عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 2:57 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تعيد إغلاق مضيق هرمز وتعلن 'السيطرة الصارمة' رداً على الحصار الأمريكي

أعلنت السلطات الإيرانية، اليوم السبت، عن استعادة السيطرة العسكرية الكاملة والصارمة على مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر أهمية لتجارة الطاقة عالمياً. وجاء هذا القرار تراجعاً عن خطوة سابقة بفتح الممر، وذلك رداً على ما وصفته طهران باستمرار الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على موانئها.

وأوضح مقر 'خاتم الأنبياء'، الذي يمثل غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية أن طهران كانت قد أبدت حسن نية بالسماح لعدد محدود من الناقلات بالمرور. إلا أن البيان أكد أن الجانب الأمريكي واصل ممارسة ما وصفه بـ 'القرصنة والنهب' تحت غطاء الحصار، مما استدعى إعادة فرض القيود المشددة على الملاحة.

وفي أول تصريح له منذ توليه منصبه، حذر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي من أن القوات البحرية في بلاده على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تحرك معادٍ. وأكد خامنئي عبر منصات التواصل الاجتماعي أن المقاتلين الإيرانيين مستعدون لإلحاق هزائم جديدة بالأعداء، مشدداً على أن البحرية لن تتهاون في حماية السيادة الإيرانية.

ميدانياً، أفادت مصادر في قطاع الأمن البحري بتعرض سفينتين تجاريتين على الأقل لإطلاق نار أثناء محاولتهما عبور المضيق الاستراتيجي. وأشارت التقارير إلى أن الهجمات وقعت في وقت كانت فيه التوترات تبلغ ذروتها عقب الإعلان الإيراني عن إغلاق الممر المائي أمام الملاحة الدولية غير المصرح بها.

من جهتها، ذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت بلاغاً عن تعرض ناقلة نفط لإطلاق نار مباشر من قبل زورقين مسلحين يعتقد انتماؤهما للحرس الثوري. وأوضحت الهيئة أن الحادث وقع على بعد 20 ميلاً بحرياً شمال شرقي سلطنة عمان، حيث بادر المسلحون بإطلاق النار دون أي تحذير لاسلكي مسبق.

وعلى الجانب الآخر، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحصار البحري المفروض على إيران سيبقى سارياً بالكامل ولن يتم رفعه إلا باتفاق شامل. وربط ترامب رفع القيود بضرورة توصل طهران إلى اتفاق جديد يتناول برنامجها النووي وسلوكها الإقليمي، ملوحاً بخيار القصف الجوي في حال عدم الامتثال.

وفيما يخص الهدنة المؤقتة، أشار ترامب إلى احتمالية عدم تمديد وقف إطلاق النار الذي كان مقرراً لتسهيل المفاوضات بين الطرفين. واعتبر الرئيس الأمريكي أن إيران لا تزال تحت الحصار الفعلي، وأن القوات الأمريكية مستعدة للتحرك عسكرياً مجدداً إذا فشلت الجهود الدبلوماسية في تحقيق الأهداف الواشنطنية.

وزارة الخارجية الإيرانية من جانبها وصفت الحصار الأمريكي بأنه انتهاك صارخ لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم لمدة أسبوعين. وقال المتحدث باسم الوزارة إسماعيل بقائي إن طهران سترد بشكل مناسب على أي اعتراض للسفن الآتية من موانئها، معتبراً التحركات الأمريكية تقويضاً لفرص السلام.

وتشير بيانات القيادة المركزية الأمريكية إلى أن القوات البحرية أصدرت أوامر لـ 21 سفينة تجارية بالعودة وعدم إكمال مسارها منذ بدء الحصار. وتعكس هذه الأرقام حجم التضييق الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه واشنطن للضغط على النظام الإيراني في ملفات شائكة تتصدرها القضية النووية.

وفي تطور منفصل، أعلنت هيئة الطيران المدني الإيرانية عن إعادة فتح أجزاء من المجال الجوي للبلاد أمام الرحلات الدولية والداخلية. وأوضح البيان أن الجزء الشرقي بات متاحاً للملاحة الجوية الدولية، بينما يتم العمل على استئناف الرحلات الداخلية تدريجياً بعد استكمال الترتيبات الأمنية اللازمة.

وكانت إيران قد أغلقت مجالها الجوي بالكامل في أواخر فبراير الماضي عقب اندلاع مواجهات عسكرية واسعة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ويأتي الفتح الجزئي للمجال الجوي كمحاولة لتخفيف الضغط الداخلي وتسهيل بعض العمليات اللوجستية في ظل الحصار البحري الخانق المفروض على البلاد.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، حيث تعثرت الجولة الأولى من المفاوضات الرامية لوقف الحرب. وتسعى أطراف دولية لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة الحوار قبل انتهاء مدة الهدنة المؤقتة التي بدأت في الثامن من أبريل الجاري.

وتمر المنطقة بظروف أمنية بالغة التعقيد منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير، حيث تسببت المواجهات في شلل جزئي لحركة التجارة. ويعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خمس إنتاج العالم من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل إغلاقه تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي.

ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير في مضيق هرمز يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. فبينما تتمسك واشنطن بسياسة الضغوط القصوى، تظهر طهران استعداداً للمخاطرة بإغلاق أهم الممرات المائية للرد على ما تصفه بالعدوان الاقتصادي والعسكري.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 2:12 مساءً - بتوقيت القدس

فيدان: إسرائيل تتذرع بالأمن لتوسيع احتلالها في المنطقة وتصدير 'أوهام' للعالم

شن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هجوماً حاداً على السياسات الإسرائيلية الراهنة، متهماً تل أبيب باستغلال النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط كغطاء لتنفيذ مخططات توسعية واحتلال مساحات إضافية من الأراضي. وأوضح فيدان خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي أن الهدف الحقيقي لحكومة بنيامين نتنياهو ليس توفير الأمن لمواطنيها كما تدعي، بل السيطرة الجغرافية المستمرة.

وأشار الوزير التركي إلى أن الأطماع الإسرائيلية لم تعد تقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بل امتدت لتشمل محاولات بسط النفوذ والسيطرة على مناطق في لبنان وسوريا. واعتبر أن هذا السلوك يمثل احتلالاً وتوسعاً ممنهجاً يجب على المجتمع الدولي التحرك الفوري لوقفه قبل تفاقم الأوضاع بشكل لا يمكن السيطرة عليه.

وفي سياق حديثه، لفت فيدان إلى أن إسرائيل نجحت في 'زرع وهم' لدى الرأي العام العالمي عبر تصوير عملياتها العسكرية على أنها إجراءات دفاعية ضرورية لحماية أمنها القومي. وأكد أن الحقيقة تكمن في رغبة جامحة لضم الأراضي، مشدداً على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر القوة، بل من خلال احترام سيادة الدول الأخرى وحريتها في المنطقة.

وشدد رئيس الدبلوماسية التركية على أن السبيل الوحيد لتعايش إسرائيل بسلام في المحيط الإقليمي هو التوقف عن استخدام القوة العسكرية ضد جيرانها والسماح لشعوب المنطقة بالتمتع بالأمن والاستقرار. وأضاف أن استمرار العقلية التوسعية سيؤدي حتماً إلى مزيد من الصراعات التي لن تجلب الأمن لأي طرف، بل ستزيد من حالة العداء والكراهية.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، كشف فيدان عن سلسلة من المباحثات المكثفة التي أجراها على هامش المنتدى مع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان. وتركزت هذه اللقاءات على تنسيق المواقف العربية والإسلامية تجاه الحرب المستعرة في المنطقة، وبحث سبل الضغط الدولي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بحق المدنيين والأراضي العربية.

ودعا الوزير التركي دول المنطقة إلى ضرورة توحيد الصفوف والتعامل بنضج سياسي مع الأزمات الراهنة، مؤكداً أن المسؤولية تقع على عاتق القوى الإقليمية لحل مشاكلها ذاتياً. وأشار إلى أن التنسيق المشترك هو السلاح الأقوى لمواجهة التحديات التي تفرضها السياسات الإسرائيلية التي وصفها بأنها الوحيدة في المنطقة التي تسعى لتحقيق مكاسب ترابية.

وفيما يخص الملف الأوكراني، أوضح فيدان أن التصعيد الأخير في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع الاهتمام الدولي بالحرب الروسية الأوكرانية وتهميش الجهود الدبلوماسية التي كانت تقودها أنقرة. وحذر من أن بقاء هذا النزاع مفتوحاً دون حل سياسي قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في القارة الأوروبية بمجرد هدوء التوترات في المنطقة العربية.

وتطرق التقرير إلى جذور التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الخلافات تعمقت بشكل كبير بسبب العدوان الأخير على غزة والتباين الواضح في الرؤى تجاه الملف السوري. وتعد هذه التصريحات امتداداً لموقف تركي حازم يرفض السياسات اليمينية المتطرفة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية في التعامل مع الملفات الإقليمية.

يُذكر أن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب كانت قد شهدت نقطة تحول دراماتيكية في عام 2010 عقب الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي كان يحمل مساعدات إنسانية لغزة. تلك الحادثة التي أسفرت عن سقوط ضحايا أتراك لا تزال تلقي بظلالها على المشهد السياسي، حيث تصر تركيا على ربط أي تحسن في العلاقات بوقف الممارسات الاحتلالية ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 1:42 مساءً - بتوقيت القدس

خطة 'بولس' لتقاسم السلطة في ليبيا: مقاربة الصفقات وتحديات الواقع

تتسم المقاربة الأمريكية الحالية للنزاع الليبي بالانسجام مع توجهات الإدارة الجمهورية في واشنطن، حيث يبرز أسلوب الرئيس دونالد ترامب في تغليب لغة الصفقات على المسارات الديمقراطية التقليدية. تهدف هذه السياسة إلى البحث عن أقصر الطرق للتعامل مع القوى المسيطرة على الأرض، طالما أنها لا تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة في المنطقة.

يقود هذه التحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، الذي كثف من لقاءاته مع نقاط الثقل السياسي في ليبيا، متمثلة في حكومة الوحدة الوطنية بالغرب والقيادة العامة في الشرق. وقد شملت هذه التحركات جولات دبلوماسية في عواصم كبرى مثل روما وباريس وواشنطن، بهدف صياغة مخرج للأزمة الليبية يتجاوز الجمود الراهن.

تشير المعلومات المسربة حول هذه الخطة إلى مقترح يقضي بتقاسم السلطة وفق الهيكل التنفيذي الحالي، بحيث يتولى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، بينما يستمر عبد الحميد الدبيبة في منصبه رئيساً للحكومة. ورغم عدم صدور تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية، إلا أن ردود الفعل السياسية تعزز فرضية وجود هذا المقترح قيد التداول الجدي.

أحد المؤشرات القوية التي تدعم فرضية الاتفاق هو التوافق الأخير على توحيد الإنفاق التنموي بين حكومتي الشرق والغرب، وهو ما يراه مراقبون خطوة تمهيدية لخطة بولس. ويبدو أن الطرفين المعنيين مباشرة بالخطة يدعمان هذا التوجه الاقتصادي كمدخل لتثبيت التفاهمات السياسية الأوسع التي يتم التحضير لها خلف الكواليس.

في المقابل، برزت أصوات معارضة لهذه التفاهمات، حيث عبر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي عن تحفظه الواضح على ما وصفها بـ 'الصفقات' التي تغلب المصالح الضيقة. ويرى المنفي أن أي تسوية يجب أن تخدم المسار الانتخابي الشامل بدلاً من تكريس سلطة الأمر الواقع عبر محاصصات سياسية جديدة.

من جانبه، أعلن المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة رفضه لأي تسوية سياسية تخرج عن الإطار الدستوري الحاكم والاتفاق السياسي الليبي. ويُفسر موقف المجلس المتماهي مع حكومة الوحدة في طرابلس على أنه محاولة لرفض 'الصفقة' دون الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي.

يعتقد بعض المحللين أن التباين في المواقف داخل معسكر الغرب الليبي قد يكون مجرد 'بالون اختبار' لقياس مدى قبول الشارع والقوى السياسية لهذه الخطة. فبينما يلتزم الدبيبة الصمت، تخرج المكونات الرديفة للتعبير عن الرفض، مما يمنح الحكومة هامشاً للمناورة السياسية أمام الضغوط الدولية المتزايدة.

تعتمد جدية خطة بولس على مدى الدعم الذي ستحظى به من البيت الأبيض بصفة رسمية، حيث لا تزال المقاربة توصف بأنها اجتهاد ضمن محددات عامة. ولن يصبح هذا المسار واقعاً مفروضاً إلا في حال مصادقة الرئيس ترامب عليه بشكل نهائي، مما سيحولها من مقترح دبلوماسي إلى سياسة أمريكية ملزمة.

على الصعيد العسكري، يظهر المشهد تعقيداً إضافياً، إذ إن أغلب القوى الأمنية في الغرب الليبي لا تتبنى موقفاً عدائياً جذرياً تجاه القيادة العامة في الشرق. هذا التداخل قد يسهل تمرير الخطة إذا ما تحولت إلى خيار دولي مدعوم، رغم المعارضة السياسية المعلنة من بعض الأطراف في طرابلس.

في الشرق الليبي، لا يبدو الموقف موحداً بالكامل تجاه مقترحات بولس، حيث ظهرت تحفظات من قبل خالد وبلقاسم حفتر على بعض جوانب الاتفاق. فقد أبدى خالد حفتر موقفاً غير موارب في تقييم الخطة، بينما ركز بلقاسم تحفظاته على الشق الاقتصادي المتعلق بتوزيع الموارد والإنفاق التنموي.

إن تمرير مثل هذا الاتفاق يعني بالضرورة تمديداً غير محدد للمسار الديمقراطي وتأجيلاً طويلاً للانتخابات الوطنية التي ينتظرها الليبيون. ويخشى مراقبون أن يؤدي ذلك إلى تكريس احتكار السلطة من قبل القوى الفاعلة حالياً، مما يغلق الباب أمام أي تغيير سلمي وتداولي للسلطة في المستقبل القريب.

تثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه المقاربة ستنهي معاناة الشعب الليبي أم أنها مجرد ترحيل للأزمات وتسكين للنزاع المسلح. فالمحرك الأساسي لهذه الصفقات، بحسب تقارير دولية، غالباً ما يكون تحقيق مصالح خاصة وضمان استقرار هش يخدم القوى الإقليمية والدولية أكثر من المواطن الليبي.

يرى خبراء أن خطة بولس تنسجم مع الخط العام الأمريكي الهادف لتفكيك النزاع عبر مسارات أمنية واقتصادية متوازية سبقت الطرح السياسي الحالي. ومع ذلك، فإن غياب الرؤية الشاملة للحل الجذري قد يجعل من هذا الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع على النفوذ والموارد.

يبقى المشهد الليبي معلقاً بين طموحات الفاعلين المحليين في البقاء بالسلطة وبين الرغبة الأمريكية في إغلاق الملف بأي ثمن سياسي. وفي حال تحولت خطة بولس إلى قرار رسمي من البيت الأبيض، فإن الخارطة السياسية الليبية ستشهد مخاضاً عسيراً قد يعيد تشكيل التحالفات في الشرق والغرب على حد سواء.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 12:59 مساءً - بتوقيت القدس

تشاؤم إسرائيلي حيال اتفاقات السلام مع لبنان: استعادة لتجربة 1983 وشروط لإصلاح الجيش

تتصاعد في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية حالة من الترقب المشوب بالحذر مع تزايد التقارير الأمريكية حول مفاوضات مباشرة وشيكة بين لبنان ودولة الاحتلال. ويستحضر المحللون الإسرائيليون في هذا السياق تجربة عام 1983 المريرة، حين وُقعت اتفاقية سلام لم ترَ النور فعلياً، مما يثير تساؤلات جوهرية حول نضوج الظروف الراهنة لإبرام تسوية مستدامة.

اعتبر المستشرق وخبير شؤون الشرق الأوسط، حاييم غولوفنيتسيتس أن انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن، والتي أفضت إلى وقف إطلاق نار محدود، يمثل حدثاً تاريخياً بحد ذاته. وأشار في تحليل نشرته صحافة الاحتلال إلى أن هذا التحول هو نتاج مباشر للتغيرات الجذرية التي عصفت بالمنطقة ولبنان منذ أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023.

استذكر المحلل الإسرائيلي انهيار الدولة اللبنانية في أعقاب الحرب الأهلية عام 1975، وكيف أدى ذلك الصراع إلى صعود القوى الشيعية وتأسيس حزب الله لاحقاً. وأوضح أن تلك الحقبة شهدت تغلغلاً سورياً ونشاطاً مكثفاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، مما جعل لبنان ساحة مفتوحة للتدخلات العسكرية والسياسية الإقليمية والدولية.

تطرق التحليل إلى اتفاقية مايو 1983 التي وُقعت في عهد أمين الجميل وبدعم من الاحتلال، مؤكداً أنها ظلت حبراً على ورق حتى أُلغيت رسمياً. ويرى الخبراء أن الفشل التاريخي في تنفيذ تلك الاتفاقية يعود إلى غياب الإجماع الداخلي اللبناني وسطوة القوى المسلحة التي كانت ترفض أي تقارب مع الجانب الإسرائيلي.

أحدثت حرب السابع من أكتوبر 2023 تحولاً دراماتيكياً في الجبهة الشمالية، حيث انخرط حزب الله في صراع استنزاف طويل أدى لخسائر فادحة في صفوف قياداته. ويرى مراقبون أن اغتيال الأمين العام للحزب وتدمير أجزاء واسعة من بنيته التحتية العسكرية وضع الحزب في مأزق استراتيجي غير مسبوق أمام جمهوره والداخل اللبناني.

يشير التحليل الإسرائيلي إلى أن اتفاق الطائف لعام 1989، الذي وضع حداً للحرب الأهلية، تضمن ثغرة كبرى بالسماح لحزب الله بالاحتفاظ بسلاحه تحت مسمى المقاومة. هذا الاستثناء مكن الحزب من فرض إرادته السياسية لاحقاً، كما حدث في أيار 2008 عندما سيطر عسكرياً على بيروت رداً على محاولات تقليص نفوذه في المطار وشبكة الاتصالات.

يرى غولوفنيتسيتس أن شعار 'جيش وشعب ومقاومة' يواجه اليوم تحدياً مصيرياً في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية. فالرأي العام اللبناني، وحتى داخل البيئة الشيعية، بدأ يتساءل عن جدوى الاستمرار في مواجهة مفتوحة أدت إلى نزوح مئات الآلاف وتدمير مقومات الحياة الأساسية.

تتبع سلطات الاحتلال حالياً استراتيجية تهدف إلى توسيع المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني عبر تدمير ممنهج للبنية التحتية في القرى الحدودية. وتستهدف هذه السياسة منع عودة النازحين في المدى القريب، وفرض واقع ميداني جديد يضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بشروط أمنية أكثر صرامة في أي اتفاق مستقبلي.

يؤكد المحللون الإسرائيليون أن الواقع الديموغرافي والسياسي في لبنان قد تغير عما كان عليه في الثمانينيات، حيث تراجع النفوذ السوري وتغيرت موازين القوى المسيحية. ومع ذلك، يظل العائق الأكبر أمام أي استقرار هو ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية وعجزها عن بسط سيادتها الكاملة على كافة الأراضي، خاصة في المناطق الحدودية.

تعتبر الدوائر الإسرائيلية أن الجيش اللبناني، رغم كونه مؤسسة تحظى بتأييد شعبي، إلا أن أداءه الميداني يظل متواضعاً وغير قادر على مواجهة نفوذ حزب الله. وتستدل هذه الدوائر بإخفاق الجيش في تنفيذ القرارات الدولية السابقة، وعلى رأسها القرار 1701، الذي فشل في منع الحزب من تعزيز ترسانته العسكرية جنوب الليطاني.

يقترح التحليل الإسرائيلي ضرورة إجراء إصلاح جذري وشامل للجيش اللبناني كشرط أساسي لنجاح أي اتفاق سلام أو تهدئة طويلة الأمد. ويتضمن هذا المقترح نقل مسؤولية إعادة بناء الجيش وتدريبه إلى الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، لضمان استقلاليته عن التأثيرات الحزبية والإقليمية الموالية لإيران.

تشدد الرؤية الإسرائيلية على ضرورة 'تطهير' صفوف الجيش اللبناني من العناصر الموالية لحزب الله على كافة المستويات القيادية والخدمية. وبدون هذه الخطوة، ترى مصادر إسرائيلية أن أي سلاح أو دعم يقدم للجيش قد ينتهي به المطاف كأداة بيد الحزب، مما يفرغ أي اتفاق أمني من مضمونه الحقيقي.

يعاني حزب الله في الوقت الراهن من أزمات مالية ومعنوية حادة نتيجة الحصار المالي والضربات العسكرية المتلاحقة التي استهدفت خطوط إمداده. ورغم هذه الانكسارات، لا يزال الحزب يراهن على قدرته على التعافي والتمسك بمواقفه السياسية، مستنداً إلى ما تبقى من ترسانته الصاروخية ودعم طهران المستمر.

في الختام، تخلص القراءة الإسرائيلية إلى أن توقيع اتفاق جديد مع لبنان دون ضمانات تنفيذية صارمة سيكون تكراراً للفشل التاريخي. فالمسألة لا تتعلق بالنصوص القانونية، بل بالقدرة على تغيير الواقع على الأرض، وهو ما يتطلب إرادة دولية وإقليمية حازمة لإعادة صياغة التوازنات داخل الدولة اللبنانية بعيداً عن سطوة السلاح غير الشرعي.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 12:21 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يعيق وصول عشرات الطلبة لمدارسهم في جبل المكبر عبر حاجز "الشياح"

القدس - "القدس" دوت كوم - أحمد جلاجل - منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم، عشرات الطلبة من سكان بلدة جبل المكبر بالقدس المحتلة من اجتياز حاجز "الشياح" العسكري، مما حال دون وصولهم إلى مقاعدهم الدراسية.

وأفاد الدكتور فراس شقيرات، أحد سكان المنطقة، بأن جنود الاحتلال المتمركزين على الحاجز الفاصل بين السواحرة الغربية والشرقية منعوا الطلبة من العبور، بذريعة عدم تسجيل أسمائهم في قيود الحاجز. 

من جانبهم، وجه أهالي الطلبة نداءً عاجلاً للمؤسسات الحقوقية والجهات المسؤولية للتدخل الفوري لإنهاء هذه المعاناة وضمان حق أطفالهم في التعليم دون قيود عسكرية.



فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس

اليونيسف تعلّق عملياتها في غزة عقب استشهاد سائقين برصاص الاحتلال

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) رسمياً عن تعليق كافة أنشطة المتعاقدين معها في قطاع غزة، وذلك في أعقاب جريمة استهداف ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت المنظمة أن جنود الاحتلال أطلقوا النار بشكل مباشر على سائقي شاحنتين كانا في مهمة إنسانية لتوصيل مياه الشرب للسكان في المناطق الشمالية من القطاع، مما أدى إلى استشهادهما على الفور.

وشددت المنظمة الدولية في بيانها الصادر يوم السبت على ضرورة إجراء تحقيق فوري وشفاف في ملابسات هذا الاعتداء، مؤكدة على وجوب ضمان المساءلة الكاملة لمرتكبي الجرائم ضد الطواقم الإغاثية. كما أعربت اليونيسف عن استنكارها الشديد لاستهداف البنية التحتية المدنية ومرافق المياه التي تعد شريان الحياة الوحيد المتبقي لمئات الآلاف من المدنيين المحاصرين.

ووفقاً للتفاصيل الميدانية، فإن الحادثة وقعت يوم الجمعة أثناء عملية اعتيادية لنقل المياه عند محطة صهاريج منطقة المنصورة في حي الشجاعية. وتعتبر هذه المحطة المرفق الوحيد الذي لا يزال يعمل لتزويد مدينة غزة بالمياه عبر خط إمداد 'ميكوروت'، مما يجعل توقف العمل فيها تهديداً مباشراً للأمن المائي في المنطقة الشمالية التي تعاني أصلاً من دمار واسع.

وتأتي هذه الجريمة في سياق سلسلة من الخروقات اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار المعمول به منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025. وتسببت هذه الاعتداءات المتكررة في تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة مع تعمد الاحتلال قصف آبار المياه ومحطات التحلية خلال سنوات الحرب الماضية، مما جعل الحصول على قطرة ماء نظيفة تحدياً يومياً شاقاً.

وفي سياق متصل، كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن أرقام صادمة تتعلق بضحايا العدوان، حيث وثقت استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة حتى نهاية العام المنصرم. وأشار التقرير الأممي إلى أن هذا الرقم يعكس واقعاً مأساوياً تسقط فيه نحو 47 ضحية من النساء يومياً، مما يستوجب تدخلاً دولياً حازماً لفرض احترام القانون الدولي الإنساني.

من جانبها، أفادت مصادر طبية في وزارة الصحة بأن حصيلة خروقات الاحتلال لاتفاق الهدنة الأخير قد ارتفعت لتصل إلى 766 شهيداً وأكثر من ألفي جريح. وتظهر هذه الإحصائيات استمرار الاستهداف الممنهج للمدنيين رغم التفاهمات الدولية، في محاولة لتقويض أي استقرار نسبي قد يشهده القطاع المنكوب بعد سنوات من القصف المتواصل.

يُذكر أن إجمالي ضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 قد تجاوز 72 ألف شهيد و172 ألف جريح، في حصيلة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وقد أدت هذه الحرب إلى تدمير ما يقارب 90% من البنية التحتية والمنشآت الحيوية في قطاع غزة، مما جعل المنطقة تواجه كارثة بيئية وصحية شاملة تتطلب عقوداً من إعادة الإعمار.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس

كتابات عبرية ورصاص كثيف.. مشاهد توثق ضراوة المعارك في بلدة دبين جنوب لبنان

مع سريان اتفاق وقف إطلاق النار وعودة النازحين تدريجياً إلى مناطقهم، بدأت تتكشف ملامح المواجهات الضارية التي شهدتها بلدة دبين التابعة لقضاء مرجعيون في الجنوب اللبناني. وأفادت مصادر ميدانية بأن الأيام الأخيرة التي سبقت التهدئة شهدت محاولات إسرائيلية حثيثة للتقدم نحو البلدة، انطلاقاً من محور مدينة الخيام الذي كان مركزاً للعمليات العسكرية منذ الأسابيع الأولى للحرب.

ورصدت كاميرات التوثيق الميداني داخل أحد المنازل في دبين آثاراً واضحة للاشتباكات، حيث غطت بقايا الرصاص الأرضيات بكثافة، فيما تركت القوات المتسللة كتابات باللغة العبرية على الجدران. وتؤكد هذه الشواهد وصول قوة مشاة إسرائيلية إلى عمق معين داخل الموقع قبل أن تندلع مواجهات مباشرة أجبرتها على التراجع ومنعتها من تثبيت نقاط تمركز دائمة.

وبحسب شهادات الأهالي الذين عاينوا منازلهم، فإن القوة الإسرائيلية وصلت إلى نقاط محددة في أطراف البلدة لكنها عجزت عن التوسع أكثر نتيجة المقاومة الشرسة التي واجهتها. وأشار السكان إلى أن الدمار الذي طال الأبنية والممتلكات واسع جداً، إلا أنهم شددوا على أن إرادة البناء لا تزال قائمة طالما أن الأرض بقيت محمية من الاحتلال.

وتركزت أعنف الاشتباكات عند مدخل البلدة الرئيسي، حيث تركت الأسلحة المتنوعة ثقوباً وحفراً كبيرة في الجدران والطرقات، ناتجة عن القصف العنيف والمواجهات من مسافات قريبة. وأوضحت التقارير أن القوة المتسللة كانت تتألف من وحدات مشاة حاولت التسلل خلسة دون الاستعانة بالدبابات أو الآليات الثقيلة في المرحلة الأولى من الهجوم.

وتعتبر بلدة دبين من النقاط الجغرافية القليلة التي شهدت عملية توغل أعقبها انسحاب إسرائيلي سريع تحت ضغط النيران، وهو ما يميزها عن مناطق أخرى لم تشهد محاولات اختراق مماثلة. وقد استمرت المعارك في محيطها لساعات طويلة، خاصة في الليلة التي سبقت الإعلان الرسمي عن وقف العمليات القتالية، مما عكس الأهمية الاستراتيجية للموقع.

ولتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من محيط دبين، شن الطيران الحربي سلسلة غارات مكثفة تجاوزت سبع غارات جوية، ترافقاً مع قصف مدفعي عنيف شكل غطاءً نارياً للمشاة المنسحبين. هذا القصف المكثف تسبب في مضاعفة حجم الدمار في البنية التحتية والمنازل السكنية، مما جعل عودة الحياة الطبيعية تتطلب جهوداً كبيرة من البلدية والجهات المعنية.

وفي الوقت الراهن، بدأت عائلات محدودة بالعودة لتفقد ما تبقى من ممتلكاتها وسط ركام المنازل، بينما تباشر الآليات التابعة للبلدية العمل على فتح الطرقات الحيوية التي أغلقت بفعل الركام المتساقط. وتكتسب دبين أهمية خاصة لقربها من مدينة الخيام والحدود، مما جعلها نقطة ارتكاز في الصراع الأخير الذي شهده الجنوب اللبناني.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:59 صباحًا - بتوقيت القدس

ما بعد المضيق إلا الفرج

انتهى حصارُ المضيق، وفتح أمام حركة السفن والتجارةِ الدولية، وعاد إلى سابق عهده في العمل. لحظةٌ ليست عابرة، خاصةً للرئيس الأمريكي الذي اعتبرها انتصارًا له ولسياساته في التفاوض والحرب، وسرعان ما انهال بتغريداته كعادته. لحظةٌ فارقةٌ لحركة التجارة الدولية التي شهدت انتكاساتٍ حادة خلال فترة إغلاق المضيق، وهذا سيخفف من الآثار التي ألقت بظلالها على اقتصاديات الدول، والشعوب التي عانت من ارتفاعاتٍ باهظةٍ في الأسعار، ومن شح في الواردات والصادرات.

رفعت إيران حصارها عن المضيق، وبهذا تكون صفحةُ هرمز قد طُويت، وعادت الرياح تجري كما تشتهي السفن، وعادت حركة الملاحة والتجارة إلى سابق عهدها. ووفق ما خرجت به بعض التصريحات، فإن الأمر متعلق بوقف الحرب على لبنان، الأمر الذي نفاه ترامب. وسواء صدق ترامب أم كذب، فإن المهم في ذلك تلك المؤشرات حول تقدم المفاوضات، وتضاؤل فرص تجدد الحرب.

مع فتح مضيق هرمز، تكون المفاوضات مع إيران تسير في الطريق إلى الاتفاق على كل نقاط الخلاف، وليس الأمر ببعيدٍ عما يحدث في لبنان، وسيكون له الأثر البالغ في نجاح المفاوضات، ولجم نتنياهو من قبل ترامب، الذي أعلن صراحةً أنه لا قصف ولا حرب على لبنان، محذرًا نتنياهو من عدم الالتزام بذلك.

ما بعد المضيق عودةٌ لترتيبات المنطقة المتعلقة بملفات لبنان وغزة وسوريا. المفاوضات مع لبنان وقد بدأت بشكلها المباشر، والتفاوض على نزع سلاح حماس وما يحدث في القاهرة، والتفاوض على المناطق الحدودية مع نظام الشرع في سوريا، وكل هذا ينصب نحو شرق أوسط جديد، وفق ما تراه الإدارة الأمريكية التي تصول وتجول كما يحلو لها، بعد أن انتهت من الملف الإيراني، وبدأت التفاهم معه بشأن الملف النووي وقضايا أخرى، من بينها أذرع إيران في المنطقة العربية.

وقفُ الحرب قطع الطريق أمام نتنياهو الذي كان يريد لهذه الحرب ألا تنتهي، وأن تبقى مشتعلة على عدة جبهات، بيد أن وقفها أسقط أحلامه وبدَّد آماله، فسيد البيت الأبيض الآن له آمالٌ أخرى وأهدافٌ يحققها، وما على نتنياهو إلَّا الانصياع لتعليمات ترامب وعدم الخروج عنها، ولو كانت تضر بنسبة التأييد التي ستنخفض وسيذهب إلى الانتخابات القادمة بشعبية أقل، فهو يعلم أن شعبيته ترتفع إذا بقيت الحروب مشتعلة، وتنخفض إذا توقفت الحرب.

الأيام القادمة ستكشف عما أسفرت عنه عمليات التفاوض، وما هي النتائج التي سوف تثمر عنها لكل طرف، وأمام هذا كله، فإن وقف الحرب الحاصل هو المهم، وأن لا تعود وتتجدد مرة أخرى، فالعالم ضجر الحروب، وعانت شعوب المنطقة بما يكفي، وآن الأوان لفتح الآفاق أمام الاستقرار والهدوء لبناء ما دمرته هذه الحروب.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تعيد الرقمنة برمجة أبنائنا.. وتفهمهم الخوارزميات أكثر مما نفعل

في البيت ذاته، وعلى الطاولة نفسها، يجلس الأب وابنه، لكنهما لا يعيشان اللحظة نفسها. الأب يرى شاشة، والابن يرى عالماً كاملاً يتشكل خصيصاً له. تمرير بسيط بالإصبع، وفيديو قصير، ثم آخر، ثم آخر… وفي الخلفية، هناك نظام صامت لا ينام، لا يمل، ولا يسأل أسئلة تقليدية. فقط يراقب، يتعلم، ويعيد التشكيل.

المشكلة ليست في أن الخوارزمية تفهم، بل في أنها تفهم بطريقة لا نجيدها نحن. هي لا تسأل الطفل ماذا يحب، بل تراقب ماذا يتوقف عنده، ماذا يعيد مشاهدته، متى يمل، ومتى ينجذب. بينما نحن ما زلنا ننتظر إجابة لفظية على سؤال قد لا يعرف الطفل نفسه كيف يجيب عنه. نحن نبحث عن الوضوح، وهي تعمل داخل الغموض، وهذا ما يجعلها أقرب.

في هذا التفاوت، تتشكل فجوة لا ننتبه لها. ليست فجوة جيل، بل فجوة فهم. الأب يظن أنه يعرف ابنه لأنه يراه يومياً، لكن الخوارزمية تعرف تفاصيل لا تُقال. تعرف ما يثير فضوله، ما يخيفه، ما يضحكه، وما يجعله يبقى. ومع الوقت، تتحول هذه المعرفة إلى تأثير، والتأثير إلى توجيه غير مرئي.

هنا تبدأ الأسئلة التي لا تُطرح عادة. من يصنع الذوق؟ من يحدد الاهتمام؟ من يرسم ملامح المستقبل؟ عندما يصبح المحتوى هو المعلم الأول، والخوارزمية هي من تختار هذا المحتوى، فإننا لا نتحدث فقط عن ترفيه، بل عن إعادة تشكيل وعي كامل. وهذا يحدث بينما نظن أننا ما زلنا المسيطرين.

الأخطر ليس أن أبناءنا يتأثرون، بل أننا نتأخر في ملاحظة هذا التأثير. القرارات الصغيرة التي تُبنى على هذا الفهم الناقص تتراكم. اختيار تخصص، بناء اهتمامات، تشكيل علاقات… كلها تتأثر بما يُعرض، لا بما يُناقش. لأن ما يُعرض مصمم بدقة، وما يُناقش غالباً عشوائي أو متأخر.

في العلاقات الشخصية، يظهر هذا التحول بشكل أكثر هدوءاً. يقل الحوار، ويزيد الافتراض. الأب يعتقد أن ابنه “طبيعي”، لأن لا مشاكل واضحة، بينما الابن يعيش عالماً داخلياً لا يُشارك به. ليس لأنه لا يريد، بل لأنه وجد من “يفهمه” بدون أن يشرح. وهذا الفهم السريع يصبح بديلاً عن العلاقة، لا إضافة لها.

لسنا أمام صراع بين إنسان وآلة، بل أمام إعادة تعريف لدور الإنسان نفسه. لم يعد كافياً أن نكون حاضرين جسدياً، ولا حتى مهتمين شكلياً. المطلوب أصبح أعمق: أن نعود لنتعلم كيف نلاحظ. كيف نفهم الإشارات الصغيرة. كيف نقرأ ما لا يُقال. لأن الخوارزمية لا تنتظر أن نتطور، هي تتقدم كل لحظة.

الغموض الحقيقي في هذا المشهد ليس تقنياً، بل إنساني. نحن لا نعرف بالضبط متى بدأنا نفقد هذه القدرة، ولا متى أصبحت العلاقة تحتاج إلى “إعادة ضبط”. لكن المؤكد أن الاستمرار بنفس الطريقة سيجعل الفجوة أوسع، والتأثير الخارجي أقوى.

ربما الحل لا يبدأ بإبعاد الأبناء عن الشاشات كما يعتقد البعض، بل بالاقتراب منهم بطريقة مختلفة. ليس عبر الأسئلة المباشرة، بل عبر مشاركة التجربة نفسها. أن ترى ما يرونه، أن تفهم لماذا يتوقفون عند فيديو معين، أن تلاحظ ما الذي يجذبهم دون أن تحكم عليه فوراً. لأن الفهم لا يأتي من السيطرة، بل من القرب الحقيقي.

في النهاية، الخوارزمية لن تتوقف عن التطور، وهذا ليس خياراً يمكننا تغييره. لكن ما يمكن تغييره هو موقعنا في هذه المعادلة. إما أن نبقى متفرجين على علاقة تُعاد صياغتها أمامنا، أو أن نعيد بناء هذه العلاقة على أساس فهم أعمق وأكثر صدقاً. السؤال لم يعد من يفهم أبناءنا أكثر، بل من يختار أن يحاول فعلاً.

* باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

الدايت الرقمي… الحمية في زمن الذكاء الاصطناعي

مع إطلالة كل صيف، لا نلوم أنفسنا فقط على ما اقترفناه من عادات غذائية غير محسوبة في شهور الشتاء ولياليه، بل ندخل في صراع داخلي كيف يمكننا اصلاح ما كان وبسرعة  ودون جهد، ونبدأ نفكر ماذا سنأكل… وكيف سنعيد التوازن لأجسادنا وهو مشهد موسمي متكررعلى الدوام، وهنا يتقدم الذكاء الاصطناعي بأدواته وتطبيقاته ليعرض لنا خدماته وكأنه المارد المخلص لكل أزماتنا ومنها الوزن الزائد، لا بديلاً عن الإرادة، بل انعكاس تقني يهذب سلوكنا اليومي ويعيد صياغته بلغة الأرقام والتحليل.

في زمن التكتنولوجيا والذكاد الاصطناعي باتتت الحمميات الغذائية (الدايت) أكثر وأكبر من كونها جداول ونصائح عامة، بل تحولت إلى تجارب شخصية تشخيصية  دقيقة ، تقودها تطبيقات وأدوات ذكية تفهمك بقدر ما تُغذّيك، فتطبيقات مثل(MyFitnessPal) لم تعد فقط تعدّ السعرات، بل تبني نمطًا غذائيًا متكاملًا بناءً على نشاطك اليومي، ونوعية طعامك، وحتى لحظات ضعفك، وفي ذات السياق، يقدم (Noom) مقاربة مختلفة، حيث لا يكتفي بتقديم ما يجب أن تأكله، بل يحاول فهم “لماذا” تأكله، مستندا إلى تحليل سلوك المستخدم وتقديم إرشادات نفسية خفيفة تلامس العادات العميقة.

أما تطبيق Yazio، فيذهب باتجاه الدمج بين الصيام المتقطع والتخطيط الغذائي، مع واجهات بسيطة تُشعرك أن النظام ليس عقوبة، بل أسلوب حياة قابل للاستمرار، وفي زاوية أخرى، ظهرت أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور، حيث يمكنك ببساطة تصوير وجبتك، ليقوم التطبيق بتقدير مكوناتها وقيمتها الغذائية خلال ثوانٍ، وهي قفزة تعكس كيف يمكن للتكنولوجيا أن تختصر المسافة بين النية والفعل.

لكن، وسط هذا الزخم التقني، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي التطبيقات؟

الإجابة ببساطة: لا.

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من دقة، لا يستطيع أن يرفض قطعة الحلوى عنك، ولا أن يدفعك لمغادرة السرير نحو التمرين، هو لا يشعر بالكسل، ولا يختبر الإغراء، ولا يعيش صراع “اليوم فقط”. هنا تحديدا، تتجلى الفجوة بين الأداة والإنسان.

التكنولوجيا، في أفضل حالاتها، تُنظّم، تُذكّر، تُحلل… لكنها لا تقرر. القرار يبقى إنسانيًا خالصًا، نابعًا من إرادة حقيقية وعزيمة تُترجم إلى سلوك يومي. ولهذا، فإن من ينجح في رحلته الصحية ليس من يمتلك أفضل تطبيق، بل من يمتلك القدرة على الالتزام، حتى في غياب الإشعارات.

قد تمنحك هذه التطبيقات خططًا مثالية، ورسومًا بيانية مشجعة، وتوقعات دقيقة لمسار وزنك، لكنها لا تستطيع أن تمنحك “السبب” الذي يدفعك للاستمرار. هذا السبب قد يكون صحة أفضل، أو ثقة أعلى، أو حتى صورة تحب أن ترى نفسك فيها… وهو ما لا يُبرمج.

في النهاية، يبدو الذكاء الاصطناعي في عالم الدايت كمدرب صامت: يراقب، يقترح، ويصحح… لكنه لا يركض بدلاً منا، ومع كل صيف جديد، قد تتغير الأدوات، وتتطور الخوارزميات، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: الإرادة ليست خياراً تقنيًا، بل قرار يومي، والعزيمة لا تُحمّل من متجر التطبيقات.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:55 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يكتب في محاضر الجنود (4): بشار، حين يهزم الحاجز بنغمة

قبسات

في محاضر الجنود، لا مكان للصوت. كلُّ شيءٍ هناك يُقاس: الزمنُ بوحداته، الأجسادُ بمرورها، المكانُ بإحداثياته، وعددُ العابرين الذين نجحوا أو أُعيدوا.

يُكتب: "تمّ ضبط الحركة"، ولا يُكتب: كان ثمّة طفلٌ يعزف… فيرتبك الليل. الحقيقة، في هذا الفضاء تحديدًا، لا تقيم فيما يُدوَّن، بل فيما يتسرّب منه.

كلُّ ما لا يمكن ضبطه -النغمة، الارتجاف، المعنى- يُترك خارج النص، كأنّه لم يحدث. لكن ما يُستبعد من اللغة الرسمية، هو بالضبط ما يعيد تعريف الواقع.

على طرف الحاجز العسكري عند مدخل قرية المغير، شمال شرق رام الله، حيث تُختصر الجغرافيا في نقطة تفتيش، ويُعاد تعريف الإنسان بوصفه "مرورًا محتملًا" أو "خطرًا محتملًا"، جلس بشّار صالح أبو عليا، ابن الثامنة.

لم يكن عابرًا، ولم يكن ينتظر عبورًا. كان يفعل شيئًا أكثر إرباكًا من العبور نفسه: كان يُنتج معنى. المشهد، كما لا تحبّه التقارير، بسيطٌ حدَّ القسوة: نارٌ صغيرة تُقاوم البرد، ترابٌ مُنهك، أقدامٌ واقفة، وطفلٌ يحتضن عوده كأنّه يحتضن خلاصًا شخصيًا.

وخلف هذا كله، واقعٌ ثقيل: تنكيلٌ بالعابرين، اعتداءات، اعتقالات، ومركباتٌ تُكسَّر… كأنّ النجاة من يدٍ لا تعني النجاة من أخرى- جيش الاحتلال ومستوطنوه.

في تلك اللحظة، لم يكن المكان مجرد حاجزٍ عسكري، بل كان صدراً ضيقاً يحاول أن يبتلع طفولته دون أن ينجح. كان البرد أقسى من وصفه، والقلوب حوله متعبة كأنها تمشي فوق زجاجٍ غير مرئي، ومع ذلك، وسط هذا الثقل كله، خرج اللحن كأنّه يرفض الانكسار، كأنّه يقول للعالم بصوتٍ خافت لكنّه ثابت: أنا لستُ وحدي… ولن أكون مجرد صمت.

في الصورة التي لا تُرفق بمحاضر الجنود، يبتسم بشّار. ابتسامة لا تنتمي إلى جهلٍ بما يحدث، بل إلى معرفةٍ أعمق: أنّ الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، يستطيع أن يختار موقعه من العالم. ليس كضحيةٍ صامتة، بل كصوت.

بشّار، الطالب في مدرسة أصدقاء الكفيل في البيرة، ليس مجرد طفلٍ يتعلّم العود.

إنه طفلٌ يعيد تعريف الحواس. ففي عالمٍ أخذت فيه الشبكيّة من عينيه بعض الضوء، لم ينطفئ الإدراك؛ بل أعاد تشكيل نفسه. نتعلّم بريل، لا بوصفه تقنية بديلة، بل بوصفه فلسفةً أخرى للرؤية: أن تُصغي بأصابعك، أن تتحسّس المعنى، أن ترى ما لا يُرى.

ولذلك، حين يعزف، لا تبدو أصابعه وكأنها تُنتج صوتًا فقط، بل كأنها تقرأ العالم… ثم تعيد كتابته نغمة.

في محاضرهم، المرضُ حالة. وفي حكايته، هو تمرينٌ على البصيرة. رحلته العلاجية بين الضفة والأردن ومستشفيات الداخل لا تُختصر في ملفاتٍ طبية، بل في مقدار ما تعلّمه طفلٌ صغير عن الصبر. لكن الصبر هنا ليس تحمّلًا فقط، بل إعادة تشكيل للعالم: أن تعيش رغم القلق، أن تتعلّم رغم الألم، أن تحلم رغم هشاشة الجسد. اهتمامه بالتاريخ، بالقضايا، بما يحدث حوله، ليس ترفًا معرفيًا، بل محاولة مبكرة لفهم العالم الذي وُضع فيه.

وكأنّه يدرك، بحدسه، أن المعرفة ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة لمواجهته. يحلم أن يصنع محتوى هادفًا على يوتيوب. وفي مكانٍ كهذا، لا يكون الحلم تفصيلًا، بل فعلًا مقاومًا: أن يكون لك صوت، في عالمٍ يُراد لك فيه أن تكون صامتًا.

في الفلسفة، تحاول السلطة دائمًا تحويل الإنسان إلى ما يمكن قياسه: رقم، ملف، حالة.

وهذا ما يفعله الحاجز: يعيد تعريف الكائن بوصفه "إجراءً". لكن ما لا يستطيع احتواءه، هو ما لا يُقاس. أن يجلس طفلٌ في هذا الموضع بالذات، ويقرّر ألا يكون موضوعًا للإجراء، بل ذاتًا للفعل.

بشّار لم يُلغِ الحاجز. لكنه، بطريقةٍ أدق، ألغى معناه الأحادي.  فالحاجز، في تعريفه الرسمي، أداة فصل. أما في حضوره، فقد صار فضاءً لاحتمالٍ آخر: مكانًا يمكن أن يحدث فيه عزف.

وهذا التحوّل، وإن بدا طفيفًا، هو في جوهره إعادة تعريف لماهية المكان نفسه. النار الصغيرة بجانبه كانت تُبقي الجسد دافئًا، أما هو، فكان يُبقي المعنى حيًا. ثمّة فرقٌ عميق بين أن تبقى حيًا، وأن تُبقي للحياة معناها.

الأول غريزة، والثاني موقف. ولذلك، لم يكن يعزف ليملأ الوقت، بل ليعيد تعريفه. فالانتظار، حين يُلامسه اللحن، لا يعود فراغًا بل احتمالًا. والبرد، حين تخترقه نغمة، لا يعود قسوةً خالصة بل تجربة قابلة للتحمّل. حتى الخوف… كان يتباطأ قليلًا، كأنّه يصغي.

ما لا يُكتب في محاضر الجنود، أن طفلًا بعوده الصغير استطاع أن يخلق دائرةً غير مرئية من الدفء، دفءٌ لا تصنعه النار وحدها، بل الإحساس بأن هناك من يقول: "نحن هنا… ولسنا مجرد أرقام".  في تلك اللحظة، لم يكن بشّار مجرد طفل. كان اقتراحًا فلسفيًا. أنّ الإنسان، حتى وهو محاصر، قادرٌ على إنتاج معنى يتجاوز محاصرته.

وليس في العزف ذاته ما يُربك، بل فيما يفترضه: أن الحرية، وإن ضاقت، لا تنعدم.

وأنّ المعنى، وإن حوصِر، لا يُلغى.

في المحاضر، لا تُكتب الأحلام. لكنّها، على نحو آخر، أكثر ما يُهدد منطق الحواجز. لأنّ الحاجز فكرة: فصل، منع، سيطرة.

أما الحلم… فهو تجاوز. وبين الفكرة والحلم، جلس بشّار… وعزف. ليس لأنّه لا يرى القيد، بل لأنه يرى ما بعده. ليس لأنّه لا يشعر بالخوف، بل لأنّه قرر ألا يمنحه السيادة.

في النهاية، لا يبقى من المشهد إلا أثره: طفلٌ يضحك، يحتضن عوده، نارٌ صغيرة، ليلٌ كثيف، وعالمٌ كامل يحاول أن يُثقله… فلا ينجح. ذلك هو ما لا يُكتب. أنّ الحواجز لا تفشل فقط حين تُزال، بل حين تعجز عن احتكار تعريف الواقع. وأنّ طفلًا، يتعلّم أن يرى بأطراف أصابعه، يمكنه—بهدوءٍ عميق— أن يُعلّم العالم… كيف يرى.

ذلك هو بشّار. ليس استثناءً، بل دليلًا: أنّ في هذه الأرض، دائمًا، ما لا يمكن تقييده، ولا تدوينه، ولا حتى فهمه بالكامل… إلا إذا أُصغي إليه…كأغنية.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:54 صباحًا - بتوقيت القدس

نابلس.. مدينة تكتب بالحب وتحرس بالذاكرة

نابلس ليست مجرد مدينة تذكر في كتب الجغرافيا والتاريخ بل هي حكاية ممتدة في الزمن، تعبق برائحة التاريخ وتنبض بحياة الحاضر كأنها القلب الذي يضخ في شرايين فلسطين روح الصمود والهوية. عند الدخول إلى أزقتها القديمة، تشعر أن الحجارة تتكلم، وأن لكل زاوية قصة، ولكل باب ذاكرة، وأن التاريخ هنا ليس ماضياً منتهياً، بل حاضر يتجدد في تفاصيل الحياة اليومية.

منذ العصور  القديمة ومرورا بالحضارات ووصولا إلى الزمن المعاصر، ظلت نابلس شاهدة على تحولات كبرى، لكنها لم تفقد روحها،  بقيت مدينة العلم والتجارة، وموئل الحرفيين، ومقصد الطلبة ومركزاً ثقافياً يحتضن الفكر والأدب والشعر كانت الحكايات في أسواقها القديمة تختلط الأصوات والروائح؛ رائحة الصابون النابلسي، وعبق الكنافة، وصوت الباعة الذين ينسجون بلغة بسيطة مشهداً اجتماعياً يعكس عمق الترابط الإنساني.

لقد، كانت نابلس مصدر إلهام للشعراء والكتّاب في بعدها الادبي الذين رأوا فيها صورة للوطن بكل ما فيه من جمال وألم،  مدينة تكتب بالحبر وتحكى بالكلمات كما تحفظ في الوجدان لتتحول إلى رمزٍ للثبات  لتقاطع فيها الحكايات الشخصية مع السردية الوطنية الفلسطينية فيتجلى الإنسان الفلسطيني في أبهى صوره: صابرا، مبدعا، ومتمسكا بجذوره .

أن ما يميز نابلس نسيجها  الاجتماعي المتماسك تتجسد القيم الأصيلة من تكافل وتراحم وانتماء. العائلة فيها ليست مجرد إطار اجتماعي بل مدرسة للقيم، ومصدر للأمان، وركيزة للاستقرار وفيها يتعلم الأبناء معنى الاحترام، وأهمية العمل، وقيمة العلم، فتتشكل وشكلت شخصية متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح.

كانت وما زالت نابلس منبرا عاليا للحضور الوطني كانت دائماً في قلب الأحداث، حاضرة وفي كل مراحل النضال تقدم أبناءها دفاعا عن الأرض والكرامة. لم تكن يوماً مدينة على هامش القضية بل كانت في صميمها تعبر عن وجدان الشعب الفلسطيني وتطلعاته وفي كل مرة حاولت الظروف أن تثقل كاهلها كانت تنهض من جديد، كأنها تقول إن الحياة هنا أقوى من كل التحديات.

تمتلك نابلس جمالا سياحيا خاصا تجمع بين الطبيعة والتاريخ؛ من جبلي عيبال وجرزيم اللذين يحتضنانها، إلى البلدة القديمة التي تعد متحفا مفتوحا، وصولاً إلى ينابيعها وأسواقها ومآذنها وكنائسها، إنها مدينة تروي حكاية حضارة، وتمنح زائرها تجربة إنسانية عميقة تتجاوز مجرد المشاهدة إلى الإحساس والانتماء.

  كانت وما زالت نابلس دائماً منارة علم، تحتضن المدارس والجامعات، وتخرج الأجيال التي تسهم في بناء المجتمع وتطويره فالتعليم فيها ليس مجرد تحصيل معرفي بل رسالة، ووسيلة للنهوض، وأداة للحفاظ على الهوية في وجه محاولات الطمس والتغييب.

وفي كل ذلك، تظل نابلس مثالاً حياً للتوازن بين القيم والحداثة؛ فهي مدينة تحافظ على تراثها دون أن تنغلق، وتنفتح على العالم دون أن تفقد ذاتها فيها يتجاور القديم والجديد  ويتكامل الماضي مع الحاضر، لتقدم نموذجاً فريداً لمدينة تعرف كيف تكون أصيلة ومعاصرة في آن واحد.

هكذا كانت وتبقى نابلس، عبق التاريخ وقلب فلسطين النابض، مدينة تعلم قبل أن ترى، وتحس قبل أن توصف، وتبقى في الذاكرة كما تبقى في القلب، شاهدة على أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو روح تسكن الإنسان ولا تفارقه.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة المنسية: مواكب الشهداء لا تتوقف والتجويع يعود من جديد

د. سعيد شاهين: انشغال المجتمع الدولي بالحرب على إيران يخدم استراتيجية إسرائيلية لتمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية بالأراضي الفلسطينية

أكرم عطا الله: مظاهر تفشي المجاعة وإدخال مواد دون غيرها وانتشار الأمراض وتزايد القوارض تكشف آلية ممنهجة للتحكم تفاصيل الحياة اليومية

د. أسامة عبد الله: إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط بل تعمل لإعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة باستنزاف طويل يقوم على إنهاك المجتمع

محمد جودة: غياب مجلس السلام يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي وغزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة بل عملية إعادة هندسة قسرية لمجتمع كامل

د. رهام عودة: إنقاذ القطاع لا يتحقق دون تعزيز صمود السكان والتوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل

سري سمور: هناك تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية مع احتمال تغير خريطة التدخلات السياسية ما يترك فراغاً دبلوماسياً بالملف الفلسطيني

رام الله - خاص بـ "القدس"-

 رغم استمرار الهدنة بين واشنطن وطهران، يستمر تراجع حضور قطاع غزة في المشهد الدولي، مع أن الواقع داخل القطاع يزداد قسوة يوماً بعد يوم، فالحرب مستمرة وتحولت إلى مأساة ممتدة يعيشها الأهالي وسط تراجع الاهتمام السياسي العالمي، وتعمق الأزمة الإنسانية، بالتوازي مع انشغال العالم بملفات أخرى أبعدت معاناة الفلسطينيين في القطاع عن مركز الاهتمام والضغط الدولي.

ويشير كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، إلى أنه مع استمرار القصف والحصار، تتكشف ملامح أزمة إنسانية أكثر تعقيداً من مجرد نقص في الغذاء أو الدواء، فالحياة اليومية في غزة باتت محكومة بانهيار الخدمات الأساسية، وتفشي الأمراض، وارتفاع معدلات النزوح، في ظل بيئة منهكة لم تعد قادرة على احتمال مزيد من التدهور.

ويرون أن ما يجري لم يعد يقتصر على نتائج الحرب، بل أصبح واقعاً يعيد تشكيل ظروف الحياة داخل القطاع بصورة تضغط على السكان وتضعف قدرتهم على البقاء، وكل ذلك في سياق الضغط عليهم لجعل الحياة شبه مستحيلة، بينما غاب "مجلس السلام" عن مسؤولياته، مؤكدين أن الأوضاع باتت بحاجة لضغط متجدد من أجل إنقاذ القطاع وأهله.



إخفاق سياسي وأخلاقي وقانوني غير مسبوق


يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين، أن تغييب قطاع غزة عن صدارة الاهتمام الدولي في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتبعاتها يعكس فشلاً سياسياً وأخلاقياً وقانونياً غير مسبوق، رغم أن غزة كانت في صدارة الأحداث بعد "طوفانها وإبادتها" التي أعادت تحريك المياه الراكدة في المشهد الدولي.

ويوضح شاهين أن هذا التهميش من قبل أطراف عربية ودولية يصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، ويدعم سياسات الإدارة الأمريكية التي انشغلت بملفات وصراعات إقليمية أخرى، بما في ذلك التصعيد مع إيران ودول عربية، نتيجة استمرار غياب حلول جذرية للقضية الفلسطينية، وهو ما ساهم في إنتاج حالة عدم استقرار ممتدة في المنطقة منذ عقود.


جريمة إضافية بالتنصل من التزامات وقف إطلاق النار


ويؤكد شاهين أن تجاهل ما يجري في غزة يشكل جريمة إضافية تُضاف إلى سجل الانتهاكات المرتكبة بحق القطاع، مشيراً إلى أن ذلك يتزامن مع تنصل الإدارة الأمريكية والأطراف الموقعة على اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ المتعلق بغزة، من بينها ما ارتبط بترتيبات ما بعد صفقات تبادل الأسرى، وتشكيل ما يسمى "مجلس السلام"، الذي لم يحقق، أي تقدم ملموس في تحسين أوضاع السكان أو وقف الانتهاكات.

ويشير شاهين إلى أن انشغال المجتمع الدولي بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يخدم استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تمرير أهداف أمنية وعسكرية وديموغرافية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، من خلال سياسات التجويع والحصار والقتل، وسط صمت عربي ودولي وانكفاء سياسي عن الملف الفلسطيني لصالح أزمات أخرى في المنطقة.

ويعتبر شاهين أن استمرار التعنت الإسرائيلي وتجاهل القانون الدولي وتوسع العمليات العسكرية في غزة والضفة ولبنان وإيران، يعكس تماهي بعض القوى الدولية مع مشاريع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على أساس القوة والدم بما يؤدي إلى تقويض الوجود الفلسطيني تدريجياً.


استهداف غزة ونتائج الحرب على إيران


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية لغزة، يرى شاهين تصاعد وتيرة الاعتداءات في غزة لا يمكن فصلها عن نتائج الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، موضحاً أن فرض هذه القوى لشروطها قد يقود إلى سيناريو أكثر سوداوية يتمثل في تصعيد عسكري جديد في غزة تحت ذريعة نزع سلاح الفصائل، بما يشمل عمليات واسعة قد تترافق مع مجازر ونزوح وتهجير، بالتوازي مع تسريع خطوات الضم في الضفة الغربية.

أما في حال فشل هذا المسار، يرجّح شاهين احتمال بروز سيناريو مختلف يتمثل في تراجع حكومة نتنياهو عن بعض سياساتها تحت ضغط التوازنات الداخلية والدولية، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة أو مؤتمر دولي لإعادة إحياء مسار التسوية، بهدف تحسين صورة إسرائيل دولياً وإعادة ضبط الصراع ضمن إطار سياسي أقل تصعيداً.


إسرائيل وإدارة الأزمة وتعميقها


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن ما يجري في قطاع غزة لم يعد يمكن تفسيره باعتباره نتيجة طبيعية للحرب أو انعكاساً للفوضى الإنسانية، بل هو سياسة إسرائيلية مقصودة تقوم على إدارة الأزمة وتعميقها بصورة متعمدة، بهدف إبقاء القطاع في حالة انهيار دائم تمنع عودة الحياة الطبيعية وتضعف قدرة الفلسطينيين على الصمود داخل أرضهم.

ويوضح عطا الله أن مظاهر تفشي المجاعة وانتشار الأمراض وتزايد القوارض في مناطق واسعة من القطاع لا تعكس فقط التدهور الإنساني، وإنما تكشف عن آلية ممنهجة للتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للسكان، مشيراً إلى أن الاحتلال يسمح بإدخال أصناف يصفها بأنها غير ضرورية مثل الشوكولاتة والحلوى، في وقت يتم فيه منع مواد أساسية يمكن أن تسهم في الحد من التدهور البيئي والصحي داخل القطاع، بما في ذلك المواد التي يمكن أن تساعد في مكافحة القوارض وتحسين الظروف المعيشية.

ويؤكد عطا الله أن الهدف من هذه السياسة هو الإبقاء على الدمار ومنع أي فرصة لاستعادة المجتمع الفلسطيني توازنه الداخلي، لأن عودة الحياة إلى غزة تعني تعزيز بقاء السكان وإفشال أي مخطط يستهدف تفريغ القطاع من سكانه.


الأوضاع مفتوحة على عدة احتمالات


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يرى عطا الله أن الأوضاع في غزة تبقى مفتوحة على عدة احتمالات، أولها دخول لجنة لإدارة القطاع مقابل تسليم حركة حماس سلاحها، بما يتيح لإسرائيل فرض سيطرة أشمل على تفاصيل المشهد الداخلي.

أما السيناريو الثاني، وفق عطا الله، فيتمثل في رفض تسليم السلاح، بما قد يقود إلى توسيع العمليات العسكرية باتجاه المناطق الغربية التي يتجمع فيها المدنيون.

ويشير عطا الله إلى أن هناك سيناريو ثالثاً يبرز تدريجياً، يتمثل في الإبقاء على الوضع القائم، وهو الخيار الأكثر راحة لإسرائيل، لأنه يحافظ على غزة كمنطقة مدمرة وغير قابلة للحياة، بما ينسجم مع مشروع الهجرة القسرية، بالتوازي مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على نحو 60 في المئة من مساحة القطاع، وهو واقع ينسجم مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "حدود جديدة" تسعى إسرائيل إلى تكريسها بصورة دائمة.


غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير


يحذّر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله من أن ما يعيشه قطاع غزة لم يعد يُختزل في كونه أزمة إنسانية طارئة، بل بات يمثل انهياراً واسعاً في منظومة الحماية الدولية، في ظل تراجع الاهتمام السياسي الدولي بالقطاع وانشغال القوى الإقليمية والدولية بترتيبات أمنية أوسع تتعلق بالمنطقة، الأمر الذي جعل غزة تتراجع إلى هامش الأولويات رغم تفاقم الكارثة داخلها.

وبحسب عبد الله، فإن المشهد اليومي في القطاع، بما يحمله من تشييع مستمر للشهداء، ونزوح قسري متكرر، وانهيار تدريجي في المستشفيات، وانتشار متزايد للأمراض، يعكس أن غزة تُترك في فراغ سياسي وأخلاقي خطير، مشيراً إلى أن "النسيان السياسي" لا يقل خطورة عن العمليات العسكرية نفسها، لأنه يحوّل المأساة الإنسانية إلى واقع يجري التعامل معه دولياً باعتباره أمراً اعتيادياً.

ويوضح عبد الله أن التحذيرات الصادرة عن المؤسسات الأممية لم تعد مجرد لغة دبلوماسية معتادة، بل تحولت إلى إنذارات مباشرة بشأن انزلاق القطاع نحو مجاعة ممتدة وانهيار صحي واسع، لافتاً إلى أن منظمات دولية حذرت من حرمان مئات آلاف الأطفال من المساعدات الأساسية، في وقت يؤدي فيه استمرار إغلاق المعابر ونقص المياه والأدوية والوقود إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية وانتشار الأمراض المعدية، بالتزامن مع تدهور البنية الصحية والخدماتية إلى مستويات غير مسبوقة.


إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة


ويرى عبد الله أن إسرائيل لم تعد تخوض حرباً عسكرية فقط، وإنما تعمل على إعادة تشكيل شروط الحياة داخل غزة من خلال سياسة استنزاف طويلة تقوم على إنهاك المجتمع، وإضعاف البنية المدنية، وتقليص قدرة السكان على الصمود، مقابل غياب آلية دولية فاعلة قادرة على فرض الحد الأدنى من قواعد القانون الإنساني.


استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة


وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يطرح عبد الله ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة عبر القصف المتقطع، وتقييد دخول المساعدات، وتوسيع مناطق العزل والنزوح، بما يعني مزيداً من الوفيات غير المباشرة والانهيار الاجتماعي.

أما السيناريو الثاني، وفق عبد الله، فيتمثل في هدنة إنسانية مؤقتة تسمح بتخفيف الكارثة من دون معالجة جذورها السياسية، بينما يبقى السيناريو الثالث، والأقل احتمالاً، مرتبطاً بمسار سياسي وإنساني شامل يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وفتحاً مستداماً للمعابر، وخطة إنعاش دولية مرتبطة بأفق سياسي واضح.


إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي


ويؤكد عبد الله أن المطلوب فلسطينياً لم يعد مقتصراً على إدارة الإغاثة، بل يتطلب إعادة غزة إلى مركز الاهتمام السياسي، وتوحيد الخطاب الوطني حول وقف الحرب، وتفعيل المسار القانوني الدولي لمحاسبة جرائم التجويع، ومنع أي ترتيبات مستقبلية قد تكرّس فصل القطاع عن المشروع الوطني الفلسطيني.


الموت حالة يومية مألوفة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن المشهد القائم في قطاع غزة لم يعد يُقرأ باعتباره مواجهة عسكرية عابرة، بل بوصفه نقطة تقاطع بين ثلاثة مسارات متزامنة تتمثل في استمرار الحرب، وتردد النظام الدولي، واقتراب المجتمع الفلسطيني داخل القطاع من حافة الانهيار الشامل، محذراً من أن استمرار هذا الواقع يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود غزة إلى الإقليم بأسره.

ويوضح جودة أن تكرار مشاهد تشييع الشهداء في شوارع القطاع لم يعد مجرد انعكاس لحجم العنف المتواصل، وإنما بات مؤشراً على تحول الموت إلى حالة يومية مألوفة داخل المجتمع، وهو من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب أي منطقة نزاع، لأن اعتياد الناس على الموت يعني أن أدوات الردع السياسية والأخلاقية فقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها.


خلل بنيوي في النظام الدولي


ويشير جودة إلى أن غياب إطار فاعل لما يسمى "مجلس السلام" أو أي مظلة تفاوضية حقيقية يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي، لا يقتصر على العجز عن إنهاء الأزمة، بل يمتد إلى غياب الإرادة السياسية الجدية لفرض حل مستدام، في وقت تتحول فيه التحذيرات المتزايدة من المجاعة وانتشار الأمراض إلى دليل على استخدام عامل الزمن كأداة ضغط تستنزف المجتمع الفلسطيني صحياً ونفسياً وديموغرافياً.


إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل


ويؤكد جودة أن الأزمة في غزة لم تعد أزمة إنسانية طارئة فقط، بل أصبحت عملية إعادة تشكيل قسرية لمجتمع كامل، في ظل نشوء جيل جديد وسط سوء التغذية والصدمات النفسية والانقطاع الطويل عن التعليم، الأمر الذي يجعل آثار الحرب ممتدة إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية نفسها.


استمرار "الحالة الرمادية"


وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، يرجّح جودة استمرار "الحالة الرمادية"، بحيث لا تنتهي الحرب بشكل كامل ولا يُفرض سلام حقيقي، مع إدارة الأزمة عبر تهدئات مؤقتة تسمح بإدخال بعض المساعدات وتمنع الانفجار الأكبر من دون معالجة جذور الصراع، معتبراً أن هذا السيناريو يبدو الأقل كلفة بالنسبة للقوى الدولية، لكنه الأكثر قسوة على السكان.

ويرى جودة أن سيناريو التهدئة الأوسع قد يفرض نفسه بضغط دولي أو إقليمي لتحسين الوضع الإنساني مؤقتاً، لكنه سيبقى هشاً من دون إطار سياسي واضح، فيما يبقى احتمال التوصل إلى تسوية شاملة أقل ترجيحاً بسبب غياب التوافقات الدولية والإقليمية اللازمة.

ويؤكد جودة أن الحد الأدنى المطلوب يتمثل في فصل المسار الإنساني عن التجاذبات السياسية، عبر ضمان تدفق المساعدات، وإعادة تشغيل الحد الأدنى من القطاع الصحي، ومنع الانهيار الكامل، بالتوازي مع إعادة إحياء مسار سياسي قائم على ضمانات حقيقية تمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.


عملية منهجية لجعل القطاع غير صالح للحياة


ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة لم تعد تقتصر على الدمار العسكري المباشر وإيقاع الشهداء والجرحى، بل تحولت إلى عملية منهجية تهدف إلى جعل القطاع مكاناً غير صالح للحياة، عبر تدمير مقومات البقاء الأساسية ودفع السكان تدريجياً نحو الهجرة القسرية تحت ضغط الحرب والحصار والانهيار الإنساني المتواصل.

وبحسب عودة، فإن المشهد اليومي في غزة، من تشييع الشهداء، وتزايد انتشار الأمراض، وتصاعد مؤشرات المجاعة التي حذرت منها جهات أممية، يعكس حجم التحول الذي أصاب القطاع، في ظل استمرار القصف الإسرائيلي وعجز المستشفيات الفلسطينية عن استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى والجرحى، إضافة إلى النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة دخول كميات محدودة فقط من المساعدات الصحية.

وتوضح عودة أن البلديات باتت عاجزة عن التعامل مع التدهور البيئي المتسارع بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل مركباتها، وعدم قدرتها على دفع رواتب عمال النظافة، ما أدى إلى تراكم النفايات داخل المناطق السكنية، في وقت تشهد فيه أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعاً كبيراً، بينما يتركز إدخال المواد عبر المعابر على السلع الثانوية مثل السكريات والمشروبات الغازية بدلاً من اللحوم والخضروات والفواكه الطازجة.


فقدان جزء كبير من السلة الغذائية المحلية


وتؤكد عودة أن قطاع غزة فقد جزءاً كبيراً من سلته الغذائية المحلية بعد تضرر الأراضي الزراعية وتسمم التربة جراء القصف، إلى جانب سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات زراعية واسعة داخل ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء"، خاصة في بيت حانون التي كانت من أبرز المناطق المنتجة للغذاء داخل القطاع، معتبرة أن تدمير البيئة الزراعية يشكل جزءاً من سياسة أوسع لإضعاف قدرة السكان على الصمود.


إنقاذ القطاع وتعزيز صمود الأهالي


وتشير عودة إلى أن المفاوضات التي جرت في مصر بين رئيس مجلس السلام نيكولاي ملادينوف وحركة حماس أظهرت استمرار المأزق القائم، إذ ترفض حماس تسليم سلاحها قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي الكامل من القطاع، بينما يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانسحاب قبل نزع سلاح الحركة.

وترى عودة أن هذا التعقيد يفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين؛ أولهما احتمال عودة الحرب بوتيرة أقل حدة، مع توسيع تدريجي للمنطقة العازلة واستهداف مكثف للبنية الأمنية وقيادات الفصائل، وربما إدخال قوات دولية تدريجياً إلى بعض المناطق.

أما السيناريو الثاني وفق عودة، فيقوم على احتمال إبداء حماس مرونة لاحقة عبر تسليم الملف الأمني لشرطة مدنية تشرف عليها لجنة إدارة غزة، بما قد يفتح المجال لمرحلة انتقالية جديدة.

وتؤكد عودة أن إنقاذ القطاع لا يمكن أن يتحقق دون تعزيز صمود السكان من خلال مشاريع إنسانية وإغاثية عاجلة، إلى جانب التوصل إلى حل سياسي بضمانات دولية يفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتمكين إدارة فلسطينية انتقالية تمهد لعودة السلطة الفلسطينية عبر انتخابات عامة شاملة.


قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة


يرى الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن الوضع في قطاع غزة أصبح كارثة إنسانية شاملة تتفاقم يومياً في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع دخول محدود جداً للمساعدات، وارتفاع مستويات البؤس في حياة السكان الذين يعيشون داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ويوضح سمور أن أهالي القطاع يواجهون ظروفاً قاسية متراكمة تحمل مخاطر صحية وبيئية، إضافة إلى انتشار القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق، في ظل انهيار منظومة الخدمات الأساسية، ونقص حاد في العلاج، حتى في القطاعات الطبية الحيوية.

ويشير سمور إلى أن استمرار إغلاق المعابر بشكل شبه كامل، والسماح بخروج أعداد محدودة من المرضى بظروف مهينة، يعكس عمق الأزمة الإنسانية، لافتاً إلى أن الاحتلال استغل فترات التصعيد الإقليمي، ومنها الحرب مع إيران، لتشديد القيود على غزة بدلاً من تخفيفها، ما زاد من تفاقم الأوضاع.


استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب


ويعتبر سمور أن المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن، بات متماهيًا أو عاجزاً عن القيام بدور فاعل ضد للولايات المتحدة وإسرائيل لوقف ما يجري في القطاع، ما يعزز استمرار الأزمة دون أي أفق لحل قريب.

ويرى سمور أن الطرح المتعلق بـ"مجلس السلام" والوساطات الدولية لم يحقق أي نتائج ملموسة، بل يتم استخدامه أحياناً كغطاء سياسي لتمرير سياسات إسرائيل، بما في ذلك ربط إعادة الإعمار أو تحسين الأوضاع بملفات أمنية مثل نزع سلاح الفصائل، وهو محاولة للتنصل من الالتزامات الإنسانية المفروضة على إسرائيل.


غزة والترابط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع


وفي قراءته للسيناريوهات المستقبلية، يؤكد سمور أن المشهد في غزة يرتبط بتوازنات إقليمية ودولية أوسع، خاصة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الإدارة الأمريكية، في ظل سياسات متقلبة، انتقلت من خطاب إنهاء الحروب إلى خوض صراعات جديدة، ما انعكس سلباً على استقرار المنطقة، وترك ملف غزة مفتوحاً على احتمالات متعددة.

ويشير سمور إلى أن إسرائيل تعتمد حالياً سياسة "الحروب المتلاحقة" على أكثر من جبهة، بما فيها غزة، وإن كانت بوتيرة أقل حدة مقارنة بفترات سابقة، إلا أن ذلك لا يعني توقف العمليات، إذ يُسجل يومياً سقوط ضحايا من الشهداء والجرحى واستمرار القصف والعمليات العسكرية، مع احتمال توسيع نطاق التوغل البري أو تكثيف الهجمات الجوية في أي لحظة.

ويلفت سمور إلى أن الخيارات الإسرائيلية لا تقتصر على غزة فقط، بل تشمل احتمالات التصعيد في سوريا ولبنان وإيران واليمن، في إطار استراتيجية تهدف إلى فتح جبهات متعددة، وهو أمر قد يخفف الضغط عن غزة أو يزيده تبعاً لتطورات الإقليم، مؤكداً أن إسرائيل لن تتوقف عن استخدام القوة كأداة رئيسية في سياستها.


تراجع واضح بأدوار الوساطة الإقليمية والدولية


ويتحدث سمور عن تراجع واضح في أدوار الوساطة الإقليمية والدولية، مشيراً إلى احتمال انكفاء بعض الدول الخليجية، وتغير خريطة التدخلات السياسية، ما يترك فراغاً دبلوماسياً في الملف الفلسطيني.

وفي ما يتعلق بالمقاومة في غزة، يرى سمور أن تقييم قدرتها على الصمود أو الرد يبقى صعباً في ظل الضربات القاسية التي تعرضت لها، لكن احتمال قدرتها على إرباك إسرائيل أو فرض معادلات جديدة لا يزال قائماً، مستشهداً بتجربة المقاومة في لبنان.

ويؤكد سمور أن غياب الضغط الحقيقي من الوسطاء والمجتمع الدولي، إلى جانب استمرار إسرائيل في تفسير الاتفاقات وفق مصالحها، يعمق الأزمة ويطيل أمدها، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيبقي غزة في دائرة الاستنزاف المفتوح دون حلول سياسية أو إنسانية حقيقية.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

"الفنون" … حين يصبح الاسم ذاكرة تُعاش


ليست كلّ الأسماء تُقال لكي تُعرِّف، بعضُها يُقال لأننا نعرفه سلفًا، لأن له ذاكرةً فينا قبل أن يكون له معنى، هناك أسماء تحتاج إلى شرح، وأخرى يكفي أن تُنطق حتى تُستعاد، في الحالة الأولى نحن أمام تسمية، وفي الثانية نحن أمام تجربة، وبين التسمية والتجربة، مسافةٌ لا تُقاس باللغة، بل بالزمن الذي يتحوّل فيه الاسم من دلالةٍ عابرة إلى ذاكرةٍ مقيمة، وإلى خبرةٍ تُعاش داخل الناس لا خارجهم.

في هذا المعنى، لا تبدو (الفنون) اسمًا يُستخدم للإشارة إلى فرقة فنية بقدر ما تبدو اختصارًا لخبرةٍ طويلة، تشكّلت وتراكمت حتى صارت قابلة لأن تُفهم دون أن تُشرح، لا يتعلق الأمر بقدرة الاسم على الانتشار، بل بقدرته على الاستقرار في الوجدان، لذلك، لا يُقرأ حضور (الفنون) بوصفه حضور فرقة، بل أثر تجربة نجحت في أن تحجز لنفسها مكانًا داخل الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بوصفها جزءًا من السردية الثقافية الحيّة للوطن والناس.


ما يُرى من (الفنون)… وما لا يُرى

حين نقترب من فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية كما تُرى عادة، تبدو الصورة واضحة: (عروض دبكة، حضور جماهيري واسع، امتداد زمني طويل، واستمرارية لافتة في مشهدٍ ثقافي شديد التقلّب)، هذه صورة صحيحة،

 لكنها لا تكفي، ما يُرى هو ما يمكن توثيقه، أما ما لا يُرى فهو ما يصعب اختزاله عبر الأثر الذي لا يُقاس بعدد العروض ولا بحجم الجمهور، بل بطريقة تسلّله إلى الوعي الجمعي بوصفه جزءًا من المشهد الثقافي الفلسطيني، وكمكوّن من مكوّنات الذاكرة المشتركة، لأن ما يُرى يُقاس، أما ما لا يُرى فيُورَّث.

ليست المسألة في إتقان الفن التراثي، بل في إعادة تعريفها، لم يعد الرقص حركةً إيقاعية منظّمة فحسب، بل لغةً يُعبَّر بها عن الجماعة، هذا التحوّل لا يحدث بقرارٍ إداري أو فني فقط، بل بتراكمٍ طويل يجعل من الشكل الفني حاملًا لمعنى يتجاوز حدوده التقنية، عندها يتحوّل الأداء إلى أثر، ويتحوّل الأثر إلى ذاكرة.


الاستمرار ليس زمنًا… بل بناءٌ تراكمي

الاستمرار هنا ليس بقاءً، بل قدرة على إعادة إنتاج الذات دون فقدان المعنى، كثيرٌ من التجارب تستمر لأنها لا تتغيّر، وأخرى تنتهي لأنها تغيّرت أكثر مما ينبغي، أما (الفنون) فنجحت في تحقيق التوازن الأصعب عبر تغيّر ما يلزم، والحفاظ على ما يجب.

هذا التوازن لا يُفهم بوصفه مهارةً فنية فقط، بل وعيًا بطبيعة الدور، فـ(الفنون) لم تتعامل مع نفسها كفرقة تُنتج عروضًا، بل كجسمٍ ثقافي يعيد صياغة العلاقة بين الفن والمجتمع، لذلك، لم تكن استمراريتها نتيجة ظرف، بل حصيلة وعيٍ متراكم بأن ما يُبنى لا يُقاس باللحظة، بل بما يتركه من أثر، والزمن في هذه الحالة، لا يُستهلك… بل يُستثمر، لأن ما يُبنى بالوعي لا ينتهي بالزمن.


ثلاثية العمل الممتدة من الفن إلى المجتمع


يظهر هذا الفهم للفن بوصفه فعلًا ممتدًا بوضوح في ثلاثية "يا صاحب الطير"، لا تعبّر هذه التجربة عن تعدد في الوسائط بقدر ما تكشف عن رؤية متكاملة تجعل من العمل الفني فعلًا مجتمعيًا، يجمع المشروع بين الموسيقى والرقص والفن التشكيلي لتوثيق الحكاية الفلسطينية وإبراز مسؤولية الفرد داخلها، في صيغة موحّدة تعكس تداخل الجمالي بالاجتماعي.

الأهم أن هذا العمل أُنجز بتمويل مجتمعي كامل، مقدّمًا نموذجًا اقتصاديًا مختلفًا يعيد ربط الإنتاج بجمهوره، لا كمتلقٍ، بل كشريك في إمكان حدوثه، هنا لا تكون (الفنون) منتِجًا ثقافيًا فحسب، بل وسيطًا يعيد تعريف العلاقة بين الثقافة ومجتمعها، ويؤكد أن الهوية ليست تمثيلًا جماليًا، بل ممارسة جماعية تتجدّد باستمرار لمواجهة التحديات.

(الفنون) بوصفها فضاءً تربويًا

لا تتوقف تجربة (الفنون) عند حدود الإنتاج الفني، بل تمتد لتشكّل فضاءً تربويًا بمعناه الأعمق عبر حرصها على إنتاج إنسانٍ قادر على أن يرى نفسه ضمن جماعة، وأن يعبّر عنها دون أن يذوب فيها، في هذا الفضاء، الذي تعزّزه تجربة (براعم الفنون) منذ عام 1986، ينتقل الفن الشعبي من البعد التقني، الى خبرة حيّة تُلتقط من جيل إلى جيل.

هنا، لا يعود التراث نصًا يُستعاد، بل ممارسة تُعاش، أن يلتقي أكثر من جيل داخل التجربة نفسها، وأن يجد كلا منهم فيها ما يخصّه، ليس تفصيلًا بسيطاً، بل دليل على أن ما بُني هنا يتجاوز اللحظة إلى الاستمرارية. وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تُنتج (الفنون) أداءً فنيًا فحسب، بل تُنتج ذاتًا قادرة على حمل المعنى.


(الفنون)… حين يتحوّل الاسم إلى ذاكرة تُعاش

لا يبدو السؤال عن سرّ (الفنون) سؤالًا عن النجاح بالمعنى المتداول، بقدر ما هو سؤال عن نوع الوجود الذي تمكّنت من بنائه، فهي لم تكتفِ بتقديم التراث، بل أعادت إنتاجه بوصفه قابلًا للحياة، ولم تتعامل مع الاستمرار كزمنٍ ممتد، بل كبناءٍ تراكمي، ولم تبقَ عند حدود الفرقة، بل صارت اسمًا يُعاش بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية والمعنى، لأن ما يحمل المعنى… لا يُختزل بمن صنعه.

الإجماع الذي تحققه (الفنون) لا يُصنع بخطاب، بل يُبنى باحتراف عبر الزمن، وحين يبلغ الاسم هذه المرحلة، لا يعود بحاجة إلى تبرير نفسه، يكفي أن يُقال… ليُفهم.

لذلك، لا تُقاس التجربة بما قدّمته فقط، بل بما أصبحت عليه في الوعي العام، فثمّة فرقٌ بين أن تُنتج عملًا ناجحًا، وأن تُنتج معنىً يستمر ويتشكّل عبر الزمن، لقد حقّقت (الفنون) الأمرين، لكنها عُرفت بالثاني أكثر.

تذكّرنا (الفنون) بأن ما يبقى ليس ما يُقال أو يُكتب، بل ما يُعاش يوميًا، وأن الاسم، حين يتجاوز وظيفته الأولى، لا يعود تعريفًا... بل يصبح ذاكرة تُعيد إنتاج معناها مع كل جيل جديد يمر عبرها ويمنحها حياة إضافية، هكذا لا تصبح (الفنون) تجربةً تُروى… بل معنىً يُعاش.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

ما رآهُ الدِّيكتاتورُ في المَنامِ.. ونَسِيَه

يرى ثمّ ينسى.

لقد دبَّ في رُكْبَتيهِ الجليد،

وصار سريعَ التقلُّبِ؛ يضحكُ، يغضبُ،

يأمُرُ أنْ يَقتلوا الطيرَ، حيناً،

وحيناً يُهادلُ أسْرابَها، في الفضاءِ السّعيدِ،

ويمشي وئيداً، كأنَّ الزجاجَ تكسّرَ في النَّعْلِ،

والجَمْعُ مِن حَولِهِ،

في البهاءِ الرّغيد.. 

يُنادي على الكاهنِ الأُرجوانيِّ،

ماذا رأيتُ؟

- يسألهُ أن يفسّر ما مرَّ مِن بين عينيه، في الليلِ -

لكنّه حارَ ما بينَ جَهْل السّوادِ، وحَدِّ الوعيد!

فقال له: سيدي! إنها بعضُ أضغاثِ سُهْدٍ شديد!

وكيف لنا أن نرى مُبْهَماً لا يُرى،

هل تُرى سوف أكذبُ حتى ترانيَ ذاكَ الرّشيد؟

لو أنَّها رؤيةٌ لاستبانت، وكنّا لها قارئينَ،

ولكنّها، من بقايا سحائب هَمٍّ، يمرُّ على أكثرِ الناسِ..

***

ماذا تقولُ؟ انتبه!

لستُ من طينةِ الخَلْقِ،

إنّي من الضوءِ، والبَدْرُ أُمّي،

 ولي هذه الأَنْهرُ الجارياتُ، والأنْجمُ السابحاتُ..

على ما تهادى على ضِفّتي من جَمالٍ مَشيد!

اقتلوه..فقد أَعْجَزَتْهُ الحقائقُ،

وأتوا إليَّ برأيٍ سديدٍ..

وإلّا!   

فيأتونَ بالشُعراءِ الفحولِ،

 الذين يُخالِطُهم عَبقرٌ في القصيد..

وجاءوا بموشومةٍ جدُّها عائفٌ، لا يخيبُ،

 وجاءوا بِقرّاءِ رَمْلِ الكثيبِ،

 ومَن يتنبأُ بالغَيْثِ عندَ المغيبِ،

 وجاءوا بكلِّ ولِيٍّ مُريدٍ، وغَوثٍّ عَميدٍ،

 ومَن شرَّدتهُ النّوايا، ومَن أهلكتهُ المنايا،

 ومَن فكَّ حَرْفاً،

 ومَن طوَّحتهُ السنونُ وأضحى حكيماً بِعُمْرٍ مديد..

وكانوا يعودون دون رؤوسٍ،

فهذا الهَشيمُ وذاكَ الحَصيدُ..

***

فما يفعلون؟ وقد أُسْقِطَ الأمرُ في يَدِهِم.

مَن لا يرى ما يُريدُ..يموتُ،

ولمّا يجد كَفَناً في الجَريد!

وَجِيءَ بِعرّافهِ في الصباحِ، وكان يَعوفُ..

فقالَ بأَمْرٍ لهُ، دون وَجْهٍ:

عليكَ الدخولُ إلى رؤيتي، فاعبُرْ، الآن، وانظُرْ..

وقلْ لي..

قال: يا سيّدي! قد رأيتَ، وأنتَ على العَرْشِ

أنكَ تحكمُ ألفاً،

 وبعدكَ يأتي الوريثُ، على رأسهِ فِضّةُ التّاجِ،

ثمّ يجيءُ الصغيرُ، وفي يدهِ خاتَمُ العاجِ،

والنَّصْلُ، ما كان مِن جَدِّهِ، للحفيد.

ودرَّتُكَ الكهرمانُ، والعَرْشُ من خالصِ الموجِ،

لكنَّ مَن سوف يأتونَ إثْرَكَ لن يجلسوا فوقَ سُنْدُسِهِ،

 فالقبابُ، على مدِّ ألفٍ، ستسقطُ في البئرِ،

والماءُ يصدأُ مثلُ الحديد.

سينسون، للأسفِ المُرِّ، ما مَرَّدَتهُ يداكَ،

من الحُسْنِ في الطرقاتِ،

ويمشون، دون التفاتٍ، إلى ما تبقّى من العاليات،

لأنّ الظنونَ ستغلبُ أسئلةَ الجائعينَ،

وتجتاحُ أيامَهم فِتنُ الذّاريات..

ويأتي المماليكُ، بعدَ الهلاكِ، لكي يحكموا القصرَ..

يا ويلَ نَجْمَته من ظلامِ الغُزاة!

ويبقون دَهراً وأكثرَ، حتى يهبَّ الصناديدُ..

يمشون للشاطئ السُكَّريِّ،

ويبنونَ مملكةً من قلاعٍ البحارِ،

وترتبكُ السّاريات،

 وتمشي إلى أوّلِ المجدِ،

 في حَرْبِها، ذات عامٍ مريرٍ،

وتخفقُ راياتُهم بالنشيد.

ولكنَّ سيّدةً من غبارِ الدّماءِ تُباغتُ أعيادَهم،

 في الهزيعِ،

وتحرقُ ما ظلَّ من شجرٍ في الصَّعيد.

وتغزلُ ألفَ جديلةِ حربٍ،

 على كلِّ مَن لا يجيء إليها، ركوعاً،

وتشربُ كلَّ الينابيعِ،

تأخذُ غيمَتَهم من قريبٍ،

وتسْحقُ غابتَهم في البعيد.

ومِن بعد ألفٍ يعودُ الفتى السّرمديُّ،

إلى تلّةٍ في المدينةِ، يصرخُ فيها،

 ويرفعُ شارَتَه للسماءِ،

 ويكشفُ سرَّ اللهيبِ المجيد.

وتبدأُ حربُ النهايات..

***

ماذا تقولُ؟ توقَّفْ.

هل قلتَ إنّي رأيتُ السنينَ تباعاً،

 وإنّي سأخسرُ مملكتي، بعدَ ألفٍ،

وتخضعُ، ثانيةً، للعبيد؟

اقتلوهُ..فإنّيَ باقٍ،

 وتبقى سلالاتُ روحي إلى أبدٍ لا يبيد..

اقتلوهُ..

وإنْ كان لا بُدّ، فالموتُ للأرضِ،

حتى أظلَّ أنا دون كلِّ الممالِكِ،

وحدي سأبقى..

ووحدي سأحكمُ..

لا صوتَ يبقى سوى رَنَّتي في البلادِ،

فَلا دمَ يشبهُ لونَ جداول ساقيتي في الوريد.

اقتلوه..هنا، الآنَ..

- لا مِن رجاءٍ ولا مِن بكاءٍ ولا مِن مزيد -

..تذكّرتُ؛ كنتُ على شُرْفةِ النَّصْرِ،

والناسُ تهتفُ..ترجو بقائي،

وتسأل، كي أرتضي ظَهْرَهُم سُلَّماً للخلودِ،

وكانت جموعٌ بلا عددٍ..

***

واستيقظ الرجلُ النائمُ القَلِقُ المُستَبِدُّ العنيدُ،

وكانَ وحيداً..

ولا شيءَ، مِن حولِهِ، غيرُ ظِلِّ الوحيدِ القَعيدِ،

ولا شيءَ غيرُ الكَميدِ الشّريد..







أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر فتح بين ضجيج الترشيحات وغياب النقاش بالبرامج


كيف يمكن تعريف فتح؟ هل هي حركة تحرر وطني، أم تنظيم سياسي، أم حزب، لعلّ الإجابة الأقرب أن فتح هي انعكاس للمجتمع الفلسطيني، فما ميز فتح منذ انطلاقها قبل 61 عاما، كونها  إطارًا وطنيًا عريضًا، لا يضيق بتنوع المشارب الفكرية والسياسية والاجتهادات، بل يستوعبها تحت سقف القضية المركزية: تحرير فلسطين، فكرة عبقرية نجحت بجمع الوطنيين، والقوميين، واليساريين، وكل المؤمنين بالفعل الوطني، بمن فيهم أولئك الذين رفضوا سلبية جماعة الإخوان المسلمين، أو محدودية مقاربتهم تجاه القضية الفلسطينية في مراحل تاريخية معينة تحت ظلالها، فقد كان الرئيس المؤسس ياسر عرفات يختصر تعريفها بعبارته الشهيرة: “إحنا فتح”؛ وهي عبارة تختزن هويةً وطنية جامعة، وتؤكد خصوصية الحركة في فضائها الفلسطيني والقومي والعالمي، تمامًا كما تصف روسيا الاتحادية نفسها بقولها: “نحن روسيا”، في إشارة إلى كيان لا يُختزل في انتماء جغرافي جامد، فلا هو أوروبي خالص، ولا آسيوي خالص، بل مزيج من التاريخ الإمبراطوري، والجغرافيا المركبة، والمصالح القومية المتشابكة مع الأيديولوجيا، وكذلك هي فتح، فلسطينية الهوية دون انفكاك عن امتدادها القومي،والعالمي الواسع. أو تقييدات الجدل الأيدلوجي الذي غرقت به عدد من الفصائل على الساحة الفلسطينية، وفي هذا الفضاء الكفاحي الواسع، نجحت فتح في استيعاب التناقضات، واحتواء الاجتهادات، وإدارة الاختلافات، لأنها التقت جميعًا عند الفكرة الكبرى: فلسطين أولًا، والتحرير هدفًا جامعًا. ومن هنا اتسعت فتح، في ذروة حضورها، إلى درجة التماهي الكامل مع الخريطة الجينية لشعبنا الفلسطيني؛ فهي حاضرة في المخيمات، بين الفقراء والعمال وأحلامهم، ومنها، ومن بين أزقتها، خرج عدد من القادة المؤسسين للحركة. وهي حاضرة كذلك بين أبناء الطبقة الوسطى، من مثقفين وفلاحين وأكاديميين وبرجوازيين، كما أنها لم تكن يومًا منفصلة عن طبقة رأس المال الوطني الملتزم، التي نجحت في استقطابها وتوجيه جزء من طاقتها وإمكاناتها لخدمة القضية الفلسطينية لتكون الإطار الأوسع الذي احتمل الكل الفلسطيني، وعبّر عن طموحه الوطني في لحظة الصعود التاريخي.

تقف حركة فتح على أعتاب مؤتمرها الثامن، وهنا لا تسقط عبارة “استحقاق عقد المؤتمر” سهوًا، بل بكامل القصد والدلالة. ففتح، التي قادت منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1969، وعقدت في ظل قيادتها ثماني عشرة دورة للمجلس الوطني من أصل إحدى وعشرين جلسة، تدرك تمامًا أن معادلة مؤتمرها الداخلي أكثر تعقيدًا من دورات المجلس الوطني التي تضم مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني. ولذلك، لم يتجاوز عدد مؤتمراتها سبعة مؤتمرات فقط منذ انطلاقتها عام 1965 وحتى الربع الأول من عام 2026، فمؤتمر فتح هو المحطة التي ترتسم فيها معالم النظام السياسي القادم، ومسار الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، لا سيما بعد مآلات السابع من اكتوبر، وارتداداتها على حركات الإسلام السياسي بفلسطين والمنطقة، وبالتالي فمؤتمر فتح يتجاوز رفاهية الاستحقاق الديمقراطي التي تحظى به غيرها من الحركات والأحزاب بالدول المستقلة، نحو دلالات وارتدادات اكثر عمقا وتاثيرا على حياة الناس ومستقبل القضية، ففتح هي العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن مؤتمرها حاضر في خبز الناس، ودوائهم، ومناهج التدريس، وحرية التعبير، وفضاء الحريات.

شكّلت مؤتمرات حركة فتح، على امتداد تاريخها، محطّ اهتمام لافت لدى الأصدقاء والخصوم والأعداء على حدّ سواء. فقد كان العالم يترقّب أي تصريح يصدر عن ياسر عرفات أو رفاق دربه من القادة المؤسسين، استشرافًا لما قد تتمخض عنه مؤتمرات الحركة من برامج ومواقف وسياسات، بوصفها تجسيدًا حيًّا للحركة الوطنية الفلسطينية، وموجّهًا للخط السياسي العام.

أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفا، إذ يبذل عدد من مديري الدوائر السياسية بالسفارات جهدًا لوضع ملف مؤتمر فتح أمام سفرائهم، ثم يحتاجون إلى جهد مضاعف لإقناعهم بضرورة رفعه إلى عواصمهم. ويعود ذلك، وفقًا لعدد من المحللين والخبراء والمختصين في الشأن الفلسطيني ممن نلتقي بهم، إلى أنكم “قابلون للتوقع " وأن لا مؤشرات عن خروج المؤتمر عما هو متوقع من المجتمع الدولي، سواء على المستوى البرامجي أو الانتخابي.

ومن هنا، تطغى قضايا أخرى على مستوى الاهتمام الدولي بمؤتمر فتح، مثل مسودة الدستور المؤقت، أو توجهات الجيل الفلسطيني الجديد، أو التحولات التي تعتمل في البنية السياسية الفلسطينية. كما يبدو اهتمام الحركات والأحزاب والمنظمات الدولية بمؤتمر فتح اليوم أكثر تواضعًا قياسًا بالمؤتمرات السابقة، ففي الوقت الذي كان فيه قادة العالم المنتمون إلى الأسرة الاشتراكية الديمقراطية والقوى التقدمية والثورية يقطعون التزاماتهم للمشاركة في مؤتمر فتح، يكتفي مساعدوهم اليوم بالقول: “دعونا نرى موعد المؤتمر أولًا، ثم ننظر في جدول مواعيدنا”. وبين المشهدين تتبدى المسافة بوضوح: من مؤتمر كان يُنظر إليه بوصفه حدثًا سياسيًا وطنيًا عابرًا للحدود، إلى مؤتمر يتراجع حضوره في سلم الأولويات الإقليمية والدولية، فتحول حركات التحرر الوطني إلى صفحة مقروءة هو أحد أسباب مقتلها، وأتذكر حينما كنا في شبيبة فتح، نفتتح قرية نضالية، أو نعلن منع القنصلية الامريكية من تنفيذ لقاء لها في رام الله خلال فترة ترامب الأولى، أو حينما أعلنا أن مبعوث الرباعية " توني بلير" شخصية غير مرحب بها بفلسطين، أو حينما أعلنا حملة وطنية رمزية لفرض السيادة الوطنية في جميع الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، حتى وان كانت بخطوة رمزية تمثلت بتأسيس قرى نضالية او بتعليق يافطات على طول الشوارع تطالب المستوطنين بالانسحاب من أراضينا، كيف كان العالم بأسره، بما في ذلك الدبلوماسيين والإعلاميين وحركات التحرر العالمي، تتسابق للالتقاء بشبيبة فتح، والاستماع إلى رؤاها، وتوجهاتها، ليس لأنها صنعت المستحيل، إنما لأنها " غادرت مساحة المتوقع".

مياه كثيرة جرت في نهر فتح، وتغيرات واسعة اعترت مسيرة الحركة منذ اطلاقها للكفاح المسلح، إلى مسيرة التسوية السياسية التي أجهضها الاحتلال، قاضيا على حلم الدولة ومشروع فتح، وصولا للمؤتمر الثامن للحركة، الذي سيشكل في حال توافرت الظروف لعقده بموعده المحدد، وأُحسن استثماره، فرصة استثنائية لتوجيه مجموعة من الرسائل إلى الداخل والخارج؛ إلى أبناء الحركة، والشعب الفلسطيني، والشركاء، والأصدقاء، والخصوم، والحلفاء، والأعداء، والمتابعين، وكذلك إلى الأمة العربية والإسلامية، وإلى المجتمع الدولي. بأن الحركة ما تزال حيّة، وقادرة على الفعل، وتمتلك قيادةً وبرنامجًا ورؤيةً للمرحلة، كما يشكّل المؤتمر فرصة لإعادة بناء جسور الثقة بين الحركة وقاعدتها الاجتماعية، عبر التعبير البرامجي والعملي عن صوت الناس وآمالهم، واستعادة ثقة الجمهور بحركة نشأ في أكنافها، وأودع لديها أحلامه وتطلعاته، إلا أن ما يجري للأسف، يخالف ذلك تماما، أذ يبدو أن المؤتمر الثامن لحركة فتح يضج بالمرشحين أكثر مما يضج بالأفكار، وتعلو فيه ضوضاء السباق إلى المجلس الثوري واللجنة المركزية على أي نقاش جدي يطال المرحلة السياسية والنضالية، أو يراجع الأولويات، أو يزن الإنجازات والإخفاقات، ويقيّم الوضع الداخلي للحركة أو يعيد قراءة ميزان القوى بما يليق بحركة تحرر وطني، لا بالشعبوية والتطرف، ولا بالاستسلام والمراوحة في المكان، ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تنشغل حوارات ما قبل المؤتمر بالأسئلة المؤسسة: ما هو المشروع الوطني، وما هي الاستراتيجية، وما شكل المقاومة أو العمل السياسي، وما طبيعة العلاقة مع الجماهير والسلطة والخصوم والأعداء، والإقليم والعالم، نرى هذه الأسئلة تتراجع لصالح أسئلة أخرى لا تخلو من الأهمية، لكنها تفقد قدرتها على صناعة الفارق، حين تُفصل عن البرامج والرؤى، مثل: من سيترشح، وكيف ستتشكل التحالفات، وما خريطة التنافس، وكيف ستُفرز موازين القوى داخل الحركة، فحتى كتابة هذه السطور، لم أسمع عن ورشة واحدة، نظمتها مفوضية، أو أقليم، أو مكتب حركي، بالوطن، أو بالشتات، حول أدبيات المؤتمر، كما أن المئات من مجموعات " الواتس آب" التي أنشئت مع اقتراب المؤتمرات، تنحصر عضويتها بأعضاء المؤتمر المضمون عضويتهم، ويضاف لها من تتاكد عضويته بالمؤتمر، في مشهد حزين، يسيء للحركة، ويقزّم حضورها وقيمتها، ويحول النظرة إلى اعضاء المؤتمر، من فاعلين إلى مجرد أصوات انتخابية، ويحول البرامج والرؤى داخل المؤتمر إلى فضاء حركي عام، يشارك في صياغته كل أبناء الحركة، إلى أقراص جاهزة للبلع، أو إبر وريدية لحقن المؤتمرين، نظرا لضيق وقت المؤتمر وطبيعته الانتخابية التي ستجعل من نقاش واسع وعميق ومستفيض حول ادبيات المؤتمر مهمة مستحيلة، مما يفقد فتح روحها وجوهرها المذكورين في افتتاحية المقال، فحينما يتقدم سؤال الموقع على سؤال المشروع، ويطغى التنافس على المقاعد على الحاجة إلى إعادة بناء البنية التنظيمية، وتعديل اللوائح، وتوزيع الصلاحيات، ومعالجة الترهل والانقسام، وتجديد الأطر القيادية بما يبقي الحركة قادرة على الفعل، ينتهي المؤتمر إلى مجرد تبديل جزئي في الوجوه، من دون أن يلامس جوهر الأزمة أو يفتح أفقًا حقيقيًا لإصلاح الحركة واستعادة دورها، فالساحة الوحيدة التي قامت بمهمة التقييم والاجتهاد والمبادرة ما قبل المؤتمر السابع كانت ساحة السجون، التي تغيب في هذا المؤتمر نظرا لاجراءات الاحتلال التي تجعل من أي تواصل بينها وبين الخارج مهمةِ شبه مستحيلة.

ختاما، ان الاهتمام بالبرامج لا يعني الانتقاص من أهمية القيادة، ولا من الدور الذي ينبغي أن يؤديه المؤتمر في إدارة التنافس الداخلي بصورة مؤسسية وشفافة، تقوم على معايير واضحة وعادلة للعضوية، وآليات انتخاب وفرز موثوقة، تستند إلى سرية الاقتراع وعلنية الفرز. بل إن من الممكن اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة، ربط مواقع انعقاد المؤتمر الأربعة في رام الله وغزة ومصر ولبنان بآليات تصويت إلكترونية ضمن معايير واضحة تضمن الحياد والمهنية، بما يعزز ثقة أبناء الحركة بنتائج المؤتمر الانتخابية، ويوفر الوقت، ويضمن سلامة عمليات الفرز، ويخفف من كلفها البشرية واللوجستية، كما أنه من الأهمية بمكان، أن تتحول الأقاليم والمكاتب الحركية والنقابات ومفوضيات الحركة وكادرها إلى خلية عمل، لمناقشة مقترحات القرارات والرؤى والبرامج، تماما كما فعلت شبيبة فتح قبل انعقاد مؤتمرها العام في نهاية العام الماضي، حينما حولت الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل إلى ساحة للنقاش والحوار شارك به أبناء الشبيبة من الوطن والشتات، وخرجت بما يزيد عن احدى عشر ورقة عبرت عن توجهات الشباب وصوتهم. لا زال هناك هامش من الوقت، إن جرى استثماره بالطريقة المثلى، فربما ننجح في تغيير المسار، والانتصار لفتح الفكرة لا الأشخاص.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تصبح الحرب قرارًاً أميركياً: تعدد القراءات وتآكل مركز القرار الإسرائيلي

لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان حدثاً عابرًا في سياق حرب طويلة ومتعددة الجبهات، بل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأسئلة الكبرى: من يقرر الحرب؟ ومن يقرر نهايتها؟ وهل ما زالت إسرائيل تملك هامش القرار الاستراتيجي، أم أنها تتحرك داخل سقف يُرسم خارجها؟


في ظاهر الصورة، يبدو الأمر كأنه “تنسيق” بين حليفين تقليديين: واشنطن وإسرائيل. لكن القراءة التي تتقاطع عند أكثر من محلل إسرائيلي، رغم اختلاف زواياهم، تشير إلى شيء أعمق: انتقال مركز الثقل من إسرائيل إلى واشنطن، وتحديداً إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي فرضت بحسب هذه القراءات إيقاع الحرب وحدودها، لا فقط مسارها الدبلوماسي.


في هذا السياق، يذهب محللون عسكريون مثل عاموس هرئيل إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان لا يمكن فصله عن مسار أوسع مرتبط بالمفاوضات مع إيران. فالمعادلة، كما تُقدَّم، ليست لبنان وحده، بل هندسة إقليمية تريد واشنطن ضبطها بما يسمح بالتوصل إلى تسوية مع طهران، حتى لو كان ذلك على حساب الرؤية الإسرائيلية التي سعت إلى ربط الحرب بهدف أوسع: تغيير قواعد الاشتباك وربما تغيير النظام الإقليمي نفسه.


وفق هذا الفهم، لم يعد القرار الإسرائيلي مستقلاً  في لحظته الحاسمة. بل إن بعض التحليلات تذهب إلى حد القول إن إسرائيل تجد نفسها في موقع “تنفيذ” لخط سياسي أكبر، تُرسم ملامحه في واشنطن، بينما تُترك لها مهمة إدارة النتائج الميدانية—وليس فقط شريكاً في صياغة القرار، بل طرفاً فاعلاً يتحرك داخل حدود لم يعد يحددها وحده.

من زاوية سياسية داخلية، يقرأ محللون هذا التحول باعتباره مأزقاً شخصياً لبنيامين نتنياهو. فهو الذي دفع باتجاه تصعيد واسع في أكثر من جبهة، وبنى خطاب “الحسم” و”تغيير المعادلة”، يجد نفسه الآن أمام تسويات لا تشبه تلك الوعود. المعضلة ليست عسكرية فقط، بل خطابية أيضاً : كيف يمكن إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن الأهداف تحققت، في حين أن حزب الله لم يُهزم، وإيران لم تُردع استراتيجياً، والتهديدات البنيوية ما زالت قائمة؟


هنا يظهر ما يشبه الفجوة البنيوية بين “سردية الحرب” و”نتائجها الفعلية”، وهي فجوة يصفها بعض المحللين بأنها مركز الأزمة السياسية الحالية. على الجبهة اللبنانية وشمال إسرائيل، تتخذ هذه الفجوة شكلاً  أكثر حدة؛ فسكان المستوطنات الحدودية الذين أُعيدوا إلى منازلهم يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف: التنظيم لم يُكسر، والردع لم يُحسم، وفكرة “النصر” نفسها أصبحت موضع شك.


في قراءة يوسي يهوشع، المقرب من المؤسسة العسكرية، تتخذ المسألة منحى عملياً؛ فهو لا يتعامل مع الحرب كحسم نهائي، بل كمسار طويل من “إدارة النتائج”. يركز هذا المنظور على سؤالين: هل يتحسن الوضع الأمني فعلياً في الشمال؟ وهل قدرة إسرائيل على إضعاف حزب الله تتفوق على قدرة الحزب على إعادة بناء نفسه؟ الإجابة ليست حاسمة، ما يعني أن وقف إطلاق النار ليس إلا محطة ضمن صراع أطول.


في المقابل، يقدم مئير بن شبات قراءة أكثر تحفظاً، تنطلق من فرضية أن أي اتفاق لا يترافق مع شروط صارمة سيكون هشاً. لكن ما يلفت في قراءة بن شبات، وهو أحد أركان اليمين الأمني، هو اعترافه الضمني بأن قدرة إسرائيل على فرض شروطها ليست مطلقة، وأن الموقف الأميركي بات هو العامل الحاسم.


وفي مقابل هذه القراءات النقدية، تبرز داخل الخطاب الإعلامي القريب من الحكومة مقاربة مغايرة، يمثلها كتّاب من طراز عميت سيغال، ترى أن ما يجري ليس تآكلاً  في القرار، بل تعبير عن تنسيق استراتيجي عميق. غير أن هذه القراءة، في جوهرها، تبدو موجهة لصناعة وعي الجمهور الإسرائيلي والدفاع عن نتنياهو أمام قاعدته اليمينية؛ حيث يتم تصوير الضغوط الأمريكية وكأنها "رافعة قوة" لامتصاص غضب الجمهور الاسرائيلي وتحويل التبعية إلى "ذكاء سياسي". إنها محاولة لتجميل الواقع، تتجاهل معياراً جوهرياً  في تعريف الاستقلال الاستراتيجي: القدرة على رفض الإملاء، لا مجرد المشاركة في صياغته. فعندما يصبح القرار مرتبطاً بحسابات طرف خارجي، فإن الحديث عن “تنسيق” يفقد معناه المتكافئ، ويتحوّل إلى إعادة توزيع لمركز القرار، لا إلى شراكة فيه.


أما كوبي ميخائيل، فيقدم منظوراً أكثر تشاؤماً على مستوى غزة وإيران؛ فالمفاوضات في القاهرة ليست مساراً  نحو الحل، بل إدارة دائمة للأزمة تمنح حماس فرصة لإعادة التموضع. وفي إيران، يرى أن أي اتفاق محتمل قد يتحول إلى “طوق نجاة” للنظام، ما يعني تثبيت الخصم بدل إضعافه.


القاسم المشترك بين معظم هذه القراءات هو إعادة تموضع دور الولايات المتحدة، وتحديداً دونالد ترامب، كفاعل مباشر يفرض إيقاع الحرب والتهدئة. هذا التحول يعني أن الحرب لم تعد تُدار فقط في ساحات القتال، بل في مراكز القرار الدولي، وأن إسرائيل لم تعد اللاعب الوحيد الذي يحدد توقيت النار وسقفها.


ما يتشكل في النهاية هو حالة انتقالية أعمق؛ إسرائيل عالقة بين رواية "النصر الاستراتيجي" وواقع ميداني يثبت عدم اكتماله. لقد أصبح وقف إطلاق النار لحظة كشف كبرى: ليس فقط لحدود القوة الميدانية، بل لهامش القرار نفسه،،حين تضطر إسرائيل للعمل داخل توازنات أوسع تحدد سقف ما يمكن تحقيقه، لا أصل ما يُراد الوصول إليه. وهنا، لا يُختبر ميزان القوة فقط، بل معنى السيادة في اتخاذ القرار: متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي.

اسرائيليات

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

خلف كواليس 'بنك الأهداف' الإسرائيلي: كيف يحول الذكاء الاصطناعي والعملاء المدنيين إلى ملفات تصفية؟

تعتمد دولة الاحتلال الإسرائيلي في حروبها الحديثة، ولا سيما خلال حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، على منظومة متطورة لإدارة ما يعرف بـ 'بنك الأهداف'. وتتنوع هذه الأهداف بين عسكرية وأمنية ومدنية، حيث يتم تحديثها لحظياً عبر تقنيات التعلم الآلي لضمان اختيار الطريقة الأمثل للتدمير أو التحييد وفقاً لتقديرات القيادة العسكرية.

وأفادت مصادر بحثية بأن بنك الأهداف يدار ضمن منظومة عسكرية استخبارية متكاملة تقودها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). وتتولى هذه الشعبة مهام جمع المعلومات وتحليلها بالتعاون مع مراكز القيادة العملياتية التي تملك الصلاحية النهائية لاتخاذ قرار الاستهداف بناءً على المعطيات الميدانية المتوفرة.

تبدأ عملية بناء هذا البنك من خلال تراكم مستمر للبيانات المستقاة من مصادر متعددة تشمل الصور الجوية والأقمار الصناعية والإشارات الإلكترونية. كما تلعب المعلومات البشرية المستمدة من العملاء والمتابعة الرقمية الدقيقة لحركة الأفراد والبنى التحتية دوراً مركزياً في تغذية هذه المنظومة بالمعلومات الحساسة.

وتُعالج هذه البيانات الضخمة عبر أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تقوم بربط المعطيات واكتشاف الأنماط السلوكية وتحديد العلاقات بين الأهداف المحتملة. ولا يقتصر هذا التحليل على رصد الموقع الجغرافي فحسب، بل يمتد لفهم دور الهدف العملياتي وتوقيت وجوده، مما يحوله إلى ملف رقمي ديناميكي.

ويعد تسريع دورة القرار العسكري، المعروفة بمصطلح (OODA)، أحد الأهداف المركزية لاستخدام التكنولوجيا في بناء بنك الأهداف. حيث يساهم الذكاء الاصطناعي في اختصار مراحل الملاحظة والتوجيه والقرار، مما يرفع وتيرة إنتاج الأهداف لتصل إلى عشرات الأهداف الجاهزة للقصف خلال ساعة واحدة فقط.

تمنح هذه السرعة الفائقة جيش الاحتلال أفضلية عملياتية تمكنه من المبادرة وتنفيذ الضربات قبل أن يتمكن الطرف الآخر من التكيف أو المناورة. ويتم شحن البنك وتجديده عبر ثلاث آليات رئيسية تشمل التحديث اللحظي للمعلومات الميدانية والتعلم الآلي المستمر للتنبؤ بالأنماط القادمة.

كما تعتمد المنظومة على التكامل بين المصادر المختلفة لإنتاج صورة مركبة وأكثر دقة للأهداف التي قد لا تكون مرئية في الظروف العادية. ويسمح هذا الربط بين السلوكيات المتفرقة بكشف أهداف جديدة وتصنيفها وفق أهميتها الإستراتيجية أو العملياتية أو التكتيكية الميدانية.

وتخضع عملية اختيار الأهداف لمعايير صارمة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاستخبارية، حيث تمنح الأولوية للأهداف التي تحقق أكبر 'أثر عملياتي'. ويقصد بذلك مدى مساهمة تدمير الهدف في شل قدرات الخصم أو تقويض بنيته التنظيمية واللوجستية بشكل كامل وسريع.

وفي سياق متصل، أوضحت مصادر متابعة للشأن الإسرائيلي أن دائرة بنك الأهداف تعمل على مدار الساعة لتطوير قوائمها وفقاً للأهداف السياسية للحرب. ففي الجبهة اللبنانية مثلاً، يتم وضع بنوك أهداف متنوعة تشمل الضغط على الحاضنة الشعبية وتدمير البنى التحتية للدولة لزيادة الأعباء على المقاومة.

وقد يتضمن بنك الأهداف قوائم بأسماء مدنيين في مناصب رسمية مثل رؤساء البلديات، مع توثيق كامل لعناوين سكنهم وأرقام هواتفهم وتحركاتهم اليومية. ويهدف هذا الإجراء إلى توفير خيارات استهداف واسعة تخدم الضغط السياسي والنفسي خلال جولات التصعيد العسكري.

كما يمتد الاستهداف ليشمل القدرات المالية، حيث تضم القوائم أسماء الصرافين وكل من له علاقة بالتمويل أو الدعم اللوجستي. وتتم ملاحقة هذه الشخصيات بناءً على معلومات استخبارية دقيقة ترصد التحويلات المالية والارتباطات التنظيمية المفترضة مع القوى المقاومة.

وتبرز القدرة التكنولوجية للاحتلال في اختراق الهواتف الذكية ورصد التحركات عبر أنظمة تجسس متطورة جداً قادرة على تجاوز معظم التشفيرات الرقمية. وتستخدم هذه التقنيات لتتبع الشخصيات القيادية أو المستشارين الذين ينتقلون بين العواصم، مما يسهل عمليات الاغتيال الدقيقة.

ورغم الاعتماد الكبير على التوصيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلا أن القرار النهائي للتنفيذ يبقى بيد القادة العسكريين والسياسيين. ويتم تقييم كل هدف ضمن سياق أوسع يأخذ بالاعتبار التداعيات القانونية والسياسية والكلفة العملياتية مقابل الفائدة المرجوة من الضربة.

إن هذا التكامل بين التجسس التقني والعملاء الميدانيين والذكاء الاصطناعي جعل من بنك الأهداف الإسرائيلي أداة للقتل الممنهج والواسع. وهو ما يفسر حجم الدمار الهائل في المناطق السكنية، حيث يتم تبرير استهداف المربعات المدنية بوجود 'ملفات ديناميكية' أعدتها الآلة الاستخبارية مسبقاً.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 11:42 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تكشف كواليس ضغوطها لفرض هدنة لبنان وتهدد بإغلاق مضيق هرمز

أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلايي أن القوات المسلحة الإيرانية لا تزال تبسط سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز، مع استمرار حظر مرور السفن الحربية عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي. وأوضح طلايي أن أي ضغوط مستقبلية قد يتعرض لها لبنان ستدفع طهران لإعادة الوضع في المضيق إلى ما كان عليه سابقاً من إغلاق وقيود مشددة.

تأتي هذه التصريحات بعد ساعات قليلة من قرار إيراني بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية بشكل مؤقت، في خطوة تزامنت مع بدء سريان الهدنة بين لبنان وإسرائيل. ومع ذلك، لا يزال التوتر سيد الموقف عقب تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية لن يتوقف، مما أثار تحذيرات إيرانية مضادة.

وفي سياق متصل، شددت طهران على أن المسار التفاوضي لا يزال قائماً ولم يُغلق، مشيرة إلى أن الاتفاقات الأولية تضمنت بنوداً واضحة تتعلق بوقف إطلاق النار في الساحة اللبنانية. وترفض الحكومة الإيرانية بشكل قاطع المحاولات الأمريكية الرامية لفصل ملف الجبهة اللبنانية عن التفاهمات الأوسع التي تجري بين واشنطن وطهران.

ونقلت مصادر إعلامية مقربة من الحرس الثوري الإيراني عن مسؤولين عسكريين قولهم إن وقف إطلاق النار في لبنان لم يكن ليتحقق لولا الضغوط العسكرية الشديدة التي مارستها إيران. وكشفت المصادر أن طهران أبلغت أطرافاً دولية بقرارها توجيه ضربات صاروخية مباشرة نحو إسرائيل إذا لم يتم التوصل لاتفاق وقف النار قبل موعد محدد.

وأفادت مصادر مطلعة بأن التهديد الإيراني كان جدياً وحدد الساعة الثامنة مساءً من يوم الاتفاق كمهلة نهائية قبل بدء الهجوم الصاروخي. هذا التصعيد الكلامي يعكس حجم الارتباط الوثيق الذي تفرضه طهران بين أمنها القومي وملف حلفائها في المنطقة، وتحديداً في الساحة اللبنانية التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع.

وعلى صعيد الملف النووي، حسم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الجدل الدائر حول إمكانية نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج الحدود. ونفى بقائي وجود أي نية أو اتفاق يقضي بالتخلي عن المكتسبات النووية، واصفاً اليورانيوم المخصب بأنه يمثل 'تراب الوطن' الذي لا يمكن التفريط بذرة واحدة منه تحت أي ظرف.

كما شنت الخارجية الإيرانية هجوماً حاداً على سياسة الحصار البحري التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، واصفة إياها بأنها 'قرصنة بحرية' تخالف القوانين الدولية. وأكدت طهران أن رفع هذا الحصار يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تفاهمات مستقبلية تهدف إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة وضمان حرية الملاحة الدولية.

من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أمام السفن التجارية طوال فترة الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين إسرائيل ولبنان. وتأتي هذه الخطوة كبادرة حسن نية مشروطة باستقرار الأوضاع الميدانية، وسط ترقب دولي لما ستؤول إليه الأمور في ظل استمرار العقوبات الأمريكية المشددة.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد في الخليل وسلسلة اعتداءات للمستوطنين والاحتلال بالضفة الغربية

ارتقى الشاب الفلسطيني محمد أحمد أبو غالية السويطي، البالغ من العمر 25 عاماً، شهيداً صباح اليوم السبت برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة جنوب غربي الخليل. وأفادت مصادر محلية بأن جنود الاحتلال استهدفوا الشاب بالرصاص الحي في خربة سلامة التابعة لبلدة دورا، مما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة فارق على إثرها الحياة في المكان.

وزعمت سلطات الاحتلال أن الشاب السويطي حاول الاقتراب من مستوطنة 'نجوهوت' الجاثمة على أراضي المواطنين جنوب غرب الخليل قبل إطلاق النار عليه. وفي سياق سياسة التنكيل المتبعة، تواصل قوات الاحتلال احتجاز جثمان الشهيد وترفض تسليمه لذويه، وسط حالة من التوتر الشديد تسود المنطقة عقب الجريمة.

وفي محافظة نابلس، شنت قوات الاحتلال حملة مداهمات أسفرت عن اعتقال مواطنين، من بينهم فتى لم يتجاوز السن القانوني. وأوضحت مصادر أن الاعتقالات طالت الفتى يوسف فؤاد حسن من بلدة قصرة، والمواطن نضال أبو سعادة من قرية بيت دجن، وذلك بعد تفتيش منازل عائلاتهم والعبث بمحتوياتها بشكل استفزازي.

أما في محافظة طوباس، فقد طالت الاعتقالات شابين من مخيم الفارعة جنوب المدينة بعد استدعائهما للمقابلة الأمنية. وذكرت هيئات تعنى بشؤون الأسرى أن الاحتلال اعتقل محمد محمود عبد المعطي ومحمود ماهر صبح عقب توجههما للتحقيق في معسكر سالم الاحتلالي، ليتم تحويلهما لاحقاً إلى جهة مجهولة.

وشهدت قرية يبرود شرق رام الله اقتحاماً عسكرياً واسعاً نفذته قوات الاحتلال مساء الجمعة، تخلله إطلاق كثيف لقنابل الصوت والغاز المسيل للدموع تجاه منازل المواطنين. وأدت هذه الاعتداءات إلى وقوع إصابات بحالات اختناق بين السكان، في ظل استمرار سياسة الترهيب التي يمارسها الجيش ضد القرى والبلدات الفلسطينية.

وفي اعتداء سافر للمستوطنين، أقدمت مجموعة من المتطرفين على إضرام النيران في غرفة زراعية بقرية أبو فلاح شمال شرق رام الله. وهاجم المستوطنون الجهة الشمالية للقرية تحت حماية جيش الاحتلال، الذي تدخل لاحقاً لإطلاق النار صوب المواطنين الذين حاولوا التصدي للحريق وإنقاذ ممتلكاتهم من التدمير.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، حيث اقتحمت آليات الاحتلال بلدة الخضر جنوب بيت لحم وتمركزت في منطقة البوابة الحيوية. كما امتدت الاقتحامات لتشمل منطقة الدوحة، حيث انتشر الجنود في محيط مسجد زيد بن ثابت، مما أعاق حركة تنقل المواطنين وأثار حالة من القلق في صفوف الطلبة والأهالي.

وفي مدينة بيت ساحور، تعرض المواطن محمد قادري لاعتداء وحشي من قبل مجموعة من المستوطنين في منطقة عش غراب. وأكدت مصادر أمنية أن المستوطنين احتجزوا قادري لفترة من الوقت وقاموا بضربه بشكل مبرح، مما تسبب له بكدمات وجروح، في إطار تصاعد هجمات المستوطنين المنظمة ضد الفلسطينيين بالضفة.

تأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصعيد إسرائيلي شامل يستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية عبر القتل والاعتقال وتوسيع اعتداءات المستوطنين. وتؤكد هذه الأحداث المتلاحقة إصرار الاحتلال على فرض واقع أمني وعسكري معقد، يهدف إلى تضييق الخناق على المواطنين في قراهم ومدنهم المحاصرة.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

انسياب حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وسط إجراءات تنظيمية جديدة

أظهرت أحدث بيانات تتبع السفن الدولية تحركاً مكثفاً لقوافل ناقلات النفط والغاز العملاقة وهي تغادر منطقة الخليج العربي عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. ووفقاً لمصادر ملاحية، فقد تألف الأسطول الراحل من أربع ناقلات مخصصة للغاز البترولي المسال، بالإضافة إلى مجموعة من السفن المحملة بالمنتجات النفطية والمواد الكيميائية، مما يشير إلى انتظام تدفقات الطاقة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.

وفي سياق متصل، رصدت التقارير الفنية تحرك نحو عشرين سفينة شحن وناقلة نفط من الموانئ الخليجية باتجاه مخرج المضيق مساء الجمعة الماضية. وتأتي هذه التحركات في ظل مراقبة دقيقة من قبل شركات البيانات البحرية التي أكدت أن وتيرة الملاحة بدأت تستعيد زخمها الطبيعي بعد فترة من التوترات التي أثرت على سلاسل الإمداد في المنطقة.

وعلى صعيد الصادرات الإيرانية، كشفت شركة 'كيبلر' للبيانات البحرية عن مغادرة ثلاث ناقلات إيرانية محملة بنحو خمسة ملايين برميل من الخام عبر المضيق. وتعد هذه الشحنات هي الأولى من نوعها التي تخرج من الموانئ الإيرانية منذ فرض الحصار البحري الأمريكي المشدد، مما يمثل تطوراً لافتاً في مسار الأزمة القائمة بين طهران وواشنطن.

من جانبها، أعلنت السلطات الإيرانية عن إجراءات تنظيمية جديدة لضمان سلامة الملاحة، حيث أكد مسؤول إيراني أن حركة الدخول والخروج ستنحصر في مسار محدد يمر بجزيرة 'لارك'. وتأتي هذه الخطوة في إطار التفاهمات الأخيرة بين طهران وواشنطن لفتح الممر المائي بشكل كامل أمام التجارة الدولية خلال فترة الهدنة المتفق عليها بين الطرفين.

وفي واشنطن، أكد الرئيس دونالد ترامب أن طهران تعهدت بعدم إغلاق المضيق مرة أخرى، مشدداً في الوقت ذاته على أن الحصار البحري سيظل مفروضاً بصرامة على الصادرات الإيرانية حصراً. وأوضح ترامب عبر منصة 'تروث سوشال' أن الممر جاهز تماماً للعبور التجاري، لكن القيود لن تُرفع عن إيران إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بنسبة مئة بالمئة.

تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تنزف بصمت النساء: الأمم المتحدة للمرأة تؤكد مقتل 38 ألف امرأة وفتاة على يد إسرائيل خلال حرب الإبادة



واشنطن – سعيد عريقات – 18/4/2026


في مشهد يختصر قسوة الحرب وعمق المأساة الإنسانية، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة، يوم الجمعة، أن أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة قُتلن في قطاع غزة حتى نهاية عام 2025، جراء القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية البرية، في حصيلة تضع النساء والفتيات في قلب الكارثة التي اجتاحت القطاع على مدى أكثر من عامين.


وقالت المتحدثة باسم الهيئة، صوفيا كالتورب، خلال إحاطة صحفية في جنيف، إن الفترة الممتدة من تشرين الأول 2023 إلى كانون الثاني 2025 شهدت سقوط أكثر من 22 ألف امرأة و16 ألف فتاة، بمعدل لا يقل عن 47 امرأة وفتاة يُقتلن يومياً. أرقام تبدو جافة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها صور أمهات انتُزعن من أطفالهن، وفتيات خُنقت أحلامهن تحت الركام، وعائلات انهارت أعمدتها البشرية في لحظات.


وأوضحت الهيئة أن هذه الأرقام قد لا تمثل الحقيقة الكاملة، إذ ما تزال جثامين كثيرة مدفونة تحت الأنقاض، فيما تواجه أنظمة التوثيق والإبلاغ ظروفاً قاسية بسبب انهيار البنية التحتية واستمرار الحصار. وبين الأرقام الرسمية وما تخفيه الأنقاض، تتسع هوة الفقد أكثر فأكثر.


وأكدت كالتورب أن نسبة النساء والفتيات بين القتلى في هذه الحرب تجاوزت بكثير ما سُجل في الحروب السابقة على غزة، إذ بلغت النسبة 15% خلال حرب 2008-2009، و22% في حرب 2014، بينما تخطت في هذه الجولة حدوداً غير مسبوقة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف وانهيار قواعد الحماية الإنسانية.


لكن الموت لم يكن الوجه الوحيد للمأساة. فقد أشارت الهيئة إلى إصابة نحو 11 ألف امرأة وفتاة بجروح بالغة أدت إلى إعاقات دائمة، لتتحول النجاة نفسها إلى شكل آخر من المعاناة. نساء خرجن من تحت الركام بأجساد منهكة، يحملن ندوباً سترافقهن مدى الحياة، في بيئة تفتقر إلى الرعاية الطبية والتأهيل والدعم النفسي.


وفي موازاة ذلك، أعادت الحرب رسم البنية الاجتماعية الفلسطينية داخل القطاع. عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تقودها نساء فقدن الأزواج والمعيلين، واضطررن إلى حمل أعباء العائلة في ظروف يستحيل معها توفير الحد الأدنى من الحياة. لا دخل، ولا خدمات، ولا أفق واضح، فيما تتحول الأم إلى سند أخير لعائلة محاصرة بالجوع والخوف.


كما تعرض ما يقرب من مليون امرأة وفتاة للنزوح المتكرر، فيما واجهت نحو 790 ألف أنثى مستويات حرجة أو كارثية من انعدام الأمن الغذائي. وبين خيمة ممزقة وممرات انتظار المساعدات، تتكرر يومياً رحلة البحث عن الماء والخبز والدواء والنجاة.


وأشارت الهيئة إلى أن الحرب الإقليمية التي تصاعدت عقب الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في شباط 2025 زادت من تعقيد الأوضاع في غزة، بسبب إغلاق المعابر وتشديد القيود على دخول المساعدات. ورغم إعلان وقف إطلاق نار هش في أكتوبر 2025، فإن وزارة الصحة في غزة أفادت بمقتل ما لا يقل عن 766 فلسطينياً منذ دخوله حيز التنفيذ، فيما استمرت عمليات قتل النساء والفتيات خلال الأشهر الأخيرة، بحسب الهيئة الأممية، ما يجعلها  حربا لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعدد الأمهات اللواتي غبن، والطفلات اللواتي لم يكبرن، والبيوت التي فقدت صوتها ودفئها.


وتكشف هذه الأرقام أن النساء في غزة لم يعدن مجرد ضحايا جانبيات للنزاع، بل أصبحن في صلب المعادلة الدموية للحرب. حين تُقتل النساء بهذا الحجم، فإن المجتمع يُستهدف في قدرته على الاستمرار وإعادة البناء. فالمرأة في المجتمعات المنكوبة ليست فرداً معزولاً، بل محور الأسرة والرعاية والتماسك الاجتماعي. لذلك، فإن استنزاف النساء يعني إضعاف البنية المجتمعية بأكملها، وتحويل آثار الحرب من دمار مؤقت إلى ندوب طويلة الأمد تمتد عبر الأجيال القادمة.


ويثير صمت المجتمع الدولي أمام هذه الحصيلة أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة. فحين تصدر الأرقام عن مؤسسات أممية، ثم تمر كخبر عابر في المشهد العالمي، يصبح الخلل أكبر من مجرد عجز دبلوماسي؛ إنه أزمة في قيمة الإنسان ذاته. لو وقعت هذه الأرقام في أي مكان آخر لاهتزت العواصم وامتلأت المنابر بالشجب. أما في غزة، فيبدو أن المأساة تُستهلك إخبارياً ثم تُطوى، وكأن أرواح الضحايا أقل وزناً في ميزان السياسة الدولية.


ولعل الأخطر من الموت المباشر هو ما يليه: مجتمع من الأرامل، واليتامى، والمصابات بإعاقات دائمة، والفتيات اللواتي نشأن وسط الخوف والجوع والتشرد. هذه ليست خسائر آنية، بل تأسيس قاسٍ لمستقبل مثقل بالصدمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إعادة إعمار الحجر ممكنة، أما إعادة ترميم الإنسان فتحتاج سنوات طويلة وإرادة سياسية وعدالة غائبة. ومن دون محاسبة حقيقية، ستبقى غزة مختبراً مفتوحاً لإعادة إنتاج المأساة جيلاً بعد جيل.

تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

تقدير استراتيجي: كيف تدير بكين توازنات الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران؟

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقديراً استراتيجياً جديداً يحمل الرقم (143)، أعده الباحث محمد مكرم بلعاوي، لتسليط الضوء على الموقف الصيني المعقد تجاه المواجهة القائمة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران. وينطلق التقرير من رؤية مفادها أن بكين لا تكتفي بمراقبة الأزمة كحدث إقليمي عابر، بل تتعامل معها كاختبار حقيقي لمكانتها الدولية ومصالحها الحيوية.

تتحرك الصين في هذا الملف مدفوعة بثلاثة محددات جوهرية تتمثل في ضمان تدفق إمدادات الطاقة، وحماية مشاريعها الجيوسياسية الكبرى، وإدارة صراع القوة المحتدم مع واشنطن. وتبرز إيران في هذه المعادلة كحليف استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه، ليس فقط لكونها مورداً رئيساً للنفط، بل لتموضعها كعقدة وصل حيوية في مبادرة الحزام والطريق.

تسعى بكين من خلال تعزيز علاقتها بطهران إلى إيجاد ممرات برية بديلة تقلل من اعتمادها التاريخي على المسارات البحرية التي يهيمن عليها النفوذ الغربي، وتحديداً مضيق ملقا. وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لزعزعة استقرار الدولة الإيرانية تُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني ورؤيتها لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.

على الرغم من هذا الانحياز الاستراتيجي، تنتهج الصين سياسة توازن دقيقة للغاية تهدف إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية المتشعبة مع دول الخليج العربي وقنوات التعاون مع إسرائيل. هذا التوازن يفرض على صانع القرار في بكين العمل على منع انهيار إيران دون الدخول في صدام عسكري مباشر ومفتوح مع الولايات المتحدة.

يوضح التقدير الاستراتيجي أن الدعم الصيني لإيران يتخذ طابعاً غير مباشر، حيث تستمر بكين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الدولية المشددة. كما قامت بتفعيل أدوات مالية مبتكرة مثل نظام الدفع الصيني (CIPS) ليكون بديلاً عن نظام 'سويفت' العالمي، مما يمنح طهران متنفساً اقتصادياً بعيداً عن الهيمنة الدولارية.

دبلوماسياً، تقود الصين حراكاً نشطاً داخل أروقة مجلس الأمن الدولي لقطع الطريق أمام أي قرارات تشرعن الضربات الاستباقية أو تهدف إلى تغيير الأنظمة بالقوة. وتخشى بكين أن تتحول مثل هذه التحركات إلى سوابق قانونية دولية قد تُستخدم ضدها مستقبلاً في ملفات حساسة مثل تايوان أو نزاعات بحر الصين الجنوبي.

تعمل بكين أيضاً على تدويل الأزمة الإيرانية عبر منصات دولية بديلة مثل مجموعة 'بريكس' ومنظمة شنغهاي للتعاون، وذلك بهدف حشد موقف دولي موحد ضد العقوبات الأحادية. هذا التوجه يعزز من خطاب 'الجنوب العالمي' الذي تتبناه الصين لمواجهة ما تصفه بالهيمنة القطبية الواحدة التي تمارسها واشنطن وحلفاؤها.

على الصعيد العملياتي والتقني، يكشف التقدير عن تقديم الصين دعماً استخباراتياً وتكنولوجياً متطوراً للجانب الإيراني، يشمل مجالات الأمن السيبراني الحساسة. كما تتيح بكين لطهران استخدام نظام الملاحة الفضائية 'بيدو' (Beidou)، وهو ما يعزز القدرات الدفاعية الإيرانية دون الحاجة لانخراط عسكري صيني مباشر على الأرض.

يرى التقرير أن الصين تجد في استمرار حالة التوتر الحالية فرصة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت انتباه واشنطن عن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. هذا الاستنزاف يخدم الطموح الصيني طويل الأمد في تسريع وتيرة التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب ينهي التفرد الأمريكي بالقرار العالمي.

فيما يخص السيناريوهات المستقبلية، يرجح التقدير أن تواصل الصين نهج 'الصعود الحذر'، طالما ظلت المواجهة العسكرية ضمن حدود السيطرة الحالية. وبموجب هذا السيناريو، ستستمر بكين في تقديم المظلة الاقتصادية والدبلوماسية لطهران مع مراقبة التطورات الميدانية بدقة متناهية لتجنب أي مفاجآت استراتيجية.

يشير التقدير إلى وجود 'خطوط حمراء' صينية واضحة، أهمها منع سقوط النظام الإيراني أو تعرض بنيته النفطية لدمار شامل قد يقطع إمدادات الطاقة. وفي حال تجاوزت الهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية هذه الخطوط، قد تضطر بكين لرفع مستوى تدخلها التقني والاستخباراتي إلى مستويات غير مسبوقة لحماية مصالحها.

يبقى الانخراط الاستراتيجي الأوسع، بما في ذلك الوجود البحري الصيني في مضيق هرمز أو حماية خطوط الطاقة بالقوة، خياراً مطروحاً في حال حدوث تهديد وجودي للمصالح الصينية. ومع ذلك، يظل هذا الخيار مرتبطاً بمدى التصعيد الأمريكي وقدرة طهران على الصمود في وجه الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.

يخلص مركز الزيتونة في تقديره إلى أن الموقف الصيني يمثل عاملاً مركزياً في تحديد مآلات الصراع في الشرق الأوسط، وقدرة إيران على المناورة. إن السياسة الصينية التي تمزج بين الحذر والمناورة الاستراتيجية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل موازين القوى ليس في المنطقة فحسب، بل في النظام الدولي برمته.

ختاماً، يؤكد التقرير أن بكين تدرك تماماً أن معركة إيران هي جزء من صراع أكبر على شكل العالم القادم، ولذلك فإنها لن تسمح بهزيمة استراتيجية لطهران. إن هذا الالتزام الصيني، وإن كان مغلفاً بالدبلوماسية والاقتصاد، يمثل حائط صد حقيقي أمام الطموحات الأمريكية والإسرائيلية في إعادة صياغة المنطقة بالقوة.

أحدث الأخبار

السّبت 18 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الضغط الاقتصادي يفرض التراجع على ترامب في مواجهة إيران

أظهرت سبعة أسابيع من المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران أن الضغط الاقتصادي يمثل نقطة الضعف الأبرز في استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ورغم القوة العسكرية الغاشمة، لم تنجح واشنطن في إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الرضوخ الكامل للمطالب الأمريكية، مما كشف عن حدود قدرة الإدارة الحالية على تحمل الألم الاقتصادي في الداخل.

ومع إعلان طهران مؤخراً عن إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، بدأت تتضح معالم الأزمة التي واجهها ترامب نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتصاعد معدلات التضخم. هذه العوامل الاقتصادية أدت إلى تراجع ملحوظ في شعبية الرئيس، مما دفعه إلى مسابقة الزمن لإيجاد صيغة دبلوماسية تخفف من وطأة التداعيات المعيشية على الناخب الأمريكي.

وكان ترامب قد انخرط في حملة عسكرية مشتركة مع إسرائيل منذ نهاية فبراير الماضي، مستنداً إلى تقارير استخباراتية حول تهديدات نووية وشيكة. إلا أن الرد الإيراني الذي استهدف البنية التحتية للطاقة في المنطقة والسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية، تسبب في صدمة طاقة عالمية لم تكن في حسبان المخططين في البيت الأبيض.

ويرى محللون سياسيون أن إيران، رغم تلقيها ضربات عسكرية موجعة، أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد العالمي. هذا الواقع الجديد أجبر فريق ترامب على إعادة تقييم الموقف، خاصة مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من شبح ركود اقتصادي عالمي يلوح في الأفق نتيجة اضطراب إمدادات النفط.

وفي الداخل الأمريكي، تتزايد الضغوط السياسية على الحزب الجمهوري الذي يسعى للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة. ويخشى قادة الحزب من أن استمرار الحرب وتأثيرها على أسعار السلع الأساسية قد يؤدي إلى خسارة انتخابية قاسية في نوفمبر القادم، مما يجعل إنهاء الصراع ضرورة سياسية ملحة.

من جانبها، استغلت القيادة الإيرانية بذكاء ورقة مضيق هرمز لجر واشنطن إلى طاولة المفاوضات من جديد، وهو ما اعتبره مراقبون درساً قد تستفيد منه قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين. فقد أدرك خصوم الولايات المتحدة أن ترامب، رغم ميله لاستخدام القوة، يتراجع بسرعة عندما تبدأ المؤشرات الاقتصادية والأسواق المالية في الانهيار.

وأفادت مصادر بأن ترامب بدأ بالفعل في تغيير نبرته تجاه طهران، حيث تحول من التهديد بالغارات الجوية إلى الحديث عن اتفاق وشيك ينهي الأزمة. ويأتي هذا التحول تحت ضغط مباشر من الأسواق المالية التي يعتبرها ترامب المقياس الحقيقي لنجاح إدارته، بالإضافة إلى تضرر قطاع الزراعة الأمريكي نتيجة تعطل إمدادات الأسمدة.

وعلى الرغم من إعلان ترامب أن مضيق هرمز بات آمناً، إلا أن المفاوضات الجارية لا تزال تواجه عقبات تقنية وسياسية كبيرة. وتؤكد مصادر مطلعة أن هناك فجوات واسعة بين ما تطالب به واشنطن وما تقبل به طهران، خاصة فيما يتعلق بمصير المواد النووية عالية التخصيب التي تزعم الولايات المتحدة ضرورة نقلها إلى أراضيها.

وفي سياق متصل، نفت طهران بشكل قاطع موافقتها على شحن أي مخزون من اليورانيوم إلى الخارج، وهو ما يضع ترامب في موقف حرج أمام جمهوره. وكان الرئيس الأمريكي قد صرح بأن الاتفاق المرتقب سيتضمن تعاوناً تقنياً لاستعادة المواد النووية التي تضررت خلال الغارات الجوية السابقة في شهر يونيو.

وحذر خبراء اقتصاديون من أن الأضرار التي لحقت بسلاسل التوريد العالمية وقطاع الطاقة قد تستغرق سنوات للتعافي منها، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سريع. فالصدمة التي تعرضت لها الأسواق خلقت حالة من عدم اليقين، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري في واحدة من أهم مناطق التجارة في العالم.

وأبدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا استياءهم من الطريقة التي أدار بها ترامب الأزمة، حيث تم اتخاذ قرارات الحرب دون تنسيق مسبق معهم. ويرى هؤلاء الحلفاء أن التصرفات الأمريكية غير المنتظمة تسببت في مخاطر جيوسياسية كبرى هددت أمنهم القومي واقتصاداتهم التي تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.

ويقارن مراقبون بين نهج ترامب ونهج الإدارة السابقة، حيث كان الرئيس بايدن أكثر حذراً في التعامل مع قطاع الطاقة الروسي لتجنب رفع أسعار الغاز. أما ترامب، الذي وعد ناخبيه ببنزين رخيص، فقد وجد نفسه في مواجهة اتهامات مباشرة بأن سياساته الهجومية هي السبب وراء الغلاء المعيشي الذي يعاني منه المواطن الأمريكي.

وفي منطقة الخليج، تسود حالة من الترقب المشوب بالقلق تجاه أي اتفاق قد يبرمه ترامب دون ضمانات أمنية إقليمية شاملة. وقد صرحت مصادر دبلوماسية عربية بأن إنهاء الصراع لا ينبغي أن يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الدائم، بل يجب أن يضمن حماية البنية التحتية الحيوية للدول المصدرة للطاقة.

ويبقى السؤال الأهم حول مدى قدرة ترامب على تحقيق أهدافه الاستراتيجية من خلال الدبلوماسية بعد فشل الخيار العسكري في تحقيق نتائج سريعة. فالمفاوضات الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية الإدارة الأمريكية وقدرتها على الموازنة بين طموحاتها السياسية الخارجية والواقع الاقتصادي الداخلي المأزوم.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

مفاوضات 'إيران الجديدة': واشنطن تبحث عن صفقة على وقع الاغتيالات وحصار هرمز

كشفت تقارير صحفية دولية عن كواليس مفاوضات ماراثونية تجري في باكستان بين وفد إيراني رفيع المستوى ومسؤولين أمريكيين، في خطوة تعد الأرفع تمثيلاً منذ عقود. ويقود الجانب الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي برز كشخصية محورية في المشهد السياسي عقب سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت قيادات النظام، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وذكرت مصادر إعلامية أن قاليباف، البالغ من العمر 64 عاماً، استطاع لفت أنظار الفريق الأمريكي بصفته مفاوضاً بارعاً وقائداً محتملاً للمرحلة المقبلة، رغم حالة الانسداد التي تشوب بعض الملفات. وتأتي هذه التحركات في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استنساخ 'السيناريو الفنزويلي' في التعامل مع طهران، عبر ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والاقتصادي لإجبار النظام على تقديم تنازلات جوهرية.

ويعتمد الطرح الأمريكي على تجربة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث يرى ترامب أن الحصار البحري والسيطرة على الموارد النفطية هما المفتاح لإخضاع القيادة الإيرانية. وصرح ترامب في مناسبات عدة بأن السيطرة على النفط الإيراني خيار مطروح بقوة، مشيداً بالتكتيكات التي أدت إلى خنق عائدات الطاقة في فنزويلا، وهو ما يحاول تطبيقه الآن عبر تشديد الحصار في منطقة الخليج.

في المقابل، أظهرت القيادة الإيرانية الجديدة، رغم انخراطها في المفاوضات، نزعة أكثر عسكرة وتشدداً من أسلافها، حيث يتصدر المشهد قادة من الحرس الثوري مثل أحمد وحيدي ومحمد باقر ذو القدر. هؤلاء القادة، الذين ارتبطت أسماؤهم بعمليات قمع داخلية وتطوير برامج تسليحية، يرون في السيطرة على مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها دون ثمن باهظ يضمن بقاء النظام.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن واشنطن عرضت خطة من ثلاث صفحات لإنهاء التوتر، تتضمن الإفراج عن نحو 20 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. ويشترط المقترح الأمريكي مقابل هذه الأموال أن تتخلى طهران بالكامل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، ونقله إلى دولة ثالثة أو تحت رقابة دولية صارمة لضمان عدم استخدامه في أغراض عسكرية.

ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين الطرفين بشأن مدة وقف أنشطة التخصيب، حيث تطالب الولايات المتحدة بمدة لا تقل عن 20 عاماً، بينما يقترح المفاوضون الإيرانيون فترة لا تتجاوز 5 سنوات. كما تطالب طهران برفع سقف الأموال المفرج عنها إلى 27 مليار دولار، في حين تصر واشنطن على تخصيص مبالغ محددة للأغراض الإنسانية فقط تحت إشراف دولي.

ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن هيكل السلطة اللامركزي في طهران يجعل من الصعب تطبيق نموذج 'ديلسي رودريغيز' الفنزويلية، حيث تتوزع القوة بين الحرس الثوري والسلطة القضائية ومجالس الأمن القومي. وأوضح المحللون أن القادة الجدد يستمدون شرعيتهم من النظام الثيوقراطي ذاته، مما يجعل فكرة الانقلاب الداخلي أو التغيير السلس وفق الرؤية الأمريكية أمراً محفوفاً بالمخاطر.

وعلى الصعيد الميداني، تسبب حصار مضيق هرمز في تداعيات اقتصادية عالمية كبرى، حيث تستخدمه إيران كأداة لردع أي هجوم عسكري شامل يستهدف ما تبقى من بنيتها القيادية. وتقدر خسائر النظام الإيراني جراء هذا التوتر بنحو 435 مليون دولار يومياً، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على المفاوضين الإيرانيين لمحاولة التوصل إلى اتفاق يخفف من وطأة الأزمة المعيشية.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبرز اسم مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، كقوة خفية لا تزال تؤثر في صنع القرار رغم غيابه عن الأنظار منذ بداية الحرب وأنباء إصابته. ويُعرف مجتبى بتوجهاته الأكثر راديكالية، وهو ما قد يمثل عقبة أمام أي اتفاق يراه المتشددون في الحرس الثوري بمثابة 'إذلال' للدولة الإيرانية أمام 'الشيطان الأكبر'.

وأفادت مصادر بأن الإيرانيين يشعرون بنوع من 'نشوة النصر' لقدرتهم على الصمود رغم اغتيال قيادات الصف الأول، وهو ما يجعلهم يرفضون إظهار المرونة ما لم يحصلوا على ضمانات أمنية شاملة. وتؤكد سوزان مالوني، الباحثة في معهد بروكينغز أن القيادة الحالية لن تقبل بأي صفقة تؤدي إلى تآكل نفوذها الإقليمي أو تجريدها من قدراتها الردعية النووية.

وتتزايد المخاوف من أن تتحول إيران إلى دولة أكثر قمعية في الداخل مع صعود التيار العسكري المتمثل في وحيدي وذو القدر، اللذين يمتلكان نفوذاً واسعاً في الكواليس الأمنية. هؤلاء القادة، الذين شاركوا في قمع احتجاجات سابقة، يرون أن أي تراجع أمام الضغوط الخارجية سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الجبهة الداخلية، ولذلك يفضلون خيار المواجهة المحسوبة.

من جانبه، وصف الرئيس ترامب القيادة الإيرانية الحالية بأنها 'أكثر عقلانية' من سابقتها، في محاولة منه لتسويق المفاوضات لجمهوره الداخلي كنجاح لاستراتيجيته القائمة على القوة. ويرى ترامب أن 'النظام القديم قد دمر'، وأن التعامل مع الوجوه الجديدة مثل قاليباف قد يفتح الباب أمام اتفاق تاريخي ينهي العداء المستمر منذ عام 1979.

ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن شمول المذكرة المقترحة لبرنامج الصواريخ الباليستية أو الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها في المنطقة، وهي ملفات تعتبرها واشنطن خطاً أحمر. وتصر الإدارة الأمريكية على أن أي اتفاق نووي يجب أن يتبعه التزام إيراني بتغيير سلوكها الإقليمي، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً حتى الآن، معتبرة نفوذها الخارجي جزءاً من أمنها القومي.

إن نجاح أو فشل محادثات باكستان سيعتمد بشكل كبير على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات مؤلمة في ملفات السيادة والطاقة، في ظل مراقبة دقيقة من القوى الإقليمية ودولة الاحتلال. ومع استمرار الحصار البحري والتهديدات المتبادلة، تظل المنطقة فوق صفيح ساخن بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من نتائج لهذه المفاوضات غير المسبوقة.

أقلام وأراء

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

لبنان بين مطرقة التسويات الإقليمية وسندان الهوية الوطنية

يقف لبنان اليوم على حافة جرف تاريخي يعيد إلى الأذهان ذكريات الانقسامات الكبرى، حيث تتشابك التعقيدات الجغرافية والسياسية مع إرث الحرب الأهلية الذي لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العام. وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ إقليمي مضطرب، تتقاطع فيه نيران الحروب المفتوحة مع مساعي الوصول إلى تسويات سياسية لم تكتمل ملامحها بعد.

برزت في الآونة الأخيرة إشارات سياسية ثقيلة تضمنها خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون، والذي ركز على آليات إدارة المرحلة التي تلي الحرب الأخيرة. وتتزايد التكهنات حول ترتيبات دولية قد تشمل لقاءات مع أطراف فاعلة، من بينها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لبحث سبل إغلاق الجبهة العسكرية التي استنزفت البلاد.

لقد خلفت العمليات العسكرية الأخيرة فاتورة باهظة من الدماء والدمار، حيث سقط مئات الشهداء والجرحى، واضطر مئات الآلاف من اللبنانيين للنزوح عن ديارهم. هذا الواقع المأساوي يضع الدولة أمام تحديات إنسانية واجتماعية تفوق قدراتها الحالية، ويعمق من جراح الذاكرة الوطنية المثقلة بالتهجير.

في قلب هذا المشهد، تبرز قضية السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الداخل اللبناني. ويُنظر إلى سلاح حزب الله ليس فقط كأداة عسكرية، بل كمعادلة سياسية تمس جوهر التوازنات التي استقر عليها النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف.

ينقسم اللبنانيون في رؤيتهم لهذا الملف؛ فبينما يرى فريق أن احتكار الدولة للسلاح هو الشرط الأساسي لبناء سيادة حقيقية، يخشى فريق آخر من أن نزع السلاح قد يخل بتوازن الردع أمام التهديدات الخارجية. هذا الانقسام يحول الملف من إجراء أمني تنظيمي إلى عقدة وجودية ترتبط بالهوية والمصير.

على الصعيد التاريخي والاجتماعي، يمثل المكون الشيعي جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني، حيث يمتد حضوره في جبل عامل والبقاع والجنوب لقرون طويلة. ولا يمكن اختزال الروابط بين شيعة لبنان والمحيط الإقليمي في أبعاد سياسية عابرة، بل هي امتداد لتفاعل معرفي ومذهبي ضارب في القدم.

تشير القراءات الفكرية إلى أن علماء جبل عامل كان لهم دور ريادي في صياغة وتطوير الفكر الشيعي في مراحل تاريخية سابقة، مما يعكس عمق التأثير اللبناني في المحيط. ومع ذلك، يتم أحياناً توظيف هذا البعد التاريخي في السجالات السياسية الراهنة لتعميق الفجوات بين المكونات الطائفية المختلفة.

تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية من انزلاق لبنان نحو نموذج 'الدولة منقوصة السيادة'، وهو ما يشبهه البعض بتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا النموذج يختزل دور الدولة في إدارة الأزمات اليومية وتوفير الخدمات، بينما تظل القرارات السيادية والأمنية الكبرى رهينة التوافقات والضغوط الخارجية.

إن الترتيبات المرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار والتسويات الإقليمية قد تعيد تشكيل وظيفة الدولة اللبنانية بدلاً من تقويتها. ويخشى مراقبون أن تؤدي هذه الصيغ الرمادية إلى استقرار هش يضبط التناقضات مؤقتاً دون تقديم حلول جذرية للأزمات البنيوية التي تعاني منها البلاد.

يواجه لبنان اليوم اختباراً مصيرياً يتجاوز حدود إعادة الإعمار المادي للمناطق المدمرة، ليصل إلى ضرورة إعادة تعريف الهوية الوطنية. السؤال الجوهري يبقى حول قدرة المؤسسات اللبنانية على احتكار القرار والسلاح، أم أن البلاد ستبقى ساحة لتجاذب الإرادات الدولية والإقليمية.

رغم قتامة المشهد السياسي، تظل الذاكرة الثقافية والفنية للبنان صمام أمان يحفظ الهوية من التحلل، حيث لعب الفن الملتزم دوراً بارزاً في توثيق المقاومة. أصوات فيروز ومارسيل خليفة وأحمد قعبور لم تكن مجرد ترف، بل كانت وثائق حية تحفظ أسماء الغائبين وتعيد صياغة الوجع كفعل صمود.

لبنان الذي صمد في وجه حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، يثبت في كل مرة أنه عصي على الانكسار أو النسيان. إن ذاكرة الدم حين تتحول إلى وعي جمعي، تصبح هي الهوية الحقيقية التي تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة والتسويات العابرة التي تحاول اختصار الوطن.

يرتبط الجرح اللبناني ارتباطاً عضوياً بالقضية الفلسطينية، حيث يمثل الجنوب اللبناني امتداداً طبيعياً وجغرافياً لشمال فلسطين المحتلة. هذا التداخل يتجاوز الحدود المصطنعة، ليتجلى في وحدة الألم والمصير بين غزة وبيروت، وفي قصص الأمهات اللواتي ينتظرن عودة الغائبين.

في نهاية المطاف، يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين استقرار تفرضه التسويات أو انفجار تعيده الهواجس. لكن الثابت الوحيد هو أن ما كُتب بالدم في تاريخ هذا البلد لا يمكن أن تمحوه الأيام، وأن الذاكرة الوطنية ستظل هي البوصلة في مواجهة الهاوية.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

كوسوفو والبوسنة تنضمان لـ 'قوة الاستقرار' الدولية في قطاع غزة

أعلنت سلطات كوسوفو والبوسنة والهرسك، بشكل رسمي، عن نيتها إرسال وحدات عسكرية وأمنية إلى قطاع غزة، وذلك للانضمام إلى قوة دولية تهدف إلى إرساء الاستقرار في المنطقة. تأتي هذه الخطوة تحت مظلة 'مجلس السلام' الذي أسسته الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب، في إطار مساعي واشنطن لترتيب الأوضاع الأمنية في القطاع الفلسطيني عقب الحرب.

وفي العاصمة بريشتينا، صادق برلمان كوسوفو بالإجماع على تشريع قانوني يمنح الضوء الأخضر لعناصر الأمن للمشاركة في هذه البعثة الدولية التي ستقودها الولايات المتحدة. ورغم أن القانون لم يحدد سقفاً عددياً للقوات، إلا أن مصادر إعلامية أكدت أن الحكومة تخطط لإرسال نحو 22 عنصراً في المرحلة الأولى من الانتشار المرتقب.

من جانبه، كشف وزير الدفاع في البوسنة والهرسك، زوكان هيليز، عن تفاصيل المباحثات التي أجراها في واشنطن مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية حول طبيعة المشاركة العسكرية لبلاده. وأكد هيليز أن التحضيرات الفنية واللوجستية وصلت إلى مراحل متقدمة، مشيراً إلى أن المساهمة البوسنية ستتجاوز 60 جندياً من القوات المسلحة الوطنية.

وكانت السلطات في البوسنة قد أقرت مبدأ المشاركة في هذه القوة الدولية منذ مطلع العام الجاري، معتبرة أن هذه الخطوة تعزز من دور البلاد في حفظ السلم والأمن العالميين. ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع اجتماعات مكثفة يعقدها 'مجلس السلام' لتنسيق الجهود الدولية الرامية لإعادة إعمار غزة وتوفير الغطاء الأمني اللازم للعمليات الإنسانية.

وتشير التقارير إلى أن القوة الدولية المقترحة قد تضم في صفوفها نحو 20 ألف جندي من جنسيات مختلفة، حيث أبدت دول مثل إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وألبانيا استعدادها للمشاركة. وتتصدر إندونيسيا قائمة الدول المساهمة بتعهدها بإرسال نحو 8 آلاف جندي، مما يجعلها العمود الفقري لهذه البعثة الدولية الطموحة.

وعلى الرغم من هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية، لا يزال تنفيذ خطة السلام الأمريكية يواجه تحديات ميدانية جسيمة في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار. وكان الاتفاق قد دخل حيز التنفيذ في أكتوبر من العام الماضي، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى هشاشة الالتزام ببنوده من قبل الجانب الإسرائيلي.

وتأتي هذه التطورات بعد حرب مدمرة شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، أسفرت عن كارثة إنسانية غير مسبوقة وسقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى. وقد خلفت العمليات العسكرية دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية والمرافق الحيوية في القطاع، مما جعل الحاجة إلى قوة استقرار وإعادة إعمار أمراً ملحاً.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر رسمية في غزة بأن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب آلاف الخروقات منذ توقيع اتفاق وقف النار، شملت عمليات قتل مباشر واعتقالات وحصاراً مستمراً. وأوضحت التقارير أن هذه الانتهاكات تسببت في سقوط مئات الشهداء الجدد، مما يضعف فرص نجاح أي مبادرة دولية لا تضمن وقفاً شاملاً ونهائياً للأعمال العدائية.

ويبقى ملف 'قوة الاستقرار' رهناً بالتوافقات السياسية الكبرى وقدرة المجتمع الدولي على إلزام الأطراف بالاتفاقيات الموقعة، في وقت تترقب فيه الأوساط الفلسطينية مدى فاعلية هذه القوات. وتتزايد التساؤلات حول طبيعة المهام التي ستوكل لهذه الوحدات الأجنبية، وما إذا كانت ستنجح في توفير الحماية الفعلية للمدنيين في ظل التوترات القائمة.

اقتصاد

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

ناقلة نفط إيرانية عملاقة تصل الهند قبيل انتهاء مهلة الإعفاءات الأمريكية

رصدت أنظمة تتبع الملاحة الدولية وصول ناقلة النفط الإيرانية العملاقة 'دورنا' إلى السواحل الجنوبية للهند، بعد فترة من الغياب عن أجهزة التتبع (AIS). وأفادت مصادر متخصصة في مراقبة حركة الناقلات بأن السفينة تحمل على متنها قرابة مليوني برميل من الخام، ومن المتوقع تفريغ حمولتها في إحدى المصافي الهندية الكبرى خلال الساعات المقبلة.

تعد هذه الشحنة هي الثالثة من نوعها التي تستقبلها الموانئ الهندية من المصادر الإيرانية خلال الأسبوع الأخير، مما يرفع إجمالي الكميات المستلمة إلى نحو 6 ملايين برميل. وتأتي هذه التحركات المكثفة في ظل سباق مع الزمن لاستغلال نافذة الإعفاءات المتاحة قبل دخول القيود الدولية المشددة حيز التنفيذ الكامل.

وفي سياق الالتفاف على القيود المالية، كشفت مصادر مطلعة أن شركات التكرير في الهند بدأت فعلياً باستخدام اليوان الصيني كعملة بديلة لتسوية مدفوعات النفط الإيراني. وتتم هذه العمليات المالية عبر بنك (آي.سي.آي.سي) في مدينة مومباي، في خطوة تعكس التوجه نحو تقليل الاعتماد على الدولار في التجارة النفطية الحساسة.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أقرت في وقت سابق إعفاءً استثنائياً لمدة 30 يوماً يسمح بشراء النفط الموجود حالياً في عرض البحر، وذلك في محاولة للسيطرة على أسعار الطاقة العالمية. وجاء هذا القرار بعد الارتفاعات الحادة في الأسعار التي أعقبت التوترات العسكرية والسياسية الأخيرة في المنطقة، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد.

من جانبه، حسم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الجدل حول إمكانية تمديد هذه التسهيلات، مؤكداً أن واشنطن لا تنوي تجديد الإعفاءات الممنوحة. ومع اقتراب موعد انتهاء الصلاحية المقرر يوم الأحد المقبل، تتزايد الضغوط على الأسواق الآسيوية لتأمين احتياجاتها قبل إغلاق القنوات الرسمية للاستيراد من طهران.

عربي ودولي

السّبت 18 أبريل 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر برلين والأزمة السودانية: تساؤلات حول غياب الموقف العربي وضرورة المحاسبة القانونية

تتقاطع المآسي الإنسانية في المنطقة العربية بشكل غير مسبوق، حيث تتزامن الإبادة المستمرة في قطاع غزة مع تصاعد الاعتداءات في لبنان، وسط حالة من الغموض التي تكتنف المواجهة الإقليمية بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يدفع السودان ثمناً باهظاً جراء حرب داخلية دامية تشهد انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، في ظل صمت دولي يثير تساؤلات أخلاقية عميقة.

يبرز مؤتمر برلين لداعمي السودان كمحاولة دبلوماسية لإعادة تسليط الضوء على الجرح السوداني الذي بات منسياً في خضم الأزمات المتلاحقة. ومع ذلك، تظل التساؤلات قائمة حول جدوى هذه الاجتماعات الرمزية إذا لم تقترن بتدخل حاسم يوقف نزيف الدماء ويضع حداً للانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين والبنية التحتية.

إن ما يشهده السودان اليوم يتجاوز كونه نزاعاً داخلياً عابراً، بل هو انهيار شامل لمنظومة الحماية الإنسانية الدولية. فقد أدى الصراع إلى تهجير الملايين قسراً وتدمير مقومات الحياة، مما يمثل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تفترض حماية غير المشاركين في العمليات العسكرية.

يواجه الموقف العربي والإسلامي انتقادات حادة لكونه لا يزال دون مستوى المسؤولية التاريخية والشرعية المطلوبة تجاه الأزمة السودانية. ويغلب على هذا الموقف طابع التردد والاكتفاء ببيانات الإدانة الورقية، بدلاً من اتخاذ قرارات حازمة تساهم في إنهاء المأساة الإنسانية المتفاقمة.

من الناحية القانونية، لا يمكن تبرير الصمت تجاه الجرائم المرتكبة في السودان، خاصة وأن اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي يفرضان التزامات واضحة على الدول. هذه الالتزامات لا تقتصر على الإدانة فحسب، بل تمتد إلى العمل الفعلي على منع الجرائم ومعاقبة مرتكبيها لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

تعتبر الجرائم المرتكبة في السودان، بما تحمله من سمات الاستهداف المنهجي للمدنيين، من أخطر الجرائم الدولية التي لا تسقط بالتقادم. وعليه، فإن ملاحقة مجرمي الحرب ليست مجرد خيار سياسي للدول، بل هي واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.

تتحمل الدول العربية والإسلامية مسؤولية مضاعفة تجاه السودان بحكم روابط الدين والتاريخ والمصير المشترك التي تجمعها بهذا البلد. إن التقاعس عن اتخاذ موقف واضح وحاسم في هذه المرحلة الحرجة لا يمكن اعتباره حياداً، بل قد يرقى في بعض صوره إلى مستوى التواطؤ بالصمت.

على الصعيد الحقوقي، يمثل ما يحدث في السودان انتهاكاً جوهرياً لأبسط حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والأمن والكرامة. وهذه الحقوق ليست منحة من أي سلطة، بل هي حقوق أصيلة كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية التي توجب التحرك العاجل لحمايتها.

تؤكد الشريعة الإسلامية بشكل قاطع على حرمة الدماء، وتجعل من حفظ النفس أحد المقاصد الكلية الكبرى للدين. ومن هذا المنطلق، فإن نصرة المظلوم في السودان ورفع الظلم عنه يعد واجباً شرعياً لا يسقط بالتذرع بالمصالح السياسية الضيقة أو الحسابات الإقليمية المعقدة.

إن إقامة العدل ومحاسبة الجناة يمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار المستدام في السودان بعد انتهاء الحرب. فلا يمكن تصور استقرار حقيقي بلا عدالة انتقالية تنصف الضحايا وتضمن عدم تكرار الفظائع التي ارتكبت بحق الأبرياء خلال سنوات النزاع.

يتطلب الواقع الحالي ترجمة المؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر برلين، إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض تشمل الضغط السياسي الحقيقي لوقف إطلاق النار. كما يجب العمل على إنشاء آليات دولية وإقليمية فعالة لمراقبة الانتهاكات وتوثيقها لضمان تقديم المسؤولين عنها للمحاكمة.

يجب أن تشمل الجهود الدولية أيضاً دعم مسارات إعادة الإعمار وتمكين الشعب السوداني من العودة إلى دياره بكرامة وأمان. إن إعادة الأمل للسودانيين تتطلب إرادة سياسية صادقة تتجاوز حدود الدعم الإغاثي التقليدي نحو بناء دولة القانون والمؤسسات.

إن الدول العربية والإسلامية، بحكم موقعها الجيوسياسي وتأثيرها، قادرة على لعب دور حاسم في إنهاء المأساة السودانية إذا ما توفرت الإرادة السياسية. والاستمرار في حالة التردد الحالية لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وإطالة أمد معاناة الملايين من المشردين والجوعى.

في الختام، يمثل الوضع في السودان اختباراً حقيقياً لضمير العالم وللأنظمة السياسية القائمة على حد سواء. فالتاريخ لا يرحم والشرع لا يبرر الظلم، مما يضع الجميع أمام خيارين: إما الانحياز للعدالة قولاً وفعلاً، أو تحمل التبعات القانونية والأخلاقية للصمت.

فلسطين

السّبت 18 أبريل 2026 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

شهادات من مسرح الجريمة.. رجال الدفاع المدني في غزة يروون أهوال انتشال الضحايا

تتحول شوارع قطاع غزة في ذاكرة طواقم الدفاع المدني إلى سجل مفتوح من الأوجاع والدماء، حيث لا تمثل الأماكن مجرد إحداثيات جغرافية، بل هي مسارح لمجازر تركت ندوباً لا تمحى في أرواحهم. يروي عبد الله المجدلاوي، أحد عناصر الإنقاذ، كيف تحولت مهماتهم الميدانية إلى مواجهات مباشرة مع الموت، حيث يركضون نحو الركام بأدوات بدائية لانتشال ما تبقى من حياة أو حفظ كرامة الجثامين المتناثرة.

في ليلة حالكة من شهر سبتمبر، واجهت الطواقم اختباراً قاسياً عند استهداف منزل عائلة مسعود في حي الدرج، حيث ظل صوت الفتاة ملك مسعود عالقاً تحت الأنقاض لساعات طويلة. رغم محاولات الإنقاذ المستميتة والنزول لعمق خمسة أمتار تحت الكتل الخرسانية، فارقت الفتاة الحياة وهي غارقة في دمائها، مما وضع الطواقم أمام قرار يطحن القلوب بضرورة قص ساقها لانتشال جثمانها بعد يومين من الحصار.

لم تتوقف مآسي حي الدرج عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل قصصاً تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها، حيث وصف المجدلاوي لحظات تشغيل آلة القص وتناثر بقايا العظام على وجهه. كانت تلك اللحظات الفاصلة تعكس حجم القسوة التي يفرضها الاحتلال على المدنيين، وتحول المنقذين إلى شهود على فظائع تتجاوز حدود القدرة البشرية على الاحتمال.

وفي حي الزيتون، وبعد انقضاء 12 يوماً على التوغل العسكري، نجحت الطواقم في الوصول إلى الطفل أحمد نعيم الذي كان عالقاً تحت الردم وسط قصف مدفعي مكثف. استخرج الطفل بجسد هزيل يشبه الهيكل العظمي نتيجة الجوع والعطش، في سباق محموم مع الزمن لإنقاذه قبل أن تطاله قذائف الاحتلال التي كانت تستهدف محيط المكان بشكل مباشر.

أما في معسكر جباليا، فيستذكر عبد السلام العاصي أهوال 'مجزرة الترنس' التي وقعت في نوفمبر 2023، حيث اختلطت روائح البارود بأشلاء الضحايا في الشوارع. يصف العاصي صدمته حين صرخ في وجهه رجل مكلوم ليدفعه بعيداً عن جثمان زوجته التي داس عليها المنقذ دون قصد وسط الدخان الكثيف والفوضى العارمة التي خلفتها الغارات الجوية.

المشاهد في جباليا لم تقتصر على الركام، بل امتدت لتشمل أجساداً تحترق داخل المركبات المستهدفة، حيث تلتصق جلود الشهداء بأيدي المنقذين عند محاولة انتشالهم. يقول العاصي إن ملمس اللحم الذي يغلي كالنار يظل عالقاً في ذاكرة اللمس لديه، وهي صور تجسد أبشع أنواع القتل حرقاً التي تعرض لها الفلسطينيون خلال حرب الإبادة المستمرة.

وفي مشروع بيت لاهيا، تكررت مأساة عائلة الدواوسة التي سويت بنايتها بالأرض فوق رؤوس ساكنيها، ليخرج من تحت الأنقاض أنين شاب يتوسل ألا يترك وحيداً. صرخات الشاب 'لا أريد أن أموت، أنا الوحيد الحي من عائلتي' لخصت مأساة الإبادة الجماعية التي تمحو عائلات كاملة من السجل المدني، وتترك الناجين في مواجهة صدمات نفسية لا تنتهي.

الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، لم يكن بمنأى عن هذه الفواجع، حيث تلقى الصدمة الكبرى باستشهاد والدته في قصف استهدف منزلهم بحي الزيتون. يروي بصل كيف كان يداوم في مستشفى المعمداني لخدمة الجرحى، ليفاجأ بجثمان والدته يصل إليه مبتور الساق، ليقوم بدفنها بيديه في لحظة اجتمع فيها الفقد الشخصي مع الواجب الوطني المثقل بالدموع.

تتعدد الحكايات وتتشابه في قسوتها، مثل قصة العائلة التي عثر عليها فادي الصليبي في مدينة الشيخ زايد، حيث وجد أباً وأماً وأطفالهما الأربعة في عناق أخير تحت الركام. كانت الجثامين قد بدأت بالتحلل وهي متلاصقة، مما اضطر المنقذين لتفريقهم بصعوبة، في مشهد يوثق محاولة العائلة الاحتماء ببعضها البعض من رعب القصف والقنص الإسرائيلي.

في حي الفالوجة، واجهت سيارات الإسعاف والدفاع المدني نيراناً مكثفة منعتهم من الوصول للمصابين لثلاثة أيام متواصلة، مما أدى لتعفن الجثامين في الشوارع. وعندما تمكنت الطواقم من الدخول أخيراً، كانت الأشلاء تغطي مداخل المنازل، في إشارة واضحة لسياسة القتل العمد ومنع الطواقم الطبية من أداء مهامها الإنسانية المكفولة دولياً.

تؤكد هذه الشهادات أن طواقم الدفاع المدني في غزة تعمل في ظروف مستحيلة، حيث يفتقرون لأبسط مقومات العمل والآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض. ومع ذلك، يستمر هؤلاء الرجال في أداء واجبهم، محولين أجسادهم إلى جسور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وموثقين بذاكرتهم تفاصيل جرائم ستبقى شاهدة على حقبة من التنكيل الوحشي بحق المدنيين.

إن القصص التي يرويها المجدلاوي والعاصي وبصل والصليبي ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي وثائق حية تدين الصمت الدولي تجاه ما يحدث في قطاع غزة. كل فقرة من هذه الروايات تحمل في طياتها صرخة إنسانية تطالب بالعدالة للضحايا الذين قضوا تحت الركام، وللمنقذين الذين باتت حياتهم عبارة عن سلسلة من الجنائز والمهمات المستحيلة.

تظل ذاكرة الدفاع المدني في غزة مثقلة بصور الأطفال المتفحمين والنساء اللواتي فارقن الحياة وهن ينتظرن بصيص أمل من فوق الأنقاض. هذه الروايات الميدانية تبرز حجم التضحيات التي يقدمها الكادر الفلسطيني الذي يواجه آلة الحرب بصدور عارية وأدوات يدوية، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من كرامة الإنسان في ظل حرب إبادة شاملة.

ختاماً، لا تنتهي هذه الحكايات بانتهاء القصف، بل تبدأ فصول جديدة من الألم مع كل جثمان يتم انتشاله ومع كل صرخة استغاثة لا تجد من يلبيها بسبب الحصار. إنها روايات تكتب للتاريخ بمداد من دم وألم، لتبقى شاهدة على صمود شعب وعلى رجال آثروا البقاء في الميدان رغم أن الموت يحيط بهم من كل جانب.