فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 8:02 مساءً - بتوقيت القدس

تقارير دولية: الاحتلال يمحو مجتمعات فلسطينية بالضفة وتوجهات أمريكية نحو دبلوماسية حذرة مع إيران

حذرت تقارير صحفية دولية من تحول خطير في السياسات الإسرائيلية المتبعة داخل الضفة الغربية، مؤكدة أن هذه الإجراءات تهدف بشكل مباشر إلى تقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وأشارت المصادر إلى أن انشغال المجتمع الدولي بالعدوان المستمر على قطاع غزة وفر غطاءً للمستوطنين لتكثيف حملات التطهير العرقي في مختلف مناطق الضفة.

ووفقاً لبيانات حقوقية وافتتاحيات صحفية عالمية، فقد استشهد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية منذ مطلع أكتوبر 2023، حيث تشكل فئة الأطفال نحو خمس هؤلاء الضحايا. وقد أدت هذه الاعتداءات الممنهجة إلى نزوح قسري لمئات العائلات، مما أسفر عن اختفاء تجمعات سكانية فلسطينية كاملة عن الخارطة في مساحات جغرافية واسعة.

ويربط مراقبون بين تصاعد وتيرة الاستيطان والانتهاكات وبين اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة خلال أشهر قليلة، حيث يسعى وزراء اليمين المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو إلى فرض واقع جديد على الأرض. وتهدف هذه التحركات إلى حسم ملف الضفة الغربية نهائياً عبر توسيع السيطرة الإسرائيلية ومنع أي تواصل جغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية.

وعلى صعيد العلاقات الأمريكية الإيرانية، تشير تحليلات سياسية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تتبنى نهجاً يتسم بالمطالب الصارمة التي قد ترفع من منسوب التوتر العسكري في المنطقة. ومع ذلك، يرى خبراء أن رغبة ترمب تظل تكتيكية تهدف إلى إبرام صفقات كبرى يمكن تسويقها كإنجازات سياسية، دون الانزلاق بالضرورة في مواجهة عسكرية شاملة.

وتتجه الأنظار نحو البيت الأبيض لمعرفة التوجه النهائي، حيث ينقسم صناع القرار بين تيار 'الصقور' الذي يرى ضرورة استغلال ضعف إيران الحالي، وبين تيار حذر يخشى تورط الولايات المتحدة في مستنقع جديد بالشرق الأوسط. وفي هذا السياق، نقلت مصادر إعلامية أن واشنطن لا تزال تفضل المسار الدبلوماسي كخيار أول للتعامل مع الملف النووي الإيراني.

من جانبه، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موقفاً متصلباً تجاه أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن تل أبيب لن تكون ملزمة بأي اتفاق لا يضمن مصالحها الأمنية. ويعكس هذا الموقف فجوة محتملة في التنسيق بين الحليفين بخصوص كيفية احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

وفي سياق منفصل، يواجه الفضاء الرقمي في روسيا تضييقات متزايدة بعد حجب تطبيق المراسلة 'واتساب'، في خطوة وصفها ناشطون بأنها محاولة لفرض رقابة شاملة. وتسعى السلطات الروسية لدفع المستخدمين نحو تطبيقات محلية مدعومة من الدولة مثل تطبيق 'ماكس'، وسط مخاوف من استخدام هذه المنصات كأدوات للتجسس والملاحقة الأمنية.

اسرائيليات

الجمعة 13 فبراير 2026 7:31 مساءً - بتوقيت القدس

قادة سابقون في 'الشاباك' يهاجمون نتنياهو: يتنصل من المسؤولية ويغذي نظريات المؤامرة

شهدت الساحة السياسية والأمنية في إسرائيل تصعيداً جديداً بمواجهة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث وجه خمسة من الرؤساء السابقين لجهاز الأمن العام (الشاباك) برفقة 31 مدير قسم متقاعداً رسالة غير مسبوقة. تضمنت الرسالة اتهامات مباشرة لنتنياهو بالإضرار المتعمد بالمؤسسة الأمنية والسعي الحثيث للتنصل من المسؤولية الشخصية عن الإخفاقات التي سبقت وتلت أحداث السابع من أكتوبر 2023.

وأفادت مصادر بأن المسؤولين السابقين في الجهاز انتقدوا بشدة الهجمات المتزايدة التي يشنها مقربون من نتنياهو وأعضاء في الائتلاف الحاكم ضد الكوادر الأمنية. واستهدفت هذه الهجمات بشكل خاص رئيس الشاباك السابق رونين بار، بالإضافة إلى عدد من الضباط والموظفين الذين كانوا على رأس عملهم خلال الهجوم، مما اعتبره الموقعون محاولة لزعزعة الثقة في الجهاز.

وحذرت الرسالة من خطورة حملة واسعة النطاق تهدف لنشر نظريات المؤامرة ودفع روايات مضللة تهدف في جوهرها إلى تحميل المؤسسة الأمنية وحدها مسؤولية الفشل. وأكد القادة السابقون أن هذه التحركات ليست عفوية، بل هي جزء من إستراتيجية سياسية تهدف لحماية رئيس الوزراء من أي تبعات قانونية أو سياسية مستقبلية.

واستنكر الموقعون الوثيقة المطولة المكونة من 55 صفحة التي قدمها نتنياهو لمراقب الدولة الأسبوع الماضي، والتي تضمنت مقتطفات من مداولات حكومية سرية. واعتبر القادة أن هذه الوثيقة تمثل رواية أحادية الجانب ومنحازة، حيث تفتقر لأدنى معايير المهنية عبر حرمان المسؤولين المتهمين فيها من حق الرد على الادعاءات الواردة.

وأشارت الرسالة بوضوح إلى أن الهدف من وثيقة نتنياهو هو تهيئة الرأي العام، وخاصة قاعدته الانتخابية اليمينية، لرفض فكرة تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة. ويرى القادة السابقون أن نتنياهو يخشى من أي تحقيق يتمتع بصلاحيات واسعة قد يكشف عن دوره المباشر في السياسات التي أدت إلى انهيار المنظومة الدفاعية في غلاف غزة.

ولم تقتصر الانتقادات على نتنياهو فحسب، بل شملت صمت رئيس الشاباك الحالي ديفيد زيني، حيث طالبته الرسالة بضرورة الرد على الاتهامات الباطلة التي طالت الجهاز وموظفيه. وشدد الموقعون على ضرورة التصدي لمزاعم الخيانة ونشر المعلومات الكاذبة حول اجتماعات وهمية مع قيادات فلسطينية، مؤكدين أن الكشف غير القانوني عن أسماء الموظفين عرض حياتهم للخطر.

ولفتت الرسالة إلى التباين الأخلاقي بين قادة المؤسسة الأمنية ورئيس الحكومة، حيث تحمل قادة بارزون مثل رونين بار ورئيس الأركان هرتسي هاليفي المسؤولية وقدموا استقالاتهم. وفي المقابل، يظهر نتنياهو كشخصية وحيدة تسعى للتهرب من الاستحقاقات الوطنية بمساعدة شركائه في الائتلاف الحكومي الذين يواصلون الهجوم على الجيش والأمن.

وفي سياق متصل، كشف استطلاع للرأي نشرته صحيفة 'معاريف' عن أزمة ثقة حادة يعيشها الجمهور الإسرائيلي تجاه قيادته السياسية. وأظهرت النتائج أن 47% من الإسرائيليين لا يصدقون الرواية التي يسوقها نتنياهو بشأن أحداث أكتوبر، بينما لا تزال نسبة المؤيدين لروايته تراوح عند 28% فقط، مما يعكس انقساماً عميقاً في الشارع.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه إسرائيل حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والتي أسفرت عن حصيلة ثقيلة من الضحايا تجاوزت 72 ألف شهيد و171 ألف جريح. وقد أدى العدوان المستمر إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية في القطاع، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تصل إلى 70 مليار دولار.

ويرى مراقبون أن الخلاف بين المؤسستين الأمنية والعسكرية من جهة، وبين نتنياهو من جهة أخرى، وصل إلى طريق مسدود بسبب تضارب المصالح. فبينما يصر القادة العسكريون على ضرورة إجراء مراجعات شاملة لتصحيح المسار، يرى نتنياهو في أي لجنة تحقيق تهديداً مباشراً لمستقبله السياسي وبقاء حكومته اليمينية المتطرفة.

وختم قادة الشاباك السابقون رسالتهم بالتحذير من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تآكل الثقة العامة في مؤسسات الدولة الحيوية. وأكدوا أن حماية أمن إسرائيل تتطلب قيادة تتحمل المسؤولية بشجاعة، بدلاً من الانشغال بتشويه سمعة الضباط الذين قضوا حياتهم في خدمة المنظومة الأمنية.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 7:31 مساءً - بتوقيت القدس

غزة تواري ثرى شهداء مجهولي الهوية سلمهم الاحتلال أشلاءً وبقايا عظام

شهد قطاع غزة اليوم الجمعة مراسم تشييع مؤلمة لدفعة جديدة من الشهداء مجهولي الهوية، الذين سلمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بقايا جثامينهم عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وجرت عملية الدفن في مقبرة مخصصة للمجهولين جنوب مدينة دير البلح وسط القطاع، وسط حالة من الحزن والغضب الشعبي جراء الطريقة التي سُلمت بها هذه الجثامين.

وأفادت مصادر ميدانية بأن جيش الاحتلال أقدم بالتزامن مع ذلك على تنفيذ عمليات هدم واسعة للمنازل في المناطق الشرقية لمدينة خانيونس جنوبي القطاع. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار العدوان الذي يستهدف البنية التحتية والمربعات السكنية، مما يفاقم من معاناة النازحين في المناطق الجنوبية.

وأوضح زياد عبيد، رئيس لجنة جثامين الشهداء أن هذه الدفعة كانت صادمة بشكل غير مسبوق، حيث ضمت 68 كيساً لم تكن تحتوي على أجساد كاملة بل على أعضاء بشرية متفرقة. وأشار إلى أن الصناديق المسلمة اشتملت على جماجم وعظام وأقدام فقط، مما جعل من المستحيل تحديد هوية أصحابها أو حتى عددهم الفعلي بدقة.

وأثارت الحالة التي وصلت بها الجثامين تساؤلات قانونية وأخلاقية، خاصة وأن بعضها كان مكفناً بتكفين إسلامي، مما يعزز الفرضيات التي تشير إلى قيام الاحتلال بنبش مقابر سابقة. وذكرت مصادر محلية أن هناك شكوكاً حول استخراج هذه الرفات من مقابر تعرضت للاقتحام في وقت سابق، مثل مقبرة البطش التي دمرتها الآليات العسكرية.

من جانبه، استنكر الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، هذه الممارسات واصفاً إياها بالجريمة الأخلاقية والإنسانية التي تتجاوز كافة المواثيق الدولية. وتساءل البرش عن المسوغ القانوني الذي يسمح بإعادة البشر كأشلاء ممزقة، مؤكداً أن الاحتلال يتعمد طمس معالم الضحايا لتعقيد عمليات التوثيق الجنائي.

وأكدت وزارة الصحة أن غياب الإمكانات الطبية المتطورة وفحص الحمض النووي (DNA) يحول دون إعادة الأسماء إلى هذه الأجساد المجهولة. وأضافت الوزارة أن هؤلاء الشهداء ليسوا مجرد أرقام في التقارير الإحصائية، بل هم آباء وأمهات وأبناء كانت لهم أحلام وبيوت وعائلات لا تزال تنتظر عودتهم أو معرفة مصيرهم.

وأشارت المصادر إلى أن بروتوكول التعرف على الجثامين استمر لعدة أيام دون الوصول إلى أي نتيجة تذكر بسبب التشوه الكبير وغياب الملامح الواضحة. وبناءً على ذلك، اتخذت الجهات المختصة قراراً ببدء مراسم الدفن الجماعي لضمان إكرام الشهداء وتوفير مأوى أخير لبقاياهم التي عاث فيها الاحتلال تنكيلاً.

وتعد هذه الحادثة حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات التي تمارسها قوات الاحتلال بحق جثامين الفلسطينيين، سواء بالاحتجاز أو التنكيل أو الدفن في مقابر مجهولة. وتطالب المؤسسات الحقوقية في غزة بفتح تحقيق دولي مستقل للكشف عن ظروف استشهاد هؤلاء الأشخاص وكيفية تحول أجسادهم إلى أشلاء داخل أكياس وصناديق مغلقة.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 7:31 مساءً - بتوقيت القدس

عواصف رملية تضرب خيام النازحين في غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية

يواجه النازحون الفلسطينيون في قطاع غزة، اليوم الجمعة، ظروفاً جوية قاسية مع وصول عاصفة محملة بالرمال والأتربة، مما ضاعف من وطأة المعاناة داخل الخيام التي باتت المأوى الوحيد لآلاف العائلات. وأكدت الأرصاد الجوية أن الرياح تشهد هبات قوية أحياناً، مما أدى إلى اضطراب مياه البحر وارتفاع أمواجه بشكل ملحوظ على طول الساحل.

وأوضح الراصد الجوي ليث العلامي أن فلسطين تتأثر بمنخفض جوي مثير للغبار تشكل فوق السواحل الشمالية لكل من ليبيا ومصر، قبل أن يتحرك شرقاً ليغطي الأجواء الفلسطينية. وأشار العلامي إلى أن هذه الموجة الغبارية اندفعت من صحاري شمال شرق أفريقيا، ومن المتوقع أن تستمر تأثيراتها حتى ساعات الليل المتأخرة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الأجواء العاصفة السائدة في القطاع تسببت في تسرب كميات كبيرة من الأتربة إلى داخل مساكن النازحين المؤقتة، والتي تفتقر للأغطية البلاستيكية السليمة. وتكافح العائلات لمنع تطاير خيامها التي أصبحت مهترئة بفعل العوامل الجوية المتقلبة والعدوان الذي استمر لعامين متواصلين.

وعبر العديد من النازحين، لاسيما المصابين بأمراض صدرية وتنافسية مزمنة، عن خشيتهم من تدهور حالتهم الصحية جراء استنشاق العوالق الترابية الكثيفة. وتفتقر المخيمات المكتظة لأي وسائل حماية طبية أو وقائية، في ظل انعدام مقومات السلامة العامة داخل هذه التجمعات التي تفتقر للبنية التحتية الأساسية.

وتأتي هذه العاصفة امتداداً لسلسلة من المنخفضات الجوية التي ضربت القطاع منذ ديسمبر الماضي، والتي أسفرت عن غرق وتضرر عشرات الآلاف من الخيام. كما تسببت الرياح القوية سابقاً في انهيار مبانٍ سكنية كانت قد تصدعت جراء القصف الإسرائيلي، مما أدى لوقوع ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين.

وعلى الرغم من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، إلا أن الأزمة الإنسانية تراوح مكانها بسبب تعنت الاحتلال في تنفيذ بنود الاتفاق المتعلقة بإعادة الإعمار. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل لا تزال تمنع دخول مواد الإيواء الضرورية مثل الخيام والبيوت المتنقلة، بالإضافة إلى عرقلة توريد مستلزمات ترميم شبكات المياه والصرف الصحي.

يذكر أن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل منذ أكتوبر 2023 قد خلفت دماراً هائلاً طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية في غزة. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن تكلفة إعادة بناء ما دمره الاحتلال تتجاوز 70 مليار دولار، في ظل حصيلة ثقيلة من الشهداء والجرحى تجاوزت ربع مليون فلسطيني.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 7:01 مساءً - بتوقيت القدس

نهاية أوهام أوسلو: قرار الكابينيت يكرس الضم الفعلي للضفة الغربية

شكّل القرار الذي صادق عليه المجلس الوزاري المصغر للاحتلال (الكابينيت) في الثامن من شباط 2026 تحولاً استراتيجياً يتجاوز الإجراءات الإدارية الروتينية. هذا القرار يمثل إعلاناً سياسياً وقانونياً صريحاً بانتهاء المرحلة الانتقالية التي بدأت في التسعينيات، مدشناً مرحلة السيادة المطلقة للاحتلال على كامل أراضي الضفة الغربية.

بموجب هذه التعديلات الجديدة، مُنح المستوطنون الضوء الأخضر لتملك الأراضي والعقارات في عمق التجمعات الفلسطينية المصنفة ضمن المنطقتين (أ) و(ب). كما خول القرار أجهزة الاحتلال صلاحيات إنفاذ القانون بشكل مباشر في هذه المناطق، مما أزال الحواجز القانونية التي كانت تفصل بين الاحتلال العسكري والسيادة المدنية.

تأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية ممنهجة لتفكيك البنية السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي وتيرة تسارعت بشكل حاد منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وقد استغلت حكومة اليمين المتطرف الظروف الراهنة لتنفيذ أوسع عملية تغيير ديموغرافي وجغرافي في الضفة منذ عام 1967.

تشير الأرقام الصادرة عن مصادر دولية وفلسطينية إلى حجم الكارثة؛ ففي عام 2024 وحده، صادرت سلطات الاحتلال ما يزيد عن 24 ألف دونم (وتصل إلى 46 ألفاً حسب المصادر المحلية). هذه المساحات أُعلنت كـ 'أراضي دولة'، وهو رقم غير مسبوق يعادل نصف ما تمت مصادرته طوال ثلاثة عقود مضت.

تركزت عمليات قضم الأراضي في مناطق استراتيجية مثل الأغوار وجنوب الخليل، بهدف قطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بشكل نهائي. هذا السلوك لم يكن عشوائياً، بل استهدف عزل التجمعات السكانية الفلسطينية وتحويلها إلى معازل بشرية مخنوقة بالمستوطنات.

على صعيد البناء الاستيطاني، سجل عام 2023 المصادقة على مخططات لبناء أكثر من 12 ألف وحدة جديدة، وهو الرقم الأعلى منذ عام 2012. وترافق ذلك مع دفع آلاف الوحدات الإضافية في العام التالي، مما يعكس رغبة الاحتلال في فرض وقائع يصعب التراجع عنها في أي تسوية مستقبلية.

تعد 'شرعنة' البؤر الاستيطانية التي كانت توصف سابقاً بأنها غير قانونية من أخطر ملامح المرحلة الحالية. فقد تم الاعتراف بنحو 70 بؤرة رعوية وزراعية، مع توفير تمويل حكومي مباشر لربطها بالبنية التحتية، لتتحول إلى نقاط ارتكاز لشن اعتداءات على القرى المجاورة.

وثقت المنظمات الحقوقية الدولية تهجير أكثر من 47 مجتمعاً بدوياً ورعوياً فلسطينياً قسرياً، لا سيما في مسافر يطا والأغوار. وتتم هذه العمليات تحت وطأة إرهاب منظم يمارسه المستوطنون بحماية مباشرة من جيش الاحتلال، حيث تجاوزت الاعتداءات 1400 هجوم عنيف خلال عام واحد.

إن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الاحتلال تشمل حرق المحاصيل وتسميم الآبار ومنع الرعاة من الوصول إلى أراضيهم. هذه الممارسات تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين جحيماً لا يطاق، مما يدفعهم للرحيل القسري دون الحاجة لعمليات ترحيل عسكرية مباشرة.

بإلغاء العمل بالقوانين الأردنية التي كانت تحمي الملكيات الخاصة، يفتح الاحتلال الباب أمام تفتيت النسيج المجتمعي الفلسطيني من الداخل. زرع البؤر الاستيطانية في المراكز الحضرية الكبرى يجعل من فكرة الدولة المتصلة جغرافياً مجرد خيال سياسي بعيد المنال.

تحولت السلطة الفلسطينية عملياً من مشروع 'نواة دولة' إلى وكالة خدماتية منزوعة الصلاحيات السيادية. ومع نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى وزير مدني، تأكد الانتقال من الاحتلال العسكري المؤقت إلى الضم المدني الدائم الذي يخدم الرؤية التوراتية لليمين الحاكم.

في المقابل، يظهر المشهد السياسي الفلسطيني الرسمي حالة من العجز والارتهان لبيانات الشجب والإدانة التقليدية. هذا التناقض بين واقع الضم المتسارع وسلوك السلطة المتمسك باتفاقيات من طرف واحد يضع القضية الفلسطينية أمام مأزق تاريخي ووجودي غير مسبوق.

بات من الضروري اليوم إجراء مراجعة شاملة للعقيدة السياسية التي حكمت المرحلة الماضية والتحلل من التزامات أوسلو. إن مواجهة سياسات التهجير تتطلب إعادة بناء البيت الداخلي على أسس نضالية توحد مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في مواجهة الصراع الوجودي.

ختاماً، يضع هذا التصعيد النظام الرسمي العربي أمام مسؤولياته التاريخية، حيث لم تعد الدبلوماسية الناعمة تجدي نفعاً. إن الرهان على التهدئة أثبت عقمه أمام كيان يمضي في مشروعه الاستيطاني غير عابئ بالقوانين الدولية، مما يستدعي تفعيل أوراق ضغط حقيقية لوقف هذا النزيف.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 6:47 مساءً - بتوقيت القدس

وزير الخارجية السعودي يشدد على أولوية وقف القتل في غزة ووحدة الأراضي الفلسطينية

جدد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، موقف المملكة الثابت والداعي إلى ضرورة التحرك الدولي العاجل لوقف عمليات القتل المستمرة في قطاع غزة. وأوضح الوزير في تصريحات أدلى بها يوم الجمعة أن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل التأجيل، وتتطلب انتقالاً جذرياً نحو العمل الفعلي على الأرض لإنهاء المأساة الإنسانية.

وأشار الأمير فيصل بن فرحان إلى أن استمرار التصعيد العسكري يقوض كافة فرص الوصول إلى سلام شامل ومستدام في المنطقة برمتها. واعتبر أن ما يحدث في القطاع يضع المجتمع الدولي وضمير العالم أمام اختبار أخلاقي وإنساني حقيقي، يستوجب التدخل الفوري لإنقاذ أرواح المدنيين وترميم الدمار الهائل الذي خلفته العمليات العسكرية.

وفي سياق الجهود الدبلوماسية، كشف وزير الخارجية السعودي عن وجود تحركات وجهود يومية تبذلها الرياض بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين. وتهدف هذه المساعي إلى صياغة مسار واضح يحقق الاستقرار المنشود، ويضمن عدم تكرار دوامات العنف التي تعصف بالمنطقة وتعرقل مسارات التنمية والهدوء.

وشدد الوزير على أن الرؤية السعودية ترتكز بشكل أساسي على تحسين جودة حياة الفلسطينيين في قطاع غزة وتوفير بيئة ملائمة للعيش الكريم. وأكد أن أي خطة مستقبلية للاستقرار يجب أن تبدأ بتخفيف المعاناة الإنسانية الخانقة، وضمان التدفق السلس للمساعدات الإغاثية والطبية إلى كافة مناطق القطاع دون عوائق.

كما لفت الأمير فيصل بن فرحان إلى أهمية تدشين مشاريع تنموية كبرى تساهم في رفع وطأة الحصار والدمار عن كاهل المواطن الفلسطيني. واعتبر أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية بناء مادي، بل هي خطوة ضرورية لترميم النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي تضرر بفعل الحرب المستعرة، مما يمهد الطريق لمستقبل أكثر أماناً.

وفيما يتعلق بالمسار السياسي، أكد وزير الخارجية السعودي على مبدأ وحدة الأراضي الفلسطينية باعتباره ركيزة لا تقبل التجزئة أو التفاوض. وشدد على وجوب الحفاظ على الربط العضوي والسياسي الكامل بين قطاع غزة والضفة الغربية، معبراً عن رفض المملكة القاطع لأي محاولات تهدف إلى فصلهما أو تفتيت القرار الوطني الفلسطيني.

واختتم الوزير تصريحاته بالتأكيد على أن هذه الوحدة الجغرافية والسياسية هي الأساس المتين لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة. وأوضح أن الموقف السعودي يتماسك بالمرجعيات الدولية ومبادرة السلام العربية التي تنص على إقامة الدولة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كحل وحيد لإنهاء الصراع.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 6:31 مساءً - بتوقيت القدس

رئيس الأركان الإسرائيلي من رفح: نزع سلاح غزة وتفكيك حماس أهداف لا تنازل عنها

شدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، على أن الأهداف الاستراتيجية للعدوان المستمر على قطاع غزة لم تتغير، موضحاً أن الأولوية القصوى تظل نزع السلاح بشكل كامل وتفكيك البنية التنظيمية والعسكرية لحركة حماس. جاء ذلك خلال جولة تفقدية أجراها زامير في مدينة رفح جنوبي القطاع اليوم الجمعة، حيث رافقه قادة المنطقة الجنوبية وفرقة غزة للاطلاع على سير العمليات الميدانية.

وأوضح زامير أن القوات الإسرائيلية المتمركزة داخل القطاع في حالة تأهب قصوى للانتقال من المهام الدفاعية إلى العمليات الهجومية في أي لحظة. وأشار إلى أن الجيش لن يتهاون مع أي خروقات أمنية، وسيعمل بشكل منهجي على حرمان المقاومة الفلسطينية من استعادة قدراتها القتالية أو ترميم بنيتها التحتية التي تضررت خلال المواجهات.

وفي سياق استعراضه للموقف الميداني، ادعى رئيس الأركان أن الجيش حقق إنجازات عسكرية غير مسبوقة عبر تدمير كافة كتائب الخط الأمامي التابعة لحركة حماس. وأكد أن العمليات الحالية تتركز على تعميق عمليات التطهير في المناطق المسيطر عليها، مع إيلاء اهتمام خاص لتعقب وتدمير شبكات الأنفاق والبنية التحتية الموجودة تحت الأرض.

كما لفت زامير إلى أن الوحدات العسكرية تنتشر حالياً على طول المسار الأمني المعروف بـ 'الخط الأصفر'، وتفرض سيطرة كاملة على كافة المداخل والبوابات المؤدية إلى قطاع غزة. وأكد أن عمليات إزالة ما وصفها بالبنى التحتية 'الإرهابية' مستمرة وفق خطة زمنية محددة تهدف إلى ضمان عدم عودة التهديدات الأمنية من القطاع مستقبلاً.

وأشار المسؤول العسكري الرفيع إلى أن كافة التحركات الميدانية تتم بالتنسيق الكامل مع التوجيهات الصادرة عن المستوى السياسي في تل أبيب. وأكد أن قيادة الجيش تمتلك خططاً جاهزة للحسم العسكري على مختلف الجبهات، مشدداً على أن الروح الهجومية التي تدار بها العمليات في غزة هي ذاتها التي سيتم تطبيقها في مواجهة أي تهديدات على جبهات أخرى.

وتأتي هذه التصريحات استكمالاً لمواقف سياسية سابقة، حيث كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد ربط في نهاية يناير الماضي بين البدء في إعادة إعمار غزة وبين تحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح تماماً. وأكد نتنياهو حينها أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار في مراحله المتقدمة يجب أن يضمن تجريد الفصائل الفلسطينية من ترسانتها العسكرية كشرط أساسي للاستقرار.

يُذكر أن بنود المرحلة الثانية من مقترح وقف إطلاق النار المتداول تتضمن نزع سلاح حركة حماس والفصائل الأخرى مقابل انسحابات إضافية للجيش الإسرائيلي وبدء عملية الإعمار. وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى أن تكلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب قد تصل إلى 70 مليار دولار، وسط حصيلة دموية تجاوزت 72 ألف شهيد ودمار شبه كلي للمرافق الحيوية في القطاع.

عربي ودولي

الجمعة 13 فبراير 2026 6:16 مساءً - بتوقيت القدس

العراق يتسلم الدفعة الأخيرة من معتقلي تنظيم الدولة في سوريا وسط تحقيقات دولية

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، اليوم الجمعة، عن استكمال مهمة عسكرية واسعة النطاق لنقل معتقلي تنظيم الدولة من مراكز الاحتجاز في سوريا إلى الأراضي العراقية. وأوضحت القيادة في بيان رسمي أن العملية استغرقت نحو 23 يوماً من العمل المتواصل، حيث بدأت في الحادي والعشرين من يناير الماضي وانتهت بتأمين وصول كافة المستهدفين.

وأسفرت هذه المهمة اللوجستية والأمنية المعقدة عن نقل أكثر من 5700 مقاتل بالغ من عناصر التنظيم، والذين كانوا محتجزين في منشآت تقع شمال شرقي سوريا. وتأتي هذه الخطوة في ظل تحولات ميدانية متسارعة شهدتها المنطقة عقب بسط الجيش السوري سيطرته على مساحات واسعة كانت تخضع سابقاً لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية.

وأشارت مصادر عسكرية إلى أن عملية النقل تمت بالتنسيق مع الحلفاء لضمان عدم حدوث أي خروقات أمنية خلال المسارات البرية والجوية. واعتبر الميجر جنرال كيفن لامبرت أن نجاح هذه العملية يمثل خطوة استراتيجية لمنع التنظيم من إعادة ترتيب صفوفه أو استغلال الثغرات الأمنية في مناطق النزاع السابقة بسوريا.

وفي العاصمة بغداد، أكدت مصادر أمنية رفيعة المستوى وصول الدفعة الأخيرة من المعتقلين، حيث جرى توزيعهم على عدد من السجون المركزية المحصنة. وتخضع هذه المجموعات لإجراءات أمنية مشددة وفحص دقيق للهويات لضمان توثيق كافة البيانات المتعلقة بالمنتمين للتنظيم المتطرف.

وكشفت تقارير ميدانية أن نحو ثلاثة آلاف معتقل من الجنسية السورية يخضعون حالياً لتحقيقات مكثفة داخل سجن الكرخ المركزي. وتجري هذه التحقيقات بإشراف مباشر من الجهات القضائية والأمنية العراقية، وبالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لجمع الأدلة حول الجرائم المرتكبة.

وتشير المعطيات إلى أن التحقيقات والمحاكمات ستجري على الأراضي العراقية بالنسبة للعناصر المتورطة في عمليات إجرامية وقعت أثناء سيطرة التنظيم على مدن عراقية. ومن المقرر أن يتم تنفيذ الأحكام القضائية بحق المدانين داخل العراق، بينما تظل خيارات الترحيل قائمة لبعض الحالات بعد استكمال المسارات القانونية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تقود وزارة الخارجية العراقية حراكاً دولياً واسعاً لمطالبة الدول الأجنبية باستعادة رعاياها من المعتقلين. وأكدت مصادر دبلوماسية أن العراق لا يمكنه تحمل الأعباء القانونية والمالية والأمنية لبقاء آلاف المقاتلين الأجانب على أراضيه لفترات طويلة دون سقف زمني واضح.

من جانبه، صرح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بأن بغداد بدأت بالفعل محادثات جادة مع عدة دول عربية وإسلامية لبحث آليات استعادة مواطنيها. وأوضح حسين أن الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم مالي دولي إضافي لتغطية تكاليف الاحتجاز والتحقيقات والمحاكمات التي تتطلب موارد ضخمة.

وتشير الإحصاءات الأمنية إلى أن المعتقلين يضمون مئات الأجانب، من بينهم نحو 900 شخص يحملون جنسيات أوروبية وآسيوية وأسترالية. ويمثل هذا الملف تحدياً قانونياً كبيراً للدول الغربية التي تتردد في استعادة مواطنيها المنخرطين في صفوف التنظيم، خوفاً من التهديدات الأمنية المحتملة.

يُذكر أن السلطات العراقية تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع ملفات التنظيمات المتطرفة، حيث أصدرت خلال السنوات الماضية مئات الأحكام التي تراوحت بين السجن المؤبد والإعدام. وتشدد بغداد على أن السيادة الوطنية تقتضي محاسبة كل من تلطخت يداه بدماء العراقيين وفقاً للقوانين المحلية النافذة.

عربي ودولي

الجمعة 13 فبراير 2026 5:55 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يلوّح بالتصعيد: صفقة نووية أو مواجهة مع إيران

تحليل إخباري

في تصعيدٍ محسوب اللهجة، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضع الملف النووي الإيراني في واجهة المشهد السياسي، محذّراً من أن فشل واشنطن وطهران في التوصل إلى اتفاق جديد سيجعل المرحلة المقبلة "شديدة الصدمة" على إيران. ورغم أن العبارة تبدو في ظاهرها توصيفاً عاماً، فإنها تحمل في سياقها السياسي والدبلوماسي رسالة تهديد مبطّنة، تستحضر مناخ الضغط الأقصى الذي طبَع سياسة ترمب في ولايته الأولى، وتستدعي أيضاً ظلال المواجهة العسكرية التي لوّح بها مراراً قبل اندلاع حرب الـ12 يوماً.

تصريحات ترمب جاءت بعد يوم واحد من محادثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، في لقاءٍ اكتسب أهمية خاصة لأنه يضع مسارين متوازيين في اختبار واحد: مسار الدبلوماسية الأميركية مع إيران، ومسار التنسيق الأميركي–الإسرائيلي الذي يتعامل تقليدياً مع أي تفاوض نووي بوصفه مسألة أمن قومي لإسرائيل. وبينما قدّم ترمب نفسه كصاحب القرار النهائي في الملف، بدا حريصاً على إيصال انطباع مزدوج: أنه لا يريد الحرب، لكنه مستعد لفرضها إذا لم يحصل على "صفقة عادلة وجيدة".

ويشير الخبراء إلى أنه في السياسة الأميركية، الكلمات ليست تفصيلاً عابراً، خصوصاً حين تأتي من رئيسٍ يجيد توظيف الغموض المقصود. عبارة "سيكون الأمر مؤلماً جداً" ليست مجرد تهديد اقتصادي، بل قد تُقرأ كإشارة إلى مزيج من الخيارات: تشديد العقوبات، توسيع نطاق الضغوط على صادرات النفط الإيرانية، ضربات سيبرانية، أو حتى عمليات عسكرية محدودة. والأهم أن ترمب يربط أي خيار تصعيدي بشرط واحد: أن إيران لم تمنحه الاتفاق الذي يراه مناسباً. بهذه الصياغة، تتحول الدبلوماسية إلى اختبار لإرادة الطرف الآخر، لا إلى مسار متوازن بين مصالح متبادلة.

في المقابل، بدا نتنياهو، وهو يغادر الولايات المتحدة، أكثر تشككاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت نفسه منح ترمب غطاءً سياسياً حين قال إن الرئيس الأميركي “يخلق الظروف” للتوصل إلى "اتفاق جيد". هذه العبارة الإسرائيلية ليست مجاملة بروتوكولية، بل تلخيصٌ لعقيدة تل أبيب في هذا الملف: دعم أي تفاوض بشرط أن يجري تحت ضغط شديد، وأن يفضي إلى قيود طويلة الأمد، مع رقابة صارمة، وضمانات تمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية.

ويعكس هذا الموقف تناقضاً دائماً في العلاقة الأميركية–الإسرائيلية: إسرائيل تفضّل في العمق أن تبقى إيران تحت العقوبات والتهديد، لأن الاتفاق—حتى لو قيّد البرنامج—قد يمنح طهران متنفساً اقتصادياً وسياسياً. أما واشنطن، فتبحث غالباً عن صيغة تمنع الحرب وتخفف المخاطر الإقليمية. لكن ترمب يقدّم معادلة مختلفة: اتفاقٌ من موقع القوة، أو تصعيدٌ يحمّل إيران ثمن الرفض.

اللافت في خطاب ترمب أنه لا يتحدث عن "العودة إلى الاتفاق النووي" بصيغته السابقة، بل عن "صفقة جديدة" وفق شروطه. وهو بذلك يفتح الباب أمام مطلبين: الأول، توسيع الاتفاق ليشمل برنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني؛ والثاني، تمديد القيود الزمنية بحيث لا تكون مرحلية. غير أن هذه الشروط، رغم أنها تبدو منطقية في الحساب الأميركي والإسرائيلي، غالباً ما تُعد في طهران محاولة لانتزاع تنازلات إستراتيجية تتجاوز الملف النووي نفسه، وهو ما يجعل المفاوضات أكثر تعقيداً.

ومن زاوية إيرانية، فإن المشكلة ليست فقط في مضمون الصفقة، بل في مصداقية الضمانات. تجربة الانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018 لا تزال حاضرة بقوة، وتدفع طهران إلى التشدد في مطلب رفع العقوبات بشكل قابل للتحقق، وضمان عدم تكرار الانسحاب. هنا تحديداً يبرز مأزق ترمب: فهو يريد اتفاقاً "أفضل"، لكنه في الوقت ذاته يرسل رسائل تهديد لا تشجع الطرف الآخر على تقديم تنازلات بسهولة، خصوصاً في مناخ داخلي إيراني يرى أن الضغوط الأميركية لا تنتهي حتى مع توقيع الاتفاقات.

أما إقليمياً، فإن تصريحات ترمب تعيد تسليط الضوء على هشاشة التوازن في الشرق الأوسط. فملف إيران النووي ليس معزولاً عن صراعات المنطقة: من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. أي تصعيد أميركي قد يفتح الباب أمام ردود غير تقليدية، عبر أذرع إقليمية أو عبر استهداف مصالح اقتصادية. ولذلك فإن عبارة "سيكون الأمر صادماً جداً" لا تهدد إيران وحدها، بل تُلمّح أيضاً إلى احتمال اهتزاز الاستقرار الإقليمي إذا فشلت الدبلوماسية.

ويبدو أن الرئيس ترمب يحاول إدارة الملف بمنطق الصفقة السريعة: الضغط لرفع سقف التنازلات، ثم إعلان "إنجاز تاريخي" يعزز موقعه السياسي داخلياً. لكن هذا النهج يصطدم بحقيقة أن إيران ليست طرفاً صغيراً يمكن دفعه إلى الاستسلام بسهولة، وأن إسرائيل ليست شريكاً يرضى باتفاقٍ يترك أي هامش للشك. وبين هذين الحدين، تتشكل "الظروف" التي تحدث عنها نتنياهو: ضغطٌ متصاعد، ومفاوضات محفوفة بالتهديد، ومخاطر تتجاوز حدود الاتفاق نفسه.

وفي هذا السياق، تُظهر تصريحات ترمب أن واشنطن تريد اتفاقاً نووياً بوصفه أداة ضبط لا تسوية شاملة. فبدلاً من تقديم حوافز واضحة، يعيد ترمب إنتاج منطق "التفاوض تحت النار"، حيث تتحول الصفقة إلى خيار وحيد أمام إيران لتجنب العقاب. غير أن التجربة تثبت أن الضغط وحده لا يصنع اتفاقاً مستداماً، بل قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد، خصوصاً إذا شعرت أن الهدف النهائي هو تغيير سلوكها الإقليمي لا ضبط برنامجها النووي.

أما نتنياهو، فيوظف لحظة التفاوض لتثبيت معادلة إسرائيلية قديمة: أي اتفاق يجب أن يكون أشد قسوة من الاتفاق السابق، وألا يمنح إيران "شرعية نووية" حتى لو كانت مدنية. هذا يضع ترمب بين خيارين صعبين: إرضاء إسرائيل باتفاق شبه مستحيل التوقيع، أو توقيع اتفاق واقعي يثير اعتراضات تل أبيب. وبين الخيارين، يبقى خطر التصعيد قائماً، لأن الفشل قد يُترجم إلى خطوات عسكرية أو عقوبات أوسع، لا إلى مسار دبلوماسي بديل.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 5:55 مساءً - بتوقيت القدس

الأزمة المالية العميقة للسلطة الفلسطينية وتحديات البقاء

في تصريحه بأن "حلول الأرض انتهت"، لم يكن وزير المالية الفلسطيني أسطفان سلامه يطلق عبارة إنشائية أو توصيفا عابرا لأزمة عابرة، بل كان يعلن عمليا وصول الوضع المالي للسلطة الفلسطينية إلى مرحلة العجز الكامل عن الاستمرار بالآليات التقليدية التي اعتمدت عليها طوال العقود الماضية. هذا التصريح، الذي جاء مترافقا مع تسريبات تفيد بعدم قدرة حكومة محمد مصطفى على دفع رواتب الموظفين عن هذا الشهر، يضع المشهد الفلسطيني أمام اختبار بالغ الحساسية، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتضاعف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية على مئات آلاف الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الرواتب الحكومية.

السلطة الفلسطينية تعاني منذ سنوات من أزمة مالية مزمنة، لكنها دخلت خلال العامين الأخيرين مرحلة أكثر خطورة، انتقلت فيها الأزمة من كونها عجزا يمكن إدارته عبر القروض قصيرة الأجل أو تأجيل الالتزامات، إلى أزمة سيولة حادة تهدد قدرة الحكومة على الإيفاء بأبسط التزاماتها. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى طبيعة هيكل الإيرادات الفلسطينية، حيث تعتمد السلطة بشكل شبه كلي على ما يعرف بعائدات المقاصة، وهي الضرائب والجمارك التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها على السلع المستوردة ثم تحولها شهريا. تاريخيا، شكّلت هذه العائدات ما بين 60 إلى 70 في المئة من إجمالي الإيرادات العامة، ما يجعل أي خلل في تحويلها كفيلًا بشل المالية العامة بالكامل.

ومنذ سنوات، تحتجز إسرائيل مبالغ كبيرة من أموال المقاصة، وتفرض اقتطاعات متراكمة بذريعة ديون أو التزامات سياسية وأمنية، ما أدى إلى تراكم مبالغ محتجزة تقدر بمليارات الشواقل. وتشير تقديرات مالية فلسطينية إلى أن إجمالي الأموال المحتجزة أو المقتطعة تجاوز خلال السنوات الأخيرة حاجز 10 مليارات شيقل، وهو رقم كفيل بتغطية رواتب الموظفين العموميين لأشهر طويلة. هذا الاحتجاز لا يقتصر أثره على بند الرواتب فحسب، بل ينعكس مباشرة على قدرة الحكومة على تسديد مستحقات الموردين، وتمويل القطاع الصحي، ودعم التعليم، وتشغيل البلديات والمؤسسات العامة.

في المقابل، تراجع الدعم الخارجي بشكل غير مسبوق. فالمنح والمساعدات التي كانت تشكل رافعة أساسية لسد العجز في الموازنة الفلسطينية تقلصت إلى حدها الأدنى، سواء بسبب التحولات السياسية الإقليمية، أو نتيجة اشتراطات المانحين، أو بفعل الإرهاق الدولي من نموذج تمويل سلطة بلا أفق سياسي واضح. في بعض السنوات السابقة، كانت المساعدات الخارجية تتجاوز مليار دولار سنويا، أما اليوم فهي لا تغطي سوى جزء محدود من فجوة العجز، وغالبا ما تكون موجهة لمشاريع محددة لا يمكن استخدامها لتغطية الرواتب أو النفقات الجارية.

تفاقم الأزمة يظهر بوضوح في بند الرواتب، الذي يعد أكبر بنود الإنفاق في الموازنة الفلسطينية. إذ يعمل في القطاع العام الفلسطيني نحو 170 ألف موظف مدني وعسكري، وتبلغ فاتورة الرواتب الشهرية ما يزيد على 600 مليون شيقل، وترتفع إلى أكثر من مليار شيقل عند إضافة رواتب المتقاعدين ومخصصات أشباه الرواتب. وفي ظل غياب الإيرادات الكافية، لجأت الحكومة خلال الأشهر الماضية إلى صرف رواتب مجتزأة، تراوحت بين 60 و80 في المئة، مع وعود بتسديد المتبقي لاحقا، إلا أن استمرار هذا النهج أدى إلى تراكم مستحقات غير مدفوعة، واستنزاف قدرة الموظفين على التحمل، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القوة الشرائية.

الاقتصاد الفلسطيني نفسه لا يساعد على امتصاص الصدمة. فالقيود المفروضة على الحركة والتجارة، وتراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، كلها عوامل قلصت القاعدة الضريبية المحلية، وحدّت من قدرة الحكومة على تعويض نقص المقاصة عبر الجباية الداخلية. ومع ارتفاع الدين العام إلى مستويات تقارب أو تتجاوز 90 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وفق بعض التقديرات، باتت السلطة عاجزة عن الاقتراض الداخلي دون تعريض النظام المصرفي لمخاطر إضافية.

في هذا السياق يصبح تصريح وزير المالية أشبه باعتراف رسمي بأن الخيارات التقليدية قد استنفدت. فالاقتراض من البنوك وصل إلى سقفه الأعلى، وتأجيل الرواتب لم يعد حلا مستداما، والمساعدات الخارجية غير مضمونة، فيما تواصل إسرائيل استخدام أموال الفلسطينيين كورقة ضغط سياسية. ومع اقتراب شهر رمضان، يزداد القلق من تداعيات اجتماعية مباشرة، إذ تعتمد مئات آلاف الأسر على الرواتب الحكومية كمصدر دخل أساسي، وأي توقف كامل عن الدفع قد يفتح الباب أمام موجة احتجاجات واضطرابات اجتماعية يصعب التحكم بمساراتها.

أمام هذا الواقع، تواجه السلطة الفلسطينية عدة سيناريوهات جميعها صعبة. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوضع القائم، أي بقاء احتجاز أموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي، ما يعني عجزا شبه كامل عن دفع الرواتب، وتدهورا متسارعا في الخدمات العامة، وتآكلا إضافيا في ثقة الشارع بمؤسسات السلطة. هذا المسار يحمل في طياته مخاطر سياسية وأمنية، وقد يؤدي إلى حالة عدم استقرار واسعة في الضفة الغربية.

السيناريو الثاني يقوم على انفراج جزئي، عبر ضغوط دولية تؤدي إلى الإفراج عن جزء من أموال المقاصة، أو عبر منح طارئة من بعض الدول لسد فجوة الرواتب مؤقتًا. هذا الخيار قد يخفف حدة الأزمة على المدى القصير، لكنه لا يعالج جذورها، ويعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد أشهر، طالما بقيت بنية الاقتصاد الفلسطيني رهينة لعوامل خارجية.

أما السيناريو الثالث، وهو الأصعب، فيتمثل في محاولة إحداث إصلاحات مالية وهيكلية عميقة، تشمل تقليص الإنفاق، وإعادة هيكلة الرواتب، وتعزيز الإيرادات المحلية، وربما إعادة تعريف دور السلطة ووظيفتها الاقتصادية. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي معقد، وحدود سيادية خانقة، وغياب أفق اقتصادي مستقل، ما يجعله خيارًا نظريًا أكثر منه حلًا عمليًا في المدى المنظور.

 لا يمكن قراءة تصريح "انتهت حلول الأرض" بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه السلطة الفلسطينية. إنه توصيف مكثف لأزمة لم تعد مالية فقط، بل باتت أزمة نموذج كامل يقوم على إدارة حياة شعب تحت الاحتلال دون امتلاك أدوات السيادة أو ضمانات الاستمرارية. ومع اقتراب رمضان، تتقاطع الأزمة المالية مع الحساسية الاجتماعية والدينية، ما يجعل الأسابيع المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على الصمود، أو على الأقل تأجيل الانفجار، في انتظار حل لم يعد ممكنا على الأرض وحدها.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 5:54 مساءً - بتوقيت القدس

المشروع الوطني بين الاحتكار والشراكة


في السنوات الأخيرة، بات من المألوف جدا أن يجري التعامل مع القضايا الوطنية الكبرى بمفردات مالية او إدارية ضيقة؛ فأزمات السيولة، وفجوات الموازنة، وتأخر الرواتب لم تعد مجرد مؤشرات على اختلال اقتصادي، بل تحولت الى مدخل لإعادة صياغة الخطاب السياسي نفسه، بحيث يجري تقديم الاستقرار المؤسسي بوصفه المعادل الوحيد للاستقرار الوطني.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الاستعماري القائم، حيث يفرض الاحتلال منظومة تحكم شاملة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تعيد تشكيل المجال العام وتقيّد الفعل الوطني، وتمتد سيطرتها من الموارد والحركة والتجارة إلى تفاصيل الحياة اليومية. تشير تقارير دولية حديثة الى تصاعد الهشاشة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، وتوسع الاعتماد على أموال المقاصة، مقابل انكماش الانتاج وتراجع الاستثمار، غير ان الخطر لا يكمن في هذه المؤشرات وحدها، بل في الطريقة التي يجري من خلالها توظيفها سياسيا.

المشكلة الأساسية تبدأ حين تتحول الازمة المالية من مسالة ادارة وموارد الى اطار تفسيري شامل لمصير القضية الفلسطينية، وهنا يجري اختزال التاريخ في الموازنة، والحقوق في التدفقات النقدية، والمشروع الوطني في قدرة المؤسسات على الاستمرار، ويصبح الكيان الاداري مرجعية الهوية، وتغيب الفكرة التي تشكلت عبر عقود من النضال والتضحيات في مواجهة استعمار ذي طابع احلالي، وسياسات تقوم على الاقتلاع والتهجير.

في هذا السياق، يبرز منطق الرؤية الواحدة بوصفه بديلا للنقاش العام، حيث تقدم القرارات الكبرى كحقائق نهائية، لا كخيارات قابلة للمساءلة، هذا النمط من التفكير لا يعكس فقط أزمة حكم، بل أزمة تصور للوطن نفسه، فالوطن لا يبنى عبر مركز واحد للقرار، ولا عبر خطاب يخاطب الناس بوصفهم متلقين للإنذارات، بل عبر شراكة سياسية واجتماعية حقيقية، تجعل المواطنين شركاء في صياغة الاولويات، لا مجرد جمهور يخشى الانهيار.

هذا المنطق الأحادي يتقاطع، من حيث النتائج، حتى دون قصد، مع رؤية الاحتلال الذي سعى طويلا لتحويل القضية من مسألة تحرر وطني وحقوق، إلى ملف إداري قابل للإدارة والاحتواء، حين يصبح الوجود السياسي معلقا بالتصاريح والرواتب والمقاصة، يجري تفريغ الاحتلال من مضمونه الاستعماري، ويعاد تعريفه بوصفه أزمة حكم محلية، فيما يتراجع الحديث عن جذور المشكلة وابعادها المتمثلة بالاحتلال.

الخروج من هذا المأزق لا يكون بتهوين المخاطر المالية ولا بتضخيمها، بل بإعادة ترتيب الأولويات، فالمطلوب ليس فقط اصلاحات مالية تعالج الهدر والفساد وتعزز الشفافية، بل اعادة فتح المجال السياسي امام المشاركة، وتجديد الشرعيات، وبناء عقد وطني قائم على الشراكة لا الاحتكار.

المشروع الوطني لا يمكن ان يدار بعقلية الشركة، بل الشراكة، ولا بخطاب الطوارئ الدائم، بل يحتاج الى رؤية جامعة، تعترف بتعدد الأصوات، وتبدع في خلق الحلول والآليات لدمجها في عملية صنع القرار، وتعيد وصل المؤسسات بالجمهور، فالأزمات المالية قطعا عابرة، حتى وان طالت، لكن الاخطر هو ان يعاد تعريف الوطن بعدسة الازمة المالية، او حين تتحول الرؤية الواحدة الى بديل عن التعدد، والخوف الى اداة للضبط، لا للتحفيز والفعل الجماعي، فالتحدي اليوم ليس فقط كيف نواجه الضغوط الاقتصادية تحت الاحتلال، بل كيف نحمي المعنى السياسي للمشروع الوطني، ونمنع تحول الأدوات المرحلية الى غايات دائمة، ونؤسس لشراكة وطنية تعيد الاعتبار لفكرة ان التحرر مشروع جماعي لا قرار إداري.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 5:52 مساءً - بتوقيت القدس

اجتماع مجلس السلام...محاولة لتأسيس مرجعيات بديلة

د. رائد أبو بدوية: الاجتماع يحمل رسائل مفادها أن واشنطن هي القائد الفعلي للملف وأي هامش لاستقلال القرار الفلسطيني سيظل محدوداً

د. عبد المجيد سويلم: إمكانية تورط أعضاء بالمجلس في ملف إبستين يثير تساؤلات خطيرة حول الجهات التي قد تُمنح أدواراً بإدارة شؤون غزة

د. رهام عودة: الاجتماع يشكل فرصة لإطلاق مؤتمر للمانحين لحثهم على المساهمة في تمويل عملية إعادة الإعمار وبحث آليات التفاوض مع "حماس"

د. حسين الديك: قد نشهد الإعلان عن صندوق دولي لتمويل التكاليف الإدارية والتشغيلية في غزة بإشراف مباشر من ترمب وربما من مسؤولين دوليين

د. أسامة عبد الله: نتنياهو سوف يضع شروطًا أمنية مشددة قبل الموافقة على أي خطة إعمار أبرزها المطالبة بضمانات تتعلق بنزع سلاح الفصائل

د. عقل صلاح: هناك سيناريو متوقع بإحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي" عبر تحويل القطاع إلى منطقة استثمارية بهدف إحداث تغييرات سريعة

رام الله - خاص بـ"القدس"-

يحمل الاجتماع المرتقب لما يُعرف بـ"مجلس السلام" في واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، أبعاداً سياسية تتجاوز الأهداف التقليدية، إذ يُنظر إليه كخطوة تهدف إلى رسم إطار شامل لإدارة المرحلة التالية في قطاع غزة بعد الحرب، وربط مسارات إعادة الإعمار بالترتيبات الأمنية والسياسية.

وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، يعكس عقد الاجتماع توجهاً نحو إنشاء آلية دولية تقود جهود التمويل والإشراف على المشاريع المدنية، مع بحث صيغ لتنظيم إدارة الشؤون المدنية ودور الهيئات الفنية في القطاع.

ويشيرون إلى أن الاجتماع يأتي في سياق سعي واضح لتحديد أهداف المرحلة الثانية، وعلى رأسها إطلاق مسار منظم لإعادة الإعمار، وبحث آليات إشراك المانحين الدوليين، إلى جانب مناقشة ترتيبات أمنية تشمل دور قوات دولية محتملة والإشراف على المعابر.

كما يُنتظر أن يناقش المجتمعون أطر التفاوض المتعلقة بملفات السلاح والاستقرار الأمني، بما يربط التقدم الإنساني بالتفاهمات السياسية.

وتشير التقديرات إلى أن الاجتماع يمثل محاولة لتأسيس نموذج إدارة يخضع لرقابة دولية مشتركة، يوازن بين متطلبات الاستقرار وإعادة الإعمار، ويضع أسساً مؤسسية لإدارة القطاع في المرحلة المقبلة، وسط تعقيدات سياسية وأمنية تجعل تحقيق هذه الأهداف مرهوناً بتفاهمات دقيقة بين الأطراف المعنية.



رسم ملامح التحكم في مستقبل القطاع


يعتبر أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن اجتماع "مجلس السلام" المزمع عقده في واشنطن في التاسع عشر من فبراير/ شباط الجاري، يتجاوز كونه جلسة تنسيق عادية، ليشكل خطوة استراتيجية تهدف إلى رسم ملامح التحكم في مستقبل قطاع غزة بعد الحرب، عبر آلية تجمع بين الرقابة الأميركية والإشراف الأمني الإسرائيلي.

ويوضح أبو بدوية أن التوقيت والمكان يحملان دلالات سياسية واضحة، إذ يعكس انعقاد الاجتماع قبل لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرص واشنطن على استباق أي ضغوط أو اعتراضات محتملة، ودمج التفاهمات الإسرائيلية مسبقاً في مخرجات الاجتماع. وبحسب أبو بدوية، فإنه بهذا، تمتلك الإدارة الأميركية القدرة على توجيه مسار النقاش والتحكم بنتائجه، بما يضمن ربط أي عملية إعادة إعمار بشروط محددة سلفاً.

ويشير أبو بدوية إلى أن استضافة واشنطن للاجتماع تؤكد أن ملف إدارة غزة لم يعد شأناً إقليمياً فحسب، بل أصبح تحت إشراف مباشر للولايات المتحدة، التي تسعى إلى وضع إطار متكامل للتحكم بالتمويل الدولي والمشاريع المدنية وإدارة المعابر.


إسرائيل في موقع الشريك الاستراتيجي


ووفق أبو بدوية، فإنه في هذا السياق، توضع إسرائيل في موقع الشريك الاستراتيجي المسؤول عن الجانب الأمني، ما يعني أن أي تحرك فلسطيني خارج هذا الإطار قد يواجه تعليقاً للتمويل أو إجراءات عقابية، حفاظاً على توازن القوى القائم.

ويشير أبو بدوية إلى أن المخرجات المتوقعة للاجتماع تعكس هذا الترتيب، أولها إعادة تأطير إدارة غزة عبر ربط التمويل والإعمار بالالتزام الصارم بالشروط الأمنية والسياسية، مع الإبقاء على لجنة التكنوقراط الفلسطينية كواجهة مدنية ذات دور رمزي محدود، لا تمتلك صلاحيات سيادية فعلية.

أما المخرج الثاني وفق أبو بدوية، فيتمثل في تفعيل قوة استقرار دولية تضطلع بدور إشرافي على المشاريع المدنية ومراقبة المعابر، من دون أن تكون قوة مستقلة، الأمر الذي يبقي السيطرة الأمنية الفعلية بيد إسرائيل.


رسائل مباشرة للفصائل الفلسطينية وللإقليم


ويرى أبو بدوية أن الاجتماع يحمل رسائل سياسية مباشرة للفصائل الفلسطينية وللإقليم، مفادها بأن واشنطن هي القائد الفعلي للملف، وأن أي هامش لاستقلال القرار الفلسطيني في غزة سيظل محدوداً، كما أن أي خروج عن الشروط الموضوعة قد يؤدي إلى تجميد التمويل أو تعطيل المشاريع، ما يضع الفصائل، وخصوصاً حركة حماس، تحت ضغط مستمر للامتثال.

ويرى أبو بدوية أن هذه الترتيبات تسمح لإسرائيل بالحفاظ على سيطرتها الاستراتيجية على القطاع عبر الإشراف على المعابر والملف الأمني، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر في الإدارة المدنية اليومية.

ووفق أبو بدوية، فإنه في المقابل، تعمل واشنطن على تأسيس نموذج إدارة مشتركة فلسطينية–إسرائيلية–دولية يمكن إعادة استخدامه في ملفات إقليمية أخرى، بما يعزز دورها كقوة قائدة في إدارة الأزمات الإقليمية مع حماية مصالحها الأمنية والسياسية.

كما يمكن قراءة الاجتماع، وفق أبو بدوية، كرسالة موجهة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين بأن التوازن بين إعادة الإعمار والاستقرار السياسي في غزة مرتبط برقابة مشتركة صارمة، وأن الفصل بين المسارين الإنساني والأمني غير مطروح.

ويرى أبو بدوية أن هذا يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة مبكرة للسيطرة على السرد السياسي والإعلامي قبل بدء أي خطوات عملية، سواء في ما يتعلق بتوسيع فتح المعابر أو إطلاق مشاريع مدنية.

ويشير أبو بدوية إلى أن مجلس السلام يمثل مرحلة استراتيجية لإعادة صياغة قواعد إدارة غزة: إعادة إعمار مشروطة برقابة أميركية–إسرائيلية، وإدارة مدنية فلسطينية رمزية، وإشراف دولي محدود، وسيطرة أمنية إسرائيلية مستمرة، ما يجعل أي استقلال فلسطيني فعلي في القطاع مؤجلاً في المرحلة الراهنة.


السيناريوهات بشأن المجلس "عقيمة"


يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن انعقاد "مجلس السلام" يأتي في سياق محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إظهار أن الاضطرابات الداخلية في الولايات المتحدة لم تصل إلى مستوى يعيق استئناف خطته المتعلقة بقطاع غزة، معتبراً أن هذا الانعقاد يحمل بعداً سياسياً داخلياً أمريكياً بقدر ما يحمل أبعاداً إقليمية.

ويوضح سويلم أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى ملف غزة بوصفه معياراً لقدرتها على المضي في معالجة تعقيدات الشرق الأوسط، ولذلك فإن عقد الاجتماع يُعد، من وجهة النظر الأمريكية، خطوة ضرورية لتجنب إعطاء انطباع بأن الاضطراب الداخلي الأمريكي بلغ مرحلة خطرة. لكن سويلم يصف السيناريوهات المطروحة بشأن المجلس بأنها "عقيمة"، لأنها تفتقر إلى الوضوح والآليات التنفيذية، مشيراً إلى أن ما يجري تداوله لا يتجاوز إطار الإجراءات البيروقراطية الشكلية التي لا تفضي إلى نتائج ملموسة.

ويشير سويلم إلى غياب إجابات واضحة حول قضايا أساسية، مثل طبيعة القوات الدولية المفترض نشرها في غزة، ودور الهيئة الفلسطينية المزمع تشكيلها، إضافة إلى غياب موقف أمريكي حازم إزاء المواقف الإسرائيلية، سواء فيما يتعلق بآلية فتح معبر رفح، أو التعامل مع الفلسطينيين العائدين إلى القطاع، أو استمرار العمليات العسكرية.


انعقاد مجلس السلام بوصفه إنجازاً


ويرى سويلم أن عدم وجود خطوات عملية متسلسلة تقود إلى أهداف محددة يعكس حالة من الضبابية قد تكون مقصودة لتجنب بلورة التزامات واضحة.

ويعتبر سويلم أن التركيز على انعقاد مجلس السلام بوصفه إنجازاً بحد ذاته يمثل تزييفاً للواقع، لأن القضايا الجوهرية المرتبطة بمستقبل غزة ما تزال بلا إجابات، وعلى رأسها مسألة الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وتوفير ضمانات أمنية توقف القصف والقتل.

ويرى سويلم أن ما يجري حالياً هو أقرب إلى إدارة للوقت وإيحاء بأن الأمور تتقدم، بينما تظل الحلول الحقيقية مؤجلة بانتظار اتضاح اتجاهات الإقليم.


نتنياهو والانسجام الشكلي مع خطة ترمب


وفي ما يتعلق بموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يؤكد سويلم أن موقفه واضح ويتمثل في الانسجام الشكلي مع خطة ترمب مع إبقاء تنفيذها خاضعاً للمصلحة الإسرائيلية المباشرة، لافتاً إلى أن الاعتبارات التي تُقدَّم باعتبارها أمنية تخفي أهدافاً سياسية.

ويعتبر سويلم أن سلوك إسرائيل على الأرض يعكس قدرتها على فرض تفسيرها الخاص للخطة، في ظل غموض أمريكي إما ناتج عن غياب رؤية واضحة أو مقصود كجزء من إدارة المشهد.

ويؤكد سويلم أن هذا الواقع يضع المنطقة أمام حالة "السريالية السياسية"، حيث تُطرح هياكل ومجالس جديدة من دون تحديد أهداف نهائية لما سيؤول إليه وضع قطاع غزة.

وبحسب سويلم، فإن الخطوات الحالية لا تمثل جوهر القضية، إذ يبقى السؤال المركزي متعلقاً بشكل المستقبل السياسي والأمني والاقتصادي للقطاع.


تورط أعضاء من المجلس بملف إبستين


وفي سياق متصل، يشير سويلم إلى ما وصفه بتداول معلومات عن تورط أربعة إلى ستة من أعضاء مجلس السلام في قضايا مرتبطة بملف جيفري إبستين، معتبراً أن هذه الأنباء، إن صحت، تثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة الجهات التي قد تُمنح أدواراً في إدارة شؤون غزة.

ويرى سويلم أن هذه المسألة تضيف بعداً مقلقاً للنقاش حول المجلس، خاصة في ظل محاولة تشكيل هياكل بديلة عن الأطر القانونية الدولية القائمة.

ويشير سويلم إلى أن المشهد الحالي يعكس عملية تشكيل هياكل مؤقتة بانتظار اتضاح الوجهة النهائية للإقليم والعالم، في ظل اضطراب أمريكي ينعكس على مجمل التوازنات الدولية، مؤكداً أن الفلسطينيين ما زالوا أمام واقع يفتقر إلى حلول واضحة أو شبه حلول بشأن مستقبل قطاع غزة.


مناقشة معالم المرحلة الثانية


ترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن انعقاد "مجلس السلام" يعكس رغبة أعضائه في مناقشة معالم المرحلة الثانية من خطة إدارة قطاع غزة، وتحديد أهم الخطوات التنفيذية على الأرض، فضلاً عن دراسة دور المجلس ولجنة التكنوقراط في إدارة القطاع.


إعادة الإعمار مشروطاً بملف نزع السلاح


وتشير عودة إلى أن الاجتماع يشكل فرصة لإطلاق مؤتمر للمانحين بهدف حثهم على المساهمة في تمويل عملية إعادة إعمار غزة، بالإضافة إلى بحث آليات التفاوض مع حركة حماس بشأن نزع سلاحها، ودور القوات الدولية المزمع إرسالها للإشراف على الوضع الأمني في القطاع.

وتوضح عودة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من المرجح أن يشترط على مجلس السلام عدم البدء بأي خطوات تتعلق بإعادة الإعمار قبل الانتهاء من ملف نزع السلاح، وهو ما قد يعيق العملية بالكامل.

وترى عودة أنه في أفضل السيناريوهات، إذا أصر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على بدء إعادة الإعمار، قد يطالب نتنياهو بالتركيز على المنطقة الصفراء الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي والميليشيات المسلحة، في محاولة لتخفيف اعتراضه المباشر على خطة ترامب وتفادي أي توتر بين الطرفين.


لجنة التكنوقراط ومواجهة التحديات الكبيرة


وفيما يتعلق بمصير لجنة التكنوقراط، ترى عودة أن نتنياهو قد يسمح لها بالدخول إلى غزة، لكن بشكل مقيد، مع اشتراط عدم تدخلها في العملية السياسية والتركيز على الملفات الإنسانية والإغاثية.

وتوضح عودة أن اللجنة تواجه تحديات كبيرة في إدارة الموارد البشرية، لا سيما موظفي القطاع العام في مجالات التعليم والصحة والشرطة، الذين سلمتهم حماس للجنة.

وبحسب عودة، فإن اللجنة لا تستطيع ممارسة مهامها دون دعم هؤلاء الموظفين، وفي الوقت نفسه لا يمكن للموظفين الالتزام بتعليمات اللجنة دون تغطية رواتبهم، الأمر الذي قد ترفضه إسرائيل بسبب تبعية الموظفين السابقة لحكومة حماس، مما يهدد بتأجيج الصراع حول الصلاحيات وإدارة القطاع بين اللجنة وحماس.

وتعتقد عودة أن هذا المأزق يجعل عمل لجنة التكنوقراط محدوداً حتى يتم حسم ملف الموظفين، مؤكدة أن أي تقدم في المرحلة الثانية مرتبط بتوازن دقيق بين إعادة الإعمار، ونزع السلاح، وضمان استقرار الإدارة الفعلية في غزة.


خطوة مفصلية تعكس الجدية بتنفيذ خطة ترمب


يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك أن انعقاد "مجلس السلام" في واشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري، يشكل خطوة مفصلية تعكس جدية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في المضي قدماً بتنفيذ خطتها الخاصة بقطاع غزة، ويمثل عملياً محطة انتقالية من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية من الخطة، وهي المرحلة الأكثر تعقيداً لارتباطها المباشر بملفي نزع السلاح وإعادة الإعمار.

ويوضح الديك أن فتح معبر رفح، ولو بشكل جزئي ورغم القيود والمعيقات الإسرائيلية المرتبطة بالتحكم في حركة الدخول والخروج، يُعد خطوة أساسية أنهت المرحلة الأولى من الخطة، إلا أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يواجه تحديات كبيرة، في ظل إصرار الحكومة الإسرائيلية على ربط إعادة الإعمار وإدخال المواد اللازمة، وحتى السماح بدخول اللجنة الإدارية إلى غزة، بالتوازي مع مسألة نزع سلاح الفصائل.

ويؤكد الديك أن هذا الملف يطرح تساؤلات جوهرية حول الجهة التي ستتولى عملية نزع السلاح، وما إذا كانت قوات استقرار دولية ستضطلع بهذه المهمة، أو إذا كان التسليم سيتم طوعياً، وهي أسئلة ما تزال دون إجابات واضحة.

ويشير الديك إلى أن قضية نزع السلاح ترتبط أيضاً بإعادة الانتشار العسكري بين ما يعرف بالخطين الأصفر والأحمر، في وقت تؤكد فيه إسرائيل أن الخط الأصفر يمثل حدودها الغربية مع غزة، وهو ما يشكل إشكالية سياسية كبيرة.

وبحسب الديك، يأتي اجتماع المجلس في ظل ظروف إقليمية معقدة، بالتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن قبل يوم من انعقاد المجلس، لإجراء مباحثات مع ترامب، وسط مشهد سياسي لا يزال ضبابياً.


دلالات الاجتماع


ويبيّن الديك أن للاجتماع ثلاث دلالات رئيسية: أولها رسالة أمريكية للحلفاء تؤكد استمرار واشنطن في تنفيذ خطتها، وثانيها إصرار ترمب على إنجاح المبادرة رغم التعثر، وثالثها استمرار التنسيق مع الوسطاء والأطراف الضامنة للاتفاق الموقع في شرم الشيخ. وطرح عدة وحول السيناريوهات المحتملة، يؤكد الديك أن من بينها الإعلان عن صندوق دولي لتمويل التكاليف الإدارية والتشغيلية في غزة بإشراف مباشر من ترمب وربما مسؤولين دوليين، أو الاكتفاء بإطلاق المرحلة الثانية والضغط على الفصائل لتقديم تنازلات إدارية وأمنية.

ويشير الديك إلى احتمال إعلان دول مشاركة استعدادها للانضمام إلى قوات استقرار دولية، أو البدء بإعادة الإعمار في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، خاصة في رفح، ضمن مشاريع حضرية واقتصادية تبقى تحت إشراف الجيش الإسرائيلي.

ويرجح الديك أن تتجه الأمور إلى تفاهمات توافقية بين ترامب ونتنياهو بشأن هذه الترتيبات.


ببيئة قانونية جديدة تتحكم بلجنة التكنوقراط


وفي ما يتعلق بلجنة التكنوقراط، يوضح الديك أن مجلس السلام بات يمتلك صلاحيات إدارية وتشريعية واسعة تتيح له تعديل القوانين وتغيير أعضاء اللجنة، ما ينذر ببيئة قانونية جديدة تتحكم بها جهة دولية.

ويحذر الديك من أن هذه التطورات قد تقود إلى فصل غزة عن المنظومة السياسية والقانونية الفلسطينية، معتبراً أن القطاع يقف أمام مرحلة خطرة قد تدفع نحو مشاريع تدويل ووصاية وانتداب، بما يهدد وحدة الكيان السياسي الفلسطيني.


آلية دولية تهدف إلى حشد التمويل


يوضح الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن انعقاد اجتماع ما يُعرف بـ"مجلس السلام" في 19 فبراير / شباط الجاري، يشكّل محطة سياسية مهمة قد تمثل أول اختبار عملي لإطار دولي جديد أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة وإعادة إعماره.

ويشير عبد الله إلى أن الاجتماع يُنظر إليه كآلية دولية تهدف إلى حشد التمويل وتنسيق الجهود لتنفيذ الخطة التفاوضية الأمريكية، بما يجعله رافعة أساسية لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

ويبيّن عبد الله أن خطورة الاجتماع تنبع من توقيته الحساس، إذ يتزامن أو يسبق زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ما يمنحه بعدًا سياسيًا مباشرًا مرتبطًا بمواقف الحكومة الإسرائيلية من شروط تنفيذ أي خطة إعمار، وعلى رأسها قضايا نزع السلاح ومراحل إعادة البناء.


قيادة الملف الدولي بعيدًا عن الأطر التقليدية


ويعتبر عبد الله أن هذه الخطوة تعكس رغبة أمريكية في قيادة الملف الدولي بعيدًا عن الأطر التقليدية للأمم المتحدة، الأمر الذي يثير تحفظات لدى بعض الدول الغربية والعربية التي تخشى أن يتحول المجلس إلى بديل عن المؤسسات الدولية القائمة أو أن يمنح واشنطن نفوذًا غير متوازن في إدارة ملفات الشرق الأوسط.

سيناريو الجمود السياسي


وحول السيناريوهات المحتملة لما بعد الاجتماع، يشير عبد الله إلى ثلاثة مسارات رئيسية، يتمثل الأول في سيناريو الجمود السياسي، حيث قد يؤدي التعنّت الإسرائيلي واشتراط نزع السلاح قبل أي تقدم إلى تعطيل التوافق الدولي، ما يبقي الخطة دون تنفيذ ويُبقي الأزمة الإنسانية قائمة.


الإعلان عن آليات تمويل واضحة لإعادة الإعمار


أما السيناريو الثاني وفق عبد الله، فهو التنفيذ التقدمي، ويتضمن الإعلان عن آليات تمويل واضحة لإعادة الإعمار، والتوافق على إدخال المواد وفرق الإنعاش، والبدء بمشاريع عاجلة تخفف من معاناة السكان، وهو مسار يتطلب ضغطًا دوليًا وإقليميًا مكثفًا.


تحول دبلوماسي أوسع


ويشير عبد الله إلى أن السيناريو الثالث هو وجود تحول دبلوماسي أوسع قد يحوّل المجلس إلى منصة لإصلاحات سياسية وترتيبات حكم انتقالية في غزة بدعم عربي ودولي، رغم أن تحقيق ذلك يستلزم تنازلات كبيرة، خاصة من الجانب الإسرائيلي.

وفي ما يتعلق بالخطوات العملية المتوقعة بعد الاجتماع، يرجّح عبد الله تحديد آليات تمويل وإنشاء صندوق دعم دولي لإعادة الإعمار، وربط تنفيذ المشاريع بتثبيت وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع الإنسانية، إضافة إلى بدء مناقشة آليات حكم مؤقتة عبر تفعيل لجنة تكنوقراطية محتملة، إلى جانب تثبيت أطر لمشاركة جهات دولية في مراقبة الاستقرار الأمني بالتنسيق مع مصر والأمم المتحدة.


نتنياهو والشروط الأمنية المعقدة


وبشأن موقف نتنياهو، يتوقع عبد الله أن يضع شروطًا أمنية مشددة قبل الموافقة على أي خطة إعمار، أبرزها المطالبة بضمانات تتعلق بنزع سلاح الفصائل في غزة.

ويحذر عبد الله من أن تمسك إسرائيل بربط الإعمار بهذه الشروط قد يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الخطة وتأجيل تدفق التمويل والمواد.


تأجيل دخول لجنة التكنوقراط


أما لجنة التكنوقراط المقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية، يوضح عبد الله أنها لم تدخل القطاع حتى الآن بسبب خلافات تتعلق بالترتيبات الأمنية والسيطرة على المعابر وغياب آليات واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.

ويرجّح عبد الله تأجيل دخول اللجنة إلى حين تحقيق توافق فلسطيني داخلي، وتبلور تفاهمات دولية حول الجوانب الأمنية، أو ممارسة ضغوط دولية تدفع نحو تخفيف الشروط الإسرائيلية.


إنشاء مظلة سياسية جديدة تقودها واشنطن


يعتبر الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د. عقل صلاح أن الهدف الأساسي من انعقاد "مجلس السلام" يتمثل في إنشاء مظلة سياسية جديدة تقودها واشنطن، تكون بديلاً عملياً عن منظومة القرارات والشرعية الدولية، بما يمنح الإدارة الأمريكية موقع القيادة المباشرة في إدارة ملف قطاع غزة.

ويوضح صلاح أن انعقاد المجلس يأتي ضمن سعي الإدارة الأمريكية إلى إدارة الحكم في القطاع بصورة مباشرة، عبر الالتفاف على الحل الجذري للقضية الفلسطينية وحصرها في إطار خدماتي ومعيشي، سواء في غزة أو ربما في الضفة الغربية، كبديل عن أي مسار سياسي شامل.


مساحة استثمارية تستقطب التمويل


 ويرى صلاح أن عقد المجلس يأتي ضمن السعي للبدء في جمع أموال إعادة الإعمار وتحويل القطاع إلى مساحة استثمارية تستقطب التمويل، وهو ما ينسجم مع رؤية اقتصادية يوليها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اهتماماً خاصاً.

ويشير صلاح إلى هدف آخر لعقد المجلس وهو التسريع في الترتيبات الأمنية، وعلى رأسها نزع سلاح المقاومة، خصوصاً شبكة الأنفاق، بما يخدم المتطلبات الأمنية الإسرائيلية.


احتمال الإعلان عن انضمام إسرائيل للمجلس


ويتطرق صلاح إلى هدف آخر خطير لعقد المجلس وهو احتمال الإعلان عن انضمام إسرائيل رسمياً إلى مجلس السلام عقب اللقاء الأمريكي–الإسرائيلي المرتقب، وهو ما قد يكرّس شراكة مباشرة داخل إطار المجلس.

ويشير صلاح إلى أن هذه التحركات تجري وسط تحفظات من بعض الدول الغربية والدولية على الصلاحيات الواسعة التي منحها ترامب لنفسه عبر ميثاق المجلس، لافتاً إلى احتمال ارتباط هذه الترتيبات بملفات إقليمية أخرى، من بينها الملف الإيراني واللبناني، معتبراً أن جزءاً مهماً من مباحثات ترامب ونتنياهو قد يتركز على إيران.


إحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي"


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يرجح صلاح سيناريو واحداً يتمثل في إحياء استراتيجية "السلام الاقتصادي"، عبر تحويل غزة إلى منطقة استثمارية بهدف إحداث تغييرات اقتصادية سريعة تخفف من حدة الغضب الشعبي في غزة والضفة الغربية، مقابل تأجيل الحل السياسي النهائي للقضية الفلسطينية، بما قد يفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية لضم أجزاء من الضفة.

ويبيّن صلاح أن هذه السياسة قد تتجسد في تأسيس صندوق خاص لإعمار غزة، وتسريع تشكيل لجنة أمنية عليا لإدارة القطاع تحت إشراف أمريكي مباشر، إلى جانب ترتيبات متصلة بفتح المعابر.

ويؤكد صلاح أن هذه الخطوات تجري في ظل موقف إسرائيلي يميني متشدد يعطل حتى ما يتم الاتفاق عليه، مع غياب واضح لدور السلطة الفلسطينية، واستمرار وجود المليشيات المسلحة المتعاونة مع إسرائيل، في وقت ما تزال فيه حركة حماس تمثل قوة رئيسية في القطاع.


نتنياهو وابتكار ملفات وتذرعات جديدة


وحول موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يعتقد صلاح أنه سيواصل، بحسب تجربته السياسية منذ تسعينيات القرن الماضي، ابتكار ملفات وتذرعات جديدة حتى في حال التوصل إلى تفاهمات بشأن نزع السلاح، مشيراً إلى أن نتنياهو اعتاد ربط كل استحقاق بسلسلة مطالب إضافية تعقّد أي تقدم.

ويلفت صلاح إلى أن قدرة نتنياهو على المناورة تبقى مرتبطة بالموقف الأمريكي، معتبراً أن المؤشرات منذ توقيع الاتفاق الأخير في أكتوبر / تشرين الأول الماضي، تشير إلى منح واشنطن تل أبيب هامش حركة واسع، مستشهداً بتأخر فتح المعبر واستمرار خروقات وقف إطلاق النار.

وفي ما يخص لجنة التكنوقراط، يتوقع صلاح أن تعمل إسرائيل على تقييد دورها ومواءمته مع الرؤية الإسرائيلية، ومنع أي ارتباط لها بالسلطة الفلسطينية، مع فرض قيود على تحركاتها ومواردها المالية، بحيث يبقى دورها شكلياً، فيما تستمر إسرائيل في التحكم غير المباشر بإدارة القطاع.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 5:50 مساءً - بتوقيت القدس

رداً على رئيس التحرير"أقل الكلام" بعنوان: فخ تسليم المفاتيح!

لقد شعرت بضرورة الرد أو التعقيب على الافتتاحية المذكورة كون كاتب هذه السطور قد قام في عام 2019 بكتابة ورقة سياساتية نقدية صادرة عن وحدة التحليل الاستراتيجي في المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بعنوان: "الفلسطينيون في موقع المبادرة: حل السلطة وتبني استراتيجية حل الدولة الواحدة.. الآن" (https://www.pcpsr.org/ar/node/772)

بداية، كون ما قبل 7 أكتوبر ليس كما بعده، بعض مما كتب في تلك الورقة لم يعد متاحاً أو مناسباً، وكنت قد ذكرت في الورقة بأن هناك فرصة قد لا تدوم طويلاً ولذلك أيضاً وردت كلمة "الآن" في عنوان الورقة، وها هي لم تدم الفرصة بالفعل. لكن من المؤكد أنه لا يمكن وصف من يدعو إلى التفكير في سيناريو "تسليم المفاتيح" أو "حل السلطة" بالجهل والسذاجة والشيطنة. وربما نسي رئيس التحرير أن من أوائل من هدد بتسليم المفاتيح في أكثر من مناسبة هو رأس هرم منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية منذ أكثر من خمسة عشر عاماَ.  

جوهر تعليقي هو في الفرق الاستراتيجي بين سيناريو حل السلطة وسيناريو انهيارها الذي حذر ويحذر منه قيادات المنظمة والسلطة على مدار الساعة، وامكانية وقوع سيناريو والانهيار تتزايد، والأهم أن وقوعه أو منع وقوعه بيد إسرائيل حصراً. وربما هذا الفرق بين كل حكومات إسرائيل السابقة والحكومة الحالية، ففي الحكومة الاسرائيلية الحالية يوجد أطرافاً تدفع باتجاه الانهيار بعكس رغبة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وربما بعكس رغبة حزب الليكود أيضاً.  

بالعودة إلى الفرق بين المبادرة بحل السلطة أو انتظار انهيارها وباختصار شديد: في سيناريو حل السلطة، ستعود القيادة بأكملها لمنظمة التحرير والشعب معاً ليكونا في موقع المبادرة والقدرة على التحكم والتوجيه لمرحلة ما بعد حل السلطة. أما في سيناريو الانهيارالذي سيقطع شعرة معاوية بين القيادة والشعب، وما يمكن أن يتلوه من فوضى وفلتان أمني وصراع مسلح، فإن إسرائيل ستكون في موقع المتحكم في الأمور لدرجة أنها قد تستغل هذا الوضع بارتكاب نكبة ثانية بحق الشعب الفلسطيني يكون مسرحها الضفة الغربية. بل إن اسرائيل كدولة قد لا تكون مشاركاً رئيسياً في النكبة الجديدة بترك الأمر للمستوطنين الذين تزايدت اعتداءاتهم في السنوات الأخيرة ووصل عددهم في الضفة الغربية إلى أكثر من 800 ألف مستوطن لا ينقصهم السلاح لارتكاب نكبة جديدة بحجة الدفاع عن النفس في أجواء الفوضى والفلتان الأمني التي من المرجح أن تنشأ عقب انهيار السلطة.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

حوامل غزة.. صراع مع الجوع والتشوهات في ظل انهيار المنظومة الصحية

في قلب المعاناة بمدينة غزة، تعيش السيدة أم دياب داخل خيمة مهترئة لا تقي برد الشتاء، حيث يثقل الحمل روحها قبل جسدها النحيل الذي لم يعد يقوى على احتضان حياة جديدة. منذ نزوحها القسري من شمال القطاع، تفتقر أم دياب لأدنى مقومات الاستقرار الغذائي، مما جعل جسدها المنهك في الشهر الخامس من الحمل عاجزاً عن توفير التغذية اللازمة للجنين.

تصف أم دياب رحلة عذابها اليومية، حيث تقطع مسافات طويلة في البرد القارس للوصول إلى مستشفى الحلو الدولي أملاً في الحصول على مكملات غذائية. وغالباً ما تعود خالية الوفاض بسبب النقص الحاد في الأدوية، لتبقى خيمتها شاهدة على انتظار مرير يهدد سلامة جنينها الذي يواجه مخاطر صحية مضاعفة.

يزداد قلق أم دياب نظراً لتاريخها الطبي، حيث أنجبت سابقاً طفلاً يعاني من تشوهات خلقية، مما يضع حملها الحالي ضمن فئة المخاطر العالية. وفي ظل تعطل زوجها عن العمل والاعتماد الكلي على مساعدات شحيحة، تصبح أمنيتها الوحيدة هي خروج طفلها للحياة سالماً دون أن تنهشه آثار الجوع.

وفي حي الزيتون شرق غزة، تعيش إسراء قاسم في منزل متصدع بلا نوافذ أو كهرباء، وهي في شهرها السابع من الحمل. تعاني إسراء من دوار دائم وإرهاق شديد جعل من الوقوف مهمة شاقة، وقد شُخصت حالتها بنقص حاد في الحديد والفيتامينات نتيجة سوء التغذية المستمر.

تؤكد إسراء أن الطعام المتوفر لا يسمن ولا يغني من جوع، حيث تكتفي الأسرة بما يسد الرمق فقط دون مراعاة للاحتياجات الغذائية للحامل. وتخشى إسراء من لحظة الولادة، حيث يداهمها الخوف من الولادة المبكرة أو إنجاب طفل بوزن منخفض، وهي ظاهرة باتت شائعة بين النساء في محيطها.

تمثل هذه القصص نموذجاً لآلاف الحوامل اللواتي يعشن تداعيات المجاعة التي ضربت القطاع خلال عام 2025. ورغم الانحسار النسبي للمجاعة، إلا أن آثارها لا تزال محفورة في أجساد النساء وأرحامهن، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية ونقص حاد في الرعاية الطبية اللازمة.

يشير أطباء في قطاع غزة إلى ملاحظة مؤشرات مقلقة تتعلق بصحة الأجنة، تشمل ارتفاع حالات عدم اكتمال نمو الأعضاء ومشكلات الجهاز العصبي. ويعزو المختصون هذه الحالات إلى نقص العناصر الأساسية مثل حمض الفوليك والحديد، بالإضافة إلى الإجهاد النفسي والجسدي المستمر الذي تتعرض له الأم.

يوضح الدكتور سهيل أبو مصطفى، استشاري أمراض النساء والولادة أن آثار الحرب والمجاعة تتجلى بوضوح في أجساد الحوامل. ويؤكد أن النقص الشديد في البروتينات والفيتامينات ينعكس مباشرة على الجنين، الذي يستنزف ما تبقى من مخزون ضئيل في جسد الأم المنهك أصلاً.

ويقسم الدكتور أبو مصطفى مراحل الخطر إلى ثلاث، حيث تؤدي المجاعة في المرحلة الأولى إلى تشوهات أو إجهاض مبكر. وفي المراحل المتقدمة، قد يولد الجنين بتشوهات متعددة أو أجهزة حيوية غير مكتملة النمو، مما يستدعي رعاية طبية فائقة لا تتوفر في أغلب مستشفيات القطاع المحاصر.

من أبرز الإحصائيات المقلقة التي رصدتها الطواقم الطبية هو التراجع الكبير في أوزان المواليد الجدد. فبعد أن كان الوزن الطبيعي يصل إلى 3.5 كيلوغرامات، انخفض في الآونة الأخيرة ليصل إلى نحو 2.5 كيلوغرام، وهو مؤشر خطير يعكس عمق الأزمة الغذائية التي تعصف بالسكان.

وفي سياق متصل، يحذر محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية، من الآثار البيئية للأسلحة المستخدمة في الحرب على صحة الأجنة. ويرى أن الملوثات المعدنية والدخان السام، جنباً إلى جنب مع نقص التغذية، ترفع من احتمالات الإصابة باضطرابات النمو والتشوهات الخلقية التي يصعب تشخيصها بدقة حالياً.

من جانبه، يؤكد الدكتور زياد المصري، استشاري طب الأطفال أن المستشفيات تستقبل أعداداً متزايدة من الأطفال الخدج الذين يولدون قبل أوانهم. هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى حضانات ورعاية مركزة لفترات طويلة، وهي إمكانيات تواجه ضغطاً هائلاً في ظل الحصار ونقص الوقود والمستلزمات الطبية.

ورغم قتامة المشهد، يلوح أمل حذر في الأفق مع التحسن النسبي الطفيف في الإمدادات الغذائية خلال فترة الهدنة. ويأمل الأطباء أن ينعكس هذا التحسن على الأجنة التي ستولد في الأشهر المقبلة، شريطة استمرار تدفق المساعدات وتوفير المكملات الغذائية الضرورية للنساء بشكل منتظم.

تبقى الأمومة في غزة تجربة محفوفة بالمخاطر، حيث تحولت من فرحة منتظرة إلى رحلة محفوفة بالخوف والقلق الدائم. وبين الخيام المتهالكة وغرف العمليات المكتظة، تستمر نساء غزة في صراعهن من أجل منح أطفالهن فرصة للحياة في واقع يفتقر لأبسط مقومات الأمان الصحي والغذائي.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

غزة تواجه الحصار والتجويع عشية رمضان: صمود أسطوري في وجه محاولات التفكيك الاجتماعي

يستمر الاحتلال في عدوانه الشامل على الشعب الفلسطيني، حيث تشهد غزة دماراً غير مسبوق طال كافة معالم الحياة على مدار العامين الماضيين. ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار سياسات الإبادة والتهجير القسري، واستخدام التجويع كسلاح لكسر إرادة الصمود، وسط محاولات حثيثة لتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني وإدخاله في صراعات داخلية.

وفي الضفة الغربية، لا تزال عمليات الضم والتهجير والاعتقال تجري بشكل يومي، وكان آخرها ما شهدته بلدة عرابة جنوب جنين، حيث أجبرت قوات الاحتلال الأهالي على مغادرة أراضيهم تحت تهديد السلاح. هذه التحركات تأتي بالتوازي مع استمرار عمليات الاغتيال بذرائع واهية، كما حدث في رفح قبل يومين حين استشهد أربعة فلسطينيين بدعوى تهديدهم لقوات الاحتلال عبر الأنفاق.

الوجه الأكثر قسوة للعدوان يتمثل في الحصار المطبق والتجويع المنهجي الذي يفرضه الاحتلال على قطاع غزة، حيث تمارس السلطات الإسرائيلية تضييقاً شديداً على دخول المساعدات عبر معبر رفح. ويهدف هذا التضييق إلى إبقاء الوضع الإنساني متدهوراً كنوع من الانتقام الجماعي من الشعب الذي رفض التخلي عن أرضه أو الخضوع لإملاءات المحتل، متمسكاً بحقه في التحرير.

ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تعيش الأسر الفلسطينية في غزة ظروفاً معيشية غاية في الصعوبة، في ظل انعدام الموارد المالية وفقدان الضروريات الأساسية من غذاء وماء ورعاية صحية. كما لا يغيب ملف الأسرى عن المشهد، حيث يواجه آلاف الفلسطينيين في سجون الاحتلال صنوفاً من التعذيب النفسي والجسدي والتهديد المستمر بالإعدام في ظل غياب الرقابة الدولية.

وتشير القراءات الميدانية إلى أن الاحتلال انتقل إلى استراتيجية التدمير غير المباشر عبر منع إعادة الإعمار وحظر دخول البيوت الجاهزة، لمنع السكان من العودة إلى أحيائهم المدمرة. تهدف هذه السياسة إلى منع تجديد الروابط الاجتماعية الصلبة التي ميزت المجتمع الغزي قبل العدوان، وحرمان السكان من أي مداخيل مالية تمكنهم من مواجهة أعباء الحياة الكريمة.

رغم هذه التحديات، تظهر حالة من الارتباك في صفوف الاحتلال الذي بات يخشى التحولات في الرأي العام العالمي، بما في ذلك الداخل الأمريكي الذي بدأ يضيق ذرعاً بالجرائم المرتكبة. إن معادلات القوة تشهد تغيراً يومياً، ورغم الأيام القاسية التي تمر بها غزة، إلا أن صمود أهلها يضع الكيان في مأزق أخلاقي وسياسي يصعب الخروج منه، مما يؤكد أن إرادة الشعوب لا تكسرها سياسات التخويف.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

الجغرافيا المفيدة: كيف يعيد ترامب صياغة الهيمنة الأمريكية عبر منصات استراتيجية؟

تبدو تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الساحة الدولية للوهلة الأولى كأنها تفتقر إلى التنسيق أو التركيز، نظراً لشمولها مساحات جيوسياسية متباعدة تمتد من أمريكا اللاتينية إلى القوقاز والشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التدقيق في هذه السياسات يكشف عن خيط ناظم يستند إلى ركيزتين أساسيتين تهدفان إلى تثبيت أركان الهيمنة الأمريكية في عالم متغير.

تتمثل الركيزة الأولى في السيطرة المحكمة على مفاصل الجغرافيا العالمية، وتحويلها من مجرد مساحات عسكرية إلى منصات إدارية منضبطة. هذا التحول يعكس تبدلاً عميقاً في العقل الاستراتيجي الأمريكي، حيث يتم استبدال الهيمنة العسكرية المباشرة بأساليب تتناسب مع نهاية زمن القوة الخشنة التقليدية وبروز تحديات دولية جديدة.

تأتي هذه التحركات في سياق السباق المحموم مع الصين، التي باتت تمتلك شبكة علاقات دولية تهدد المصالح الأمريكية الحيوية. وتسعى واشنطن من خلال هذه الاستراتيجية إلى استباق التفوق الصيني عبر الإمساك بالمناطق التي تعتبر 'مفاتيح' للنظام العالمي الجديد، وضمان بقاء المبادرة في يد الولايات المتحدة.

تتميز المناطق المستهدفة، رغم تباعدها الجغرافي، بكونها مراكز للثروات الجديدة أو ممرات تجارية حاسمة. فبينما تمتلك أوكرانيا وغرينلاند ونيجيريا مخزونات هائلة من المعادن النادرة المطلوبة للصناعات المستقبلية، يبرز ممر 'زنغزور' في القوقاز كحلقة وصل استراتيجية بين آسيا وأوروبا لا يمكن تجاوزها.

وفي منطقة الشرق الأوسط، تبرز غزة كمنصة استراتيجية تتجاوز أبعادها الجغرافية الضيقة لتصبح مركزاً لإعادة تشكيل المنطقة أيديولوجياً وسياسياً. وترى القراءة الأمريكية أن السيطرة على هذه النقطة تمنح واشنطن قدرة فائقة على إدارة التفاعلات الإقليمية وضمان انخراطها ضمن المشروع الجيوسياسي المحدث.

أما الركيزة الثانية في فكر ترامب، فهي العمل الدؤوب على تحطيم الهياكل الدولية القديمة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية. ويرى ترامب أن منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها باتت تشكل عائقاً أمام الطموحات الأمريكية، بل وأصبحت مظلة تستفيد منها القوى الصاعدة لحماية نموها على حساب النفوذ الأمريكي.

يسعى ترامب إلى استبدال هذه المنظومات بهياكل جديدة تضمن تفرد الولايات المتحدة بالقرار وتلغي مبدأ الندية الدولية. ويعد 'مجلس السلام' الذي تم تشكيله بخصوص غزة نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، حيث يتجاوز دور مجلس الأمن ويضع أمريكا على رأس هرم تنفيذي يحول العالم إلى أداة لتعظيم المصالح الأمريكية.

تعتمد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على رؤية موسعة لجغرافيا العالم، حيث لم يعد هناك 'قلب واحد' للأرض كما في النظريات الكلاسيكية. بدلاً من ذلك، يتم التعامل مع العالم كمجموعة من المفاصل الحيوية، مثل فنزويلا التي تعتبر منصة لضبط البر اللاتيني ومنع أي حيوية صاعدة قد تهدد المصالح القومية الأمريكية.

يستخدم ترامب مزيجاً من الأدوات الناعمة والصلبة لتحقيق هذه الغايات، حيث يظل التهديد بالعمل العسكري قائماً في ملفات مثل إيران. وفي الوقت ذاته، تبرز العقوبات الاقتصادية والرسوم الجمركية كأدوات فعالة للتعامل مع الحلفاء والمنافسين في أوروبا، لفرض الإرادة الأمريكية دون الحاجة لصدام مباشر.

وفي حالات التعقيد السياسي الكبرى، يلجأ ترامب إلى سياسة التفاهمات والاسترضاء لضمان المصالح الجوهرية. ويظهر ذلك بوضوح في التعامل مع روسيا، حيث يمكن منحها نفوذاً في مناطق معينة مثل الدونباس مقابل ضمان الهيمنة الأمريكية على بقية الأراضي الأوكرانية الغنية بالموارد الاستراتيجية.

إن الهدف النهائي من هذه التحركات هو وقف عملية التراجع في الرصيد الأمريكي العالمي وتجديد عناصر القوة في النظام الدولي. ويؤمن ترامب أن القوة المتفردة لبلاده تمنحها الحق في إعادة صياغة القواعد الدولية بما يضمن استمرار التفوق الأمريكي لعقود قادمة بعيداً عن قيود المنظمات الدولية التقليدية.

تمثل هذه السياسة محاولة لتعطيل الصيرورة التاريخية التي تشير إلى احتمال فوز الصين في سباق النفوذ العالمي. ومن خلال الإمساك بـ 'الجغرافيا المفيدة'، يسعى البيت الأبيض إلى خلق واقع جيوسياسي جديد يصعب على المنافسين اختراقه أو الالتفاف عليه، مما يجعل من كل منطقة صراع حالية جزءاً من رقعة شطرنج كبرى.

تؤكد هذه الرؤية أن العالم في عهد ترامب لا يدار بالعشوائية، بل بخطة تهدف إلى تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التمركز. فالمناطق التي كانت تعتبر بؤر توتر مزمنة، يتم إعادة تعريفها الآن كمنصات انطلاق لمشاريع اقتصادية وسياسية تخدم الرؤية الأمريكية 'أولاً' وتجعل من بقية الدول أدوات تشغيلية في هذا النظام.

في الختام، يظهر أن ترامب يعيد تعريف مفهوم 'قلب العالم' ليكون مرتبطاً بالموارد والقدرة على الضبط الإداري والسياسي. إنها محاولة جريئة لإعادة هندسة النظام الدولي، حيث لا مكان للمؤسسات المتعددة الأطراف، وحيث السيادة المطلقة هي لمن يمتلك القدرة على القبض على مفاصل الجغرافيا الحيوية.

عربي ودولي

الجمعة 13 فبراير 2026 5:46 مساءً - بتوقيت القدس

مفاوضات مسقط بين طهران وواشنطن: ضغوط عسكرية أمريكية وشروط إسرائيلية معقدة

شهدت سلطنة عُمان الأسبوع الماضي جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لكسر الجمود الدبلوماسي المحيط بالملفات العالقة بين الطرفين. ورغم عدم تحديد موعد لجولة ثانية، إلا أن اللقاءات ضمت شخصيات رفيعة المستوى، مما يعكس جدية أولية في استكشاف فرص التهدئة.

قاد الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي التقى بالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب. وأشار عراقجي إلى أن طبيعة اللقاءات سمحت بحدوث مصافحة بروتوكولية مع الوفد الأمريكي، رغم الطابع غير المباشر للمحادثات الرسمية التي جرت بوساطة عمانية.

في سياق متصل، برز دور علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى، الذي زار مسقط والدوحة مؤخراً لبحث نتائج الجولة التفاوضية. وأوضح لاريجاني أن الجانب العماني نقل ملاحظات أمريكية محددة إلى طهران، مؤكداً أن بلاده لم ترسل رسائل مباشرة لكنها تدرس ما تم طرحه عبر الوسطاء.

من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تفاؤلاً حذراً، واصفاً محادثات عُمان بأنها 'جيدة جداً'. ومع ذلك، لم يتردد ترمب في إطلاق تهديدات بتداعيات وصفها بـ 'المؤلمة جداً' في حال تعثر الوصول إلى اتفاق يرضي التطلعات الأمريكية في المنطقة.

على الجانب الإسرائيلي، أعرب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن شكوكه العميقة تجاه نوايا طهران، رغم إقراره بأن ترمب يهيئ الظروف لاتفاق محتمل. ويصر نتنياهو على أن أي صفقة يجب ألا تقتصر على البرنامج النووي، بل يجب أن تشمل الصواريخ البالستية ووقف دعم الفصائل المسلحة.

داخلياً في واشنطن، تبرز انقسامات في الرؤية تجاه التعامل مع الملف الإيراني بين تيارين أساسيين. يركز التيار الأول بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس على منع إيران من امتلاك سلاح نووي كخط أحمر وحيد، معتبراً ذلك الأولوية القصوى للإدارة الحالية.

أما التيار الثاني الذي يمثله ماركو روبيو، فيتبنى نهج 'الصقور' الذي يطالب بوضع كافة الملفات على الطاولة. ويرى هذا التيار أن نجاح المفاوضات يقاس بمدى قدرتها على تفكيك برنامج الصواريخ الإيراني وتقليص نفوذ طهران الإقليمي في العراق واليمن ولبنان.

عسكرياً، عززت الولايات المتحدة تواجدها في المنطقة عبر إرسال حاملة الطائرات 'يو إس إس جيرالد آر فورد' لتنضم إلى 'أبراهام لينكولن'. وتأتي هذه الخطوة كرسالة ضغط واضحة تهدف إلى إظهار الجاهزية العسكرية الأمريكية في حال فشل المسار الدبلوماسي.

تتزامن هذه التحركات مع تقارير تشير إلى دعم أمريكي تقني للمحتجين داخل إيران عبر أجهزة 'ستارلينك'. وتهدف هذه الخطوة بحسب مراقبين إلى زيادة الضغط الداخلي على النظام الإيراني بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والعسكرية الخارجية.

على صعيد حقوق الإنسان، وثقت منظمات دولية مقتل آلاف المتظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة في إيران، مما يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي. وتستخدم واشنطن هذه الملفات كأوراق ضغط إضافية في مواجهة المطالب الإيرانية برفع العقوبات الاقتصادية.

يرى محللون سياسيون أن المحادثات الحالية قد تكون أقرب إلى 'إنذار نهائي' منها إلى مفاوضات تقليدية. فواشنطن تسعى لفرض شروطها بالكامل، بينما تحاول طهران كسب الوقت لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية في مواجهة التصعيد المحتمل.

تضغط دول إقليمية مثل السعودية وقطر ومصر باتجاه تعزيز المسار الدبلوماسي لتجنب اندلاع صراع عسكري شامل. وفي المقابل، تواصل إسرائيل دفع الإدارة الأمريكية نحو تبني مواقف أكثر صرامة قد تصل إلى حد المطالبة بتغيير النظام في طهران.

يبقى موقف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي هو الحاسم في تحديد مسار التوجه الإيراني القادم. ورغم إشادته بالصمود الشعبي في ذكرى الثورة، إلا أنه لم يصدر حتى الآن موقفاً علنياً صريحاً يبارك أو يرفض استمرار المفاوضات مع إدارة ترمب.

إن المشهد الحالي في الشرق الأوسط يراوح بين حافة الهاوية العسكرية وفرص التسوية التاريخية. وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت 'دبلوماسية الحاملات' ستؤدي إلى اتفاق شامل، أم أن المنطقة تتجه نحو جولة جديدة من المواجهة المباشرة.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 5:16 مساءً - بتوقيت القدس

مصر في ذكرى التنحي الـ15: تساؤلات حول الدولة المدنية وهيمنة المؤسسة العسكرية

تحل الذكرى الخامسة عشرة لتنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير 2026، وسط مشهد سياسي معقد يعيد طرح التساؤلات حول مآلات أحلام المصريين في الدولة المدنية. فبعد عقد ونصف من التغيير، يرى مراقبون أن ملامح الحكم العسكري لا تزال تسيطر على مفاصل الدولة، متجاوزة المهام الأمنية إلى إدارة الاقتصاد والسياسة بشكل مباشر.

وتشير تقارير حقوقية دولية صادرة عن منظمات مثل هيومان رايتس ووتش وأمنستي إنترناشيونال إلى أن النظام الحالي عزز من قبضته الأمنية عبر تشريعات تمنح الجيش صلاحيات واسعة. هذه القوانين سمحت بتدخل المؤسسة العسكرية في وظائف كانت حكراً على الشرطة والقضاء المدني، مما أثار قلقاً دولياً بشأن معايير المحاكمة العادلة.

على الصعيد الاقتصادي، كشفت بيانات من مؤسسات مالية دولية أن الشركات التابعة للقوات المسلحة باتت تسيطر على حصة تتراوح بين 40% إلى 60% من الاقتصاد المصري بحلول عام 2025. وتشمل هذه الأنشطة قطاعات حيوية مثل الإنشاءات، والزراعة، والصناعات الغذائية، وحتى إنتاج الوقود والمعكرونة، مما يقلص فرص المنافسة للقطاع الخاص.

وحذر صندوق النقد الدولي في تقارير حديثة من تداعيات 'الهيمنة العسكرية' على الاقتصاد الكلي، مشيراً إلى أن الامتيازات الضريبية وتسهيلات الأراضي الممنوحة لتلك الشركات تخنق الاستثمار الأجنبي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه المواطن المصري من تضخم وصل إلى 30%، مع ارتفاع الدين الخارجي لمستويات قياسية بلغت 160 مليار دولار.

وفي سياق الحراك الشعبي الرقمي، برزت حملة 'جيل زد' (GenZ002) كأداة تعبير جديدة للشباب المصري المطالب بالتغيير تحت شعار 'عزل السيسي'. ورغم محاولات الحجب الرقمي، سجلت الحملة أكثر من مليوني توقيع إلكتروني، مما يعكس فجوة متزايدة بين تطلعات الجيل الجديد والواقع السياسي القائم.

وتؤكد مصادر حقوقية أن عام 2025 شهد مفارقة في ملف السجناء السياسيين، حيث تم الإفراج عن 934 معتقلاً، لكن في المقابل جرى توقيف 1594 آخرين على خلفية قضايا رأي. هذا التذبذب في الملف الحقوقي جعل مصر تتراجع في مؤشرات الحريات العالمية، حيث منحتها منظمة 'فريدم هاوس' درجة 18 من أصل 100.

تاريخياً، بدأت جذور هذا النفوذ منذ عام 1952، حيث تحول الجيش تدريجياً من حارس للحدود إلى مهندس للدولة في عهد جمال عبد الناصر. واستمر هذا النهج بصور متفاوتة خلال حقبتي السادات ومبارك، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي يصفها محللون بأنها 'العسكرة الشاملة' للحياة العامة.

ويرى خبراء أن التعديلات الدستورية التي أُقرت في عام 2019 كانت نقطة تحول جوهرية، إذ سمحت بتمديد الفترة الرئاسية الحالية ووسعت دور الجيش في حماية 'مدنية الدولة'. هذا المصطلح يراه معارضون غطاءً قانونياً للتدخل في الشؤون السياسية ومراقبة العمل الحزبي والبرلماني بشكل دائم.

وفيما يخص الحريات الصحفية، لا يزال العديد من الناشطين والمدونين يواجهون أحكاماً بالسجن بسبب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي تنتقد الأوضاع المعيشية. وتعتبر منظمات دولية أن قوانين مكافحة الإرهاب الصادرة في 2015 تُستخدم بشكل فضفاض لاستهداف المعارضة السلمية وتكميم الأفواه.

وعلى المستوى الدولي، بدأت بعض القوى الكبرى بربط المساعدات العسكرية والاقتصادية بمدى التقدم في ملف حقوق الإنسان، كما ظهر في اتفاقيات الشراكة الأوروبية لعام 2024. ومع ذلك، يرى مراقبون أن المصالح الجيوسياسية غالباً ما تتقدم على المبادئ الحقوقية في التعامل مع الملف المصري.

إن المطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته لا تعني استهدافاً للمؤسسة العسكرية ككيان وطني، بل هي دعوة لاحترام التخصص الوظيفي وحماية الدستور. فالدولة المدنية الحديثة تقوم على الفصل بين السلطات وضمان حيادية المؤسسات المسلحة تجاه الصراعات السياسية والمنافسات التجارية.

ويستشهد دعاة التحول المدني بتجارب دولية مثل إندونيسيا، التي نجحت في تقليص دور الجيش في السياسة بعد عقود من الحكم العسكري، مما أدى إلى ازدهار ديمقراطي واقتصادي. ويأمل الناشطون المصريون أن تشكل الذكرى الـ15 لثورة يناير دافعاً لفتح حوار وطني حقيقي وشامل يؤسس لمرحلة انتقالية سلمية.

ختاماً، يبقى السؤال حول قدرة المجتمع المدني المصري على استعادة المبادرة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة قائماً وبقوة. فالحق في العيش في دولة يحكمها القانون والمؤسسات المنتخبة هو مطلب أصيل لا يسقط بالتقادم، وهو السبيل الوحيد لضمان استقرار مستدام بعيداً عن الحلول الأمنية.

إن بناء مصر المستقبل يتطلب رؤية اقتصادية عادلة تنهي الاحتكار وتفتح الباب أمام الشباب والقطاع الخاص للمساهمة في التنمية. وبدون إصلاحات سياسية حقيقية تضمن تداول السلطة، ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من الأزمات التي تهدد النسيج الاجتماعي والنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

عربي ودولي

الجمعة 13 فبراير 2026 5:16 مساءً - بتوقيت القدس

وثائق أمريكية تكشف تسريب 'أندرو' معلومات سرية حول ثروات أفغانستان لجيفري إبستين

كشفت وثائق رسمية حديثة صادرة عن وزارة العدل الأمريكية تفاصيل مثيرة للجدل حول طبيعة العلاقة التي جمعت بين أندرو ماونتباتن - ويندسور، ورجل الأعمال الأمريكي الراحل المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين. وتُظهر هذه الوثائق تورط المبعوث البريطاني السابق للتجارة والاستثمار في مشاركة معلومات وصفت بأنها 'سرية' تتعلق بفرص اقتصادية واستثمارية في أفغانستان.

وتشير المعلومات التي اطلعت عليها مصادر إعلامية إلى أن الموجز الاستثماري المؤرخ في التاسع عشر من كانون الأول عام 2010، ركز بشكل أساسي على ولاية هلمند الأفغانية. وقد تضمن التقرير تفاصيل دقيقة حول إمكانات استخراج المعادن النفيسة مثل الذهب واليورانيوم بتكاليف إنتاج منخفضة للغاية، مما يجعله مطمعاً للمستثمرين الدوليين.

ولم يقتصر الموجز السري على المعادن فحسب، بل امتد ليشمل تقديرات حول وجود احتياطيات من النفط والغاز الطبيعي في المنطقة ذاتها. كما لفت التقرير الانتباه إلى المزايا اللوجستية، موضحاً أن المطار الرئيسي في ولاية هلمند لا يبعد سوى تسعين دقيقة طيران عن مدينة دبي، مما يسهل عمليات النقل والتجارة.

وبحسب الوثائق المسربة، فقد تم إرسال هذا الموجز عبر بريد إلكتروني في ليلة عيد الميلاد عام 2010، وتحديداً في الرابع والعشرين من كانون الأول. وحملت الرسالة عبارة واضحة تشير إلى أن المرفق هو 'موجز سري' أعده فريق إعادة إعمار ولاية هلمند، وهو جهة كانت تعمل تحت إشراف مباشر من الحكومة البريطانية.

ويعد فريق إعادة إعمار هلمند مبادرة تقودها المملكة المتحدة تهدف في الأصل إلى دعم الحوكمة والتنمية المستدامة في الولاية الأفغانية المضطربة. إلا أن توظيف تقارير هذا الفريق في مراسلات خاصة مع شخصية مثيرة للجدل مثل إبستين يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة حول استغلال المنصب الرسمي لأغراض غير معلنة.

وتؤكد البروتوكولات الرسمية البريطانية أن المبعوثين التجاريين ملزمون بمعايير صارمة تشبه تلك المفروضة على الوزراء في الحكومة. ويشمل ذلك ضرورة الحفاظ على سرية المعلومات الحساسة، سواء كانت تجارية أو سياسية، وهو التزام قانوني يظل سارياً حتى بعد مغادرة الشخص لمنصبه الرسمي.

وفي تطور ميداني، أعلنت شرطة وادي التايمز البريطانية أنها بدأت بالفعل في تقييم تقرير يتضمن مزاعم حول مشاركة مواد سرية من قبل أندرو مع إبستين. وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من الجدل الذي أحاط بفترة عمله كمبعوث تجاري والتي بدأت في عام 2001 وانتهت باستقالته تحت ضغط شعبي.

وأوضح متحدث باسم الشرطة البريطانية أن الجهاز الأمني تسلم التقرير رسمياً ويقوم حالياً بفحص كافة المعلومات الواردة فيه وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة. وشدد المتحدث على أن عملية التقييم ستحدد ما إذا كان هناك أساس لفتح تحقيق جنائي موسع حول تسريب هذه الوثائق الحساسة.

من جانبه، التزم أندرو ماونتباتن - ويندسور الصمت تجاه هذه الادعاءات الأخيرة، رغم محاولات وسائل الإعلام التواصل معه للحصول على تعقيب رسمي. وكان قد نفى في مناسبات سابقة ارتكاب أي مخالفات قانونية تتعلق بصداقته مع إبستين، معتبراً أن تلك العلاقة كانت خطأ في التقدير الشخصي.

وفي سياق متصل، أفادت تقارير بأن الملك تشارلز الثالث أبدى استعداده الكامل لدعم جهود الشرطة البريطانية في تحقيقاتها الجارية. ويعكس هذا الموقف رغبة المؤسسة الملكية في الشفافية والتعاون مع السلطات القضائية لإنهاء هذا الملف الذي أثر على صورة العائلة لسنوات طويلة.

وتسلط هذه التسريبات الضوء من جديد على شبكة العلاقات المعقدة التي نسجها جيفري إبستين مع شخصيات نافذة حول العالم. ويبدو أن اهتمامات إبستين لم تقتصر على النفوذ الاجتماعي، بل امتدت لتشمل الحصول على معلومات استخباراتية واقتصادية من مصادر رفيعة المستوى في الحكومات الغربية.

ويرى مراقبون أن الكشف عن هذه الوثيقة قد يفتح الباب أمام مطالبات برلمانية في لندن لإعادة التحقيق في كافة الأنشطة التي قام بها أندرو خلال توليه مهامه الرسمية. وتتركز المخاوف حول مدى تضرر المصالح القومية البريطانية نتيجة تداول معلومات سرية مع أطراف غير مخولة بالاطلاع عليها.

إن طبيعة المعلومات المتعلقة باليورانيوم والذهب في منطقة صراع مثل أفغانستان تمنح القضية بعداً أمنياً يتجاوز مجرد الفساد الإداري. فالحصول على مثل هذه البيانات في عام 2010 كان يمثل ميزة استراتيجية كبرى في وقت كانت فيه القوى الدولية تتنافس على تأمين موارد الطاقة والمعادن.

ختاماً، تظل هذه القضية مفتوحة على احتمالات عديدة مع استمرار تدفق المعلومات من وثائق وزارة العدل الأمريكية. وسيكون لنتائج تقييم شرطة وادي التايمز دور حاسم في تحديد المسار القانوني القادم، وما إذا كان أندرو سيواجه اتهامات رسمية تتعلق بإساءة استخدام الأسرار الحكومية.

اقتصاد

الجمعة 13 فبراير 2026 5:16 مساءً - بتوقيت القدس

تغييرات جذرية في قيادة موانئ دبي العالمية وإزاحة سلطان بن سليم

أعلن المكتب الإعلامي لحكومة دبي عن تغييرات هيكلية واسعة في الإدارة العليا لمجموعة موانئ دبي العالمية، شملت تعيين عيسى كاظم رئيساً لمجلس الإدارة. كما تضمنت القرارات الجديدة تكليف يوفراج نارايان بمهام الرئيس التنفيذي للمجموعة، ليحلان بذلك محل سلطان بن سليم الذي غادر مناصبه القيادية في الشركة العملاقة.

تأتي هذه الخطوة المفاجئة في أعقاب تقارير كشفت عن وجود علاقات وثيقة جمعت بين بن سليم ورجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية دولية. وأوضح المكتب الإعلامي أن هذه التعيينات تهدف بشكل أساسي إلى تعزيز منظومة الحوكمة والشفافية وضمان استقرار القيادة المؤسسية داخل الشركة التي تعد ركيزة اقتصادية هامة.

وكانت الضغوط الدولية قد تصاعدت ضد المجموعة الإماراتية، حيث أعلنت المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي، المملوكة للحكومة البريطانية، عن وقف كافة استثماراتها مع موانئ دبي العالمية. وجاء هذا القرار من المؤسسة التي تدير أصولاً بقيمة 13.6 مليار دولار كاحتجاج مباشر على صلات رئيس الشركة التنفيذي السابق بملف إبستين.

ولم تكن المؤسسة البريطانية هي الوحيدة التي اتخذت إجراءات عقابية، إذ سبقها صندوق التقاعد الكندي بخطوات مماثلة، وهو الذي يعتبر شريكاً مالياً استراتيجياً في عدة مشاريع دولية للشركة. وتعكس هذه الانسحابات المالية حجم القلق لدى المستثمرين الدوليين من التبعات القانونية والأخلاقية المرتبطة بالقيادة السابقة للمجموعة.

ويعد سلطان بن سليم من أبرز الشخصيات الاقتصادية في دبي، حيث قاد مسيرة توسع 'دي بي ورلد' لأكثر من أربعين عاماً، محولاً إياها إلى واحدة من أضخم شركات اللوجستيات في العالم. وتحت إدارته، وصلت عمليات الشركة إلى مختلف القارات، بما في ذلك أسواق كندا وبيرو والهند وأنجولا، لتسيطر على حصة ضخمة من حركة الملاحة.

وتمتد أنشطة المجموعة إلى ما هو أبعد من إدارة الموانئ، حيث تدير نحو 10% من إجمالي حركة التجارة العالمية وتنشط في مجالات الرعاية الرياضية الكبرى. فهي الشريك اللوجستي الرسمي لفريق ماكلارين في سباقات الفورمولا 1، وترعى جولات الغولف الاحترافية في أوروبا، بالإضافة إلى ظهور شعارها على قمصان فرق رياضية في جنوب أفريقيا وأستراليا.

وإلى جانب دوره في موانئ دبي، كان بن سليم يشغل مناصب حساسة أخرى منها رئاسة غرفة دبي العالمية ومؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة. كما ارتبط اسمه بمشاريع عقارية أيقونية في الإمارة، أبرزها تأسيس شركة نخيل التي طورت جزر النخلة، فضلاً عن مساهمته الجوهرية في إنشاء مركز دبي للسلع المتعددة.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 4:31 مساءً - بتوقيت القدس

إعلام عبري: جيش الاحتلال يقر بالعجز عن كشف خريطة أنفاق المقاومة في غزة

كشفت تقارير صحفية عبرية عن أزمة ثقة متصاعدة داخل أروقة جيش الاحتلال الإسرائيلي، تتعلق بمدى القدرة على تفكيك البنية التحتية لشبكة أنفاق حركة حماس في قطاع غزة. وأوضحت المصادر أن التقديرات العسكرية الحالية تشير إلى فشل ذريع في الوصول إلى 'المدينة السفلية' التي تديرها المقاومة، رغم الكثافة النارية والعمليات البرية الواسعة التي نُفذت على مدار أشهر طويلة من العدوان.

وأفادت مصادر إعلامية بأن جيش الاحتلال لا يزال يفتقر حتى اللحظة إلى خريطة استخباراتية شاملة أو دقيقة توضح مسارات وتشعبات هذه الأنفاق تحت أراضي القطاع. وأكدت التقارير أن هذه الشبكة لا تزال تعمل بكفاءة عالية، حتى في المناطق التي صنفها الاحتلال ضمن نطاق سيطرته الجغرافية المعروف بـ 'الخط الأصفر'، مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى العمليات العسكرية المعلنة.

وفي تفاصيل الميدان، نقلت مصادر عن ضابط في القوات البرية للاحتلال أن الوحدات الهندسية تضطر للجوء إلى أساليب بدائية وعشوائية في البحث، من خلال استخدام مثاقب آبار عملاقة للتنقيب وسط الركام والدمار. وتهدف هذه المحاولات الارتجالية إلى الاصطدام بأي 'فراغات' قد تشير إلى وجود ممرات سرية، إلا أن هذه الطريقة نادراً ما تحقق نتائج ملموسة في ظل التعقيد الهندسي الذي تتمتع به أنفاق المقاومة.

من جانبها، أكدت صحيفة 'هآرتس' العبرية وجود حالة من التشكيك المتنامي بين الجنود والقادة الميدانيين حول إمكانية تحقيق هدف تدمير الأنفاق بشكل كلي. وأشارت الصحيفة إلى أن الشهادات القادمة من الميدان تؤكد أن الجزء الأكبر من هذه المنظومة الدفاعية لا يزال مجهولاً تماماً للأجهزة الأمنية، ولم يتم الكشف عنه أو التعامل معه عسكرياً حتى الآن، مما يعزز من قدرة المقاومة على المناورة.

ويعكس هذا الفشل الاستخباراتي والميداني حجم التحديات التي تواجه قوات الاحتلال في مواجهة البنية التحتية العسكرية لحماس، والتي صُممت لتكون عصية على الاختراق التقني التقليدي. وتؤكد هذه المعطيات أن السيطرة فوق الأرض لا تعني بالضرورة تحييد المخاطر القادمة من الأسفل، حيث تظل الأنفاق السلاح الاستراتيجي الأبرز الذي يربك حسابات القيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب.

منوعات

الجمعة 13 فبراير 2026 4:01 مساءً - بتوقيت القدس

عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصراع الأجيال

يعد فيلم 'العصفور' الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1972، علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، كونه أول عمل يقارب هزيمة عام 1967 بصورة مباشرة وجريئة. ولم يكن الفيلم مجرد رصد عسكري للنكسة، بل غاص في أعماق الجبهة الداخلية ليكشف عن جذور الهزيمة المتمثلة في الفساد والبيروقراطية التي نهشت جسد الدولة المصرية آنذاك.

واجه شاهين صعوبات جمة في تمرير رؤيته الفنية، حيث قوبل فيلمه 'النيل والحياة' (1968) بالمنع المطلق ولم يرَ النور إلا بعد مرور أكثر من خمسين عاماً. هذا التضييق الرقابي عكس ضيق صدر السلطات بالانتقادات التي وجهها المخرج لمشاريع قومية كبرى مثل السد العالي، وتطرقه لقضايا شائكة كتهجير النوبيين.

اضطر شاهين للجوء إلى الإنتاج المشترك مع مؤسسة السينما الجزائرية لإنجاز 'العصفور' بعد تعثر الاتفاق مع المؤسسة المصرية العامة للسينما. هذا التعاون سمح للفيلم بالتحليق عالمياً، حيث شارك في مهرجان كان السينمائي عام 1973 ممثلاً لدولة الجزائر، في وقت كان فيه ممنوعاً من العرض داخل وطنه الأم.

تتمحور حبكة الفيلم حول شخصية 'بهية' التي جسدتها الفنانة محسنة توفيق، والتي تحولت بمرور الوقت إلى رمز وطني يختزل صمود الشعب المصري. بهية في الفيلم هي الخياطة التي تفتح بيتها للمثقفين والمتمردين، وهي التي أطلقت الصرخة الشهيرة 'لا.. هنحارب' في لحظة تنحي الرئيس جمال عبد الناصر.

يربط الفيلم بين الهزيمة العسكرية وبين الفساد الداخلي من خلال شخصية 'أبو خضر'، المجرم الذي ينهب القطاع العام تحت حماية لصوص شرعيين في السلطة. ويرى الصحافي يوسف فتح الباب، أحد أبطال الفيلم أن 'أبو خضر' ليس إلا عرضاً لمرض عضال يستوجب الاستئصال من الجذور لضمان أي نصر مستقبلي.

يقدم شاهين في 'العصفور' صراعاً طبقياً وأوديبيًا بين جيل الآباء المتنفذين وجيل الأبناء المتمردين الذين انحازوا للشارع وهمومه. فالضابط رؤوف يكتشف أن والده الحقيقي ليس اللواء المتسلط، بل هو الشاعر المعارض الذي تم تهميشه، في إشارة رمزية إلى انقطاع الشرعية بين النظام وجيل الشباب.

لعبت موسيقى الشيخ إمام وأشعار أحمد فؤاد نجم دوراً محورياً في صياغة الوجدان السياسي للفيلم، خاصة أغنية 'مصر ياما يا بهية'. هذه الأغنية لم تكن مجرد خلفية موسيقية، بل كانت المحرك العاطفي الذي ربط بين أحلام البسطاء في النصر وبين واقعهم المرير تحت وطأة القمع والفساد.

لم يُسمح بعرض الفيلم في مصر إلا في أغسطس 1974، وذلك بعد استثمار انتصار أكتوبر لرد الاعتبار للمؤسسة العسكرية والسياسية. واشترطت الرقابة حينها إضافة جملة افتتاحية تربط بين انطلاق 'العصفور' وبين عبور القوات المسلحة لقناة السويس، في محاولة لتخفيف حدة النقد السياسي الموجه للحقبة الناصرية.

رغم السماح بالعرض، لم يصمد الفيلم طويلاً في دور السينما، حيث سُحب بعد خمسة أسابيع فقط، وهو مصير تكرر مع العديد من أعمال شاهين المثيرة للجدل. هذا القصر في مدة العرض يعكس استمرار الحذر الرسمي من الرسائل السياسية العميقة التي كان يبثها المخرج في أعماله الكلاسيكية.

يتطرق الفيلم أيضاً إلى قضية الجهل من خلال شخصية الطفل القروي الذي يصر على الوصول للحسين طلباً للشفاء المعجز لقريبه المشلول. يرمز هذا الطفل لعزيمة المصريين القوية التي تضل طريقها أحياناً بسبب غياب العلم والوعي، مما يؤدي إلى هدر الطاقات في مسارات غير منتجة.

تزامن العرض الأول للفيلم مع حملة اعتقالات طالت الشيخ إمام وعدد من الفنانين الذين شاركوا في العمل أو ارتبطوا بصداقة مع صناعه. ومن بين المعتقلين كان الفنان علي الشريف والمخرج المساعد علي بدرخان، مما يؤكد المناخ الأمني المشحون الذي أحاط بإنتاج وعرض هذه التحفة السينمائية.

يظل 'العصفور' وثيقة سينمائية وتاريخية ترصد لحظة الانكسار والتحول في التاريخ العربي المعاصر، متجاوزاً حدود السينما الروائية إلى آفاق التحليل السياسي. لقد نجح شاهين في جعل الفيلم مرآة تعكس تناقضات المجتمع المصري بين الدعاية الرسمية والواقع المعاش في القرى والأزقة.

إن ترميم نسخة 'النيل والحياة' وعرضها في عام 2020 أعاد الاعتبار لمشروع شاهين السينمائي الذي كان يسبق عصره في نقد السلطة والارتباط بالناس. هذه الأفلام لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت محاولات جادة لفهم أسباب الهزيمة وكيفية النهوض منها عبر المواجهة والمكاشفة لا عبر الشعارات الجوفاء.

في الختام، يمثل 'العصفور' صرخة احتجاجية ضد كل أشكال الوصاية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، مؤكداً أن الحرية هي السبيل الوحيد للنصر. وتبقى شخصية بهية وصرختها المدوية ملهمة للأجيال المتعاقبة في بحثها عن العدالة والكرامة الوطنية بعيداً عن زيف الخطابات الرسمية.

صحة

الجمعة 13 فبراير 2026 4:01 مساءً - بتوقيت القدس

حقيقة فوائد شرب الماء الساخن: هل هو علاج سحري أم مجرد اتجاه عابر؟

ضجت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً بموجة من النصائح التي تحث على تناول كوب من الماء الساخن يومياً كروتين صباحي. ويدعي مروجو هذه العادة أنها تمتلك قدرات فائقة في إنقاص الوزن وتحسين نضارة البشرة وتخفيف الآلام، مما جعلها تتحول إلى اتجاه صحي عالمي يتبعه الملايين بحثاً عن حلول طبيعية وبسيطة.

وعلى الرغم من الجاذبية التي تحيط بهذه الادعاءات، إلا أن الأبحاث العلمية تقدم رؤية مغايرة تماماً لما يتم تداوله. حيث تشير مصادر طبية إلى أن شرب الماء الساخن، رغم كونه آمناً في المجمل، لا يمتلك خصائص علاجية فريدة تميزه عن الماء الفاتر أو البارد، بل تظل الفائدة الكبرى مرتبطة بجوهر الترطيب لا بدرجة الحرارة.

وفيما يخص خسارة الوزن، تؤكد الدراسات السريرية غياب أي دليل يثبت أن الماء الساخن وحده يؤدي إلى حرق الدهون بشكل مباشر. ومع ذلك، قد يساهم شرب الماء عموماً في زيادة الشعور بالشبع وتقليل استهلاك المشروبات السكرية، مما يدعم جهود الحمية الغذائية بطريقة غير مباشرة لا علاقة لها بحرارة السائل.

وتوضح التقارير أن بعض الدراسات المحدودة أشارت إلى دور الماء الدافئ في تحفيز حركة الأمعاء بشكل طفيف، وهو ما قد يحسن من عملية الهضم لدى البعض. لكن هذا التأثير الفسيولوجي البسيط لا يمكن ترجمته إلى فقدان فعلي للوزن أو التخلص من الأنسجة الدهنية كما يروج البعض في مقاطع الفيديو المنتشرة.

أما في حالات التهاب الحلق، فإن السوائل الدافئة تكتسب ميزة نسبية واضحة من خلال قدرتها على تهدئة الأنسجة المتهيجة. وتعمل الحرارة المعتدلة على تليين المخاط وتخفيف احتقان الأنف، مما يوفر شعوراً مؤقتاً بالراحة للمريض، دون أن يعني ذلك قدرة الماء على القضاء على العدوى أو تقصير مدة المرض.

وبالنسبة لصحة الجلد، يشدد الخبراء على أن الحفاظ على رطوبة الجسم هو العامل الحاسم في مرونة الجلد ومنع جفافه. ولا يوجد أي إثبات علمي يربط بين سخونة الماء وبين صفاء البشرة، حيث تظل وظيفة التخلص من السموم منوطة بالكبد والكليتين بشكل حصري، ولا تتأثر بدرجة حرارة ما نشربه.

وفي سياق آلام الدورة الشهرية، يفرق الأطباء بين التأثير الإيجابي للحرارة الموضعية وتأثير شرب السوائل الساخنة. فبينما تساعد القرب الدافئة على إرخاء العضلات عند وضعها على البطن، لا تظهر الأدلة أن تناول الماء الساخن يمتلك تأثيراً مشابهاً في تخفيف التقلصات الرحمية بشكل ملموس.

ويرى محللون أن استمرار انتشار هذه الادعاءات يعود إلى الإحساس النفسي بالراحة الذي يوفره المشروب الدافئ، خاصة في الصباح. هذا الشعور بالانضباط الذاتي واتباع روتين معين يمنح الشخص طاقة إيجابية، وهو ما تضخمه وسائل التواصل الاجتماعي عبر قصص شخصية تفتقر غالباً للدقة العلمية.

وتشير مصادر إلى أن استبدال المشروبات الغازية أو القهوة المحلاة بالماء الساخن هو السبب الحقيقي وراء أي تحسن صحي قد يلاحظه البعض. فالتغيير هنا ناتج عن تقليل السعرات الحرارية وزيادة كمية المياه المستهلكة يومياً، وليس بسبب 'سحر' الحرارة التي يحملها الكوب.

كما يحذر المختصون من شرب الماء بدرجات حرارة عالية جداً أو مغلية، لما قد يسببه ذلك من حروق في المريء أو أنسجة الفم. ويُنصح دائماً بأن يكون الماء دافئاً ومريحاً للتناول لضمان الحصول على فوائد الترطيب دون التعرض لمخاطر صحية جانبية لا داعي لها.

إن الاعتماد على الماء الساخن كعلاج وحيد لمشاكل صحية معقدة مثل السمنة أو حب الشباب يعد تضليلاً طبياً. فالصحة المستدامة تتطلب توازناً في الغذاء والنشاط البدني، بينما يظل الماء بكافة درجات حرارته عنصراً مكملاً وضرورياً للحياة والعمليات الحيوية داخل الجسم.

وتلعب التأثيرات 'الطقسية' دوراً كبيراً في تبني هذه العادة، حيث يربط الكثيرون بين الدفء والاسترخاء. هذا الارتباط الذهني قد يقلل من مستويات التوتر، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة العامة، لكنه يظل تأثيراً نفسياً في المقام الأول وليس نتيجة لتفاعل كيميائي حراري.

في الختام، يبقى الماء هو المشروب الأهم لصحة الإنسان سواء كان بارداً أو ساخناً، واختيار درجة حرارته يظل مسألة تفضيل شخصي. وإذا كان شرب الماء الدافئ يساعد الفرد على شرب كميات أكبر من السوائل، فلا بأس من الاستمرار في ذلك كجزء من نمط حياة صحي وشامل.

يجب على المستهلكين دائماً فحص المعلومات الصحية المنتشرة عبر الإنترنت بعين ناقدة والرجوع إلى المصادر الموثوقة. فالحقائق العلمية تؤكد أن الترطيب هو المفتاح، وأن جسد الإنسان مصمم للتعامل مع السوائل بكفاءة عالية بغض النظر عن حرارتها الخارجية بمجرد وصولها إلى المعدة.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 3:38 مساءً - بتوقيت القدس

الدستور الفلسطيني: من منطق الثورة إلى منطق الدولة

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا يكون الحديث عن الدستور مجرد نقاش قانوني أو شكلي، بل يصبح سؤالًا عن شكل المستقبل ذاته، عن الهوية السياسية، وعن القدرة على إدارة الدولة حتى في أصعب الظروف. وفي الحالة الفلسطينية، يعود هذا السؤال اليوم بإلحاح غير مسبوق، كأنه محاولة لالتقاط لحظة سياسية هاربة بين الحرب والانقسام والبحث عن شرعية متجددة. منذ إقرار القانون الأساسي الفلسطيني عام 2003 وتعديله عام 2005، ظل هذا النص بمثابة دستور مؤقت ينظم عمل السلطة الوطنية الفلسطينية، لكنه بقي إطارًا انتقاليًا أكثر منه عقدًا اجتماعيًا دائمًا، ومع تعطل المجلس التشريعي لسنوات طويلة وتوسع الحكم عبر القرارات بقوانين، بدأ الخلل البنيوي في العلاقة بين السلطات يظهر بوضوح، وبدأت الأسئلة تتكاثر حول من يملك القرار، ومن يراقب، ومن يحاسب، ولم يعد النقاش حول الدستور مسألة شكلية، بل أصبح مرتبطًا بجوهر النظام السياسي نفسه.

ثم جاءت التحولات الكبرى، لا سيما في قطاع غزة، لتضع النظام الفلسطيني أمام امتحان وجودي. الحديث عن “اليوم التالي” للحرب، عن إعادة الإعمار، وعن إدارة مرحلة سياسية وأمنية مختلفة، لا يمكن فصله عن الحاجة إلى مرجعية دستورية واضحة. فإعادة بناء الحجر لا تنفصل عن إعادة بناء الإطار الذي يحكم البشر. وفي ظل واقع منقسم منذ عام 2007 بين الضفة الغربية وغزة، لم يعد ممكنًا تجاهل أن هناك نظامين إداريين وقانونيين نشأ بحكم الأمر الواقع، وأي حديث جدي عن إنهاء الانقسام لا بد أن يمر عبر صياغة عقد سياسي جديد يعيد توحيد المؤسسات تحت مرجعية واحدة متفق عليها.

ولا يمكن تجاهل الأثر المباشر للحروب على الوعي الشعبي. فحرب غزة الأخيرة لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت ضربة أيقظت الفكر الفلسطيني وكوته وعيه السياسي والاجتماعي، وجعلت الشارع أكثر إدراكًا لتناقضات السلطة بين منطق المقاومة المسلحة وضرورة بناء الدولة. هذه اللحظة أثبتت أن الشعب الفلسطيني لا يقبل بالحلول الجزئية أو المراوغة، وأن أي استمرار في نهج الصراع المسلح وحده قد يؤدي إلى المزيد من الانكسارات. في المقابل، تراها القيادة فرصة لإعادة النظر جذريًا في المنهج السياسي، نحو الابتعاد عن المقاومة المسلحة كخيار وحيد، وإعطاء طريق البديل—المقاومة السلمية وبناء المؤسسات الوطنية—فرصة واقعية لتثبيت شرعية الدولة وإعادة ترتيب النظام السياسي.

لكن المسألة لا تتعلق فقط بالانقسام الداخلي أو بتأثير الحروب على الشارع. فمنذ أن حصلت فلسطين عام 2012 على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة, أخذ الخطاب السياسي الفلسطيني يتحدث بلغة الدولة أكثر من لغة السلطة. الانضمام إلى المعاهدات والمنظمات الدولية عزز هذا التحول الرمزي والقانوني، لكن الدولة، في تعريفها الحديث، ليست مجرد اعتراف خارجي، بل هي أيضًا نظام دستوري داخلي يحدد شكل الحكم، وطبيعة النظام السياسي، وحدود الصلاحيات، وآليات تداول السلطة. هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نحن أمام سلطة انتقالية مفتوحة الأمد، أم أمام دولة تحتاج إلى دستور دائم يعكس هويتها السياسية؟

في صلب هذا النقاش، تبرز مسألة الشرعية. المؤسسات المنتخبة تجاوزت مددها الدستورية منذ سنوات، والانتخابات العامة لم تُجرَ، وباتت الشرعية تستند أكثر إلى الواقع السياسي منها إلى صناديق الاقتراع. الدستور، في هذه اللحظة، يبدو كمدخل لإعادة تأسيس الشرعية على قاعدة واضحة: تحديد مدد الرئاسة والبرلمان، تنظيم الانتخابات، وضمان الفصل الحقيقي بين السلطات. إنه ليس مجرد نص قانوني، بل إطار يعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ومع ذلك، لا يخلو التوقيت من إشكاليات. فثمة من يرى أن الحديث عن دستور دائم في ظل استمرار الاحتلال هو قفز فوق حقيقة أن السيادة ما تزال منقوصة. كيف يمكن صياغة عقد دستوري كامل بينما الحدود والمعابر والمجال الجوي ليست تحت السيطرة الوطنية؟ وهناك من يعتبر أن الأولوية يجب أن تكون للإغاثة وإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار، لا لنقاشات دستورية قد تبدو نظرية في ظل واقع ميداني مضطرب. كما أن غياب توافق وطني شامل قد يحول أي مشروع دستور إلى ساحة صراع جديدة بدل أن يكون جسرًا للوحدة.

صحيح، ولا يمكن فهم لحظة النقاش الدستوري الفلسطيني دون إدراج العامل الإسرائيلي، وخصوصًا دور اليمين الإسرائيلي في توظيف التناقضات الداخلية الفلسطينية سياسيًا وأمنيًا. منذ سنوات، بنى اليمين في إسرائيل سرديته على مقولة أساسية: “لا يوجد شريك فلسطيني للسلام”. هذه المقولة لم تكن مجرد توصيف سياسي، بل أداة استراتيجية لإدارة الصراع بدل حله. ومع صعود حكومات يمينية متعاقبة، خصوصًا في عهد بنيامين نتنياهو، تحولت هذه السردية إلى إطار حاكم للسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

استثمار التناقض الفلسطيني كان واضحًا. الانقسام بين الضفة وغزة، وازدواجية النهج بين بناء مؤسسات السلطة من جهة، واستمرار مظاهر المقاومة بأشكالها المختلفة من جهة أخرى، وفّرت لليمين الإسرائيلي مادة جاهزة لتعزيز خطابه أمام المجتمع الإسرائيلي والعالم. فالحجة كانت واضحة: إذا كان الفلسطينيون يريدون دولة، فعليهم أن يوحدوا قرارهم السياسي، ينزعوا سلاح الفصائل، يوقفوا كل أشكال المقاومة المسلحة، ويثبتوا عمليًا أنهم ملتزمون بمسار تفاوضي حصري. في المقابل، أي استمرار للعنف أو حتى الخطاب المزدوج كان يُستخدم كدليل على أن “النية الحقيقية” ليست السلام، بل إدارة صراع طويل الأمد.

بهذا المعنى، لعب اليمين الإسرائيلي على التناقض بين منطق الثورة ومنطق الدولة داخل التجربة الفلسطينية. فطالما ظل المشروع الفلسطيني يتحرك في منطقة رمادية بين التحرر الوطني وبناء الدولة، كان من السهل تسويقه إسرائيليًا ككيان غير مستقر، غير موحد، وغير قادر على الالتزام بتعهدات نهائية. ومن منظور إسرائيلي يميني، الثقة لا تُبنى عبر الخطاب السياسي، بل عبر السلوك الأمني الصارم. أي أن “الشريك” المقبول هو ذاك الذي يضبط الأرض أمنيًا، يمنع أي عمل مقاوم، ويُظهر قدرة كاملة على احتكار السلاح. لكن هنا تظهر المفارقة العميقة: الفلسطينيون يعيشون تحت احتلال مستمر، بينما يُطلب منهم في الوقت نفسه أن يتصرفوا كدولة ذات سيادة كاملة تضبط كل شيء. هذه معادلة غير متكافئة، إذ يُحمَّل الطرف الأضعف عبء إثبات الجدارة، في حين لا يُلزم الطرف الأقوى بتجميد الاستيطان أو إنهاء الوقائع الأحادية على الأرض.

في هذا السياق، يصبح النقاش الدستوري الفلسطيني جزءًا من معركة أوسع على السردية. فإذا اتجه الفلسطينيون نحو صياغة دستور يؤكد احتكار الدولة للسلاح، وضوح المرجعية السياسية، التزام آليات قانونية في إدارة الصراع، وتجديد الشرعية عبر الانتخابات، فإن ذلك يضعف حجة “لا يوجد شريك”، على الأقل في بعدها الشكلي والقانوني. لكن في المقابل، قد يرى البعض أن تحويل النظام السياسي بالكامل إلى نموذج “ضبط أمني” لإرضاء اليمين الإسرائيلي يحمل خطرًا آخر: فقدان التوازن الداخلي، وإضعاف الإجماع الوطني، وتحويل الدستور إلى أداة لتصفية الخلافات بدل تنظيمها.

المعضلة الفلسطينية هنا عميقة: إذا تمسكت بمنطق المقاومة، قيل إنها ليست شريكًا، وإذا ذهبت بعيدًا في منطق التهدئة والانضباط الأمني، قد تُتهم داخليًا بالتفريط أو المراهنة على مسار لم يحقق نتائج ملموسة منذ عقود. وهنا تتقاطع السياسة بالدستور. فالسؤال لم يعد فقط: ما شكل النظام السياسي؟ بل: ما تعريف المرحلة؟ هل هي مرحلة تحرر مفتوح؟ أم مرحلة تثبيت دولة قيد التشكل عبر أدوات قانونية ودبلوماسية؟

في هذا الإطار، كان إدراك القيادة الفلسطينية أن نهج المقاومة المسلحة، رغم شرعيته التاريخية، يُستغل سياسيًا وإعلاميًا من قبل إسرائيل، ويزيد من ضعف الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية، لذلك دعا مرارًا إلى التحول نحو المقاومة السلمية. هذه الدعوة لم تكن مجرد خيار أخلاقي، بل أداة استراتيجية لحماية المشروع الوطني، وتعزيز الشرعية الدولية، وإتاحة مساحة لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وترتيب العلاقة بين السلطات. المقاومة السلمية تمنح الفلسطينيين فرصة لتركيز الموارد والطاقة على بناء الدولة، صياغة الدستور، وتقوية مؤسسات السلطة، وفي الوقت نفسه تقليل الذريعة الإسرائيلية لاتهام الفلسطينيين بعدم الجدية في التفاوض أو عدم استعدادهم لشريك ثابت في السلام.

هذا التحول من منطق الثورة إلى منطق الدولة ليس سهلاً، فهو يتطلب تجاوز التناقضات بين الشرعية الثورية، التي تبرر الإجراءات الاستثنائية والمقاومة المسلحة، وبين الشرعية المؤسسية، التي تستلزم مؤسسات واضحة، قواعد حكم ثابتة، وآليات ديمقراطية.

الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة يعني إعادة صياغة المشروع الوطني ضمن إطار مؤسساتي دائم، دون التخلي عن جوهر النضال، ولكنه يفرض ضبط الصلاحيات، تنظيم الانتخابات، وإرساء قواعد واضحة لإدارة السلطة، حتى لا تصبح الاستثناءات مفتوحة قاعدة خطر على الدولة المستقبلية.

في هذا السياق، يصبح الدستور الفلسطيني أكثر من مجرد نص قانوني، فهو أداة لإعادة ضبط الساعة السياسية، لتقليل الفوضى، إدارة الانقسام، حماية المؤسسات، تأمين الشرعية، وإظهار قدرة الفلسطينيين على إدارة دولة حتى في ظل الاحتلال. هو إعلان بأن الصراع مستمر، لكن أدوات إدارته لم تعد ثورية فقط، بل مؤسساتية أيضًا. هو محاولة لخلق توازن بين الدفاع عن الحقوق الوطنية وبين الالتزام بآليات الدولة الحديثة، وهو لحظة تأسيس تعيد تعريف المشروع الوطني من زاوية مؤسساتية لا فقط نضالية. وفي ظل الصراعات الإقليمية، والانقسام الداخلي، واستغلال الجانب الإسرائيلي للتناقضات، يصبح النقاش حول الدستور الفلسطيني اليوم ليس رفاهًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية للبناء السياسي، وضمان شرعية المؤسسات، وإيجاد طريق فلسطيني متوازن بين المقاومة المشروعة وإمكانات الدولة الحديثة.

الدستور، في نهاية المطاف، ليس مجرد نصوص أو مواد قانونية، بل مرآة تعكس نضج التجربة السياسية الفلسطينية، إعلانًا بأن المشروع الوطني قادر على تجاوز الانقسامات الداخلية واستعادة وحدة القرار، وفي الوقت ذاته أداة مواجهة ذكية لاستغلال القوى الخارجية للتناقضات الداخلية، من أجل الحفاظ على المشروع الوطني، تعزيز شرعية الدولة، وتثبيت الأسس التي ستُمكّن الفلسطينيين من إدارة مستقبلهم بأنفسهم، حتى في ظل الظروف الصعبة للاحتلال والانقسام المستمر.



فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

بن غفير يقتحم سجن عوفر ويهدد الأسرى بالإعدام قبيل شهر رمضان

أقدم وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، صباح اليوم الجمعة، على اقتحام زنازين الأسرى الفلسطينيين في سجن عوفر العسكري المقام قرب مدينة رام الله. ورافق بن غفير في هذه الجولة الاستفزازية مدير مصلحة السجون الإسرائيلية، حيث تفقد الزنازين التي يقبع فيها مئات الأسرى وسط إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الاقتحام تزامن مع عمليات قمع واسعة نفذتها وحدات السجون، شملت إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية داخل الغرف المغلقة. كما أظهرت توثيقات مصورة قيام عناصر الاحتلال بتوجيه الأسلحة الرشاشة مباشرة نحو الأسرى في زنازينهم، مما أثار حالة من التوتر الشديد داخل أقسام السجن.

ووجه بن غفير خلال جولته تهديدات مباشرة للأسرى الفلسطينيين، محذراً إياهم من القيام بأي خطوات احتجاجية أو تحركات تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك. وتفاخر الوزير المتطرف بالتضييقات التي فرضها على ظروف الاعتقال منذ توليه منصبه، معتبراً أن السجون تحولت إلى أماكن للردع ولم تعد توفر أي سبل للراحة كما كان يدعي سابقاً.

وفي سياق تصريحاته التحريضية، أكد بن غفير لعناصر مصلحة السجون أن التغييرات الحالية غير كافية، مشدداً على سعيه الحثيث لإقرار قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين. وتأتي هذه التصريحات في وقت تزداد فيه المخاوف الدولية من تحول السجون الإسرائيلية إلى مراكز للقتل البطيء تحت غطاء سياسي رسمي من الحكومة اليمينية المتطرفة.

وكان تقرير حقوقي صادر عن مركز 'بتسيلم' قد كشف في وقت سابق من العام الجاري عن تحول السجون الإسرائيلية إلى 'شبكة معسكرات تعذيب ممنهجة'. وأكد التقرير أن السياسة الرسمية المتبعة تقوم على التنكيل الجسدي والنفسي، والتجويع المتعمد، بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد والعزل التام عن العالم الخارجي والمحامين.

وتشير الإحصائيات إلى استشهاد ما لا يقل عن 84 أسيراً داخل مراكز الاحتجاز منذ أكتوبر 2023 وحتى نهاية عام 2025، بينما ترفع منظمات حقوقية أخرى العدد إلى 94 شهيداً. ووفقاً لآخر المعطيات، يقبع في سجون الاحتلال نحو 10,863 أسيراً، من بينهم 350 طفلاً و48 أسيرة يعيشون في ظروف اعتقالية قاسية تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية.

فلسطين

الجمعة 13 فبراير 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

مأساة الجثامين المجهولة في غزة: آلاف العائلات تترقب مصير أبنائها وسط تعنت الاحتلال

تتصاعد مأساة آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مع استمرار تدفق جثامين الشهداء مجهولي الهوية، وهو الملف الذي بات يثقل كاهل نحو 9500 عائلة فقدت الاتصال بأبنائها. وأفادت مصادر ميدانية بأن الأيام الأخيرة شهدت مواراة جثامين 53 شهيداً الثرى، بعد أن سلمتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر دون أي بيانات توضيحية.

ووصلت هذه الجثامين إلى مواقع الدفن في حالة من الغموض التام، حيث امتنع الجانب الإسرائيلي عن تقديم أي تفاصيل تتعلق بملابسات استشهاد هؤلاء المواطنين أو الأماكن التي احتجزوا فيها طوال الفترة الماضية. وأكدت اللجان المختصة بملف المفقودين أن غياب المعلومات الرسمية يضاعف من عذاب ذوي الضحايا الذين يبحثون عن إجابات شافية.

وعلى مدار أسبوع كامل، شهد مجمع الشفاء الطبي توافد مئات العائلات في محاولات يائسة للتعرف على رفات أبنائها، إلا أن الصدمة كانت سيدة الموقف بسبب التشويه الشديد الذي طال الجثامين. وأوضحت المصادر أن فقدان أجزاء من الأجساد وتحللها جعل من عملية التعرف البصري أمراً شبه مستحيل في معظم الحالات التي وصلت مؤخراً.

وفي محاولة لتسهيل المهمة على الأهالي، لجأت اللجنة المختصة إلى تصوير بعض الرفات وعرضها عبر شاشات تلفزيونية داخل المستشفيات، على أمل رصد أي علامات فارقة قد تميز الشهيد. ورغم هذه الجهود المضنية، لم تسفر عمليات العرض عن نتائج ملموسة حتى الآن، مما اضطر الجهات المعنية للمضي قدماً في إجراءات الدفن الجماعي المنظم.

وجرت عمليات الدفن في ما بات يُعرف بـ 'مقبرة الأرقام' الواقعة جنوب مدينة دير البلح، حيث يتم تخصيص مساحات لمجهولي الهوية الذين تعذر الوصول لذويهم. وتشير الإحصائيات إلى مواراة أكثر من 450 شهيداً في هذه المقبرة منذ دخول اتفاق التهدئة حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر تشرين الأول لعام 2025.

وتواجه فرق الدفن صعوبات لوجستية هائلة نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، مما دفعهم لاستخدام وسائل بدائية في بناء القبور وتجهيزها. ويتم الاعتماد بشكل أساسي على حجارة المنازل المدمرة ومخلفات الركام لتحديد معالم القبور، في ظل نقص حاد في مواد البناء والمعدات اللازمة لتجهيز المقابر بشكل لائق.

وتم وضع الجثامين داخل أكياس بيضاء مع وضع أرقام تسلسلية على القبور، في خطوة تهدف إلى حفظ حقوق العائلات في إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) مستقبلاً. وتأمل السلطات المحلية في توفر الأجهزة التقنية والمخبرية اللازمة في وقت لاحق، لتمكين العائلات من استعادة رفات أبنائها ونقلهم إلى مقابر عائلاتهم.

ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تسلمت وزارة الصحة في غزة رفات 414 فلسطينياً عبر الصليب الأحمر، وذلك ضمن تفاهمات شملتها المرحلة الأولى من الاتفاق. وتؤكد المعطيات الرسمية أن الاحتلال كان يحتجز قبل هذا التاريخ نحو 735 جثماناً في مقابر سرية، بالإضافة إلى مئات المفقودين الذين لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.

وتشير تقارير حقوقية ومصادر إعلامية دولية إلى أن جيش الاحتلال يحتجز في معسكر 'سدي تيمان' وحده نحو 1500 جثمان لفلسطينيين من قطاع غزة. وتثير هذه الأرقام مخاوف كبيرة لدى المنظمات الإنسانية حول طبيعة الظروف التي قُتل فيها هؤلاء، ومدى الالتزام بالقوانين الدولية المتعلقة بمعاملة جثامين الضحايا في النزاعات المسلحة.

وتبقى العائلات الفلسطينية معلقة بين أمل العثور على أبنائها أحياء في سجون الاحتلال، أو الحصول على جثامينهم لدفنها بكرامة، حيث تستمر عمليات الاستدعاء للمطابقة الظاهرية. وتعتمد هذه العمليات على فحص الملابس أو الطول أو الإصابات القديمة، وهي وسائل تظل قاصرة أمام حجم التشويه والتحلل الذي يلحق بالجثامين المستلمة.

تحليل

الجمعة 13 فبراير 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

تنوير وتحرير.. قراءة تونسية جديدة تستنطق النص القرآني بمناهج العصر

صدر حديثاً عن مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص في تونس، كتاب جديد للباحث بجامعة الزيتونة محمد القوماني بعنوان 'تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم'. يقع الكتاب في 245 صفحة، ويقدم محاولة جادة لكسر الجمود في الدراسات القرآنية المعاصرة عبر استثمار المناهج العلمية الحديثة.

ينطلق المؤلف من ملاحظة تحول عميق في الدراسات الاستشراقية الحديثة، التي بدأت تقر بكنوز القرآن وإسهاماته في قضايا الحرية والرحمة. ويرى القوماني أن هذا التحول يستوجب استجابة إسلامية موازية تتجاوز التكرار والجمع الذي طبع الكثير من التفاسير الكلاسيكية عبر القرون الماضية.

يستلهم الكتاب 'الروح العاشورية' نسبة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، صاحب تفسير 'التحرير والتنوير'. ويسعى القوماني إلى البناء على ما أنجزه ابن عاشور من فتوحات مقاصدية، مع العمل على تجاوزها من خلال توظيف علوم النفس والاجتماع واللسانيات التداولية في فهم النص.

يؤكد الدكتور احميدة النيفر في مقدمته للكتاب أن هذا العمل يفتح مديات تتخطى الانقسام الحدي بين الجهود التفسيرية التقليدية والدراسات الحديثة. ويعتبر النيفر أن اعتناء القوماني بالدروب التأويلية المجددة يمثل فتحاً معرفياً يربط بين النص وسياقات الواقع المعيش.

قسم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول رئيسية، بدأها بتمهيد حول علاقة النقل بالعقل ومنزلة القرآن بوصفه خاتم الوحي. وطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية تجميد فهم النص عند عصر بعيد، مستعرضاً خصائص اللحظة المعرفية الراهنة التي يعيشها الفكر الإسلامي.

في الفصل الأول، يستعرض الكتاب راهنية المواقف من المنطق الأرسطي لدى الغزالي وابن رشد، وكيف تمت تبيئة المنطق داخل الثقافة الإسلامية. ويقارن المؤلف بين تلك التجارب التاريخية وبين محاولات المفكرين المعاصرين في التعامل مع الحداثة الغربية ومناهجها.

خصص القوماني الفصل الثاني لمناقشة قراءة محمد شحرور المعاصرة للتنزيل الحكيم، محللاً ما لها وما عليها من منظور نقدي. ويرى المؤلف أن شحرور أحدث جدلاً واسعاً بجهازه الاصطلاحي الفريد، مما يستدعي مراجعة منطلقاته ومكاسبه المعرفية بدقة.

أما الفصل الثالث، فقد ركز على 'السياقية التداولية' من خلال دراسة أعمال المستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو. واعتبر المؤلف أن إيزوتسو دشن ثورة منهجية في فهم الرؤية القرآنية للعالم، متجاوزاً الدلالات المعجمية الضيقة نحو فهم سياقي أرحب.

وفي الجانب التطبيقي، تناول الفصل الرابع قصة 'ذي القرنين' كنموذج لجدل الغيب والشهادة في القصص القرآني. وسعى المؤلف من خلال هذا النموذج إلى تقديم قراءة عقلانية تتجاوز 'الإسرائيليات' والخرافات التي طغت على التفاسير التقليدية لهذه القصة.

يشدد القوماني على أن تجديد قراءة النص القرآني ليس ترفاً فكرياً، بل هو مطلب حضاري ملح لمواجهة تحديات العصر. ويرى أن الانفتاح على المناهج المعاصرة لا يعني القطيعة مع التراث، بل هو حوار نقدي يستبقي الاجتهادات المستقيمة ويعيد النظر فيما تجاوزه الزمن.

يعتبر الكتاب أن 'التنوير شرط سابق للتحرير'، حيث يبدأ تحرير الإنسان المسلم من تحرير علاقته بالنص المؤسس. ويؤكد المؤلف أن تحرير الذوات وتنوير التفكير هو السبيل الوحيد لتحرير الشعوب والأوطان وتحقيق النهضة الحضارية المنشودة.

يستحضر المؤلف مقولة المفكر فضل الرحمن حول ضرورة النزعة العقلية الموصولة بأسلوب تفسير القرآن لإحداث تغيير اجتماعي. ويؤمن القوماني بأن تعثرات الحاضر تعود في جوهرها إلى الافتقار لمنهج صالح لفهم القرآن يتناسب مع تعقيدات اللحظة الراهنة.

يرى القوماني أن القرآن نص تأسيسي مفتوح على الزمان والمكان، وأن العقل هو 'الترجمان' الضروري لهذا النص الصامت بين الدفتين. ويستشهد بقول الإمام علي بن أبي طالب لتأكيد أن التأويل والتفسير هما مسؤولية إنسانية مستمرة لا تتوقف عند عصر معين.

يختتم الكتاب بالدعوة إلى بناء ثقافة قرآنية جديدة قوامها التفاعل الحر والمسؤول مع الوحي، بعيداً عن نزعات التكفير. ويؤكد أن القيم الكبرى مثل العدل والرحمة والتزكية يجب أن تكون هي البوصلة في أي جهد تأويلي معاصر يسعى لعمران الأرض.

اقتصاد

الجمعة 13 فبراير 2026 2:47 مساءً - بتوقيت القدس

تحرك كويتي تركي لرفع التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار وتعزيز الشراكة الاستراتيجية

أعلن سفير دولة الكويت لدى أنقرة، عبد العزيز العدواني، عن توجه بلاده الجاد نحو الارتقاء بالعلاقات الثنائية مع الجمهورية التركية لتصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وأوضح العدواني أن هذه الخطوة تأتي تتويجاً لعلاقات دبلوماسية وتاريخية متينة تمتد لنحو ستة عقود، مشيراً إلى توقيع مجموعة من الاتفاقيات الجديدة التي تهدف إلى مأسسة التعاون المشترك في مختلف المجالات الحيوية.

وتشمل خطط التعاون الموسعة بين البلدين قطاعات متنوعة تتصدرها الاستثمارات العقارية والتبادل التجاري، بالإضافة إلى مجالات التعليم والثقافة والسياحة والخدمات المصرفية. كما تركز التفاهمات الأخيرة على تطوير العمل المشترك في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، مما يعكس رغبة القيادتين في مواكبة التطورات التكنولوجية والصناعية العالمية وتوظيفها في خدمة المصالح المتبادلة.

من جانبها، كشفت مصادر دبلوماسية تركية عن قفزة نوعية في المؤشرات الاقتصادية، حيث سجل حجم التبادل التجاري بين أنقرة والكويت نمواً لافتاً بنسبة 52% خلال عام 2025، ليصل إلى نحو 1.08 مليار دولار. وأشارت المصادر إلى أن هذا النمو يمثل خطوة أولى نحو تحقيق الهدف الذي وضعه قادة البلدين للوصول بحجم التبادل التجاري السنوي إلى عتبة 5 مليارات دولار في المدى المنظور.

وفي سياق الدعم المؤسسي، أكدت السفارة التركية في الكويت استعدادها الكامل لتذليل العقبات أمام مجتمعي الأعمال في كلا البلدين، وتوفير التسهيلات اللازمة لزيادة وتيرة الاستثمارات. وتظهر البيانات الرسمية وجود حضور قوي للقطاع الخاص الكويتي في تركيا، حيث تعمل نحو 427 شركة كويتية في السوق التركية، مما يعزز من فرص التكامل الاقتصادي وخلق فرص عمل ومشاريع تنموية مشتركة.

وعلى صعيد متصل، أشادت غرفة تجارة وصناعة الكويت بالنتائج الإيجابية التي حققتها الشراكات بين الشركات الكويتية والتركية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في قطاعات الصناعة والخدمات. وأكدت الغرفة أن هذه الشراكات أثبتت قدرتها على تلبية احتياجات السوق الحقيقية، مما يفتح آفاقاً أرحب لمزيد من التعاون في مشاريع كبرى تخدم الرؤى الاقتصادية المستقبلية لكلا الدولتين.

أقلام وأراء

الجمعة 13 فبراير 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

بن نعمان: تقرير مصير الجزائر استند لوحدة الهوية ورفض الطروحات الجهوية والعرقية

يواصل الباحث والمفكر الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان تقديم مقاربته التأصيلية لمسألة تقرير المصير في الجزائر، مستنداً إلى الوقائع التاريخية الموثقة وشهادات الفاعلين الأساسيين في لحظة تأسيس الدولة الحديثة. ويرى بن نعمان أن محطة الاستفتاء على الاستقلال لم تكن مجرد إجراء إداري، بل لحظة حاسمة أكدت وحدة الشعب الجزائري وتجاوزه لكل محاولات التفتيت الاستعمارية.

ويستحضر الكاتب شهادات قيادية من قلب الثورة، من بينها شهادة الرئيس بن يوسف بن خدة ووزير الخارجية الأسبق سعد دحلب، حول كواليس المفاوضات مع الجانب الفرنسي. فقد أبدى قادة الثورة استغرابهم من إصرار الجنرال شارل ديغول على إجراء الاستفتاء، مراهناً على إمكانية تصويت الجزائريين ضد الانفصال عن فرنسا، وهو الرهان الذي خسرته باريس أمام وعي الشعب.

لقد برهن الشعب الجزائري على وطنيته المنقطعة النظير في محطات مفصلية سبقت الاستفتاء، أبرزها مظاهرات 11 ديسمبر 1960 في المدن الكبرى، ومسيرات الأول من أكتوبر 1961 في قلب العاصمة الفرنسية. هذه الهبة الشعبية الموحدة على أرض الوطن وفي المهجر، منحت القيادة السياسية الثقة الكاملة في قبول رهان الاستفتاء الشعبي كأداة لانتزاع السيادة الكاملة.

وجاءت نتائج الاستفتاء التاريخي بنسبة 97% لصالح الاستقلال في كافة ولايات الوطن، مما شكل اعترافاً دولياً وفرنسياً بوحدة الشعب الجزائري. ويؤكد بن نعمان أن هذه النتيجة الكاسحة كانت رداً قاطعاً على مشاريع فصل الصحراء عن التراب الوطني، ومحاولات فرض الهيمنة الثقافية واللغوية الفرنسية على الدولة الناشئة.

ويشير المقال إلى أن بيان أول نوفمبر كان المرجعية الأساسية التي لم تتزحزح عنها الثورة، حيث نص صراحة على إقامة دولة ديمقراطية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية. كما شدد البيان على تحقيق وحدة شمال أفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي، مع احترام الحريات الأساسية لكافة المواطنين دون تمييز عرقي أو ديني.

ويرى الدكتور بن نعمان أن قادة الثورة استبقوا بحدسهم محاولات التلاعب بمستقبل الوحدة الوطنية التي تظهر اليوم تحت دعاوى الاختلافات العرقية أو القبلية. فالهوية الوطنية في الفكر النوفمبري تجعل 'وحدة الشهادة' فوق اللهجات المحلية، وتعتبر الانتماء للوطن خياراً إرادياً يقوم على المرجعية الحضارية المشتركة.

وفي سياق دحض المزاعم الجهوية، يروي الكاتب تجربته الشخصية كعضو في جيش التحرير الوطني ومشرف على مركز انتخابي بمدينة الناصرية في ولاية تيزي وزو. حيث أكد أن نسبة المصوتين بـ 'لا' ضد الاستقلال لم تتجاوز 3%، وهي نسبة كانت موزعة رمزياً على مختلف جهات الوطن ولم تتركز في منطقة معينة.

ويوضح الكاتب أن الخيانة أو الوطنية هي مسألة تتعلق بأفراد وفئات محدودة، وليست مرتبطة بعرق أو جهة جغرافية محددة كما يحاول بعض 'الوكلاء' الترويج له اليوم. فالتاريخ يثبت أن الشعب الجزائري توحد بدم الجهاد والاستشهاد من أقصى البلاد إلى أدناها، رافضاً منطق التجزئة الذي حاول الاستعمار زرعه.

ويستدل بن نعمان بموقف لافت للجنرال ديغول نفسه خلال زيارته لمدينة تيزي وزو عام 1961، حين طلب ترجمة خطابه إلى اللغة العربية حصراً أمام آلاف الحاضرين. هذا الموقف يمثل اعترافاً ضمنياً من رأس الدولة الاستعمارية باللغة العربية كلسان جامع للشعب الجزائري، بما يتوافق مع مبادئ الحركة الوطنية وحزب الشعب.

إن العودة إلى الوضع الطبيعي العربي الإسلامي للجزائر كانت الهدف الأسمى لثورة التحرير، وهو وضع يمتد لقرون طويلة قبل الغزو الفرنسي عام 1830. وقد انصهرت الأعراق والأصول المختلفة في بوتقة الإسلام واللسان العربي، ليصبح المعيار الوحيد للتمايز هو التقوى وحب الوطن والدفاع عن ثوابته المكتسبة.

وينتقد المقال الأطروحات المعاصرة التي تحاول إعادة إنتاج الخطاب العرقي، مؤكداً أن الهوية الوطنية تُكتسب بالإرادة والالتزام بالثوابت وليست مجرد موروث بيولوجي. فالتصويت لصالح الاستقلال كان عقداً اجتماعياً شاملاً شارك فيه الجزائريون بمختلف لهجاتهم وانتماءاتهم المناطقية تحت راية واحدة.

ويقارن الكاتب بين وضع 'الحركى' والعملاء الذين انتقلوا إلى فرنسا واندمجوا في قوانينها وثوابتها دون المطالبة بحقوق عرقية، وبين محاولات البعض إثارة هذه القضايا داخل الجزائر. فالدولة الفرنسية تفرض قانوناً يعلو على الجميع تحت شعار المساواة، بينما يسعى البعض لزعزعة استقرار الجزائر بطروحات ترفضها حتى الدول التي تدعمهم.

إن تزامن تاريخ الاحتلال في 5 يوليو 1830 مع تاريخ استرجاع السيادة في 5 يوليو 1962 يحمل دلالة عميقة على إرادة التصحيح التاريخي. هذا التلازم يؤكد أن الشعب الذي استطاع تحويل يوم الانكسار إلى يوم للانتصار، قادر على حماية استقلاله من بذور التفتيت التي قد تظهر بأشكال جديدة.

ويختتم بن نعمان قراءته بالتأكيد على أن الوعي القائم والنظام الشعبي الحازم هما الضمانة الوحيدة لاستمرار السيادة الوطنية في ظل التقلبات الراهنة. فالدستور الوطني المطبق بعدل صارم هو الكفيل بحماية إرادة الشعب التي تجلت في استفتاء تقرير المصير، بعيداً عن أي حسابات جهوية أو عنصرية ضيقة.

عربي ودولي

الجمعة 13 فبراير 2026 2:16 مساءً - بتوقيت القدس

تحول جذري في تونس: إنهاء الاقتطاع الآلي لأجور النقابات يعيد صياغة العلاقة مع الدولة

تشهد الساحة التونسية حالة من الجدل الواسع عقب الأنباء المتواترة حول قرار الحكومة إيقاف العمل بنظام الاقتطاع الآلي من أجور الموظفين لصالح النقابات العمالية. ويأتي هذا الإجراء في وقت حساس، حيث يُنظر إليه كتحول جوهري في طريقة إدارة الموارد المالية للمنظمات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل.

ورغم عدم صدور نص قانوني رسمي منشور حتى اللحظة، إلا أن المؤشرات الميدانية وردود الفعل الغاضبة من القيادات النقابية تؤكد سريان هذا التوجه. وقد بدأت بعض النقابات بالفعل في إطلاق حملات تبرع واسعة بين قواعدها، في محاولة لإثبات قدرتها على الصمود المالي بعيداً عن القنوات الرسمية للدولة.

انقسمت القراءات السياسية لهذا القرار بين معسكرين؛ حيث يرى الطرف الأول فيه استهدافاً مباشراً للعمل النقابي ومحاولة لإضعاف مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة. في المقابل، يعتبره آخرون خطوة ضرورية لتصحيح علاقة ملتبسة دامت عقوداً، حيث كانت الدولة تلعب دور الوسيط المالي الضامن لتمويل النقابات.

لقد وفر نظام الاقتطاع الآلي لسنوات طويلة استقراراً بنيوياً للنقابات، مما أتاح لها إنفاقاً مريحاً وقدرة عالية على التنظيم اللوجستي. إلا أن هذا الترتيب الإداري جعل النقابة في وضع شبه مؤسساتي داخل أجهزة الدولة، مما أثار تساؤلات حول مدى استقلاليتها الحقيقية عن السلطة التي تدير مواردها.

إن التحول نحو نظام الدفع المباشر من قبل المنخرطين يعيد العمل النقابي إلى مربعه الأول كفعل إرادي بحت. وبموجب هذا التوجه، ستضطر النقابات إلى بذل جهود أكبر لإقناع القواعد بجدوى الانخراط ودفع الاشتراكات طواعية، بدلاً من الاعتماد على الخصم التلقائي من الرواتب.

يرى مراقبون أن انسحاب الدولة من موقع الوسيط المالي يمثل عملية 'فطام' قسرية للمنظمات النقابية عن الموارد الجاهزة. وهذا الانسحاب، وإن كان يحمل أبعاداً سياسية في ظل التوتر الراهن بين السلطة والاتحاد، إلا أنه يطرح مسألة عميقة تتعلق بإعادة تعريف حدود التدخل الحكومي في الشأن النقابي.

تتحول شرعية النقابة في هذا السياق من شرعية مدعومة بالبنية الإدارية للدولة إلى شرعية قائمة على الإرادة الفردية المتكررة للموظفين. ويضع هذا التغيير القيادات النقابية أمام اختبار تمثيلي حقيقي لقياس مدى استعداد القواعد لتحمل الأعباء المالية مقابل الدفاع عن حقوقهم المهنية.

تاريخياً، لعبت النقابة في تونس دوراً سياسياً تجاوز المطالب المهنية المباشرة، وهو ما أثار جدلاً حول حدود هذا التمثيل. ففي كثير من الأحيان، شعر المنخرطون بأن مساهماتهم المالية تُستخدم في صراعات سياسية واصطفافات حزبية لا تعبر بالضرورة عن تطلعاتهم المهنية الصرفة.

يمنح إلغاء الاقتطاع الآلي الموظف سلطة اختيار مباشرة، حيث يصبح الانتماء النقابي قراراً واعياً يتجدد مع كل دفع مالي. وتعزز هذه الخطوة فكرة أن الحرية المدنية لا تقتصر على حق التنظيم فحسب، بل تشمل أيضاً حرية الامتناع عن التمويل دون تبعات إدارية تلقائية.

في ظل وجود تعددية نقابية مقننة، ستجد المنظمات الكبرى نفسها مضطرة لتطوير خطابها وممارساتها لجذب المنخرطين. ولم يعد التاريخ النضالي وحده كافياً لضمان تدفق الأموال، بل أصبح الإنجاز الميداني والقدرة على الإقناع هما المعيارين الأساسيين للبقاء والاستمرار.

ورغم المناخ المشحون الذي يحيط بالقرار، إلا أن النتائج البنيوية قد تتجاوز النوايا السياسية الظرفية للسلطة. فإذا كان الهدف هو الإضعاف، فإن النتيجة قد تؤدي إلى تقوية الطابع المدني للنقابة عبر تحويلها إلى كيان يعتمد كلياً على حيوية وقناعة قاعدته الشعبية.

تتحرر الدولة بموجب هذا الإجراء من موقع الرعاية غير المباشرة، مما يفتح الأفق لتأسيس عمل نقابي أكثر شفافية ووضوحاً. ويساهم هذا التحول في تقليص مناورات الفاعلين السياسيين داخل الأجسام النقابية، مما قد يعيد التنافس السياسي إلى ساحته الطبيعية بين الأحزاب.

إن المجتمع الذي يختار وسائطه طوعاً ويجدد ثقته بها عبر مساهمات واعية يكون عادة أكثر قوة وتماسكاً. والنقابة التي تستمد قوتها من جيوب أعضائها مباشرة ستكون بالضرورة أكثر التصاقاً بمشاكلهم وأشد حرصاً على تمثيلهم الفعلي أمام أرباب العمل والدولة.

في الختام، يمثل هذا القرار لحظة فارقة لإعادة رسم الحدود بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في تونس. وسواء كان الإجراء إدارياً أو سياسياً، فإنه يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة الثلاثية بين الدولة والنقابة والمواطن، قوامها الاختيار الحر والمسؤولية الفردية.