تحل الذكرى الخامسة عشرة لتنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير 2026، وسط مشهد سياسي معقد يعيد طرح التساؤلات حول مآلات أحلام المصريين في الدولة المدنية. فبعد عقد ونصف من التغيير، يرى مراقبون أن ملامح الحكم العسكري لا تزال تسيطر على مفاصل الدولة، متجاوزة المهام الأمنية إلى إدارة الاقتصاد والسياسة بشكل مباشر.
وتشير تقارير حقوقية دولية صادرة عن منظمات مثل هيومان رايتس ووتش وأمنستي إنترناشيونال إلى أن النظام الحالي عزز من قبضته الأمنية عبر تشريعات تمنح الجيش صلاحيات واسعة. هذه القوانين سمحت بتدخل المؤسسة العسكرية في وظائف كانت حكراً على الشرطة والقضاء المدني، مما أثار قلقاً دولياً بشأن معايير المحاكمة العادلة.
على الصعيد الاقتصادي، كشفت بيانات من مؤسسات مالية دولية أن الشركات التابعة للقوات المسلحة باتت تسيطر على حصة تتراوح بين 40% إلى 60% من الاقتصاد المصري بحلول عام 2025. وتشمل هذه الأنشطة قطاعات حيوية مثل الإنشاءات، والزراعة، والصناعات الغذائية، وحتى إنتاج الوقود والمعكرونة، مما يقلص فرص المنافسة للقطاع الخاص.
وحذر صندوق النقد الدولي في تقارير حديثة من تداعيات 'الهيمنة العسكرية' على الاقتصاد الكلي، مشيراً إلى أن الامتيازات الضريبية وتسهيلات الأراضي الممنوحة لتلك الشركات تخنق الاستثمار الأجنبي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه المواطن المصري من تضخم وصل إلى 30%، مع ارتفاع الدين الخارجي لمستويات قياسية بلغت 160 مليار دولار.
وفي سياق الحراك الشعبي الرقمي، برزت حملة 'جيل زد' (GenZ002) كأداة تعبير جديدة للشباب المصري المطالب بالتغيير تحت شعار 'عزل السيسي'. ورغم محاولات الحجب الرقمي، سجلت الحملة أكثر من مليوني توقيع إلكتروني، مما يعكس فجوة متزايدة بين تطلعات الجيل الجديد والواقع السياسي القائم.
وتؤكد مصادر حقوقية أن عام 2025 شهد مفارقة في ملف السجناء السياسيين، حيث تم الإفراج عن 934 معتقلاً، لكن في المقابل جرى توقيف 1594 آخرين على خلفية قضايا رأي. هذا التذبذب في الملف الحقوقي جعل مصر تتراجع في مؤشرات الحريات العالمية، حيث منحتها منظمة 'فريدم هاوس' درجة 18 من أصل 100.
تاريخياً، بدأت جذور هذا النفوذ منذ عام 1952، حيث تحول الجيش تدريجياً من حارس للحدود إلى مهندس للدولة في عهد جمال عبد الناصر. واستمر هذا النهج بصور متفاوتة خلال حقبتي السادات ومبارك، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي يصفها محللون بأنها 'العسكرة الشاملة' للحياة العامة.
إن عودة الجيش إلى ثكناته واحترام دوره الدفاعي يمثل ضرورة لإنقاذ البلاد من دوامة الاستبداد والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ويرى خبراء أن التعديلات الدستورية التي أُقرت في عام 2019 كانت نقطة تحول جوهرية، إذ سمحت بتمديد الفترة الرئاسية الحالية ووسعت دور الجيش في حماية 'مدنية الدولة'. هذا المصطلح يراه معارضون غطاءً قانونياً للتدخل في الشؤون السياسية ومراقبة العمل الحزبي والبرلماني بشكل دائم.
وفيما يخص الحريات الصحفية، لا يزال العديد من الناشطين والمدونين يواجهون أحكاماً بالسجن بسبب منشورات على منصات التواصل الاجتماعي تنتقد الأوضاع المعيشية. وتعتبر منظمات دولية أن قوانين مكافحة الإرهاب الصادرة في 2015 تُستخدم بشكل فضفاض لاستهداف المعارضة السلمية وتكميم الأفواه.
وعلى المستوى الدولي، بدأت بعض القوى الكبرى بربط المساعدات العسكرية والاقتصادية بمدى التقدم في ملف حقوق الإنسان، كما ظهر في اتفاقيات الشراكة الأوروبية لعام 2024. ومع ذلك، يرى مراقبون أن المصالح الجيوسياسية غالباً ما تتقدم على المبادئ الحقوقية في التعامل مع الملف المصري.
إن المطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته لا تعني استهدافاً للمؤسسة العسكرية ككيان وطني، بل هي دعوة لاحترام التخصص الوظيفي وحماية الدستور. فالدولة المدنية الحديثة تقوم على الفصل بين السلطات وضمان حيادية المؤسسات المسلحة تجاه الصراعات السياسية والمنافسات التجارية.
ويستشهد دعاة التحول المدني بتجارب دولية مثل إندونيسيا، التي نجحت في تقليص دور الجيش في السياسة بعد عقود من الحكم العسكري، مما أدى إلى ازدهار ديمقراطي واقتصادي. ويأمل الناشطون المصريون أن تشكل الذكرى الـ15 لثورة يناير دافعاً لفتح حوار وطني حقيقي وشامل يؤسس لمرحلة انتقالية سلمية.
ختاماً، يبقى السؤال حول قدرة المجتمع المدني المصري على استعادة المبادرة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة قائماً وبقوة. فالحق في العيش في دولة يحكمها القانون والمؤسسات المنتخبة هو مطلب أصيل لا يسقط بالتقادم، وهو السبيل الوحيد لضمان استقرار مستدام بعيداً عن الحلول الأمنية.
إن بناء مصر المستقبل يتطلب رؤية اقتصادية عادلة تنهي الاحتكار وتفتح الباب أمام الشباب والقطاع الخاص للمساهمة في التنمية. وبدون إصلاحات سياسية حقيقية تضمن تداول السلطة، ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة من الأزمات التي تهدد النسيج الاجتماعي والنمو الاقتصادي على المدى الطويل.





شارك برأيك
مصر في ذكرى التنحي الـ15: تساؤلات حول الدولة المدنية وهيمنة المؤسسة العسكرية