أقلام وأراء

الأربعاء 10 يونيو 2026 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

من وهم السلام إلى منطق الهيمنة: التحول الإسرائيلي يكشف أن الأزمة في طبيعة المشروع لا في رفض التسوية


منذ عقود طويلة هيمنت على الخطاب الغربي والإسرائيلي رواية سياسية مفادها أن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي يكمن في رفض العرب والفلسطينيين للسلام وعدم استعدادهم لقبول إسرائيل بوصفها حقيقة سياسية نهائية في المنطقة. ووفق هذا التصور، فإن إسرائيل قدمت نفسها باعتبارها طرفًا يسعى إلى التسوية والتعايش، بينما كانت المشكلة الأساسية، بحسب هذه الرواية، في الطرف العربي الذي لم يتكيف مع التحولات التاريخية ولم يتقبل نتائجها.
إلا أن مسار الأحداث خلال العقود الماضية، وما شهدته إسرائيل من تحولات فكرية وسياسية متراكمة، يدفع إلى إعادة النظر في هذه الفرضية من أساسها. فالأزمة لا تبدو مرتبطة فقط بمسألة قبول إسرائيل أو رفضها، ولا تتعلق حصراً بحدود عام 1967 أو بترتيبات الأمن والتفاوض، وإنما ترتبط بصورة أعمق بطبيعة المشروع الصهيوني ذاته، وبالمنطق الذي حكم تطوره منذ نشأته وحتى اللحظة الراهنة.
فالصهيونية لم تكن مجرد حركة سياسية تسعى إلى إيجاد ملاذ آمن لليهود المضطهدين في أوروبا، بل كانت مشروعًا قوميًا استيطانيًا هدف إلى إنشاء كيان سياسي جديد عبر إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والهوية السياسية لفلسطين. وقد انطلقت معظم التيارات الصهيونية، رغم اختلافاتها الفكرية، من افتراض أساسي يتمثل في أولوية إقامة دولة ذات أغلبية يهودية وسيادة يهودية حصرية على الأرض.
صحيح أن الصهيونية لم تكن تيارًا واحدًا متجانسًا؛ فقد ضمت الصهيونية العمالية والصهيونية التصحيحية والصهيونية الدينية وغيرها من التيارات المختلفة، إلا أن هذه الاختلافات دارت غالبًا حول الوسائل والتكتيكات أكثر مما دارت حول الأهداف النهائية. فقد اشتركت هذه التيارات بدرجات متفاوتة في السعي إلى ضمان أغلبية يهودية مستقرة، والحفاظ على التفوق الأمني والعسكري، ومنع أي ترتيبات سياسية قد تهدد الطابع اليهودي للدولة.
ومن هنا فإن أحد الأخطاء الشائعة في قراءة التحولات الإسرائيلية يتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل انتقلت فجأة من الاعتدال إلى التطرف، أو من مشروع سلام إلى مشروع توسع. فالواقع أن ما نشهده اليوم لا يعكس بالضرورة ولادة مشروع جديد، بل يكشف بصورة أوضح كثيرًا عن مضامين كامنة داخل المشروع منذ عقود طويلة.
لقد كان ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي أكثر ميلاً إلى إدارة الصراع عبر أدوات دبلوماسية وسياسية تسمح بالحفاظ على الشرعية الدولية وتقليل كلفة السيطرة، بينما تميل التيارات القومية والدينية الصاعدة إلى التعبير المباشر عن الأهداف ذاتها دون الحاجة إلى الغطاء الخطابي الذي ساد في مراحل سابقة. وبعبارة أخرى، فإن التحول الأساسي لا يكمن فقط في تغيير الأهداف، بل في الانتقال من مرحلة كانت الهيمنة تُدار فيها بلغة التسوية إلى مرحلة يجري فيها الإفصاح عنها بلغة القوة.
وهنا تظهر أهمية النظر إلى الحالة الإسرائيلية ضمن إطار أوسع يتعلق بالمشاريع الاستيطانية في التاريخ الحديث. فالتجارب الاستيطانية الكبرى، سواء في أمريكا الشمالية أو أستراليا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر الفرنسية، لم تنظر إلى السكان الأصليين بوصفهم شركاء متساوين في السيادة، بل باعتبارهم معضلة ديموغرافية وسياسية يجب التعامل معها عبر الإقصاء أو الاحتواء أو إعادة الهندسة الاجتماعية والسياسية.
ولا يعني ذلك التطابق الكامل بين هذه التجارب والحالة الإسرائيلية، فلكل تجربة خصوصيتها التاريخية والسياسية، إلا أن المقارنة تكشف نمطًا متكررًا يتمثل في سعي المشروع الاستيطاني إلى الجمع بين السيطرة على الأرض وتقليص الوزن السياسي للسكان الأصليين. ومن هذا المنظور يمكن فهم جانب مهم من المعضلة الإسرائيلية المستمرة: فإسرائيل تسعى إلى الاحتفاظ بأكبر مساحة ممكنة من الأرض، لكنها في الوقت نفسه تخشى من النتائج الديموغرافية والسياسية المترتبة على منح الفلسطينيين حقوقًا سياسية كاملة داخل هذه المساحة.
ومن هنا تنشأ المعضلة البنيوية التي تواجهها الدولة الإسرائيلية: كيف يمكن الجمع بين السيطرة على كامل الأرض تقريبًا، والحفاظ على الأغلبية اليهودية، والاستمرار في تقديم الدولة باعتبارها ديمقراطية في الوقت نفسه؟ لقد شكل هذا السؤال أحد المحركات الرئيسية للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال العقود الماضية، وهو يفسر جانبًا مهمًا من التردد الإسرائيلي المزمن تجاه أي تسوية نهائية قائمة على المساواة السياسية الكاملة.
لكن فهم التحولات الإسرائيلية الراهنة يتطلب أيضًا إدخال متغير آخر أكثر أهمية، وهو متغير فائض القوة.
ففي الأدبيات الواقعية للعلاقات الدولية، تسعى الدول في الظروف الطبيعية إلى تحقيق الأمن والبقاء. غير أن امتلاك قوة تفوق كثيرًا متطلبات الدفاع المباشر قد يدفع بعض الدول إلى الانتقال من منطق الأمن إلى منطق الهيمنة. وعندما يتحول التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي إلى فائض قوة مستدام، تصبح الدولة أكثر قدرة على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
وهذا ما يبدو أنه حدث تدريجيًا في الحالة الإسرائيلية بعد حرب عام 1967. فقد خرجت إسرائيل من تلك الحرب وهي لا تملك فقط تفوقًا عسكريًا واضحًا، بل تمتلك أيضًا شعورًا متزايدًا بالقدرة على إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفق مصالحها الخاصة. ومع مرور الوقت، وتعاظم الدعم الغربي، وتراجع النظام العربي، وتفكك عدد من الدول المركزية في المنطقة، بدأت إسرائيل تنتقل تدريجيًا من دولة منشغلة أساسًا بمسألة البقاء إلى دولة تمتلك القدرة على التأثير في شكل البيئة الإقليمية نفسها.
ومن منظور استراتيجي، فإن فائض القوة لا يغير فقط قدرات الدولة، بل يغير أيضًا طريقة تفكيرها. فكلما ازداد اختلال ميزان القوى لصالح طرف معين، تقل حوافزه لتقديم تنازلات جوهرية، وتزداد قدرته على فرض الوقائع من جانب واحد. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتزامن مراحل التفوق الإسرائيلي المتزايد مع توسع الاستيطان وتعميق السيطرة الأمنية ورفع سقف المطالب السياسية.
ومن هذه الزاوية يمكن تفسير مفارقة تاريخية مهمة: فكلما ازدادت التنازلات الفلسطينية والعربية، لم يقترب الصراع من الحل النهائي بقدر ما ازداد اختلال ميزان القوى. فالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل لم يوقف الاستيطان، واتفاقيات أوسلو لم تؤد إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وموجات التطبيع العربي لم تنتج تحولًا موازياً داخل الفكر السياسي الإسرائيلي نحو تسوية نهائية شاملة.
والسبب في ذلك أن الصراع، من منظور جزء متزايد من النخبة الإسرائيلية، لم يعد يُنظر إليه باعتباره نزاعًا حدوديًا يمكن حله عبر التسويات التقليدية، بل باعتباره عملية مستمرة لإدارة المجال الجيوسياسي بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي ومنع ظهور أي مراكز قوة قادرة على تحديه مستقبلاً.
وقد عزز صعود التيارات القومية والدينية هذا الاتجاه بصورة غير مسبوقة. فهذه التيارات لا تنظر إلى الضفة الغربية باعتبارها مجرد منطقة متنازع عليها، بل باعتبارها جزءًا من المجال التاريخي والديني للشعب اليهودي. وضمن هذا التصور تصبح التسوية الإقليمية أقل أهمية من تثبيت السيطرة طويلة الأمد على الأرض، ويتحول الصراع تدريجيًا من صراع سياسي إلى صراع مرتبط بالهوية والعقيدة والتاريخ.
كما أن هذا التحول ترافق مع تراجع نسبي للقوى الليبرالية داخل إسرائيل وصعود قوى أكثر استعدادًا لاستخدام مفردات الضم والحسم والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بصورة علنية. وهنا تكمن أهمية اللحظة الراهنة؛ فهي لا تكشف فقط عن تغيرات سياسية عابرة، بل تعكس تحولات أعمق في طبيعة النخبة الحاكمة وفي تصورها لمستقبل المنطقة.
وقد جاءت الحرب التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتكشف هذه التحولات بصورة أكثر وضوحًا. فالنقاشات التي دارت داخل إسرائيل لم تقتصر على الأمن والردع، بل امتدت إلى أسئلة تتعلق بمستقبل الوجود الفلسطيني نفسه، وبإعادة تشكيل غزة سياسيًا وديموغرافيًا، وبإمكانية القضاء على أي أفق لقيام كيان سياسي فلسطيني مستقل.
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح من الصعب تفسير السلوك الإسرائيلي بالاعتماد على مفهوم الأمن وحده. فالأمن يفسر جزءًا من السياسات الإسرائيلية، لكنه لا يفسر وحده التوسع الاستيطاني المستمر، ولا يفسر رفض العديد من التيارات الإسرائيلية لأي صيغة سيادة فلسطينية حقيقية، ولا يفسر النزعة المتزايدة نحو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن استمرار التفوق الإسرائيلي لعقود قادمة.
إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة. وفي هذا السياق لا يعود الصراع مجرد خلاف على الحدود أو على ترتيبات أمنية قابلة للتفاوض، بل يصبح جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تنظيم المجال السياسي والجيوسياسي في الشرق الأوسط وفق موازين قوة تميل بصورة ساحقة لصالح إسرائيل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا فشلت محاولات السلام المتعاقبة؟ بل أصبح: هل يمكن أصلًا إنتاج سلام مستدام في ظل مشروع يمتلك فائضًا كبيرًا من القوة، ويرى في استمرار تفوقه الاستراتيجي شرطًا لبقائه، ويعتبر أن إعادة تشكيل البيئة المحيطة به جزء من أمنه القومي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة ليس فقط لفهم مستقبل القضية الفلسطينية، بل لفهم مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بأكمله.
========================

إن التطور الأهم الذي تكشفه التحولات الإسرائيلية الراهنة هو الانتقال التدريجي من منطق الدولة الباحثة عن الأمن إلى منطق القوة الساعية إلى إدارة الهيمنة

دلالات

شارك برأيك

من وهم السلام إلى منطق الهيمنة: التحول الإسرائيلي يكشف أن الأزمة في طبيعة المشروع لا في رفض التسوية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.