ناقشت ورقة علمية حديثة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أزمة السيولة النقدية الحادة التي تعصف بقطاع غزة، محذرة من تداعيات الانفصال المالي على وحدة النظام الفلسطيني. وبينت الدراسة التي أعدها الباحث رائد محمد حلس أن الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 دمرت البنية التحتية المصرفية بشكل واسع، مما أدى إلى اختلالات نقدية غير مسبوقة في السوق المحلية.
وأوضحت الدراسة أن جذور الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل تعود لعوامل بنيوية تراكمت لسنوات، أبرزها الاعتماد المفرط على النقد الورقي وضعف أنظمة الدفع الإلكتروني. وقد أدى تدمير فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، إلى جانب انقطاع الاتصالات، إلى شلل شبه كامل في قدرة المواطنين على الوصول إلى حساباتهم ومدخراتهم المالية.
وأشارت المصادر البحثية إلى أن توقف قنوات تدفق الأموال التقليدية كان له أثر كارثي على المعروض النقدي، حيث توقفت عمليات شحن الأموال من الضفة الغربية وتحويلات رواتب موظفي الأونروا. كما تسبب منع دخول العمال إلى أماكن عملهم وتوقف حركة القادمين من الخارج في جفاف منابع السيولة التي كانت تغذي الأسواق في القطاع.
ونتج عن هذا النقص الحاد ظهور تشوهات اقتصادية خطيرة، من أبرزها ارتفاع عمولات السحب النقدي إلى مستويات قياسية أثقلت كاهل المواطنين. كما رصدت الدراسة توسعاً كبيراً في الاقتصاد غير الرسمي وتزايد ظاهرة اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي الرسمي، مما أفقد المؤسسات المالية قدرتها على إدارة النشاط الاقتصادي.
وفي ظل هذه الأوضاع، برزت مقترحات تدعو لتبني عملة رقمية أو منظومة مالية إلكترونية محلية كحل بديل لتجاوز أزمة نقص الأوراق النقدية. ويرى المؤيدون لهذا التوجه أنها وسيلة فعالة لتسهيل المعاملات اليومية والحد من تكاليف تداول الأموال في ظل الحصار المفروض وتدمير المنشآت المصرفية التقليدية.
بالمقابل، حذر الباحث من التعامل مع العملة الرقمية كحل تقني بحت، مؤكداً أنها تحمل أبعاداً سياسية ومؤسسية قد تمس مستقبل الكيان الفلسطيني. واعتبرت الدراسة أن إنشاء منظومة نقدية مستقلة في غزة قد يؤدي إلى تكريس الانفصال المالي والسياسي بين قطاع غزة والضفة الغربية بشكل دائم.
وتطرقت الورقة إلى مخاطر إضعاف الدور التنظيمي لسلطة النقد الفلسطينية، مما يفقدها القدرة على الإشراف الموحد على القطاع المالي. كما نبهت إلى أن التحول الرقمي قد يفتح الباب أمام مستويات عالية من الرقابة الخارجية والتحكم في النشاط الاقتصادي للسكان عبر منصات تكنولوجية غير وطنية.
إن إنشاء منظومة نقدية مستقلة في غزة قد ينعكس مباشرة على العلاقة المالية بين القطاع والضفة الغربية وعلى طبيعة الإشراف النقدي الفلسطيني القائم.
وعلى الصعيد التقني، أكدت الدراسة أن البيئة الحالية في غزة لا توفر الحد الأدنى من متطلبات النجاح لأي مشروع مالي رقمي واسع النطاق. فاستمرار أزمات الكهرباء والاتصالات والإنترنت يمثل عائقاً جوهرياً أمام استقرار الأنظمة الرقمية وضمان استمرارية عملها في ظل الدمار الذي طال البنية التحتية.
كما لفتت الدراسة إلى تحديات اجتماعية تتعلق بمحدودية الثقافة المالية الرقمية لدى شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في القطاع. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة العامة بالأنظمة الإلكترونية في ظل الظروف الأمنية المعقدة، مما يجعل من الصعب إقناع الجمهور بالتحول الكامل نحو الوسائل الرقمية.
وبدلاً من القفز نحو حلول قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي، اقترحت الدراسة مجموعة من البدائل العملية التي تعمل ضمن إطار النظام المالي القائم. ودعت إلى ضرورة الضغط لإعادة تفعيل قنوات إدخال النقد الورقي إلى القطاع وتأهيل الفروع المصرفية المتضررة لتعود للخدمة في أسرع وقت ممكن.
وشددت الورقة على أهمية تعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية في إدارة الأزمة، مع التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني المعتمدة رسمياً. واعتبرت أن تطوير المحافظ الرقمية تحت المظلة القانونية الفلسطينية هو المسار الأكثر أماناً للحفاظ على وحدة المؤسسات المالية ومنع نشوء كيانات موازية.
وطالبت الدراسة باتخاذ إجراءات حازمة للحد من احتكار السيولة النقدية ومحاربة ظاهرة العمولات المرتفعة التي تفرضها بعض الجهات غير الرسمية. ورأت أن إعادة تنشيط الدورة النقدية تتطلب تكاتفاً بين القطاعين العام والخاص لتقليل تكاليف المعاملات المالية وتسهيل حركة الأموال بين المواطنين.
وفي الختام، خلصت الورقة إلى أن أزمة السيولة هي إحدى أقسى نتائج الحرب والحصار، لكن علاجها لا يجب أن يكون على حساب الوحدة الوطنية. وحذرت من أن أي خطوة غير مدروسة نحو عملة رقمية منفصلة قد تخدم أجندات تهدف إلى فصل غزة نهائياً عن المنظومة الفلسطينية الشاملة.
وأكدت التوصيات النهائية على ضرورة التركيز على إصلاح الاختلالات الهيكلية وإعادة بناء ما دمره الاحتلال ضمن رؤية وطنية موحدة. فالحفاظ على وحدة النظام المالي يظل صمام الأمان لحماية الاقتصاد الفلسطيني من الانهيار التام وضمان استمرارية الخدمات المالية لكافة المواطنين دون تمييز.





شارك برأيك
دراسة تحذر من مخاطر الانفصال المالي: هل العملة الرقمية حل لأزمة سيولة غزة؟