضغط والابتزاز حتى حال التوصل لتفاهمات مستقبلية
حسناء الرنتيسي: الخطر الأعمق تراجع القدرة على التخطيط بسبب ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة تُحوّل إدارة المالية العامة لعملية "نجاة شهرية"
سليمان بشارات: هذه السياسات هدفها إحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني لفتح المجال أمام زيادة الضغوط والدفع للبحث عن الهجرة


رام الله – خاص بـ"القدس"-

تتسع المخاوف من تداعيات القرار الأخير القاضي للكنيست الإسرائيلي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم إسرائيل متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، في ظل تحذيرات من أن الخطوة لا تقتصر على آثارها المالية المباشرة، بل تعكس توجهاً إسرائيلياً متصاعداً لتحويل أبرز الإيرادات الفلسطينية إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية دائمة، بما يعمق الأزمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
ويرى خبراء اقتصاديون وكتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث مع "القدس"، أن الاقتطاعات الجديدة تأتي ضمن مسار متواصل يستهدف إحكام السيطرة على الموارد المالية الفلسطينية واستنزافها تدريجياً، عبر توسيع نطاق الخصومات وربطها بقرارات وتشريعات إسرائيلية داخلية، الأمر الذي يهدد بتقليص الإيرادات التي تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة العامة، ويضع قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، أمام ضغوط متزايدة، محذرين من أن ما تقوم به إسرائيل من  استمرار احتجاز الأموال والاقتطاعات المتراكمة قد يدفع السلطة إلى مرحلة أكثر حرجاً مالياً، مع ارتفاع مستويات الدين العام وتراجع القدرة على التخطيط المالي والإنفاق التنموي.
ويشيرون إلى أن تداعيات الأزمة لن تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل ستمتد إلى الأسواق المحلية والقطاع الخاص ومستويات المعيشة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تكريس واقع تصبح فيه أموال المقاصة أداة ابتزاز وضغط طويلة الأمد، بما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني خلال السنوات المقبلة.


هجمة سياسية اقتصادية

يحذّر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" مسيف مسيف من التداعيات السياسية والاقتصادية للقرار الإسرائيلي الأخير القاضي باقتطاع مبالغ إضافية من أموال المقاصة الفلسطينية لصالح من تصفهم إسرائيل بأنهم متضررون من عمليات فلسطينية، معتبراً أن الخطوة تأتي في إطار "هجمة سياسية اقتصادية" تستهدف إضعاف السلطة وتقويض قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
وبحسب مسيف، فإن الاقتطاعات الجديدة لا يمكن فصلها عن سياسة إسرائيلية متواصلة تهدف إلى شل عمل السلطة الفلسطينية وإبقائها عند الحد الأدنى من القدرة على تقديم الخدمات لمواطنيها، موضحاً أن الهدف يتمثل في جعل المؤسسات الفلسطينية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وخاصة في القطاعات الأكثر التصاقاً بحياة المواطنين.
ويشير إلى أن آثار الأزمة بدأت تظهر بصورة واضحة في القطاع الصحي، حيث تواجه وزارة الصحة والمستشفيات تحديات متزايدة نتيجة الأزمة المالية المتفاقمة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على المرضى والخدمات الصحية، مشدداً على أن استهداف هذا القطاع يترك آثاراً عميقة على نظرة المواطنين لمؤسسات السلطة، لأن الخدمات الصحية والمعيشية تمثل أكثر الملفات حساسية بالنسبة للجمهور الفلسطيني.

إضعاف الموقف الفلسطيني

ويرى مسيف أن خطورة هذه الإجراءات لا تقتصر على تعميق الأزمة المالية الحالية، بل تمتد إلى إضعاف الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات مستقبلية، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى رفع سقف مطالبها مقابل خفض سقف المطالب الفلسطينية إلى أدنى مستوى ممكن. ويلفت مسيف إلى أن الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، بما في ذلك القيود المفروضة على الحركة وانتشار الحواجز والبوابات العسكرية، إلى جانب توقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل إسرائيل، قد تتحول إلى أوراق ضغط تستخدمها الحكومة الإسرائيلية خلال أي ترتيبات أو تفاهمات مقبلة.
وفي ما يتعلق بالحديث عن إمكانية حدوث انفراجة في الأزمة المالية قبل نهاية العام، يشكك مسيف في قدرة الوعود الأوروبية أو الأمريكية على إحداث تحول حقيقي في الواقع المالي الفلسطيني، مشيراً إلى أن الأزمة سبقت الحرب على غزة بسنوات واستمرت بصورة متواصلة.
ويؤكد مسيف أن أي دعم مالي خارجي، مهما بلغ حجمه، سيبقى دعماً طارئاً ومؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة البنيوية التي تعانيها المالية العامة الفلسطينية.

حالة إفلاس غير معلنة

ويوضح مسيف أن السلطة الفلسطينية تواجه "حالة إفلاس غير معلنة"، موضحاً أن مؤشرات الملاءة المالية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل ارتفاع الدين العام وتراجع القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
ويشدد على أن جميع الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة تعد إجراءات غير قانونية ومخالفة لاتفاقية باريس الاقتصادية والأعراف الدولية، مؤكداً أن محاولات الحكومة الإسرائيلية منح هذه الاقتطاعات غطاءً قانونياً عبر تشريعات الكنيست لا تغير من وضعها القانوني.
ويؤكد مسيف أن سياسة إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تمثل نهجاً إسرائيلياً مستمراً يهدف إلى منع السلطة من تعزيز قدراتها الاقتصادية وترسيخ حضورها السياسي.

إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن مصادقة إسرائيل على إجراءات وتشريعات جديدة تتعلق بأموال المقاصة تندرج ضمن مسار متواصل يهدف إلى تشديد الخناق المالي والسياسي على السلطة الفلسطينية، عبر إحكام السيطرة على الإيرادات الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس، وفتح مسارات جديدة لاقتطاعها ومصادرتها.
ويوضح حرب أن أحد الأهداف الرئيسة لهذه السياسة يتمثل في دفع السلطة الفلسطينية نحو حالة من الإنهاك والعجز الذاتي، من خلال تقليص قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين، لافتاً إلى أن أموال المقاصة تشكل ما يقارب ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات إضافية ذات تأثير مباشر على قدرتها مستقبلاً في تقديم الخدمات العامة ودفع الرواتب وتسيير عمل المؤسسات الحكومية.

تحميل السلطة المسؤولية

ويشير حرب إلى أن إسرائيل تسعى كذلك إلى تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية أي عمليات ينفذها فلسطينيون ضد المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين، عبر فرض أعباء مالية متزايدة عليها، بما يهدف إلى دفعها لممارسة مزيد من الضغوط على المجتمع الفلسطيني ومنع أي أعمال مقاومة للاحتلال، بغض النظر عن طبيعتها أو أشكالها.
ويؤكد أن هذه السياسات تشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لاستنزاف القدرات المالية الفلسطينية، سواء على مستوى السلطة أو المجتمع، من خلال السيطرة شبه الكاملة على الموارد المالية الفلسطينية وتعميق الأزمة الاقتصادية القائمة.
ويلفت حرب إلى أن هذا النهج ليس جديداً، إذ بدأت ملامحه بشكل واضح منذ عام 2019 مع اقتطاع مبالغ مرتبطة بمخصصات الأسرى وعائلات الشهداء، قبل أن تتوسع الاقتطاعات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتشمل الأموال المخصصة لقطاع غزة ضمن الموازنة الفلسطينية.
ويبيّن حرب أن الاقتطاعات لم تعد تقتصر على القرارات الحكومية الإسرائيلية، بل امتدت أيضاً إلى قرارات قضائية تسمح بتحويل أموال فلسطينية كتعويضات للإسرائيليين المتضررين من العمليات.
ويشدد حرب على أن الخطوة الجديدة تعكس توجهاً إسرائيلياً لتحميل السلطة الفلسطينية أعباء التعويضات الاجتماعية التي تتحملها إسرائيل لمواطنيها المصابين أو الذين أصيبوا بإعاقات نتيجة تلك العمليات، ما يفتح الباب أمام مزيد من الاقتطاعات ويكرس السيطرة الإسرائيلية على أموال المقاصة الفلسطينية ويعمق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة.

تأثيرات عميقة

يعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن قرار الكنيست الإسرائيلي المتعلق باقتطاع مزيد من أموال المقاصة لتعويض ما تسميه إسرائيل تعويض متضرري العمليات، يعكس استمرار الحكومة الإسرائيلية الحالية، ذات التوجهات اليمينية المتطرفة، في تبني سياسات مالية وسياسية تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية ودفعها نحو مزيد من الأزمات المالية، وصولاً إلى تهديد قدرتها على الاستمرار والقيام بمهامها الأساسية.
ويوضح أن أموال المقاصة تمثل نحو 68% من إيرادات السلطة الفلسطينية، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات تأثير مباشر وعميق على الوضع المالي الفلسطيني في حال كانت هناك انفراجة لأزمة أموال المقاصة المحتجزة.
ويرى أبو غوش أن مجمل الإجراءات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى وجود مسار متدرج نحو تجفيف هذه الإيرادات أو تقليصها إلى أدنى حد ممكن، من خلال أدوات متعددة، من بينها الاقتطاعات المباشرة والقضايا المرفوعة ضد السلطة الفلسطينية والتي تُستخدم لتبرير حجز مزيد من الأموال.

أبعاد سياسية إسرائيلية داخلية

ويلفت أبو غوش إلى أن للقرار أبعاداً سياسية داخلية في إسرائيل أيضاً، إذ قد يرتبط بالمنافسة بين مكونات اليمين الإسرائيلي والسعي إلى كسب مزيد من التأييد الانتخابي عبر تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين.
ويوضح أبو غوش أن بعض الأحزاب والقوى المشاركة في الائتلاف الحاكم أعلنت سابقاً معارضتها لاتفاق أوسلو وأبدت رغبتها في إنهاء دور السلطة الفلسطينية أو تقليص وجودها.
وفي ما يتعلق بالتداعيات الاقتصادية إثر القرار الجديد، يؤكد أبو غوش أن الأزمة المالية الفلسطينية بلغت مستويات غير مسبوقة بعد أكثر من عامين ونصف من الاقتطاعات المتواصلة واحتجاز أجزاء واسعة من أموال المقاصة، الأمر الذي أجبر السلطة على الاعتماد بصورة شبه كاملة على الإيرادات المحلية.

تأثير على القطاعات الحيوية

ويوضح أبو غوش أن هذا الواقع ألقى بظلاله على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، اللذان يواجهان ضغوطاً مالية متزايدة ومخاطر حقيقية على استمرارية الخدمات المقدمة فيهما، مشيراً إلى أن الدين العام الفلسطيني تجاوز 15 مليار دولار، بما يعادل نحو 48 مليار شيكل، في وقت استنفدت فيه السلطة إلى حد كبير أدوات التمويل والاقتراض المحلية.
ويحذر أبو غوش من أن استمرار الاقتطاعات واحتجاز أموال المقاصة قد يؤدي خلال الأشهر المقبلة إلى عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها، سواء تجاه الموظفين أو على صعيد النفقات التشغيلية اللازمة لاستمرار الخدمات الأساسية.
ويقدر أبو غوش أن هناك احتمالاً بأن تقدم إسرائيل مستقبلاً على الإفراج عن جزء محدود من أموال المقاصة المحتجزة، لكن بعد تثبيت الاقتطاعات الجديدة وتحويلها إلى أمر واقع، بما يكرس استمرار السيطرة الإسرائيلية على جزء متزايد من الإيرادات الفلسطينية.

استراتيجية إسرائيلية أوسع

يحذر الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب من التداعيات السياسية والاقتصادية المتفاقمة للمصادقة الجديدة للكنيست الإسرائيلي على اقتطاع مئات ملايين الشواكل سنوياً من أموال المقاصة الفلسطينية، معتبراً أن الخطوة تتجاوز كونها إجراءً مالياً أو عقابياً مرتبطاً بظروف أمنية وسياسية، لتشكل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة صياغة العلاقة مع الفلسطينيين وفرض واقع اقتصادي وسياسي جديد.

رسائل سياسية واقتصادية عميقة

ويوضح الرجوب أن القرار القاضي باقتطاع مبالغ تعادل قيمة الأضرار التي تدعي إسرائيل أنها نجمت عن عمليات نفذها فلسطينيون ضد مستوطنين وإسرائيليين، وتحويل هذه الأموال إلى المتضررين ثم إلى الخزينة الإسرائيلية، يحمل رسائل سياسية واقتصادية عميقة تتجاوز قيمته المالية المباشرة.
ويؤكد الرجوب أن إسرائيل انتقلت من استخدام أموال المقاصة كورقة ضغط ظرفية إلى محاولة تحويل الاقتطاعات إلى آلية دائمة ومؤسسية تستند إلى تشريعات وقوانين داخلية تمنحها غطاءً قانونياً لمواصلة احتجاز الأموال والتصرف بها وفق أولوياتها السياسية والأمنية.
ويشير الرجوب إلى أن أخطر ما في القرار أنه يكرس مفهوم "العقاب الجماعي المالي"، إذ لا تتحمل تبعاته جهات أو أفراد بعينهم، بل ينعكس على مجمل المجتمع الفلسطيني، من الموظفين والمتقاعدين إلى العاملين في مختلف القطاعات، ما يؤدي إلى نقل الصراع من مستواه السياسي والأمني إلى المستوى المعيشي اليومي للمواطنين.

إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطة

ويبيّن الرجوب أن هذه السياسة تسعى أيضاً إلى إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع السلطة الفلسطينية بطريقة تفرغ أي حديث عن الاستقلال المالي من مضمونه، موضحاً أن اعتماد السلطة بشكل كبير على أموال المقاصة يجعل التحكم الإسرائيلي بالإيرادات الفلسطينية أداة سيطرة سياسية أكثر تأثيراً من العديد من أدوات الضغط الأخرى.
ويرى أن القرار يندرج ضمن سياسة أوسع تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، مشيراً إلى أن تعميق الأزمة المالية سيؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة العامة، ويضع الحكومة أمام خيارات صعبة تشمل توسيع الاقتراض، أو خفض النفقات، أو الاستمرار في صرف الرواتب بشكل منقوص وتأجيل الالتزامات المالية المستحقة للقطاع الخاص والمؤسسات المختلفة.
ويعتقد الرجوب أن أول انعكاسات الاقتطاعات ستظهر على رواتب الموظفين العموميين، الأمر الذي سيؤثر بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين وعلى الحركة الاقتصادية في الأسواق المحلية، نظراً للدور المحوري الذي تمثله الرواتب الحكومية في تحريك الدورة الاقتصادية الفلسطينية.

تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية

ويشير الرجوب إلى أن استمرار الاقتطاعات سيؤدي كذلك إلى تقليص الموارد المخصصة لقطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، ما ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين ويؤدي إلى تآكل تدريجي في قدرة المؤسسات العامة على أداء مهامها.
ويلفت إلى أن التداعيات الاجتماعية للأزمة قد تكون الأكثر خطورة، من خلال زيادة معدلات الفقر والبطالة واتساع دائرة الاحتياجات الاجتماعية وتعميق الشعور بالإحباط وعدم اليقين تجاه المستقبل.
ويحذر الرجوب من أن تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الوفاء بالتزاماتها قد يؤدي إلى تآكل الثقة بها وإضعاف الاستقرار المؤسسي.


معادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصة

ويوضح الرجوب أن الاقتطاع الجديد يكتسب خطورته من كونه يؤسس لمعادلة جديدة في التعامل مع أموال المقاصة المحتجزة أصلاً، بحيث تصبح هذه الأموال أداة دائمة للضغط والابتزاز السياسي، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات مستقبلية بشأن الإفراج عنها، معتبراً أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الاقتصاد الفلسطيني رهينة لقراراتها، ومنع الفلسطينيين من امتلاك الحد الأدنى من الاستقلال المالي والاستقرار الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

آثار على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطيني

تحذر الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي من التداعيات السياسية والاقتصادية المتصاعدة للقرار الإسرائيلي باقتطاع المزيد من أموال المقاصة، معتبرة أن خطورته لا تكمن فقط في حجم المبالغ المقتطعة، بل في الدلالات السياسية التي يحملها وفي الآثار بعيدة المدى التي يتركها على الاستقرار المالي والاجتماعي الفلسطيني.
وتوضح الرنتيسي أن إسرائيل تتعامل مع ملف المقاصة باعتباره أداة ضغط وعقاب سياسي، من خلال تحميل الخزينة الفلسطينية كلفة ما تصفه بالأضرار الناجمة عن عمليات المقاومة، الأمر الذي يحوّل أموال الضرائب الفلسطينية من حق مالي مستحق إلى صندوق مفتوح لتعويض الإسرائيليين وتمويل التزامات تقررها الحكومة الإسرائيلية بصورة أحادية.

استنزاف المقاصة تدريجياً

وترى الرنتيسي أن هذه السياسة تفتح الطريق عملياً أمام استنزاف المقاصة تدريجياً وصولاً إلى تصفيرها، بما يخلق ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة يصعب احتواؤها.
وتشير الرنتيسي إلى أن أموال المقاصة تمثل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية، وتقترب قيمتها من إجمالي فاتورة الرواتب والأجور في القطاع العام، ما يجعل أي اقتطاعات جديدة ذات انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين في المستقبل.
وتبين الرنتيسي أن الأمر لا يقتصر على كونه رقماً مالياً في الموازنة، بل ينعكس على دخل آلاف الأسر الفلسطينية، ويؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانكماش الأسواق وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم.

نحو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاً

وتؤكد الرنتيسي أن من أخطر ما يحمله القرار الجديد هو جعل سقف الاقتطاعات مفتوحاً وقابلاً للزيادة سنوياً وفق تقديرات وقرارات إسرائيلية داخلية لا يملك الفلسطينيون أي قدرة على مراجعتها أو الاعتراض عليها، خصوصاً بعد إدخال بنود جديدة تشمل تعويضات ضريبة الأملاك وتعويضات المصابين وعائلات القتلى الإسرائيليين.
وتشير الرنتيسي إلى أن تداعيات هذه السياسات باتت واضحة في ملف الرواتب، إذ تعيش السلطة الفلسطينية منذ عام 2023، حالة من صرف الرواتب المنقوصة، ما أثر بشكل مباشر على الموظفين وعلى الحركة الاقتصادية. وتوضح الرنتيسي أن الراتب الحكومي يشكل أحد أهم محركات الدورة الاقتصادية الفلسطينية، وأن أي تراجع فيه ينعكس على الاستهلاك ومبيعات التجار وقدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها المالية، كما يزيد الضغوط على القطاع المصرفي.

الأزمة تطال أبعد من الرواتب

وتلفت الرنتيسي إلى أن الأزمة بسبب احتجاز أموال المقاصة تمتد إلى ما هو أبعد من الرواتب، إذ تؤثر على الخدمات الصحية والتعليمية والبنية الخدماتية، وتؤدي إلى تراكم الديون بين الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين، ما يخلق سلسلة متواصلة من الأزمات الاقتصادية.
وتؤكد الرنتيسي أن الخطر الأعمق يتمثل في تراجع القدرة على التخطيط المالي نتيجة ربط الاقتطاعات بتقديرات إسرائيلية متغيرة، الأمر الذي يحول إدارة المالية العامة إلى عملية "نجاة شهرية" بدلاً من التخطيط للتنمية والاستثمار، ويعمق أزمة الثقة بين المواطن والحكومة، مع تزايد شعور المواطنين بأنهم يلتزمون بواجباتهم المالية في وقت تعجز فيه الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، ما يهدد بتراكم ضغوط اجتماعية واقتصادية متزايدة خلال المرحلة المقبلة.

مأسسة وشرعنة القرصنة المالية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن مصادقة الكنيست الإسرائيلي على اقتطاعات جديدة من أموال المقاصة لتعويض ما تسميهم متضرري العمليات التي ينفذها فلسطينيون، تمثل انتقالاً من الإجراءات الفردية والمؤقتة إلى مرحلة "المأسسة والشرعنة" لحالة القرصنة المالية التي مارستها الحكومات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما عبر قرارات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المتعلقة بحجز واقتطاع الأموال الفلسطينية.
ويوضح بشارات أن القرار يؤسس لعملية ممنهجة تستهدف المورد المالي الرئيسي للسلطة الفلسطينية والمتمثل في أموال المقاصة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتعارض بصورة مباشرة مع بروتوكول باريس الاقتصادي والاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي تنص على قيام إسرائيل بجباية الضرائب وتحويلها إلى الجانب الفلسطيني مقابل رسوم محددة تتعلق بعملية التحصيل، وليس التصرف بهذه الأموال أو اقتطاعها لأغراض سياسية وأمنية.

تقويض البنية الفلسطينية بأكملها

ويرى بشارات أن المسألة تتجاوز إطار الضغط المالي أو الابتزاز السياسي التقليدي، لتندرج ضمن سياسة أشمل تستهدف تقويض البنية الفلسطينية بأكملها.
وبحسب بشارات، فإن الاقتصاد يشكل العمود الفقري للمجتمع الفلسطيني، وإن استهدافه بصورة متواصلة يهدف إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستمرار، وتحويل المجتمع إلى بنية هشة تعاني من أزمات متراكمة تجعلها أقل قدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية.
ويؤكد أن هذه السياسات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية لإحداث حالة من الانهيار المنظم داخل المجتمع الفلسطيني، بما يفتح المجال أمام زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع أعداداً من الفلسطينيين إلى البحث عن فرص للهجرة أو المغادرة نتيجة تراجع مقومات الحياة والاستقرار الاقتصادي.
ويوضح بشارات أن الاستهداف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البنية المؤسسية الفلسطينية، إذ تؤدي الاقتطاعات المتواصلة إلى إضعاف مؤسسات السلطة الفلسطينية وتقليص قدرتها على العمل وتقديم الخدمات، بما يعرقل بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على أداء وظائفها وفق النظام السياسي والإداري الفلسطيني.

تعميق الأزمة الاقتصادية المتفاقمة

وفي ما يتعلق بالانعكاسات المالية، يحذر بشارات من أن القرار سيعمق الأزمة الاقتصادية المتفاقمة أصلاً، في ظل واقع مالي صعب تعيشه السلطة الفلسطينية منذ سنوات.
ويشير إلى أن استمرار اقتطاع أموال المقاصة سيزيد من هشاشة الاقتصاد الفلسطيني ويحد من قدرته على إدارة متطلبات الحياة اليومية، فضلاً عن تأثيره المباشر على القطاعات الحيوية.
ويلفت بشارات إلى أن مؤشرات التراجع بدأت تظهر بوضوح في قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة، التي تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص الموارد المالية، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع تلك القطاعات إلى مستويات أكثر خطورة من التراجع، وصولاً إلى حالة من الانهيار التدريجي.
ويؤكد بشارات أن إسرائيل، من خلال مواصلة اقتطاع واحتجاز أموال المقاصة، تسعى إلى إدامة حالة الضعف الاقتصادي والمؤسسي الفلسطيني، ودفع الفلسطينيين بمختلف مكوناتهم نحو أزمة شاملة تمس الاقتصاد والخدمات العامة والبنية المجتمعية، في إطار سياسة تستهدف إحداث حالة من الانهيار المنظم والمتواصل للواقع الفلسطيني.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين وإسرائيل: بين وهم الانتصار ووهم الهزيمة


د. إبراهيم نعيرات

بعد أكثر من قرن من الصراع، لم يعد الفلسطينيون والإسرائيليون مجرد خصمين يتواجهان على الأرض نفسها، بل أصبحوا شعبين عالقين في معضلة تاريخية وسياسية تبدو عصية على الحل. فكل طرف يحمل روايته الخاصة وآلامه ومخاوفه وتطلعاته الوطنية، لكن أياً منهما لم ينجح في الوصول إلى حالة مستقرة من الأمن أو العدالة أو السلام.

الفلسطينيون ما زالوا يواجهون أسئلة الدولة والسيادة والحقوق الوطنية، بينما يعيش الإسرائيليون في ظل قلق أمني وسياسي مستمر رغم ما تمتلكه دولتهم من تفوق عسكري واقتصادي وتكنولوجي. وعلى الرغم من اختلاف أوضاع الطرفين واختلال ميزان القوة بينهما، فإن النتيجة النهائية تكشف مفارقة لافتة: لا يوجد طرف يشعر بأنه وصل إلى نهاية الصراع أو حقق استقراراً دائماً.

من أكثر الأفكار تضليلاً في هذا النزاع الاعتقاد بأن أحد الطرفين حسم المعركة نهائياً. فهناك من الإسرائيليين من ينظر إلى التفوق العسكري والاقتصادي والعلاقات الدولية الواسعة بوصفها دليلاً على انتصار تاريخي تحقق بالفعل، وأن الزمن يعمل لمصلحتهم. وفي المقابل، هناك من الفلسطينيين من ينظر إلى طول أمد الصراع واختلال موازين القوة بوصفه دليلاً على أن القضية الفلسطينية خسرت أو أن نهايتها أصبحت مسألة وقت. غير أن الواقع يكذب الفكرتين معاً.

فلو كان التفوق الإسرائيلي كافياً لحسم الصراع، لكان النزاع قد انتهى منذ عقود. ولو كانت القضية الفلسطينية قد هُزمت فعلاً، لما بقيت حاضرة بهذا الزخم في السياسة الإقليمية والدولية، ولما استمرت في التأثير في حسابات المنطقة والعالم. إن مجرد استمرار الصراع بعد كل هذه السنوات يشير إلى حقيقة مختلفة: لا يوجد انتصار كامل، ولا توجد هزيمة كاملة.

لقد أدى طول أمد النزاع إلى خلق واقع من الاعتماد المتبادل القسري. فمصير كل طرف أصبح مرتبطاً، بدرجة أو بأخرى، بقرارات الطرف الآخر. وكل محاولة لتجاهل هذه الحقيقة أو فرض حل أحادي الجانب لم تؤدِّ إلا إلى جولات جديدة من التوتر والعنف وعدم الاستقرار. ومع مرور الزمن، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين مشروعين متنافسين، بل تحول إلى مأزق تاريخي تتشابك فيه حياة الشعبين ومستقبلهما على نحو يصعب فصله.

ومن المفارقات اللافتة أن محاولات حسم الصراع بالقوة العسكرية لم تؤدِّ إلى إنهائه. فكلما سعت إسرائيل إلى فرض واقع نهائي عبر الحروب أو العمليات العسكرية الكبرى، بدت وكأنها تحقق إنجازات ميدانية مباشرة، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها أمام أزمات سياسية وأمنية واستراتيجية أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل تلك المواجهات. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير القدرات المادية للخصم وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض، لكنها لم تستطع حتى الآن إنهاء الهوية الوطنية الفلسطينية أو إغلاق ملف القضية الفلسطينية.

بل إن كثيراً من جولات الصراع الكبرى أدت إلى نتيجة معاكسة للتوقعات. فبدلاً من اختفاء القضية الفلسطينية من المشهد، عادت إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي. وبدلاً من أن يؤدي الضغط المتواصل إلى إنهاء المطالب الفلسطينية، أثبت الفلسطينيون قدرة مستمرة على الصمود وإعادة إنتاج حضورهم السياسي والتاريخي. وهكذا وجدت إسرائيل نفسها، بعد كل محاولة للحسم، أمام حقيقة ثابتة: يمكن كسب المعارك، لكن تحويل النصر العسكري إلى نهاية سياسية للصراع أمر مختلف تماماً.

وفي المقابل، لم يتمكن الفلسطينيون من تحقيق أهدافهم الوطنية الأساسية أو فرض رؤيتهم النهائية للحل، لكنهم لم يختفوا من المعادلة ولم يفقدوا قدرتهم على التأثير في مسار الأحداث. فبعد عقود من التوقعات التي تحدثت عن تراجع القضية أو ذوبانها في تحولات المنطقة، ما زالت حاضرة وقادرة على فرض نفسها على الوقائع السياسية.

لذلك يمكن القول إن نوعاً من توازن الردع التاريخي والسياسي قد نشأ بين الطرفين. ليس توازناً في القوة العسكرية أو الموارد أو السيطرة على الأرض، فالتفاوت في هذه المجالات واضح. وإنما هو توازن في القدرة على منع الطرف الآخر من تحقيق حسم نهائي. إسرائيل قادرة على منع الفلسطينيين من فرض مشروعهم الوطني كاملاً، لكنها عاجزة عن إنهاء القضية الفلسطينية أو تحويلها إلى ذكرى تاريخية. والفلسطينيون عاجزون عن فرض رؤيتهم النهائية للصراع، لكنهم قادرون على منع تحويل وجودهم وقضيتهم إلى صفحة مطوية من الماضي.

ومن هنا تنشأ المعضلة الأساسية. فكل طرف يملك ما يكفي من القوة أو الصمود أو القدرة على التأثير لمنع انتصار الآخر الكامل، لكنه لا يملك ما يكفي لتحقيق انتصاره هو. وهكذا يستمر الصراع في حالة معلقة، حيث يتحول الزمن نفسه إلى ساحة مواجهة، وينتظر كل طرف أن يحقق المستقبل ما عجز الحاضر عن تحقيقه.

تكمن المأساة في أن الشعبين يملكان من أسباب الخوف ما يكفي لإدامة الصراع، لكنهما لا يملكان من القوة ما يكفي لإنهائه بصورة نهائية لصالح أحدهما. ولذلك تبدو المنطقة وكأنها أسيرة معادلة مغلقة: الفلسطينيون لا يستطيعون انتزاع ما يعتبرونه حقوقهم كاملة، والإسرائيليون لا يستطيعون الحصول على الأمن الكامل والاستقرار النهائي الذي يسعون إليه.

غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني الاستسلام لها، بل يعني التحرر من الأوهام التي حكمت التفكير السياسي لدى الطرفين لعقود طويلة. فربما كانت أكبر عقبة أمام أي تسوية تاريخية هي استمرار الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بتحقيق ما عجزت عنه السياسة، أو أن القوة قادرة على إنجاز ما فشلت في تحقيقه الحروب المتعاقبة.

إن الاعتقاد بأن الإسرائيليين يعيشون في وضع مريح بسبب تفوقهم، أو أن الفلسطينيين خسروا قضيتهم بسبب ضعفهم، يعكس قراءة سطحية للواقع. فالتفوق لا يعني الحسم، والصمود لا يعني الانتصار. وما بين التفوق والصمود نشأت معادلة فرضت نفسها على الطرفين: لا أحد انتصر بما يكفي لينهي الصراع، ولا أحد انهزم بما يكفي ليغادره.

وربما تكون هذه هي الحقيقة السياسية الأهم في المنطقة اليوم. فبعد عقود طويلة من المواجهة، أصبح الفلسطينيون والإسرائيليون مرتبطين بمصير سياسي واحد أكثر مما يرغب كثيرون في الاعتراف. فلا يمكن لأي طرف أن يحقق استقراراً دائماً من خلال تجاهل وجود الطرف الآخر أو انتظار انهياره. لقد جُرِّبت القوة، وجُرِّب الرهان على الزمن، وجُرِّبت سياسات فرض الأمر الواقع، لكن الصراع بقي قائماً.

ولهذا فإن جوهر المأزق ليس أن أحد الطرفين عاجز عن الانتصار فقط، بل أن كليهما عاجز عن التخلص من الآخر. وفي هذه الحقيقة تحديداً يكمن سبب استمرار الصراع، وربما يكمن فيها أيضاً مفتاح فهم أي حل مستقبلي له.


اقتصاد

الأربعاء 10 يونيو 2026 8:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'سقوط حر' للاقتصاد العراقي إثر انهيار صادرات النفط

يواجه الاقتصاد العراقي تحديات مصيرية وصفتها تقارير دولية بحالة من "السقوط الحر"، وذلك على خلفية التراجع الحاد في مبيعات النفط الخام التي تشكل العمود الفقري لميزانية البلاد. وأفادت مصادر إعلامية بأن استمرار إغلاق مضيق هرمز أدى إلى هبوط حاد في معدلات التصدير اليومية، حيث تراجعت من 4.3 مليون برميل إلى نحو 1.4 مليون برميل فقط، مما وضع المالية العامة في مأزق حقيقي.

وتشير البيانات الرسمية إلى فجوة هائلة في حجم الصادرات الشهرية، إذ سجل العراق تصدير نحو 10 ملايين برميل فقط خلال الشهر المنصرم، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بـ 93 مليون برميل تم تصديرها في الشهر الذي سبقه. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا المؤشر هو الأخطر من نوعه الذي يواجه بغداد منذ سنوات طويلة، خاصة مع تعطل المنافذ البحرية الرئيسة في منطقة الخليج التي تعتمد عليها الدولة بشكل شبه كلي.

وفي محاولة لتدارك الموقف، تسعى الحكومة العراقية لتفعيل مسارات بديلة لضمان تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، من بينها زيادة الإنتاج في حقول إقليم كردستان وتوجيهه عبر ميناء جيهان التركي. ومع ذلك، تصطدم هذه المساعي بعقبات أمنية وميدانية معقدة، لا سيما بعد تعرض المنشآت النفطية في الإقليم لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة، مما يهدد استقرار عمليات التصدير عبر هذا المسار الحيوي.

وأمام هذا الشح في السيولة، اضطرت السلطات المالية في العراق إلى التوجه نحو الاقتراض الداخلي وإصدار السندات الوطنية لتوفير المبالغ اللازمة لصرف رواتب الموظفين وتغطية النفقات التشغيلية الضرورية. وتأتي هذه التحركات في وقت تشتد فيه الضغوط المالية على الحكومة، مع غياب الحلول السريعة لاستعادة مستويات التصدير الطبيعية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تعصف بالمنطقة.

من جانبه، حذر البنك الدولي في تقديرات سابقة من انكماش محتمل للاقتصاد العراقي بنسبة تصل إلى 6.8% خلال العام الجاري، مرجعاً ذلك إلى الارتباط الوثيق بين النمو الاقتصادي وحركة صادرات الطاقة. وبما أن النفط يمول أكثر من 90% من الموازنة العامة، فإن استمرار الأزمة يهدد بتداعيات معيشية واجتماعية واسعة النطاق، ما يتطلب استراتيجيات عاجلة لتنويع مصادر الدخل وتأمين طرق بديلة للتجارة الدولية.

تحليل

الأربعاء 10 يونيو 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مواجهة هرمز تكشف حدود الردع الأميركي وتعمّق الخلاف مع إسرائيل حول إيران

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات-10/6/2026


تحليل إخباري


دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية وخطورة بعد حادثة إسقاط مروحية أميركية من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز، وما أعقبها من ضربات أميركية مباشرة استهدفت مواقع دفاع جوي ورادارات إيرانية، ورد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف أميركية في المنطقة. وبينما بدت التطورات للوهلة الأولى مجرد حلقة جديدة من التصعيد العسكري المتبادل، فإن أبعادها السياسية والاستراتيجية تكشف تحولات أعمق تتعلق بمستقبل الصراع، وبحدود النفوذ الإسرائيلي داخل واشنطن، وبالرهان على القوة العسكرية كوسيلة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.


الرئيس الأميركي دونالد ترمب سارع إلى تحميل إيران مسؤولية إسقاط المروحية، مؤكداً نجاة الطيارين، قبل أن يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية وصفها البنتاغون بأنها “دفاعية ومتناسبة”. وأكد ترمب أن الرد كان قوياً وحاسماً، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا تستطيع السماح باستهداف قواتها دون رد. لكن الحادثة، رغم رمزيتها العسكرية، كشفت أيضاً هشاشة الوضع الأمني في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.


ورغم أن التحقيقات الأميركية الأولية رجحت تعرض المروحية لعمل عدائي مرتبط بوسائل إيرانية، فإنها لم تحسم بصورة قاطعة طبيعة الحادث أو ما إذا كان الاستهداف متعمداً. وفي المقابل، نفت طهران مسؤوليتها المباشرة، مشيرة إلى أن الحادث قد يكون نتاجاً لحالة التوتر العسكري الكثيف في المنطقة. إلا أن تضارب الروايات لم يمنع انتقال الأزمة سريعاً إلى مرحلة الضربات المتبادلة، ما جعل مضيق هرمز يتحول من ساحة ضغط اقتصادي واستراتيجي إلى ساحة اشتباك عسكري مباشر بين القوتين.


ويأتي هذا التصعيد في وقت يواجه فيه ترمب معضلة سياسية واستراتيجية معقدة. فالرئيس الأميركي الذي بنى جزءاً كبيراً من خطابه السياسي على وعد إنهاء "الحروب التي لا نهاية لها" يجد نفسه مضطراً للعودة إلى استخدام القوة العسكرية في الشرق الأوسط. وبينما يؤكد باستمرار أنه لا يريد حرباً شاملة مع إيران، فإن الوقائع الميدانية تدفع إدارته إلى اتخاذ خطوات عسكرية متدرجة للحفاظ على هيبة الردع الأميركي وحماية القوات المنتشرة في المنطقة.


لكن أهمية الأزمة لا تقتصر على البعد الأميركي الإيراني. فالتطورات الأخيرة سلطت الضوء مجدداً على التباينات المتزايدة بين واشنطن وحكومة بنيامين نتنياهو بشأن كيفية التعامل مع إيران ومستقبل المنطقة. ففي الوقت الذي تدفع فيه إسرائيل نحو تشديد الضغوط العسكرية وتوسيع ساحات المواجهة، يبدو أن الإدارة الأميركية باتت أكثر اقتناعاً بأن الحلول السياسية والتفاهمات القابلة للرقابة والتحقق قد تكون أقل كلفة وأكثر فاعلية من الانخراط في صراعات مفتوحة لا نهاية واضحة لها.


وتزداد دلالة هذا التباين مع استمرار المسؤولين الأميركيين في التأكيد أن الهدف الاستراتيجي لواشنطن لا يزال منع إيران من امتلاك سلاح نووي والتوصل إلى تفاهم يضمن أمن الملاحة الدولية واستقرار المنطقة. وقد عكس تصريح نائب الرئيس جي دي فانس، الذي وصف الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه مع إيران بأنه "إنجاز كبير للشعب الأميركي سواء أعجب إسرائيل أم لا"، اتجاهاً متنامياً داخل الإدارة الأميركية نحو الفصل بين المصالح الأميركية المباشرة والحسابات السياسية للحكومة الإسرائيلية.


وتكشف هذه المواقف عن تراجع ملحوظ في قدرة نتنياهو على التأثير في مسار السياسة الأميركية تجاه إيران مقارنة بسنوات سابقة. فبينما كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قادرة في مراحل مختلفة على دفع واشنطن نحو خيارات أكثر تشدداً، تبدو الإدارة الحالية أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. كما أن الخلافات التي برزت حول العمليات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في لبنان وسوريا عززت الانطباع بأن النفوذ الإسرائيلي داخل دوائر صنع القرار الأميركي لم يعد مطلقاً كما كان في السابق.


وفي المقابل، أعادت الأزمة طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية النهج الأمني الإسرائيلي القائم على توسيع دائرة المواجهات العسكرية. فعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل والدعم الأميركي المستمر، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق استقرار دائم أو إنهاء مصادر التوتر في المنطقة. بل إن الحروب المتكررة والعمليات العسكرية الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران ساهمت في تعميق الأزمات الإقليمية بدلاً من حلها.


ويرى منتقدو السياسات الإسرائيلية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في غياب المعالجة السياسية لجذور الصراع، وفي استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية والإنسانية. فهذه السياسات، بحسب منتقديها، لم توفر الأمن للإسرائيليين، كما لم تمنح الفلسطينيين الحد الأدنى من العدالة أو الكرامة، بل أسهمت في إنتاج دورات متلاحقة من العنف وعدم الاستقرار.


وفي المحصلة، تكشف أزمة هرمز أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، لم تعد قادرة وحدها على فرض نتائج سياسية مستدامة. فإيران أظهرت قدرتها على المناورة وفرض كلفة على خصومها رغم العقوبات والضغوط، فيما اكتشفت واشنطن أن النفوذ لا يُقاس فقط بحجم الترسانة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على إدارة الأزمات وصناعة التسويات. أما إسرائيل، التي طالما قدمت تفوقها العسكري باعتباره الضمانة الأساسية للأمن، فتجد نفسها أمام واقع يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بمعالجة الأسباب السياسية التي تُبقي المنطقة أسيرة الصراعات المفتوحة.


وتكشف أزمة هرمز أن الإدارة الأميركية بدأت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من زاوية تختلف تدريجياً عن الرؤية التي تروج لها حكومة نتنياهو. فبينما ترى إسرائيل أن زيادة الضغوط العسكرية على إيران تمثل الطريق الأقصر لإضعافها، يبدو أن واشنطن باتت أكثر اقتناعاً بأن أي مواجهة واسعة قد تهدد المصالح الأميركية الاقتصادية والعسكرية في الخليج والعالم. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة رغم تبادل الضربات. فالخلاف الحالي لا يتعلق بالتكتيكات فقط، بل يعكس اختلافاً متزايداً في تعريف المصالح والأولويات بين الحليفين، وهو اختلاف قد يتعمق خلال المرحلة المقبلة.


كما أظهرت التطورات الأخيرة مجدداً أن التفوق العسكري الإسرائيلي والأميركي لم ينجح في إنتاج منظومة أمن إقليمي مستقرة، بل إن الاعتماد المفرط على القوة ساهم في توسيع رقعة الأزمات وإدامتها. فمن غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، تتكرر العمليات العسكرية دون أن تتمكن من إزالة الأسباب السياسية للصراعات. كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية، يبدد أي إمكانية لتحقيق استقرار دائم. لذلك تبدو الأزمة الحالية دليلاً إضافياً على أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الردع العسكري وحده، بل على العدالة السياسية والتسويات المستدامة التي تعالج جذور النزاعات لا مظاهرها فقط.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 7:58 صباحًا - بتوقيت القدس

مرشح رئاسي أمريكي محتمل يتعهد بترحيل 100 مليون شخص بينهم مجنسون

أعلن غريغوري بوفينو، المسؤول السابق في جهاز حرس الحدود الأمريكي، عن نيته خوض سباق الانتخابات الرئاسية لعام 2028 ببرنامج سياسي مثير للجدل. وتتضمن رؤية بوفينو تعهداً بترحيل ما يقرب من 100 مليون شخص من الأراضي الأمريكية، وهو رقم يتجاوز بكثير أعداد المهاجرين غير النظاميين المتواجدين حالياً في البلاد. ويرى مراقبون أن هذا الطرح يمثل ذروة الخطاب المتشدد في ملف الهجرة داخل الدوائر السياسية الأمريكية.

وتشير التفاصيل المنشورة عبر الموقع الاستكشافي لحملة بوفينو إلى أن عمليات الترحيل لن تقتصر على من يفتقرون للوثائق الرسمية فقط. بل ستمتد الخطة لتشمل فئات تحمل وضعاً قانونياً مستقراً، بما في ذلك المهاجرون الحاصلون على الإقامة الدائمة 'الجرين كارد' والمواطنون الذين اكتسبوا الجنسية الأمريكية عبر التجنس. وتعد هذه الخطوة سابقة في الخطاب السياسي الأمريكي كونها تستهدف مواطنين يتمتعون بحقوق دستورية كاملة.

وأفادت مصادر متابعة للشأن الأمريكي بأن التقديرات الرسمية لعدد المقيمين غير الموثقين في الولايات المتحدة لا تتخطى بضعة ملايين من الأشخاص. وبناءً على ذلك، فإن استهداف رقم يصل إلى 100 مليون يعني بالضرورة تفريغ البلاد من شريحة واسعة من سكانها الذين يساهمون في النسيج الاقتصادي والاجتماعي. وقد أثار هذا الرقم تساؤلات كبرى حول الآليات القانونية واللوجستية التي يمكن أن تتبعها إدارة رئاسية لتنفيذ مثل هذا المخطط الضخم.

وتتضمن خطة المرشح المحتمل إجراء تغييرات هيكلية واسعة في وزارة الأمن الداخلي وكافة المؤسسات المعنية بإنفاذ قوانين الهجرة. ويسعى بوفينو من خلال هذا البرنامج إلى إعادة صياغة السياسات الأمنية لتكون أكثر صرامة في مواجهة ما يصفه بالتحديات الديموغرافية. ويربط خطابه السياسي بشكل مباشر بين تدفق المهاجرين وبين التغيرات في الهوية الوطنية للولايات المتحدة، وهو ما يلقى صدى لدى بعض القواعد الانتخابية اليمينية.

وقد قوبلت هذه التصريحات بموجة من الانتقادات الحادة من قبل منظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون الدستوري الذين وصفوا المقترح بأنه غير واقعي وينتهك الحقوق الأساسية. ويرى منتقدون أن استهداف المواطنين المجنسين بالترحيل يضرب مبدأ المواطنة في صميمها ويخلق حالة من عدم الاستقرار لملايين العائلات. كما حذر خبراء اقتصاديون من أن ترحيل هذا العدد الهائل سيؤدي إلى انهيار قطاعات حيوية تعتمد بشكل أساسي على العمالة المهاجرة والخبرات الأجنبية.

وفي سياق متصل، يرى محللون سياسيون أن بوفينو يحاول استنساخ تجارب سياسية سابقة تعتمد على الشعبوية والخطاب القومي المتطرف لجذب الناخبين. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة انقساماً حاداً حول قضايا الهوية والحدود، مما يجعل من ملف الهجرة مادة دسمة للتجاذبات الانتخابية المبكرة. وتعكس هذه التصريحات تصاعد نفوذ الجناح المتشدد الذي يطالب بإجراءات غير مسبوقة للسيطرة على التركيبة السكانية.

وعلى الرغم من أن الانتخابات الرئاسية لا تزال بعيدة، إلا أن طرح مثل هذه البرامج يضع ملف الهجرة في مقدمة النقاشات السياسية المقبلة. وتراقب الأوساط الدولية والمحلية مدى قدرة هذا الخطاب على كسب زخم شعبي في ظل التحديات القانونية التي قد تواجهه أمام المحاكم الفيدرالية. وتبقى التساؤلات قائمة حول مدى جدية هذه التعهدات أو ما إذا كانت مجرد أداة دعائية لحشد التأيد في المراحل الأولى من السباق الرئاسي.

اقتصاد

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الصناعات الدفاعية التركية تقتحم الأسواق العالمية: صادرات بـ 10 مليارات دولار لـ 40 دولة

تشهد الصناعات الدفاعية التركية تحولاً استراتيجياً كبيراً، حيث انتقلت أنقرة من مرحلة الاعتماد على الاستيراد إلى موقع المورد الرئيسي للمعدات العسكرية المتطورة. ونجحت الاستثمارات الحكومية طويلة الأمد في ترسيخ مكانة تركيا كلاعب أساسي في السوق العالمية، لا سيما في قطاع الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الحديثة التي باتت تحظى بطلب دولي واسع.

وتشير البيانات التجارية الأخيرة إلى أن تركيا تزود حالياً نحو 40 دولة بمعداتها العسكرية، مع تركيز خاص على أسواق الخليج وإفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى اختراق متزايد للأسواق الأوروبية. ويرى مراقبون أن المنتجات التركية باتت تنافس البدائل الغربية بفضل تكلفتها المنخفضة، ومرونتها العالية، وسرعة تسليم الطلبيات مقارنة بالموردين التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة.

وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إعادة تقييم منظوماتها الأمنية والبحث عن شركاء صناعيين جدد. وقد برزت تركيا كخيار استراتيجي ليس فقط كقوة عسكرية على الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، بل كشريك صناعي قادر على تلبية الاحتياجات الدفاعية المتزايدة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأظهرت مراجعات لبيانات تجارية حديثة أن قيمة الصادرات الدفاعية التركية قفزت لتصل إلى نحو 10 مليارات دولار خلال العام الماضي، وهو ما يمثل زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بمستويات عام 2021. كما سجلت الصادرات الموجهة إلى الأسواق الغربية نمواً لافتاً، حيث ارتفعت بمقدار أربعة أضعاف لتتجاوز حاجز 5.5 مليارات دولار، مما يعكس ثقة متزايدة في الجودة التقنية التركية.

ويعزو الخبراء هذا الازدهار إلى استمرارية الدعم الحكومي للقطاع العسكري، وقدرة الشركات التركية على تكييف أنظمتها الدفاعية لتلائم المتطلبات الخاصة لكل عميل. هذا التوجه مكن أنقرة من سد الفجوات التي تركها الموردون الغربيون الذين يواجهون تحديات في الطاقة الإنتاجية أو تعقيدات في دورات الشراء والتسليم الطويلة التي تعيق التحديث السريع للجيوش.

وعلى صعيد الابتكار التقني، شهد معرض 'ساها 2026' الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء الكشف عن أحدث الابتكارات التركية في مجال مكافحة الطائرات المسيّرة. حيث قدمت شركة 'خان سيستم' نظامها الجديد 'باران'، وهو نظام دفاعي متطور صُمم خصيصاً للتعامل مع التهديدات الجوية في المواجهات القريبة، مما يعزز من تنوع المحفظة الدفاعية التركية في الأسواق العالمية.

ويعتمد نظام 'باران' على تقنيات الذكاء الاصطناعي من خلال رادار متطور يقوم برصد الأهداف وتتبعها بشكل آلي ودقيق. وتتكون المنصة الدفاعية من ست سبطانات قادرة على إطلاق ألف طلقة في الدقيقة الواحدة، بمدى فعال يتراوح بين 100 و200 متر، مما يجعله حلاً مثالياً لحماية المنشآت الحيوية من هجمات الدرونز الانتحارية والمسيّرات الصغيرة.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:13 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يقر خططاً لاستئناف العدوان على غزة وتعثر مفاوضات القاهرة حول ملف السلاح

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن مصادقة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، على خطط عملياتية جديدة تهدف إلى استئناف العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة. وتأتي هذه التحركات العسكرية في وقت حساس تشهد فيه العاصمة المصرية القاهرة جولات تفاوضية مكثفة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء الدوليين لمحاولة تثبيت التهدئة الهشة.

وأوضحت التقارير أن الخطط التي اعتمدها زامير قُدمت من قبل قائد القيادة الجنوبية، اللواء يانيف عاسور، الذي شدد على ضرورة التحرك العسكري القريب. ويرى القادة العسكريون في جيش الاحتلال أن استئناف القتال بات ضرورة استراتيجية في ظل غياب أي قوة دولية قادرة على تنفيذ بنود نزع سلاح المقاومة في القطاع.

وزعمت المصادر الأمنية الإسرائيلية أن حركة حماس نجحت خلال أشهر التهدئة الماضية في ترميم قدراتها العسكرية والتنظيمية بشكل ملحوظ. وادعت هذه المصادر أن الحركة أعادت بناء شبكات الأنفاق المتضررة، بالإضافة إلى تفعيل مقار القيادة والسيطرة التي استُهدفت في جولات التصعيد السابقة.

وفي سياق التحضيرات الميدانية، يستعد جيش الاحتلال لاحتمالية العودة إلى قتال واسع النطاق مستفيداً من حالة الهدوء النسبي على جبهتي لبنان وإيران. ويسعى كبار المسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية إلى تسريع وتيرة تنفيذ هذه الخطط المعتمدة لضمان عدم منح الفصائل مزيداً من الوقت لتعزيز دفاعاتها.

وعلى الرغم من الضغوط العسكرية، أشارت المصادر إلى أن القيادة السياسية في تل أبيب لم تمنح الضوء الأخضر النهائي لبدء الهجوم الواسع حتى الآن. ومع ذلك، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طالب بتسريع الاستعدادات اللوجستية والميدانية تحسباً لأي قرار سياسي وشيك بتوسيع رقعة العمليات.

ميدانياً، يواصل الاحتلال سيطرته على ما يعرف بـ 'الخط الأصفر' الذي يعزل مناطق واسعة من قطاع غزة ويقسمها جغرافياً. وتستولي إسرائيل عبر هذا الخط العازل على نحو 60% من مساحة القطاع، مما يضيق الخناق على تحركات الفلسطينيين ويحول دون عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الشرقية.

وفي المسار السياسي، أفادت مصادر متابعة لمحادثات القاهرة بأن الفصائل الفلسطينية أبدت مرونة حيال مبدأ 'حصر السلاح' في غزة. ووافقت الفصائل على أن يكون السلاح تحت إشراف هيئة فلسطينية وطنية متفق عليها، كخطوة لقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية لاستمرار العدوان.

إلا أن هذا التقدم يصطدم بتعنت إسرائيلي مدعوم باشتراطات دولية، حيث تصر تل أبيب على تسليم كافة الأسلحة لقوات استقرار دولية. وتستند إسرائيل في هذا المطلب إلى الرؤية التي طرحتها الإدارة الأمريكية السابقة ضمن ما يعرف بخطة ترامب، وهو ما ترفضه الفصائل جملة وتفصيلاً.

وأكد مسؤول فلسطيني مطلع أن ملف السلاح يمثل حالياً نقطة الخلاف الوحيدة والجوهريّة التي تعيق التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل. وأوضح أن الوسطاء في مصر وقطر وتركيا يحاولون تقريب وجهات النظر عبر صياغات مشروطة، لكن الفجوة لا تزال واسعة بين رؤية المقاومة والمطالب الإسرائيلية.

من جانبه، صرح المتحدث باسم حركة حماس بأن الحركة تعاملت بإيجابية ومرونة عالية مع المقترحات التي قدمها الوسطاء خلال اللقاءات الأخيرة. وأشار إلى أن الحركة تسعى لإنهاء الحرب وضمان إدارة وطنية للقطاع، مؤكداً التوصل إلى مقاربات وصفها بالمقبولة لولا التدخلات التي تعيق التنفيذ.

وشدد المتحدث على أن التطبيق الفعلي لأي تفاهمات يستوجب ممارسة ضغوط حقيقية على الاحتلال لوقف خروقاته المستمرة للتهدئة. وأضاف أن الاحتلال مطالب بالالتزام باستكمال بنود المرحلة الأولى من الاتفاق قبل الانتقال إلى أي مسارات تتعلق بالمستقبل الأمني للقطاع.

وتأتي هذه التطورات في ظل واقع إنساني كارثي، حيث تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي إلى سقوط نحو ألف شهيد منذ بدء التهدئة المفترضة في أكتوبر الماضي. وتعكس هذه الأرقام حجم الخروقات الإسرائيلية المستمرة التي لم تتوقف رغم وجود الوسطاء والاتفاقات الأولية.

وبالنظر إلى الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة المستمرة منذ عام 2023، فقد بلغت أعداد الشهداء نحو 73 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما دمرت الآلة العسكرية الإسرائيلية أكثر من 90% من البنية التحتية في القطاع، مما جعل العيش فيه تحدياً يومياً لملايين النازحين.

ويبقى المشهد في غزة معلقاً بين خيار التصعيد العسكري الذي يلوح به قادة الاحتلال، وبين فرص النجاح الضئيلة لمفاوضات القاهرة. وفي ظل إصرار المقاومة على حماية سلاحها ورفض الاحتلال لأي صيغة وطنية، تظل احتمالات انفجار الأوضاع مجدداً هي الأقرب للواقع الميداني.

عربي ودولي

الأربعاء 10 يونيو 2026 5:13 صباحًا - بتوقيت القدس

البنتاغون يقلص قائمة الأديان المعتمدة في الجيش الأمريكي ويثير جدلاً واسعاً

أقرت وزارة الدفاع الأمريكية تحديثاً جذرياً على لوائح الانتماء الديني الخاصة بمنتسبي القوات المسلحة، حيث تم تقليص عدد الرموز الدينية المعتمدة من نحو 200 رمز إلى 31 فقط. وبررت الوزارة هذه الخطوة بأنها تهدف إلى مساعدة القساوسة العسكريين على تنظيم خدمات الدعم الروحي بشكل أكثر كفاءة ووضوح. وقد أثار هذا التوجه موجة من الجدل داخل الأوساط الدينية والعسكرية، خاصة مع استبعاد عشرات المعتقدات التي كانت معترفاً بها سابقاً.

ووفقاً لمصادر إعلامية، فإن الوزارة أزالت ما يقارب 180 ديانة ومعتقداً من القائمة الرسمية، وذلك تنفيذاً لتوجيهات مباشرة أصدرها وزير الدفاع بيت هيغسيث. وجاء هذا التغيير بناءً على مذكرة داخلية وقعها وكيل وزارة الدفاع أنتوني تاتا، والتي شددت على ضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتصنيفات الدينية. ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يؤثر على الطريقة التي يتم بها التعامل مع التنوع الثقافي داخل المؤسسة العسكرية الأكبر في العالم.

من جانبها، أوضحت وزارة الدفاع أن هذا الإجراء لا يستهدف تقييد حرية الاعتقاد أو حصر الأديان المعترف بها بشكل إقصائي، بل هو إجراء تنظيمي بحت. وأكدت الوزارة أن أفراد الجيش سيحتفظون بحقهم في تسجيل معتقداتهم الخاصة على بطاقات الهوية العسكرية، حتى في حال عدم إدراج تلك المعتقدات ضمن القائمة المختصرة الجديدة. وتهدف المذكرة إلى توفير قاعدة بيانات يسهل الوصول إليها من قبل القساوسة للتنبؤ بالاحتياجات الدينية للجنود.

وعلى الرغم من التقليص الكبير، لا تزال القائمة الجديدة تضم الديانات الكبرى مثل الإسلام واليهودية والهندوسية والبوذية والسيخية. كما شملت طوائف مسيحية رئيسية من بينها الكاثوليك والمعمدانيين واللوثريين والميثوديين، بالإضافة إلى فئة اللاأدريين. ومع ذلك، برزت احتجاجات قوية من مجتمع المورمون الذين عبروا عن استيائهم لعدم إدراجهم بشكل مستقل أو ضمن تصنيفات العقيدة المسيحية المعتمدة في الهيكل الجديد.

ودافع وزير الدفاع بيت هيغسيث عن قراره في تصريحات سابقة، معتبراً أن النظام القديم كان يعاني من تضخم غير مبرر في الرموز الدينية التي لم تكن مستخدمة فعلياً على أرض الواقع. وأشار هيغسيث إلى أن الغالبية العظمى من العسكريين ينتمون في الأصل إلى عدد محدود من الرموز الأساسية، مما يجعل الحفاظ على قائمة تضم 200 رمز أمراً غير عملي. وشدد على أن التغيير يعكس الدور الروحي للقساوسة كرجال دين أولاً وقبل كل شيء.

في المقابل، واجه القرار انتقادات حادة من رجال دين عسكريين سابقين ومحللين، اعتبروا أن حذف هذا العدد الكبير من الفئات الدينية يرسل رسالة سلبية حول شمولية الجيش. وحذر هؤلاء من أن تقليص الخيارات قد يؤدي إلى تهميش الأقليات الدينية داخل القوات المسلحة ويضعف من صورة التنوع التي تحرص المؤسسة على إظهارها. كما لفت الانتباه دمج تصنيف الإلحاد، الذي كان مستقلاً في السابق، ضمن إطار هيكلي جديد أثار تساؤلات إضافية.

وتشير التقارير إلى أن هذا التحول في سياسة البنتاغون يأتي في سياق مراجعة شاملة للأنظمة الداخلية تحت الإدارة الحالية، بهدف التركيز على الجوانب العملياتية وتقليل التعقيدات البيروقراطية. ومع استمرار الجدل، يبقى التحدي أمام الوزارة في موازنة هذه التبسيطات الإدارية مع ضمان احترام الحقوق الدينية الفردية لآلاف الجنود الذين ينتمون لخلفيات عقائدية متنوعة ومعقدة.

أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس

تآكل المؤسسات واستدعاء القوى الموازية: قراءة في ظاهرة 'دولة الوسطاء'

تستوقف المراقبين في العديد من الدول النامية ظاهرة تنامي شخصيات ومجموعات تتحرك في مساحات غامضة، حيث تتداخل الأدوار بين الدولة والمجتمع وبين سلطة القانون وقوة النفوذ الواقعي. هذه المجموعات التي تظهر بأسماء متعددة كالمنظمات الرديفة أو الحرس الموازي، تعكس خللاً في بنية الدولة الحديثة التي يفترض أن تحتكر وحدها حق استخدام القوة المشروعة.

في المشهد المصري المعاصر، برزت أسماء مثل صبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني كرموز لهذا الجدل الواسع، حيث لا يقتصر النقاش حولهما كأفراد، بل يمتد ليشمل ما يمثلانه من تحول في طبيعة العلاقة بين السلطة الرسمية والفاعلين غير الرسميين. إن هذا التحول يشير إلى انتقال تدريجي من دولة المؤسسات الراسخة إلى ما يمكن تسميته بـ 'دولة الوسطاء'.

يرى محللون أن لجوء الأنظمة السياسية إلى هذه الشبكات يمنحها نوعاً من المرونة السياسية التي تفتقدها المؤسسات الرسمية المقيدة بنصوص القانون. ففي الحالات التي ترغب فيها السلطة في تنفيذ إجراءات لا تتوافق مع الأطر القانونية الصارمة، تجد في هذه الشبكات غير الرسمية أداة فاعلة للتحرك بحرية أكبر بعيداً عن الرقابة.

كما تساهم هذه الأدوات في خفض التكلفة السياسية المباشرة على النظام الحاكم، حيث تتيح له التنصل من المسؤولية عن ممارسات معينة عبر إسنادها لوسطاء محليين. هذا الأسلوب يوفر للنظام مساحة للمناورة والإنكار أمام المجتمع الدولي أو الرأي العام المحلي عند وقوع تجاوزات حقوقية أو قانونية.

وتبرز ضرورة هؤلاء الوسطاء في إدارة الفراغات الأمنية والاجتماعية في المناطق الهامشية أو المضطربة التي قد تعجز الأجهزة الرسمية عن السيطرة الكاملة عليها. هنا يتحول 'البلطجي' أو زعيم النفوذ المحلي إلى شريك في ضبط الإيقاع الاجتماعي مقابل الحصول على امتيازات أو اعتراف ضمني بنفوذه.

علاوة على ذلك، تسعى بعض الأنظمة عبر هذه القوى إلى خلق ولاءات جديدة تكسر احتكار النخب التقليدية للنفوذ والثروة. فاستخدام عناصر القوة غير التقليدية يعمل على ردع أصحاب النفوذ القدامى وإعادة تشكيل خارطة القوى المحلية بما يضمن ولاءً مطلقاً للسلطة المركزية بعيداً عن تعقيدات البيروقراطية.

إلا أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية جسيمة تهدد استقرار الدول على المدى الطويل، حيث تؤدي بالضرورة إلى إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية وتآكل ثقة المواطن في سيادة القانون. إن تغليب النفوذ الشخصي على الكفاءة المؤسسية يخلق بيئة خصبة للفساد والمحسوبية.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه القوى الموازية من مجرد أدوات مؤقتة إلى مراكز قوى مستقلة تمتلك أجنداتها الخاصة ومصالحها التي قد تتعارض لاحقاً مع توجهات الدولة نفسها. التاريخ القريب في دول مثل روسيا والعراق وسوريا يقدم نماذج واضحة لكيفية تحول المليشيات الرديفة إلى عبء بنيوي يصعب تفكيكه.

إن الاعتماد على الأشخاص بدلاً من القوانين يجعل النظام السياسي رهينة لهؤلاء الأفراد، فبمجرد غياب الشخص أو تغير مصالحه يهتز الكيان بأكمله. بينما تظل الدول التي تستثمر في بناء المؤسسات قادرة على الاستمرار وتداول السلطة دون أن تتأثر وظائفها الأساسية أو أمنها القومي.

المؤسسة بطبيعتها تورث الاستقرار والاستدامة لأنها تقوم على قواعد مجردة لا تتغير بتغير الأفراد، أما شخصنة القوة فهي تورث الهشاشة البنيوية. فمهما بدت تلك المجموعات قوية وقادرة على الحسم في اللحظة الراهنة، إلا أنها تظل كيانات طفيلية تعيش على حساب قوة الدولة الحقيقية.

إن استدعاء 'البلطجي' أو القوى غير القانونية هو اعتراف ضمني بعجز الدولة عن القيام بوظائفها الأساسية عبر القنوات الشرعية. هذا العجز يفتح الباب أمام تآكل العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة، حيث يصبح البحث عن الحماية والنفوذ خارج إطار القانون هو القاعدة وليس الاستثناء.

التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الأمنية والسياسية التي تعتمد على 'البلطجة المنظمة' هي حلول قصيرة الأمد، وغالباً ما تنتهي بصراعات داخلية على النفوذ والموارد. فالقوى التي تُصنع في الظلام لا تقبل العيش طويلاً تحت ضوء القانون، وتسعى دائماً لتوسيع مساحات نفوذها على حساب السيادة الوطنية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أي نظام يسعى للاستقرار يكمن في العودة إلى مبادئ الدولة الحديثة وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والقضائية. إن تقوية الجيش والشرطة والقضاء كمؤسسات وطنية مهنية هو الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق المجتمعات نحو الفوضى أو حكم العصابات.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري الذي يواجه هذه الدول: هل تريد بناء دولة مؤسسات تحمي الجميع، أم دولة وسطاء تحمي المصالح الضيقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مصير الاستقرار السياسي والاجتماعي في العقود القادمة، بعيداً عن بريق القوة الزائف الذي يوفره الوسطاء.

اسرائيليات

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يُحكم قبضته الأمنية: شموئيل بن عزرا رئيساً لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي

صادقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على تعيين شموئيل بن عزرا رئيساً لمجلس الأمن القومي ومستشاراً للأمن القومي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويأتي هذا القرار لملء المنصب الذي ظل شاغراً منذ إقالة تساحي هنغبي قبل أشهر، إثر تصاعد الخلافات العميقة مع رئيس الحكومة حول إدارة الملفات الأمنية الحساسة.

يُعد بن عزرا، المولود في القدس عام 1973 لعائلة من أصول مغربية، أحد أبرز الوجوه التكنولوجية في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وقد تدرج في مناصب قيادية داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات، حيث تخصص في مجالات البحث والتطوير وأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة والأمن السيبراني.

برز اسم بن عزرا بشكل لافت عقب حصوله على جائزة الأمن الإسرائيلي في عام 2017، تقديراً لدوره المحوري في تطوير منظومة اعتراض الصواريخ 'حيتس 3' (آرو). كما قاد لاحقاً قسم التكنولوجيا والعمليات السيبرانية في جهاز الأمن العام 'الشاباك'، مما منحه خبرة مزدوجة تجمع بين العمل العملياتي والتقني.

تأتي إقالة السلف تساحي هنغبي بعد أزمة ثقة حادة مع نتنياهو، حيث أفادت مصادر بأن هنغبي عارض عدة توجهات استراتيجية داخل 'الكابينت'. وشملت نقاط الخلاف تحفظه على خطط احتلال مدينة غزة، ودعوته المستمرة لمنح مسار مفاوضات تبادل الأسرى والمحتجزين فرصة أكبر قبل التصعيد العسكري.

يرى مراقبون أن اختيار بن عزرا يعكس استراتيجية نتنياهو في إحكام السيطرة على دوائر صنع القرار عبر تعيين شخصيات تدين له بالولاء المهني والسياسي. فالمستشار الجديد لا يُعرف عنه معارضة توجهات رئيس الوزراء، بل يُنظر إليه كذراع تقنية قادرة على تنفيذ الرؤية السياسية في قالب أمني متطور.

تشير تقارير إلى أن تعيين بن عزرا حظي بدعم من أقطاب اليمين داخل الحكومة، وتحديداً وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دفع باتجاه اختيار شخصية ذات خلفية دينية ومحافظة. وينتمي بن عزرا لعائلة متدينة، حيث كان والده حاخاماً وأستاذاً للفيزياء، مما سهّل قبول تعيينه داخل الائتلاف الحاكم.

يهدف نتنياهو من هذا التعيين إلى دمج الخبرات الاستخباراتية التكنولوجية في صلب القرار السياسي، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها الحروب متعددة الجبهات. وتتزايد الحاجة الإسرائيلية لتطوير أدوات الردع السيبراني والتقني لمواجهة التهديدات الإقليمية المتنامية والهجمات الرقمية المنسقة.

إلى جانب البعد المهني، يحمل التعيين دلالات سياسية مرتبطة بمستقبل الحكومة، حيث أن منصب رئيس مجلس الأمن القومي يرتبط مباشرة ببقاء رئيس الوزراء في السلطة. وقد أحجم مرشحون سابقون عن قبول المهمة نظراً لارتباطها بالتقلبات السياسية التي يعيشها نتنياهو ومحاكماته الجارية.

تندرج هذه الخطوة ضمن سياسة أوسع لنتنياهو تهدف لإعادة تشكيل الدائرة الضيقة المحيطة به، وشملت تعيينات سابقة في مواقع حساسة مثل رومان غوفمان والمحامي ميخائيل رابيلو. ويسعى رئيس الوزراء من خلال هذه الشبكة إلى ضمان انسجام كامل بين المستويات الرقابية والأمنية والقانونية مع توجهاته الشخصية.

على الصعيد الإقليمي، يسعى نتنياهو عبر فريقه الجديد إلى تفكيك جبهات المواجهة ومنع تشكل جبهة موحدة ضد إسرائيل. وقد اعتمدت استراتيجيته مؤخراً على الضربات المركزة والاغتيالات النوعية، مع محاولة إبقاء المواجهة مع لبنان تحت سقف معين لتجنب الانفجار الشامل.

رغم المكاسب التكتيكية التي حققتها إسرائيل عبر استغلال الانقسامات اللبنانية والأزمات الاقتصادية، إلا أن نتنياهو لم ينجح حتى الآن في استعادة الردع الكامل. ويُنتظر من بن عزرا أن يساهم في صياغة استراتيجيات جديدة تربط بين الضغط العسكري في غزة والتهدئة المطلوبة على الجبهة الشمالية.

تؤكد مصادر إعلامية أن بن عزرا يمتلك شبكة علاقات دولية واسعة، لا سيما مع المسؤولين الأمنيين في الولايات المتحدة، وهو ما يعزز من قدرته على إدارة الملفات الاستراتيجية. وتعد هذه الخبرة الدبلوماسية عنصراً حاسماً في تنسيق المواقف مع الشركاء الدوليين في ظل الضغوط المتزايدة على إسرائيل.

من المتوقع أن يمنح وجود بن عزرا طابعاً تكنولوجياً لمجلس الأمن القومي، مما يعزز التنسيق بين مكتب رئيس الوزراء والمؤسسات الأمنية في قضايا الحرب الرقمية. وتأتي هذه التحولات في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات داخلية مرتبطة بالتعديلات القضائية وتراجع الثقة الشعبية في بعض المؤسسات السيادية.

في نهاية المطاف، يمثل تعيين شموئيل بن عزرا محاولة من نتنياهو لتحصين جبهته الداخلية وتأمين مطبخ القرار الأمني بشخصيات مهنية لا تشكل تهديداً لسياساته. وسيكون الاختبار الحقيقي لبن عزرا هو مدى قدرته على الموازنة بين المتطلبات التقنية للأمن القومي والضغوط السياسية التي يفرضها ائتلاف اليمين.

تحليل

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

الصحبة القرآنية: قراءة في التكامل المنهجي بين مالك بن نبي ومحمد عبد الله دراز

تتجلى في الفكر الإسلامي المعاصر مدرسة متميزة تجمع بين جهود المفكر الجزائري مالك بن نبي والحكيم المصري محمد عبد الله دراز، حيث يبرز مفهوم 'الصحبة القرآنية' كتاج لهذه العلاقة المنهجية. هذا المفهوم ينقل التعامل مع النص القرآني من مجرد المعالجة العلمية الجافة إلى فضاء التخلق والقيم والممارسة الحركية الميدانية المرتبطة بواقع الناس.

إن علاقة المسلم بالقرآن في هذه المدرسة لا تتوقف عند حدود الاطلاع المعرفي أو الاستظهار الساكن، بل هي صحبة وجودية تبدأ باليقين وتنتهي بالمطابقة السلوكية. تهدف هذه الصحبة إلى تحقيق الهيمنة المعرفية والسيادة التي تحطم موازين الأمر الواقع المادية، وتؤسس لوعي جديد يتجاوز عقلية الناقل السلبي.

تعتمد ماهية الصحبة القرآنية على أبعاد رئيسة، أولها صحبة اليقين والتلقي الفاعل المستمدة من كتاب 'النبأ العظيم'. هنا يتحرر المصاحب للقرآن من الأفكار المسبقة، ويعيش الآيات كنبأ مستمر يمنحه القدرة على مواجهة التحديات المعاصرة برؤية قرآنية ثاقبة ومستقلة.

البعد الثاني يتمثل في صحبة الالتزام والتخلق العملي التي فصلها دراز في 'دستور الأخلاق'. يتحول القرآن في هذا السياق إلى بوصلة أخلاقية ورقابة معرفية حاكمة على سلوك الفرد والمجتمع والسياسة، محولاً القيم النظرية إلى إجراءات تمكينية واقعية مسددة بالوحي.

أما البعد الثالث فهو صحبة حراسة السند والشهود الكوني، حيث يمتلك المصاحب للقرآن وعي 'الأمة القطب'. هذا الوعي يحمي السيادة اللغوية والمعرفية للأمة، ويفكك مقولات التبعية والكيد الاستشراقي، معتمداً بروتوكول اعتبار الواقع لا تحكيمه في إدارة الأزمات الاستراتيجية.

يلتقي مالك بن نبي، المفكك لقابليات الاستعمار، مع محمد عبد الله دراز، الحكيم الدستوري، في صياغة مشروع حضاري يمنع الانفصام المعرفي. لقد شكلت مؤلفاتهما تكاملاً يدفع طاقات عباقرة الأمة لقطع دابر التبعية النفسية والمعرفية التي خلفتها عصور التراجع.

تقوم قوامة الصحبة القرآنية عند الرجلين على ساقين بنيويتين هما الاختصاص والتمايز. يمثل الاختصاص مجموع الخصائص التي تحصن لسان الوحي، حيث تحرك بن نبي في ثغر علم الاجتماع الديني، بينما لزم دراز ثغر الفلسفة الأخلاقية والتحليل البلاغي المقاصدي.

أما ساق التمايز فتعبر عن الحالة المنيعة التي يتميز بها الكيان الحضاري الإسلامي عن الآخرين من خلال مشروعه الرسالي الجامع. هذا التمايز يرفض سحب المعايير المادية الجافة على النص المعجز، ويتمسك بطهارة العقيدة والولاء للفكرة والذات الحضارية المستقلة.

تتأسس حركية الصحبة القرآنية على مكونات متكاملة، منها المكون المعرفي الذي يحفظ أصل الاستمرارية وبناء مناهج التلقي الصافية. يهدف هذا المكون إلى منع التجزئة الضالة للمعرفة، وضمان اتصال الوعي بالوحي بعيداً عن بتر السياقات التاريخية أو إغفالها.

وفي المكون الاجتماعي، نجد رحماً حضارياً يربط بين تفكيك بن نبي لشروط النهضة وشبكة العلاقات الاجتماعية، وبين مسؤولية دراز الأخلاقية. هذا الربط يحمي النسيج الاجتماعي من الانحلال والتشظي الأناني، ويجعل من الأخلاق ركيزة أساسية لبناء القوة الاجتماعية.

المكون الثقافي يمثل الأشواق الدافعة والمدد الروحي، حيث اعتبر بن نبي الفكرة الدينية مولداً للحضارة، بينما هندسها دراز كأشواق علوية تدفع للعمل. هذه الهوية الحيوية المتجددة هي التي تمنح الأمة القدرة على الاستمرار في مواجهة التحديات الوجودية.

يبرز المكون السيادي كأداة للتدبير الحركي وإدارة التدافع مع الخصوم الفكريين لحفظ القوى الحية للأمة. إن إعمال أجهزة الفعالية المعرفية يضمن فرز مواقف الوعي، ويقود المنظومة الحركية لاستثمار المسخرات الكونية وفق رؤية قرآنية استخلافية.

لقد نجح بن نبي في عزل 'الفكرة الوثن' من خلال التفريق الصارم بين الظاهرة النفسية البشرية والظاهرة القرآنية المفارقة. هذا الاجتثاث للمؤثرات الاستشراقية قابله بناء دراز للبنية الأخلاقية المعجزة، مما أثبت امتناع صدور هذا النص عن أي مصدر بشري أرضي.

ختاماً، تتحول الصحبة القرآنية إلى معيار أداء وإلزام في سائر ثغور الأمة، وضمانة لعدم ذوبان عرق المكابدة في قوالب التبعية. إن استقامة المصطلح هي استقامة للميدان، والميثاق الذي أحكمه هذان العالمان يدمج يقين الظاهرة ببصيرة التدبر لصناعة النهوض الراشد.

فلسطين

الأربعاء 10 يونيو 2026 3:28 صباحًا - بتوقيت القدس

دراسة تحذر من مخاطر الانفصال المالي: هل العملة الرقمية حل لأزمة سيولة غزة؟

ناقشت ورقة علمية حديثة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أزمة السيولة النقدية الحادة التي تعصف بقطاع غزة، محذرة من تداعيات الانفصال المالي على وحدة النظام الفلسطيني. وبينت الدراسة التي أعدها الباحث رائد محمد حلس أن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 دمرت البنية التحتية المصرفية بشكل واسع، مما أدى إلى اختلالات نقدية غير مسبوقة في السوق المحلية.

وأوضحت الدراسة أن جذور الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تعود لعوامل بنيوية تراكمت لسنوات، أبرزها الاعتماد المفرط على النقد الورقي وضعف أنظمة الدفع الإلكتروني. وقد أدى تدمير فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، إلى جانب انقطاع الاتصالات، إلى شلل شبه كامل في قدرة المواطنين على الوصول إلى حساباتهم ومدخراتهم المالية.

وأشارت المصادر البحثية إلى أن توقف قنوات تدفق الأموال التقليدية كان له أثر كارثي على المعروض النقدي، حيث توقفت عمليات شحن الأموال من الضفة الغربية وتحويلات رواتب موظفي الأونروا. كما تسبب منع دخول العمال إلى أماكن عملهم وتوقف حركة القادمين من الخارج في جفاف منابع السيولة التي كانت تغذي الأسواق في القطاع.

ونتج عن هذا النقص الحاد ظهور تشوهات اقتصادية خطيرة، من أبرزها ارتفاع عمولات السحب النقدي إلى مستويات قياسية أثقلت كاهل المواطنين. كما رصدت الدراسة توسعاً كبيراً في الاقتصاد غير الرسمي وتزايد ظاهرة اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي الرسمي، مما أفقد المؤسسات المالية قدرتها على إدارة النشاط الاقتصادي.

وفي ظل هذه الأوضاع، برزت مقترحات تدعو لتبني عملة رقمية أو منظومة مالية إلكترونية محلية كحل بديل لتجاوز أزمة نقص الأوراق النقدية. ويرى المؤيدون لهذا التوجه أنها وسيلة فعالة لتسهيل المعاملات اليومية والحد من تكاليف تداول الأموال في ظل الحصار المفروض وتدمير المنشآت المصرفية التقليدية.

بالمقابل، حذر الباحث من التعامل مع العملة الرقمية كحل تقني بحت، مؤكداً أنها تحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية قد تمس مستقبل الكيان الفلسطيني. واعتبرت الدراسة أن إنشاء منظومة نقدية مستقلة في غزة قد يؤدي إلى تكريس الانفصال المالي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية بشكل دائم.

وتطرقت الورقة إلى مخاطر إضعاف الدور التنظيمي لسلطة النقد الفلسطينية، مما يفقدها القدرة على الإشراف الموحد على القطاع المالي. كما نبهت إلى أن التحول الرقمي قد يفتح الباب أمام مستويات عالية من الرقابة الخارجية والتحكم في النشاط الاقتصادي للسكان عبر منصات تكنولوجية غير وطنية.

وعلى الصعيد التقني، أكدت الدراسة أن البيئة الحالية في غزة لا توفر الحد الأدنى من متطلبات النجاح لأي مشروع مالي رقمي واسع النطاق. فاستمرار أزمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت يمثل عائقاً جوهرياً أمام استقرار الأنظمة الرقمية وضمان استمرارية عملها في ظل الدمار الذي طال البنية التحتية.

كما لفتت الدراسة إلى تحديات اجتماعية تتعلق بمحدودية الثقافة المالية الرقمية لدى شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في القطاع. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة العامة بالأنظمة الإلكترونية في ظل الظروف الأمنية المعقدة، مما يجعل من الصعب إقناع الجمهور بالتحول الكامل نحو الوسائل الرقمية.

وبدلاً من القفز نحو حلول قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي، اقترحت الدراسة مجموعة من البدائل العملية التي تعمل ضمن إطار النظام المالي القائم. ودعت إلى ضرورة الضغط لإعادة تفعيل قنوات إدخال النقد الورقي إلى القطاع وتأهيل الفروع المصرفية المتضررة لتعود للخدمة في أسرع وقت ممكن.

وشددت الورقة على أهمية تعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية في إدارة الأزمة، مع التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة رسمياً. واعتبرت أن تطوير المحافظ الرقمية تحت المظلة القانونية الفلسطينية هو المسار الأكثر أماناً للحفاظ على وحدة المؤسسات المالية ومنع نشوء كيانات موازية.

وطالبت الدراسة باتخاذ إجراءات حازمة للحد من احتكار السيولة النقدية ومحاربة ظاهرة العمولات المرتفعة التي تفرضها بعض الجهات غير الرسمية. ورأت أن إعادة تنشيط الدورة النقدية تتطلب تكاتفاً بين القطاعين العام والخاص لتقليل تكاليف المعاملات المالية وتسهيل حركة الأموال بين المواطنين.

وفي الختام، خلصت الورقة إلى أن أزمة السيولة هي إحدى أقسى نتائج الحرب والحصار، لكن علاجها لا يجب أن يكون على حساب الوحدة الوطنية. وحذرت من أن أي خطوة غير مدروسة نحو عملة رقمية منفصلة قد تخدم أجندات تهدف إلى فصل غزة نهائياً عن المنظومة الفلسطينية الشاملة.

وأكدت التوصيات النهائية على ضرورة التركيز على إصلاح الاختلالات الهيكلية وإعادة بناء ما دمره الاحتلال ضمن رؤية وطنية موحدة. فالحفاظ على وحدة النظام المالي يظل صمام الأمان لحماية الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار التام وضمان استمرارية الخدمات المالية لكافة المواطنين دون تمييز.