أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

المعلم في الأزمات: من صمود في الميدان إلى تغييب في القرار

يُعدّ المعلم صاحب رسالة سامية، وأميناً على عقول الأجيال ووجدانهم. فهو ليس ناقلاً للمعرفة فحسب، بل مربٍ يبني جسور المحبة والأمان، ويفتح قنوات التعلم إلى قلوب الطلبة قبل عقولهم. ومن خلال حضوره الإنساني والتربوي، يصبح المعلم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية التعليمية، خاصة في أوقات الأزمات والتغيرات المتسارعة التي يمر بها المجتمع.
 
وفي ظل هذه التحديات، يبقى المعلم ثابتاً على رسالته، يحمل همّ طلابه، ويجتهد في توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، رغم ما يواجهه من ضغوط مهنية ونفسية. فالجميع يراهن على صموده؛ ليس فقط في استمرارية عطائه داخل الصف، بل في قدرته على تقديم الدعم النفسي والعاطفي لطلبته، وبذل الجهد المضاعف لضمان استمرار التعلم.
 
إلا أن المشهد التربوي يكشف عن حالة من الازدواجية التي يعيشها المعلم في كثير من الأحيان. فمن جهة، يُطلب منه الالتزام بتنفيذ البرامج التدريبية والتربوية التي تهدف إلى تطوير العملية التعليمية ومواكبة الظروف المتغيرة. ومن جهة أخرى، يبقى صوته محدود الحضور في صناعة القرارات التي تمس عمله اليومي وواقعه المهني.
 
وليس الغريب في تدريب المعلم أو تطوير كفاءته المهنية، فذلك يعدّ ضرورة أساسية لتعزيز مرونته وقدرته على التكيف مع التغيرات. غير أن الإشكالية تكمن في أن يكون المعلم هو المنفّذ الأول للسياسات التربوية، بينما يُغيب دوره كخبير ميداني قادر على تقديم الرأي والمشورة في صياغة تلك السياسات. فالمعلم، بحكم قربه من الواقع التعليمي وتفاعله اليومي مع الطلبة، يمتلك رؤية عملية وواقعية قد تسهم في تحسين القرارات التربوية وجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات الميدان.
 
وفي كثير من الحالات، يجد المعلم نفسه أمام قرارات لا يملك القدرة على تعديلها أو حتى مناقشتها. بل قد يتردد في إبداء رأيه خشية أن يُساء فهمه أو يُتهم بعدم الانتماء للمهنة أو بالتقليل من قيمة العمل التربوي والإنساني. وهنا يظهر خلل واضح في مفهوم المهنية؛ وكأن المهنية تُختزل في أداء الواجبات فقط، بينما تغيب العدالة حين يتعلق الأمر بالحقوق.
 
ومن المفارقات كذلك أن بعض المعلمين أو الإداريين قد يتعاملون مع هذا الواقع من منطلق الالتزام الوظيفي أو الحرص على استقرار العمل داخل المدرسة. ففي حين قد يفضّل بعض المعلمين التريث في طرح آرائهم أو مناقشة بعض القضايا المهنية، يجد المدير نفسه في كثير من الأحيان في موقع تنفيذ القرارات بوصفه جزءًا من منظومة إدارية أوسع. ومع ذلك، فإن إتاحة مساحة للحوار المهني وتبادل وجهات النظر تظل ضرورة تربوية، إذ إن تنوع الآراء والخبرات يمثل أحد أهم عوامل تطوير العمل التعليمي وتحسين جودة القرارات التربوي. .
 
فالمعلم، وإن لم تتوفر له مساحة آمنة لإبداء رأيه — حتى داخل حدود مدرسته وصفه — كيف له أن يمارس دوره قائدًا للميدان بثقة كاملة برسالته؟ وكيف له أن يغرس في نفوس طلابه قيم الثبات والصمود وحرية التفكير، إذا لم يشعر هو نفسه بأن صوته مسموع ورأيه محل تقدير؟ إن المدرسة التي نريدها مساحة لبناء الوعي والحوار، تبدأ أولًا بالاعتراف بأن الرأي مسؤولية وحق، وأن حرية التعبير عنه قيمة تربوية تُمارس في الواقع قبل أن تُكتب في الكتب. ومن هنا تبرز أهمية أن تقوم الإدارات التربوية بدورها في نقل وجهات نظر المعلمين وتجاربهم كما هي من الميدان، بموضوعية وأمانة مهنية، دون أن تتأثر تلك الآراء بتفسيرات أو اجتهادات قد تغيّر مضمونها، بما يسهم في بناء قرارات أكثر واقعية وتوازنًا تعكس احتياجات العملية التعليمية.
 
إن تقدير المعلم لا يكون فقط بالخطابات التي تشيد برسالته، بل بمنحه المساحة الحقيقية للمشاركة في صنع القرار التربوي. فالمعلم ليس مجرد منفذ للسياسات، بل شريك أساسي في بنائها وتطويرها. وعندما يُصغى إلى صوته بوصفه خبيرًا ميدانيًا يعيش تفاصيل الواقع التعليمي يوميًا، تصبح القرارات أكثر عدالة وفاعلية، وتتحول العملية التعليمية إلى جهد جماعي يقوم على الثقة والتكامل، لا على التنفيذ الصامت.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

المرأة الفلسطينية… صمود يتجاوز الحرب


في الثامن من آذار؛ تحلّ مناسبة اليوم العالمي للمرأة بينما تعيش المرأة الفلسطينية واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها المعاصر، في ظل الحروب المتكررة والظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة. فقد وجدت نفسها في قلب المعاناة اليومية، تتحمل أعباءً مضاعفة تتجاوز حدود الدور التقليدي، لتصبح عماد الأسرة وحارسة الاستمرار في مجتمع مثقل بالفقد والقلق.
ففي ظل فقدان كثير من الأسر لمعيلها بسبب القتل أو الاعتقال أو الإصابة، اضطرت المرأة الفلسطينية إلى تحمّل مسؤوليات معيشية واجتماعية متزايدة، تجمع بين رعاية الأطفال وكبار السن، وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وقد ترافق ذلك مع تدهور اقتصادي حاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما دفع كثيراً من النساء إلى البحث عن سبل بديلة للعيش في ظروف شديدة التعقيد.
إلى جانب ذلك، تواجه النساء تحديات إنسانية وصحية كبيرة، خاصة في ظل تراجع الخدمات الطبية ونقص الأدوية، الأمر الذي يضاعف معاناة الأمهات والحوامل والفتيات. كما ألقت الحرب بظلالها على التعليم، فتعطلت مسيرة كثير من الطالبات، وتحمّلت الأمهات أعباء إضافية في محاولة الحفاظ على استمرارية تعليم أبنائهن رغم الظروف القاسية.
غير أنّ صورة المرأة الفلسطينية لا تختزل في المعاناة وحدها؛ فهي أيضاً صورة للصمود والإرادة. فقد برز حضورها في العمل الإغاثي والتطوعي والمجتمعي، حيث شاركت في دعم العائلات المتضررة، وساهمت في تعزيز التضامن الاجتماعي داخل المجتمع. كما لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الأسرة وصون الهوية الثقافية والوطنية في وجه محاولات التفكك والاقتلاع.
وفي ظل النزوح وفقدان الأمان الذي تعيشه كثير من العائلات، ما تزال المرأة الفلسطينية تمثّل ركيزة أساسية لبقاء المجتمع واستمراره. فهي، رغم الألم والفقدان، تواصل أداء دورها كأم ومربية وفاعلة اجتماعية، محافظةً على روح الحياة في مجتمع يواجه تحديات وجودية متواصلة.
وهكذا، يأتي اليوم العالمي للمرأة هذا العام ليذكّر العالم بأن المرأة الفلسطينية ليست مجرد ضحية للحروب، بل هي أيضاً عنوان للصبر والكرامة الإنسانية، ونموذج حيّ لقدرة الإنسان على الصمود وصناعة الأمل حتى في أحلك الظروف.
وفي الختام؛ طوبى للمرأة الفلسطينية التي حملت الوطن في قلبها كما تحمل أبناءها في ذراعيها، فكانت في زمن الحرب أمّاً للصبر، وحارسةً للذاكرة، وصانعةً للأمل رغم الألم.
طوبى لها لأنها لم تنكسر أمام قسوة الأيام، بل ظلّت واقفة كزيتونةٍ عتيقة، تضرب جذورها في الأرض وتمنح الحياة من حولها معنى البقاء والكرامة.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

تغيير وجه الشرق الأوسط


ورطّت الولايات المتحدة بلدان الشرق العربي، بحرب وعداء لا مصلحة لنا بها، فالخلافات والتباينات مع إيران الشعب والنظام والدولة، لا تستدعي الحرب والمواجهة والتدمير المتبادل، بل يمكن حلها بالحوار والمفاوضات والأدوات الدبلوماسية السلمية.
أميركا ورطت بلدان الشرق العربي، لصالح المستعمرة الإسرائيلية،بهدف هيمنتها وتسلطها، و بهدف استمرار احتلالها لكامل خارطة فلسطين.
الرئيس ترامب اعترف علناً يوم 6/12/2017، أن القدس الموحدة عاصمة للمستعمرة الإسرائيلية، وفي كل خطاباته وتوجهاته نحو "مجلس السلام" لم يذكر الضفة الفلسطينية ولا مرة، باعتبارها أراضي محتلة من قبل قوات المستعمرة، ولم يتطرق إليها ولشعبها ومستقبلها، وكأنها غير موجودة في الواقع السياسي والديمغرافي، وهي كما قال سفيره هكابي لدى المستعمرة أنها "يهودا والسامرة" أي جزءاً من خارطة المستعمرة.
يسعى نتنياهو مع معلمه وداعمه ترامب لتغيير خارطة الشرق العربي، بما يُلبي أطماع المستعمرة التوسعية، بينما البلدان العربية المرتبطة بعلاقات مختلفة مع الولايات المتحدة تعرضت للأذى والمس والخراب، ودفعت ثمن علاقاتها مع الولايات المتحدة و بدلاً من إفتراض الحماية والطمأنينة، واجهوا القصف والتورط بما يتعارض مع أمنهم  ومصالحهم  واستقرارهم .
الشيخ محمد بن زايد رأس الدولة الإماراتية، التي تعرضت إلى ما تعرضت له من اذى ومس وجرحى، تعامل مع وقائع الاعتداءات الاستفزازية بثقة، وزار الجرحى: 2 من الأماراتيين، وواحد سوداني، وآخر هندي، والخامس إيراني، مؤكداً أن دولته وشعبه والوافدين العاملين في بلاده، تعاملوا بأقصى درجات الثقة والتماسك، و من جهتها تعاملت الامارات مع الوافدين كما  تتعامل مع مواطنيها الذين يستحقوا الأمن والتقدير وحسن الوفادة، وهو حال الكويت وقطر والبحرين، كما العربية السعودية التي تتميز قيادتها بالشجاعة والوعي وعدم الرضوخ، وعدم الانجرار إلى أي موقع وقرار لا يتوافق ومصالح بلدهم وشعبهم.
في الاتصال الهاتفي بين وزيري خارجية العربية السعودية وإيران تحدث الأمير فيصل بن فرحان، كلاماً يعكس موقف العربية السعودية، و بلدان الخليج العربي، بل و العالم العربي بأسره وفي طليعته الأردن، بشأن الحرب الدائرة
  بين الولايات المتحدة مع المستعمرة ضد إيران، و أبرزت مواقفه ان:

" المملكة تفضل الحلول الدبلوماسية واحتواء التصعيد في المنطقة، وأنها تعمل على إبقاء قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة لمحاولة منع توسع الحرب"، و ان
"المملكة لن تقبل استهداف أراضيها و منشآتها"، "واذا استمرت
 الهجمات الإيرانية على السعودية أو بنيتها التحتية فستضطر الرياض للرد بالمثل"، و
"السعودية لا تريد الانخراط في الحرب
لكنها ستدافع عن نفسها بقوة إذا تعرضت لهجمات".
وضوح في الموقف، شجاعة في القرار، وحكمة سياسية، وسعة أفق في نفس الوقت.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

بين تضحيات الشارع وصمت القيادة: أزمة وطن تبحث عن بوصلة

في زمن العواصف الكبرى، تُقاس الأمم بقدرة قياداتها على أن تكون في مستوى التضحيات التي يقدمها شعبها. أما في الحالة الفلسطينية اليوم، فإن المشهد يبدو مقلقاً؛ فبينما يخوض المواطن الفلسطيني معركة البقاء والكرامة في غزة والضفة والقدس، تتسع فجوة الثقة بين الشارع وقيادته السياسية إلى حد غير مسبوق.
المواطن الفلسطيني، الذي يواجه القصف والاقتحامات والاعتقال والتهجير، لم يعد يسأل فقط عن مصير المعركة مع الاحتلال، بل بدأ يسأل أيضاً عن موقع قيادته في هذه المعركة. أين هي القيادة التي تقود؟ وأين المشروع الوطني الذي يجمع؟ وأين القرار القادر على تحويل تضحيات الناس إلى إنجاز سياسي حقيقي؟
هذه الأسئلة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سنوات طويلة من التراكمات السياسية التي أدت إلى تآكل الثقة الشعبية بقيادات الاحزاب والتنظيمات وبالمؤسسات الرسمية، وتراجع الرضا عن الأداء القيادي. ومع كل أزمة جديدة، تتكشف هذه الفجوة أكثر، ويزداد شعور المواطن بأن المسافة بينه وبين مركز القرار أصبحت أبعد مما ينبغي.
اليوم يقدم الفلسطينيون واحدة من أعظم صور الصمود في تاريخهم الحديث. في غزة شعب يواجه آلة حرب شرسة، وفي الضفة شعب يواجه الاقتحامات والاستيطان ومحاولات التهجير اليومية، وفي القدس معركة مفتوحة على الهوية والوجود. ومع ذلك، يشعر كثيرون أن الأداء السياسي الرسمي ما زال يدور في فلك البيانات التقليدية والمواقف الدبلوماسية المحدودة، دون قدرة حقيقية على تحويل هذه التضحيات إلى قوة سياسية فاعلة.
ومن هنا يتولد شعور خطير يمكن وصفه بـ “اليتم السياسي”. فالمواطن الفلسطيني يشعر أحياناً أنه يقف في الميدان وحده، بينما تعجز الأطر السياسية عن إنتاج قيادة موحدة قادرة على توجيه البوصلة الوطنية أو حماية الجبهة الداخلية.
يزداد هذا الشعور حدة مع استمرار الانقسام الفلسطيني، الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل تحول إلى حالة استنزاف مستمرة للمشروع الوطني. فالانقسام لم يضعف المؤسسات فحسب، بل أضعف أيضاً ثقة الناس بفكرة العمل السياسي نفسها، وجعل كثيرين يرون أن الصراع على السلطة بات يطغى على الصراع مع الاحتلال.
وفي ظل هذه الصورة، يتشكل لدى الشارع انطباع واسع بأن جزءاً من النخب السياسية بات منشغلاً بإدارة توازنات البقاء أكثر من انشغاله بإدارة مشروع التحرير. وعندما يشعر الناس بأن السياسة تتحول إلى إدارة مصالح وامتيازات، فإن أول ما يتآكل هو الثقة.
ومع تراجع الثقة، تتراجع المشاركة. فالمجتمع الذي يفقد إيمانه بجدوى العملية السياسية يصبح أقل استعداداً للانخراط فيها. وهذا ما يفسر حالة الفتور الشعبي تجاه كثير من القضايا السياسية، وكذلك الشكوك الواسعة التي تحيط بأي حديث عن انتخابات قادمة، إذ يخشى كثيرون أن تتحول إلى إجراء شكلي أكثر من كونها محطة حقيقية للتغيير.
خطورة هذه الأزمة لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في تأثيرها المباشر على المشروع الوطني الفلسطيني. فكل مشروع تحرري يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وقيادة تحظى بثقة شعبها، وقاعدة شعبية تؤمن بأن تضحياتها تسير في اتجاه واضح.
عندما تتآكل هذه الثقة، تتآكل معها الشرعية السياسية، وتصبح القيادة أضعف في مواجهة الضغوط الخارجية، كما يصبح المجتمع أكثر عرضة للإحباط والتفكك. وهذا تحديداً ما يسعى الاحتلال إلى تعميقه، لأنه يدرك أن قوة الفلسطينيين الحقيقية تكمن في وحدتهم الداخلية.
لكن رغم قتامة المشهد، فإن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة إن أحسن التعامل معها. فإعادة بناء الثقة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
أول هذه الخطوات هو إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية. فالشعب الذي يقف موحداً في الميدان يستحق قيادة موحدة في السياسة.
وثانيها إعادة الاعتبار لقيم الشفافية والمحاسبة داخل المؤسسات الوطنية، لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسة. فالمواطن يريد أن يرى مؤسسات تخدمه وتحميه وتعمل باسمه لا فوقه.
أما الخطوة الأهم، فهي إعادة توجيه البوصلة نحو الهدف المركزي: المشروع الوطني الفلسطيني. فحين يشعر المواطن أن السياسة تعود لتكون أداة للتحرير لا مجرد إدارة للواقع، فإن الثقة يمكن أن تبدأ بالعودة تدريجياً.
لقد أثبت الفلسطينيون عبر تاريخهم أنهم شعب قادر على الصمود في أقسى الظروف. لكن هذا الصمود يحتاج إلى قيادة توازيه، وتليق بتضحياته، وتترجم إرادته إلى مشروع وطني جامع.
فالشارع الفلسطيني لا يبحث عن معجزات… بل عن قيادة تشبهه، وتشعر بآلامه، وتسير معه في الطريق نفسه نحو الحرية.
إن أخطر ما يواجه أي شعب في معركته ليس قوة خصمه فقط، بل شعوره بأنه يقف وحده. فالكلمة الصادقة من القيادة ليست مجرد خطاب سياسي، بل طمأنينة لشعبٍ يقاتل، وبوصلة لجمهور يبحث عن اتجاه. وعندما تغيب هذه الرسالة، يترك الفراغ مكانها، ويتسلل القلق والشك إلى الوعي الجمعي، وهو فراغ لا يخدم إلا الاحتلال.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب الهيمنة والإبادة… هل تهزّ الإجماع الأميركي حول إسرائيل؟

حرب الابادة في فلسطين والهيمنة على الشرق الأوسط قد لا تعيد رسم خرائط المنطقة فقط، بل قد تفتح أيضاً نقاشاً داخل الولايات المتحدة حول شرعية الحرب وطبيعة العلاقة مع إسرائيل. فحين تُجرّ القوة الأعظم في العالم إلى حرب تتقاطع مع حرب إبادة ضد شعب أعزل، لا يعود السؤال مقتصراً على نتائج المعركة، بل على شرعيتها أيضاً. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تتحول هذه الحرب إلى بداية مراجعة أميركية للعلاقة مع إسرائيل، ونقطة انعطاف داخل الولايات المتحدة نفسها؟

فالتاريخ الأميركي يُظهر أن الحروب الخارجية، حين تتجاوز حدود “الدفاع” وتتحول إلى حروب هيمنة مكلفة أخلاقياً وسياسياً، كثيراً ما ترتد إلى الداخل الأميركي وتفتح نقاشاً عميقاً حول شرعيتها. وقد لا يكون من المبكر التساؤل عمّا إذا كانت الحرب التي اندفع إليها ترامب بالتحالف مع تل أبيب قد تحمل في طياتها بذور تحول مشابه.

واشنطن: من دعم تل أبيب إلى الشراكة القتالية

على مدى عقود طويلة قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق، لكنها حرصت غالباً على تجنب الانخراط المباشر في الحروب التي تخوضها تل أبيب في المنطقة. غير أن ما يجري اليوم يشير إلى تحول نوعي في طبيعة هذه العلاقة. فالتنسيق العسكري غير المسبوق، وانتشار القوات الأميركية في محيط الصراع، وتكامل منظومات الدفاع والهجوم بين الطرفين، كلها عوامل تجعل من أي مواجهة واسعة حرباً مشتركة بحكم الأمر الواقع. وهنا تكمن مفارقة أساسية؛ فكلما تعمق الانخراط الأميركي في هذه الحرب، كلما أصبحت قضية داخلية في الولايات المتحدة نفسها.

سيناريوهات الحرب: من الضربة المحدودة إلى الفوضى الإقليمية

السيناريو الأول يتمثل في حرب خاطفة تهدف إلى توجيه ضربات قاسية لإيران وحلفائها دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. وفي مثل هذا السيناريو قد تسعى إسرائيل إلى تثبيت تفوقها العسكري وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تحوُّل المواجهة إلى حرب إقليمية. وفي هذه الحالة قد تدخل المنطقة في مرحلة اضطراب استراتيجي عميق، وتهديد طرق الطاقة والتجارة الدولية.

أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في دخول المنطقة في حالة من الفوضى الاستراتيجية طويلة الأمد، حيث تتفكك التوازنات الإقليمية وتتحول الصراعات إلى حروب مفتوحة ومتعددة المستويات. وفي مثل هذا الوضع ستقوم إسرائيل باستغلال الفوضى لفرض ترتيبات أحادية دائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كيف يمكن أن تنعكس الحرب على القضية الفلسطينية؟

في كل السيناريوهات تقريباً ستحاول إسرائيل تحويل الحرب إلى فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بابتلاع الضفة الغربية، وتكريس أنماط سيطرة دائمة على قطاع غزة. لكن المفارقة أن هذه السياسات قد تساهم أيضاً في تعميق العزلة الدولية لإسرائيل، خاصة إذا ترسخت صورة الحرب باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع للهيمنة الإقليمية. وفي هذه الحالة قد تعود القضية الفلسطينية لتظهر من جديد باعتبارها أحد مفاتيح الاستقرار أو الاضطراب في المنطقة.

تحولات الرأي العام الأمريكي: الجامعات بؤرة التحول الجديد

منذ حرب غزة برزت الجامعات الأميركية بوصفها إحدى أهم ساحات التحول في الرأي العام. فقد شهدت العديد من الجامعات موجات احتجاج واسعة ضد الحرب وضد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل. ورغم أنها لا تزال محدودة التأثير السياسي المباشر، إلا أنها تعكس تحولاً أعمق في وعي جيل جديد من الأميركيين بدأ ينظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية الحقوق والعدالة. وقد أظهرت التجربة الأميركية أن الجامعات كثيراً ما كانت الشرارة الأولى لتحولات كبرى في الرأي العام، كما حدث خلال حرب فيتنام.

انقسام داخل المجتمع اليهودي الأميركي

ومن بين التحولات اللافتة أيضاً بروز انقسام متزايد داخل قطاعات من المجتمع اليهودي الأميركي نفسه، خصوصاً بين الأجيال الشابة والتيارات التقدمية. ففي السنوات الأخيرة ظهرت مجموعات يهودية أميركية تعلن صراحة رفضها لسياسات الحكومة الإسرائيلية، وتشارك في الاحتجاجات المناهضة للحرب في غزة.

هذا التحول لا يعني بالطبع تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل داخل المؤسسات السياسية الأميركية، لكنه يشير إلى تصدع تدريجي في الإجماع الذي ظل يحيط بالعلاقة الأميركية – الإسرائيلية لعقود طويلة.

من فيتنام إلى غزة:
حين ترتد الحروب إلى الداخل الأميركي

خلال حرب فيتنام بدأت الاحتجاجات في الجامعات الأميركية قبل أن تتحول تدريجياً إلى حركة احتجاج واسعة داخل المجتمع الأميركي. ومع اتساع الحرب وازدياد كلفتها البشرية والسياسية، لم يعد السؤال مقتصراً على نتائج الحرب في فيتنام، بل تحول إلى سؤال أعمق حول شرعية الحرب نفسها.
اليوم يطرح بعض المراقبين سؤالاً مشابهاً؛ هل يمكن أن تتحول الاحتجاجات ضد الإبادة في غزة إلى حركة أوسع ترفض الحرب التي تستهدف المنطقة؟

هل تندمج حركة التضامن مع غزة مع رفض الحرب؟

هذا السؤال قد يصبح أحد الأسئلة الحاسمة في المرحلة المقبلة. فالمظاهرات التي خرجت في العديد من المدن والجامعات الأميركية احتجاجاً على الابادة الجماعية في غزة ركزت أساساً على البعد الإنساني والأخلاقي للصراع. لكن إذا اتسعت الحرب في المنطقة، وبدأ الأميركيون يشعرون بأن بلادهم تنخرط في حرب جديدة مكلفة، فقد تندمج هذه الاحتجاجات تدريجياً مع حركة أوسع ترفض الحرب نفسها. وفي مثل هذه الحالة قد تنتقل الحركة الاحتجاجية من مجرد إدانة الإبادة إلى التشكيك في شرعية الحرب التي تُخاض باسم حماية إسرائيل أو فرض هيمنتها الإقليمية.

حرب الهيمنة والابادة..
هل تبدأ مراجعة العلاقة الأميركية مع إسرائيل؟

قد تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على المنطقة محاولة لفرض ميزان قوى جديد في الشرق الأوسط، لكن التاريخ يُظهر أن الحروب التي تُشن باسم الهيمنة كثيراً ما تنتهي بإعادة طرح السؤال الأخلاقي حول شرعيتها. فكلما اتسعت دائرة العنف، وازدادت كلفة الحرب البشرية والسياسية، يصبح من الصعب الاستمرار في تبريرها أو التغاضي عن دوافعها الحقيقية.

ولهذا قد تحمل هذه الحرب مفارقة تتمثل في بذور تحول عميق في الوعي السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها. فإذا ترسخت لدى قطاعات أوسع من الأميركيين قناعة بأن إسرائيل لا تكتفي بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، بل تسهم أيضاً في جرّ واشنطن إلى صراعات مكلفة وغير ضرورية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مراجعة تاريخية لطبيعة العلاقة بين البلدين.

وفي مثل هذا التحول المحتمل تكمن مفارقة كبرى؛ فالقوة العسكرية التي تُستخدم اليوم لإخضاع الفلسطينيين وفرض الهيمنة الإقليمية قد تتحول، على المدى الأبعد، إلى أحد العوامل التي تُسرِّع تآكل شرعية هذا المشروع نفسه. وعندها قد تعود القضية الفلسطينية لتطرح ذاتها من جديد، ليس فقط بوصفها صراعاً سياسياً، بل اختباراً أخلاقياً للعالم وللنظام الدولي بأسره.

وهذا يستدعي، دون أي مماطلة أو حسابات فئوية ضيقة، أن يتحمّل الفلسطينيون مسؤولية التفاعل مع هذا التحوّل في الرأي العام. وذلك عبر تعزيز سرديتهم الوطنية العادلة، واستعادة وحدتهم الكيانية، وتقديم نموذج واضح للمقاومة وفق قواعد القانون الدولي، بما يكفل حشد دعم شعوب العالم، لا الاكتفاء بمجرد التعاطف مع الضحايا. فهل من يعلّق الجرس؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

اقتصاد الحواجز: الكلفة غير المرئية للاقتصاد الفلسطيني


في النقاشات الاقتصادية التقليدية، تُقاس قوة الاقتصادات بحجم الإنتاج ومستوى الاستثمار وحركة التجارة. غير أن الحالة الفلسطينية تفرض متغيرًا إضافيًا لا يظهر عادة في الحسابات الاقتصادية الكلاسيكية: اقتصاد الحواجز. فالحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية لم تعد مجرد واقع أمني أو سياسي، بل تحولت إلى عامل اقتصادي مؤثر يعيد تشكيل حركة السوق والإنتاج والتجارة اليومية.
قد تبدو الحواجز للوهلة الأولى مجرد نقاط تفتيش تعطل حركة الأفراد، لكن أثرها الحقيقي أعمق بكثير. فكل دقيقة تأخير على الطريق تعني تكلفة إضافية على الإنتاج، وكل ساعة انتظار تعني انخفاضًا في الإنتاجية، وكل تعطيل لحركة البضائع يعني ارتفاعًا في تكلفة السلع في نهاية المطاف.
جغرافيا صغيرة واقتصاد مجزأ
تبلغ مساحة الضفة الغربية نحو 5,655 كيلومترًا مربعًا فقط، وهي مساحة جغرافية محدودة نسبيًا. فعلى سبيل المثال، لا تتجاوز المسافة بين أقصى شمال الضفة الغربية في مدينة جنين وأقصى جنوبها في الخليل نحو 150 كيلومترًا.
في الظروف الطبيعية يمكن قطع هذه المسافة خلال ساعة ونصف إلى ساعتين تقريبًا. غير أن الواقع الميداني مختلف تمامًا، إذ قد تستغرق الرحلة نفسها ثلاث إلى خمس ساعات أو أكثر بسبب الحواجز والإغلاقات المفاجئة.
وهكذا تتحول الجغرافيا الصغيرة إلى اقتصاد مجزأ زمنياً، حيث لا تصبح المشكلة في المسافة بقدر ما تصبح في الوقت المهدور على الطريق. ففي معظم الاقتصادات تقاس المسافات بالكيلومترات، أما في الحالة الفلسطينية فإن المسافة الاقتصادية تقاس بالساعات التي تضيع على الحواجز.
شبكة الحواجز
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى وجود ما يقارب 800 إلى 850 حاجزًا وعائقًا للحركة في الضفة الغربية، تشمل حواجز عسكرية دائمة وبوابات طرق وسواتر ترابية ونقاط إغلاق مختلفة. وقد ارتفع هذا العدد خلال السنوات الأخيرة بعد أن كان نحو 645 عائقًا للحركة في عام 2023.
ولا تشمل هذه الأرقام الحواجز الطيارة التي تظهر بشكل مفاجئ على الطرق الرئيسية، والتي تضيف عنصرًا إضافيًا من عدم اليقين إلى حركة النقل والتجارة.
تكلفة الوقت الضائع
في الاقتصاد، يُعد الوقت أحد عناصر الإنتاج الأساسية. وكل تأخير في حركة العمال أو البضائع ينعكس مباشرة على الإنتاجية والتكلفة.
فالعامل الذي يتأخر في الوصول إلى مكان عمله يفقد جزءًا من ساعات الإنتاج، والتاجر الذي تتأخر بضاعته يخسر فرص البيع، والمصنع الذي تتأخر المواد الخام في الوصول إليه قد يضطر إلى تعطيل خطوط الإنتاج.
ومع تكرار هذه الحالات يوميًا، تتحول التأخيرات الصغيرة إلى خسارة اقتصادية متراكمة. فالاقتصاد الفلسطيني لا يخسر فقط في حجم الإنتاج، بل يخسر أيضًا في الإنتاجية، إذ تتحول ساعات العمل الضائعة على الطرق إلى تكلفة خفية تقلل كفاءة الاقتصاد ككل.
اضطراب سلاسل التوريد
تعتمد الاقتصادات الحديثة على ما يعرف بـ سلاسل التوريد التي تربط الإنتاج بالنقل والتوزيع وصولًا إلى المستهلك. في الاقتصاد الفلسطيني، تتعرض هذه السلاسل لاضطرابات مستمرة بسبب القيود على الحركة.
فالشاحنات التي تنقل البضائع بين المدن أو إلى الأسواق الخارجية قد تتأخر لساعات طويلة، ما يرفع تكلفة النقل ويزيد مخاطر تلف بعض السلع، خصوصًا المنتجات الزراعية.
كما أن عدم القدرة على التنبؤ بوقت الوصول يجعل التخطيط التجاري أكثر صعوبة ويزيد من التكاليف التشغيلية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
ومع استمرار القيود على الحركة، يتعرض السوق الفلسطيني لعملية تجزئة اقتصادية غير مباشرة، حيث تتحول المدن إلى أسواق شبه منفصلة، وتفقد الشركات القدرة على العمل ضمن سوق وطني متكامل.
خسارة اقتصادية غير مرئية
يصعب قياس الكلفة الاقتصادية للحواجز بدقة كاملة، لكنها بلا شك كبيرة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن القيود على الحركة قد تكلف الاقتصاد الفلسطيني ما بين 2% و4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.
وبالنظر إلى أن الناتج المحلي الفلسطيني يقترب من 14 مليار دولار، فإن هذه الخسارة قد تعادل ما بين 280 و560 مليون دولار سنويًا.
لكن هذه الخسارة لا تظهر كبند مباشر في الحسابات الاقتصادية، بل تتسلل إلى الاقتصاد عبر انخفاض الإنتاجية وارتفاع تكاليف النقل وتعطل سلاسل التوريد وتراجع الاستثمار. وبمعنى آخر، فإن الاقتصاد الفلسطيني لا يدفع هذه الكلفة مرة واحدة، بل يدفعها بالتقسيط اليومي عبر آلاف التأخيرات الصغيرة.
ديون الحكومة للقطاع الخاص
ولا تقف التحديات عند قيود الحركة فقط، بل تمتد إلى اختناقات مالية داخلية. إذ تشير التقديرات إلى أن متأخرات الحكومة الفلسطينية للقطاع الخاص تتراوح بين 2.5 و3 مليارات دولار.
تشمل هذه المتأخرات مستحقات شركات المقاولات وموردي الأدوية والخدمات والشركات التي نفذت مشاريع للحكومة. غير أن تأخر السداد يحول هذه المستحقات إلى عبء اقتصادي كبير، حيث تضطر الشركات إلى تجميد مشاريع جديدة أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية التزاماتها التشغيلية.
وهكذا تنتقل الأزمة المالية للحكومة إلى قلب الاقتصاد الحقيقي، حيث تؤثر مباشرة في الاستثمار والنمو.
الاستثمار في بيئة غير مستقرة
لا يعتمد المستثمرون فقط على حجم السوق أو توفر العمالة، بل أيضًا على استقرار البيئة التشغيلية. وفي بيئة تتعرض فيها حركة الأفراد والبضائع لتعطيل مستمر، يصبح اتخاذ القرار الاستثماري أكثر صعوبة.
فرأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار والقدرة على التنبؤ. وعندما تصبح حركة البضائع والعمال غير مضمونة، تتحول المخاطر اللوجستية إلى عامل طارد للاستثمار.
وهكذا تتحول الحواجز من عائق يومي إلى عامل بنيوي يحد من توسع الاقتصاد الفلسطيني.
الخلاصة
اقتصاد الحواجز يذكرنا بأن الاقتصاد لا يُبنى فقط بالسياسات المالية أو الاستثمارات الكبرى، بل أيضًا بحرية الحركة وسلاسة النشاط الاقتصادي. فحين تتعطل الطرق، لا تتعطل السيارات فقط، بل تتعطل معها فرص العمل وسلاسل التوريد وإمكانات النمو.
ومع تراكم القيود على الحركة وازدياد المتأخرات الحكومية للقطاع الخاص، يواجه الاقتصاد الفلسطيني تحديًا مزدوجًا: جغرافيا مقيدة ومالية عامة مضغوطة.
إن الكلفة الحقيقية للحواجز ليست فقط في الوقت الضائع، بل في الفرص الاقتصادية التي لم تولد أصلًا.

 * مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية


عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

اختيار مجتبى خامنئي... رسائل إيرانية بمواصلة المواجهة دون تنازلات



د. عبد المجيد سويلم: اختيار المرشد الجديد رسالة رد على نتنياهو وترمب اللذين تحدثا عن ضرورة ظهور قيادة إيرانية "معتدلة"
أكرم عطا الله: اختياره يشير إلى أن النظام الإيراني غير مستعد لتقديم تنازلات ويصر على مواصلة المواجهة السياسية والعسكرية
داود كُتّاب: اختيار المرشد الجديد يعكس قدرة النظام الإيراني على الاستمرارية رغم الضغوط التي مورست عليه خلال الفترة الماضية
د. حسين الديك: خيار اغتيال المرشد الجديد مستبعد حتى اتضاح توجهاته والرسائل التي قد يبعث بها إلى واشنطن عبر الوسطاء
نزار نزال: اختيار مجتبى مرشداً جديداً انتصار واضح للتيار الأمني داخل النظام نظراً للعلاقة القوية التي تربطه بالحرس الثوري
عريب الرنتاوي: التحدي الأكبر أمام المرشد الجديد إدارة الحرب وضبط الخلافات الداخلية ومراعاة إعادة بناء إيران بعد الحرب

رام الله – خاص بـ"القدس" –


يشكّل اختيار مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق علي خامنئي، مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية في إيران محطة مفصلية في مسار النظام السياسي، في ظل مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث يُنظر إلى القرار بوصفه يحمل رسائل تحدٍّ لواشنطن وتل أبيب، وتكريس للنهج السابق الذي قاده المرشد السابق لعقود.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن اختيار مجتبى خامنئي يأتي تأكيداً على قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على إدارة انتقال السلطة والحفاظ على تماسك النظام رغم الضغوط السياسية والعسكرية المتصاعدة التي تواجهها طهران.
ويحمل هذا الاختيار وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، دلالات سياسية تتجاوز الإطار الداخلي، إذ يُفهم على أنه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن النظام الإيراني ماضٍ في نهجه السياسي والعسكري، وغير مستعد لتقديم تنازلات جوهرية تحت الضغط، رغم التهديدات من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باغتيال أي مرشد لا يأتي دون مشاركته.
ويشيرون إلى أن اختيار مجتبى يعكس صعود التيار المتشدد داخل مؤسسات الحكم في إيران وتعزيز دور المؤسسة الأمنية والعسكرية في رسم السياسات الداخلية والإقليمية.


الأكثر قدرة على إدارة المرحلة الحالية

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن اختيار مرشداً أعلى لإيران لم يأتِ في إطار ما يُروَّج له حول توريث سياسي داخل النظام، بل جاء نتيجة قناعة سياسية وفكرية لدى القيادات الإيرانية بأن مجتبى خامنئي هو الأكثر قدرة على إدارة المرحلة الحالية بما تحمله من تعقيدات وصراعات إقليمية ودولية.
ويوضح أن مجتبى خامنئي كان خلال السنوات الماضية يقف إلى جانب والده المرشد السابق علي خامنئي، ولعب دوراً محورياً في إدارة العديد من الملفات الحساسة داخل الدولة الإيرانية، ما جعله شخصية معروفة داخل دوائر صنع القرار.
ويشير سويلم أن مجتبى خامنئي معروف بتشدده السياسي وبعلاقته الوثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي عزز قناعة القيادة الإيرانية بأنه الأقدر على متابعة ملفات الصراع وإدارة المرحلة المقبلة.

مخاوف مرتبطة بإمكانية استهدافه

ويبيّن سويلم أن النقاشات داخل القيادة الإيرانية لم تتركز حول قدرات مجتبى خامنئي أو أهليته لتولي المنصب، إذ لم تكن هناك خلافات جدية حول شخصيته أو خبرته، بل تمحورت النقاشات أساساً حول المخاوف المرتبطة بإمكانية استهدافه من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ويشير إلى أن الفترة التي استغرقها إعلان اختيار مجتبى خامنئي تعود في جزء كبير منها إلى ترتيبات أمنية تتعلق بطرق حمايته وإخفائه، وضمان قدرته على الإشراف على مجريات الصراع من موقعه الجديد.
ويوضح سويلم أن موقع المرشد الأعلى في إيران ما زال يحتفظ بأهميته السياسية والدينية الكبيرة، رغم أن تجربة والده في هذا المنصب كانت استثنائية من حيث عمقها وتأثيرها.

رسائل سياسية واضحة إلى الخارج

ومع ذلك، يلفت سويلم إلى أن مجتبى خامنئي يتمتع بقدرات تنظيمية عالية وبمعرفة واسعة بمختلف الملفات الداخلية والخارجية، الأمر الذي جعله المرشح الأكثر تأهيلاً لتولي هذا الموقع في نظر القيادات الإيرانية.
ويعتبر سويلم أن اختيار المرشد الجديد يحمل أيضاً رسائل سياسية واضحة إلى الخارج، خصوصاً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، اللذين تحدثا في أكثر من مناسبة عن ضرورة ظهور قيادة إيرانية "معتدلة".
وبحسب سويلم، فإن هذا الاختيار جاء رداً على تلك التصريحات، ليؤكد أن النظام الإيراني يتخذ قراراته بصورة مستقلة وأنه ما زال متماسكاً رغم الضغوط والخسائر التي تعرض لها خلال المواجهة الحالية.
ويشير سويلم إلى أن القيادة الإيرانية أرادت من خلال هذا القرار توجيه رسالة تؤكد قوة تماسك النظام وقدرته على إدارة الصراع الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية، موضحاً أن استمرار المعركة بهذا الاتساع والدقة يعكس قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على التعامل مع التحديات الكبرى.

اغتيال المرشد الجديد أقل جدوى سياسياً

وفي ما يتعلق باحتمالات استهداف المرشد الجديد، يرى سويلم أن هذا الاحتمال مطروح ومعلن، لكنه يشير إلى أن الإيرانيين أخذوا هذه المسألة بعين الاعتبار خلال عملية الاختيار، وربما وضعوا ترتيبات مسبقة تتعلق بخلافته في حال تعرضه للاغتيال أو تعطلت قدرته على إدارة الملفات.
ويعتقد سويلم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان اليوم أن بنية النظام الإيراني تتمتع بدرجة عالية من التماسك، ما يجعل خيار اغتيال المرشد الجديد أقل جدوى سياسياً ومعنوياً مما كان يُعتقد سابقاً، وربما يؤدي مثل هذا التصعيد إلى نتائج عكسية تقلل من قدرة خصوم إيران على الظهور بمظهر القوة أو تحقيق مكاسب استراتيجية.

انتقال نحو مزيد من التشدد

يوضح الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله تعيين مجتبى خامنئي في موقع المرشد الأعلى في إيران يحمل دلالات سياسية عميقة تتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة داخل النظام الإيراني، مشيراً إلى أن الخطوة تعكس انتقالاً واضحاً نحو مزيد من التشدد في إدارة الدولة والسياسات الإقليمية.
ويشير إلى أن مجتبى خامنئي يُعرف بمواقفه الأكثر تشدداً مقارنة بوالده علي خامنئي، كما أنه لعب خلال السنوات الماضية دوراً مؤثراً في إدارة شؤون الدولة من خلف الأضواء، إضافة إلى علاقته الوثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يشير إلى أن النظام الإيراني غير مستعد لتقديم تنازلات في المرحلة الحالية ومصر على الاستمرار في المواجهة السياسية والعسكرية.
ويؤكد عطا الله أن هذا التطور يعكس سيطرة شبه كاملة للتيار المتشدد على مفاصل الدولة الإيرانية، مقابل تراجع ملحوظ للتيار الإصلاحي داخل النظام.
ويلفت عطا الله إلى أن هذا التراجع ظهر في مواقف وتصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان خلال زيارته إلى دول الخليج، حيث بدت محدودية تأثير التيار الإصلاحي في ظل نفوذ الحرس الثوري والقوى المتشددة داخل مؤسسات الدولة.
ويشير عطا الله إلى أن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً يمكن قراءته أيضاً باعتباره استمراراً لنهج والده السياسي والفكري، بل وربما تعزيزاً له، خصوصاً أن الابن يُنظر إليه بوصفه جزءاً أصيلاً من التيار المتشدد داخل النظام، ما يعني أن إيران قد تبقى مرتبطة بخط سياسي أكثر صرامة في المرحلة المقبلة.
ويعتبر عطا الله أن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب السابقة بشأن اغتيال المرشد الجديد إن لم يشارك بذلك، ربما كانت تعكس إدراكاً مبكراً من ترمب للشخصية التي قد تتولى موقع المرشد.
ويشير عطا الله إلى أن المرشد الجديد قد يصبح هدفاً رئيسياً للولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة أن اختياره يعكس تمسك النظام الإيراني بالبقاء والاستمرار، وهو ما يتقاطع مع رغبة واشنطن وتل أبيب في إضعافه أو تغييره.

قدرة النظام الإيراني بالحفاظ على استمراريته

يرى الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن اختيار مرشد أعلى جديد للجمهورية الإسلامية في إيران يعكس قدرة النظام الإيراني بالحفاظ على استمراريته رغم الضغوط السياسية والعسكرية التي مورست عليه خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن عملية الاختيار جرت وفق المنظومة المؤسسية المعتمدة داخل النظام بما يضمن استمرار الدولة وبنية الحكم والطائفة الشيعية والتي يشكل أعضائها أكثر من 150 مليون مسلم شيعي حول العالم.
ويوضح كُتّاب أن هذه الخطوة تُظهر أن محاولات كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لزعزعة النظام الإيراني لم تحقق أهدافها، إذ تمكنت القيادة الإيرانية من المضي في عملية انتقال السلطة وفق آلياتها الداخلية.
وفي المقابل، يرى كُتّاب أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن رغبته في التأثير على اختيار المرشد الأعلى خلفاً لعلي خامنئي، يمثل شكلاً صريحاً من التدخل الاستعماري في الشؤون الداخلية للدول.
ويؤكد كُتّاب أن ما كان يحدث تاريخياً عبر رسائل غير معلنة أصبح اليوم يُطرح بشكل علني، الأمر الذي يعكس مستوى غير مسبوق من التدخل في إدارة شؤون دولة ذات حضارة عريقة، معتقداً أن فشل واشنطن في فرض هذا التوجه قد يتحول إلى بداية سلسلة من الإخفاقات السياسية لإدارة ترمب.

الحاكم الفعلي لإيران

يوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د.حسين الديك أن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى قد تفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة ربما تصل إلى إسقاط النظام أو حتى تقسيم البلاد في حال اتسعت المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويبين الديك أن اختيار مجتبى خامنئي لم يكن مفاجئاً بالكامل، إذ تشير معطيات عديدة إلى أنه كان الحاكم الفعلي لإيران خلال السنوات الماضية في ظل وجود والده علي خامنئي، وأنه كان يُنظر إليه منذ فترة طويلة بوصفه الخليفة المحتمل للمرشد.
ويلفت إلى أن منصب المرشد الأعلى في إيران يتمتع بصلاحيات واسعة للغاية، خصوصاً في ظل النفوذ الكبير الذي يتمتع به الذي يسيطر على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الموارد الطبيعية.

اغتيال المرشد السابق أبقى على النهج

ويشير الديك إلى أن اختيار مجتبى خامنئي يحمل رسائل سياسية واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يعكس استمرار سيطرة التيار الراديكالي المتشدد على السلطة في إيران رغم الاغتيالات والتصعيد العسكري، كما يمثل رسالة تحدٍ مفادها بأن اغتيال المرشد السابق لم يؤدِ إلى تغيير النهج، بل أتى بمرشد أكثر تشدداً.
ويبيّن أن التجارب الدولية تشير إلى مسارات مختلفة قد تسلكها الدول بعد الحروب أو سقوط الأنظمة.
ويستشهد الديك بحالة اليابان التي تحولت بعد الحرب العالمية الثانية إلى قوة اقتصادية كبرى بعد سقوط نظامها، مقابل نماذج أخرى مثل سوريا حيث أدى سقوط النظام إلى ملاحقة رموزه دولياً وفرارهم، وكذلك نموذج فنزويلا التي شهدت تحولاً في علاقاتها مع واشنطن بعد اعتقال رئيسها وانحياز النظام إلى علاقة أكثر استقراراً مع الولايات المتحدة.
ويشير الديك إلى أن الأنظار تتجه حالياً إلى إيران لمعرفة المسار الذي ستسلكه القيادة الجديدة، معتقداً أن استمرار نهج المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد يقود إلى مزيد من الحرب والتدمير داخل إيران وربما توسيع الصراع إلى ساحات أخرى في المنطقة.
ويستدل الديك على طبيعة الانقسام داخل النظام الإيراني بتصريحات الرئيس الإيراني التي تضمنت اعتذاراً للدول العربية مع حديث عن وقف قصفها، وهو ما قوبل برفض من رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام ورئيس البرلمان السابق علي لاريجاني، الذي أكد استمرار مهاجمة الدول العربية، ما يعكس قوة التيار المتشدد داخل مؤسسات الحكم.
ويرى الديك أن خيار استهداف المرشد الجديد بالاغتيال سيبقى احتمالاً قائماً، إلا أنه يستبعد أن يقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هذه الخطوة قبل اتضاح توجهات المرشد الجديد والرسائل التي قد يبعث بها إلى واشنطن عبر الوسطاء خلال الأيام المقبلة.
ويؤكد الديك أن طبيعة العلاقة المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة ستتحدد وفق توجهات المرشد الجديد؛ فإما الاستمرار في نهج عسكرة الدولة والمجتمع وسيطرة الحرس الثوري، أو الانتقال إلى سياسة أكثر انفتاحاً تقوم على تحسين العلاقات الإقليمية والدولية والتركيز على التنمية والاستقرار الداخلي، وهو ما ستكشفه المرحلة القريبة القادمة.

توريث غير معلن للنظام

يرى الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً لإيران قد يشير إلى تحول غير معلن نحو شكل من أشكال التوريث السياسي داخل النظام الإيراني، رغم أن النظام الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية ضد نظام الشاه قام أساساً على رفض نموذج الحكم الملكي.
ويوضح نزال أن وصول نجل المرشد السابق علي خامنئي إلى هذا المنصب قد يجعل النظام يبدو أقرب إلى نموذج العائلات الحاكمة، وهو أمر قد يثير نقاشاً داخل مؤسسات الدولة والأوساط الدينية في إيران.
ويشير نزال إلى أن تعيين مجتبى خامنئي يمثل أيضاً انتصاراً واضحاً للتيار الأمني داخل النظام في طهران، نظراً للعلاقة القوية التي تربطه بالحرس الثوري الإيراني، ما يعني أن المؤسسة الأمنية والعسكرية لعبت دوراً حاسماً في ترجيح هذا الخيار.

ضمان استمرارية الخط السياسي القائم

ويبيّن نزال أن أحد أهداف هذا القرار يتمثل في ضمان استمرارية الخط السياسي القائم، سواء على مستوى السياسات الإقليمية أو البرنامج النووي، وتجنب الدخول في مرحلة انتقالية قد تفتح الباب أمام تغييرات جوهرية في توجهات الدولة.
ويعتبر نزال أن اختيار شخصية من الدائرة الضيقة للمرشد قد يكون محاولة لتجنب صراع محتمل بين مراكز القوى داخل النظام، سواء بين رجال الدين الكبار أو بين مؤسسات الدولة المختلفة.

استبعاد الفراغ السياسي

ويشير نزال إلى أن انتقال السلطة بهذه السرعة يبعث برسالة واضحة للخارج مفادها بأن النظام الإيراني ما زال متماسكاً وأن الدولة لم تدخل في حالة فراغ سياسي.
ويرى نزال أن عدم مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في اختيار المرشد الجديد لا يعني بالضرورة أنه سيقدم على استهدافه كما توعد، مشيراً إلى أن هذه التصريحات قد تندرج في إطار الحرب النفسية ومحاولة توجيه رسائل ردع إلى طهران والضغط على مؤسسات الحكم فيها.

استهداف مجتبى إعلان حرب شاملة

ويشير نزال إلى أن استهداف المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي يُعد إعلان حرب شاملة على إيران، خاصة أن المرشد يمثل رأس الدولة ومرجعية دينية مركزية في العالم الشيعي، وهو ما قد يؤدي إلى انخراط أطراف إقليمية أخرى في الصراع.
ويلفت نزال إلى أن التجربة الأمريكية السابقة في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي أظهرت أن استهداف شخصيات عسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط النظام.
ويوضح نزال أن الاستراتيجية الأمريكية المعتادة تقوم غالباً على العقوبات والضغط والضربات العسكرية المحدودة لاستهداف بنى عسكرية محددة، لافتاً إلى أن بعض التحركات الأخيرة جاءت في سياق ضغوط مارستها الحكومة الإسرائيلية بقيادة برئاسة بنيامين نتنياهو على واشنطن.

المرشح الأبرز بلا منافس

يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية يمثل منعطفاً سياسياً حاسماً في تاريخ الجمهورية، مؤكداً أن الظروف الاستثنائية التي سبقت الاختيار واغتيال والده علي خامنئي وما تبعها من تهديدات أميركية إسرائيلية باستهداف المرشد الجديد جعلت من الابن المرشح الأبرز بلا منافس وزادت من حظوظ اختياره، رغم وجود كوكبة من رجال الدين والسياسة الأكثر خبرة وعلم شرعي، حيث امتنع عضو واحد فقط من أصل 88 في مجلس الخبراء عن التصويت.
ويشير إلى أن اختيار محتبى وهو المرشد الثالث يمثل "تشبيباً" للنظام الثوري، ويكرّس استمرار التيار الثوري المحافظ وفق رؤية والده، ويعيد صياغة خط النظام على المدى المنظور، بما يضمن استمرارية السياسات الإقليمية والنووية نفسها دون الدخول في مرحلة انتقالية قد تفتح باب التغيير.
ويلفت الرنتاوي إلى أن نجاح مجلس الخبراء والمؤسسات الإيرانية في نقل السلطة بسلاسة يشير إلى قدرة النظام على مواجهة الضغوط والتهديدات، لكنه في الوقت ذاته سيزيد من محاولات واشنطن وتل أبيب لاستهداف المرشد الجديد، وهو ما يعكس إدراكهما أن نجاح انتقال السلطة يزيد من صلابة النظام ويجعل أي محاولة اغتيال أكثر خطورة وتعقيداً.

علاقات واسعة داخل إيران

ويوضح الرنتاوي أن المرشد الثالث، رغم انتمائه للتيار المحافظ، يمتلك علاقات واسعة مع بقية الأطياف السياسية، ويتميز بموقف معتدل في بعض القضايا الداخلية مثل الإصلاح ومحاربة الفساد وقضية الحجاب، معتمداً على "الإقناع بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة" بدلاً من فرض القوانين بالقوة.
ويشير إلى أن خبرة مجتبى خامنئي الطويلة في إدارة علاقة مكتب والده بمؤسسات الدولة المختلفة، بما فيها الحرس الثوري والباسيج، تمنحه أدوات لضبط إيقاع مؤسسات السلطة ومراكز صنع القرار، وضمان استقرار النظام في الداخل.
ويوضح الرنتاوي أن التحدي الأكبر أمام المرشد الجديد يكمن في إدارة الحرب مع واشنطن وتل أبيب، وضبط الخلافات الداخلية المتعلقة بالبرنامج النووي والصاروخي، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، مع مراعاة إعادة بناء إيران بعد الحرب، بما يجعل مهامه داخلية وخارجية متشابكة ومعقدة في الوقت ذاته.

إيران مستمرة في نهجها الثوري

ويؤكد الرنتاوي أن اختيار مجتبى خامنئي جاء كرسالة واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل و"الجيل الأول" من قادة الثورة، مفادها بأن إيران مستمرة في نهجها الثوري، وأن أي محاولات لفرض قيادات "معتدلة" ستصطدم بصلابة التيار الثوري، بينما يوفر للشباب القادرين على القيادة مساحة للتفاعل مع تحديات الداخل والخارج، بما يضمن بقاء إيران ونظامها وجمهوريتها الإسلامية.
ويرى الرنتاوي أن المرشد الجديد أمامه فرص كبيرة، لكنه سيحتاج إلى الحذر في التنقل بين الضغوط الإقليمية والدولية، وإدارة مؤسسات السلطة بحكمة، واستثمار نوافذ الفرص للحفاظ على النظام واستمراريته، مع ضرورة تجنب الاستفزاز المباشر للولايات المتحدة وإسرائيل، والتعامل بذكاء مع تعقيدات السياسة الداخلية والخارجية.
ويرى الرنتاوي أن اختيار مجتبى خامنئي يمثل رسالة مزدوجة: استمرارية النظام الإيراني وتحدٍ صارم للضغوط الخارجية، ما يعكس قدرة إيران على الصمود والردع في مواجهة التهديدات التي تحيط بها، داخلياً وخارجياً.

إمكانية اغتياله تهديد مباشر للنظام الإيراني

ويشير الرنتاوي إلى أن تصريحات ترمب الرافضة لاختيار مجتبى خامنئي وتوعده بالقضاء عليه، تمثل تهديداً مباشراً للنظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه قد تكون عامل تعزيز لمكانة المرشد الجديد داخلياً، حيث تحوّل "الرفض الأمريكي" إلى عامل وحدة داخلي وتقوية شرعية انتقال السلطة.
 ويعتقد الرنتاوي أن محاولات ترمب لاستهداف المرشد الجديد، إذا ما تحققت، قد تزيد من المخاطر على الولايات المتحدة نفسها وتفاقم التوترات الإقليمية، خصوصاً أن أي عمل عدائي ضد المرشد سيُعتبر تعدياً على مؤسسات الدولة الإيرانية ويُفجر سلسلة ردود إيرانية قد تطول الداخل والخارج على حد سواء.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

حاخام يميني يدين هجمات المستوطنين وسط تصاعد عمليات القتل والتهجير في الضفة

خرج الحاخام الإسرائيلي النافذ إلياكيم ليفانون، المعروف بصلاته الوثيقة مع تيارات اليمين المتطرف، بموقف لافت أدان فيه تصاعد هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. وأكد ليفانون في رسالة مفتوحة أن المساس بالممتلكات أو إلحاق الأذى الجسدي بأي إنسان، بغض النظر عن ديانته، يمثل سلوكاً يتنافى مع الأخلاق، وهو تصريح يأتي في ظل ذروة العنف الاستيطاني.

وتأتي هذه الإدانة في وقت شيع فيه الفلسطينيون جثامين أربعة شهداء ارتقوا خلال الساعات الماضية برصاص المستوطنين في مناطق متفرقة. حيث قضى ثلاثة شبان في هجوم دموي استهدف قرية أبو فلاح الواقعة شمال شرق مدينة رام الله، بينما استشهد الرابع في منطقة وادي الرخيم جنوبي الضفة الغربية، مما يعكس اتساع رقعة الاستهداف المباشر للمدنيين.

وفي تطورات ميدانية متلاحقة، أفادت مصادر طبية ومحلية بإصابة عدد من المواطنين بجروح ورضوض إثر اعتداءات نفذتها مجموعات من المستوطنين على بلدات وقرى شمال وجنوب الضفة. وتركزت هذه الهجمات في بلدات بيتا وجماعين وعوريف بمحيط مدينة نابلس، حيث استخدم المعتدون الضرب المبرح ورش غاز الفلفل السام تجاه المواطنين العزل.

ولم تقتصر الاعتداءات على شمال الضفة، بل امتدت لتطال خربة حمروش التابعة لبلدة سعير شمال مدينة الخليل، حيث هاجم مستوطنون الأهالي واعتدوا عليهم بالضرب. وتندرج هذه الهجمات ضمن سلسلة من المحاولات المستمرة لترهيب السكان الفلسطينيين في المناطق المصنفة 'ج' لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد يخدم التوسع الاستيطاني.

من جانبها، أشارت تقارير صحفية عبرية إلى أن هذه الاعتداءات لا يمكن وصفها بحوادث معزولة أو عفوية، بل هي جزء من استراتيجية منظمة تندرج تحت مسمى 'الإرهاب اليهودي'. وتهدف هذه السياسة الممنهجة إلى خلق حالة من الاحتكاك الدائم والضغط النفسي والمادي على الفلسطينيين لجعل حياتهم اليومية مستحيلة في أراضيهم التاريخية.

ويرى مراقبون ومحللون أن الهدف النهائي من هذا التصعيد هو دفع السكان الفلسطينيين نحو مغادرة قراهم طوعاً أو قسراً، فيما يوصف بأنه 'تهجير تدريجي'. وتتم هذه العمليات تحت غطاء من الصمت أو الدعم الضمني أحياناً، مما يشجع المجموعات المتطرفة على مواصلة تخريب المنشآت الزراعية وهدم المنازل لتقويض مقومات البقاء الفلسطيني.

وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن هجمات المستوطنين وحدها تسببت في استشهاد 42 فلسطينياً منذ اندلاع الحرب في الثامن من أكتوبر 2023. وتعكس هذه الأرقام تحولاً خطيراً في دور المستوطنين الذين باتوا يعملون كقوة عسكرية موازية تستهدف التجمعات الفلسطينية النائية والمهمشة بشكل خاص.

وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية، فقد أدت اعتداءات قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية منذ التاريخ ذاته إلى ارتقاء 1125 شهيداً وإصابة نحو 11 ألفاً و700 آخرين بجروح متفاوتة. وتظهر هذه الإحصائيات حجم القوة المفرطة المستخدمة ضد الفلسطينيين في مختلف المحافظات، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة.

وفي سياق متصل، تواصل سلطات الاحتلال حملات الاعتقال المسعورة التي طالت نحو 22 ألف فلسطيني منذ بدء التصعيد الأخير، في محاولة لكسر إرادة المقاومة الشعبية. وترافق هذه الاعتقالات عمليات تخريب واسعة للممتلكات الخاصة والبنية التحتية في المخيمات والمدن، مما يفاقم من معاناة المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى المشهد في الضفة الغربية مفتوحاً على مزيد من التصعيد في ظل استمرار سياسة التوسع الاستيطاني وهدم المنشآت الحيوية. ومع تزايد التحذيرات الدولية من انفجار الأوضاع بشكل كامل، يواصل الفلسطينيون صمودهم في وجه محاولات التهجير، رغم التكلفة البشرية والمادية الباهظة التي يفرضها واقع الاحتلال والمستوطنين.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب الخوارزميات.. الصين تختبر أسراب المسيرات الذكية لتدمير الدفاعات الجوية


 أظهرت تقارير استخبارية وتحليلات ميدانية قيام الصين باختبار تقنيات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتنسيق هجمات "أسراب الطائرات المسيرة" (Drone Swarms) على نطاق واسع، وتعتمد هذه التقنية على خوارزميات تسمح لمئات الطائرات الصغيرة بالتواصل فيما بينها واتخاذ قرارات جماعية لتضليل الرادارات وإغراق منصات الدفاع الجوي المعادية، مما يجعل التصدي لها بالوسائل التقليدية أمرًا مكلفًا وغير فعال من الناحية العسكرية.
 
نماذج ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات الميدانية
وفقًا لموقع "مودرن دبلماسي"، تركز الاستراتيجية الصينية الجديدة على استخدام نماذج ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات الميدانية فوريًا وتحديد أضعف النقاط في شبكة دفاع العدو.
وأشار التقرير إلى أن هذه الهجمات "متعددة المنصات" تربك أنظمة القيادة والسيطرة البشرية بسبب سرعتها وتزامنها الفائق، مما يعطي تفوقًا تكتيكيًا كبيرًا للقوات التي تمتلك اليد العليا في معالجة البيانات والذكاء الاصطناعي القتالي.
ويمثل هذا التطور العسكري فصلاً جديدًا في "حروب الخوارزميات"، حيث لم تعد الغلبة لمن يمتلك القوة النارية الأكبر فحسب، بل لمن يمتلك النظام الذكي الأكثر قدرة على التكيف والمناورة،  ويدفع هذا التهديد القوى الغربية إلى ضخ استثمارات هائلة في تطوير دفاعات سيبرانية تعتمد على الذكاء الاصطناعي المضاد، مما ينذر بسباق تسلح تكنولوجي عالمي قد يغير عقيدة الدفاع الوطني للدول، ويجعل من الفضاء الرقمي ساحة المعركة الحقيقية والأكثر تأثيرًا.

حروب الخوارزميات وأسراب الطائرات
وتعمل الأسراب عبر مجموعة من الدرونات المترابطة التي تعمل ككيان واحد ذكي، حيث تتبادل المعلومات فيما بينها لتنفيذ مهام هجومية أو استطلاعية معقدة بتنسيق آلي كامل في  النزاعات العسكرية التي تلعب فيها البرمجيات والذكاء الاصطناعي الدور الرئيسي في اتخاذ القرارات الميدانية وتوجيه الأسلحة بدلاً من الاعتماد التقليدي على البشر.


منوعات

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

قبعة ترمب تدفع "فوكس نيوز" لتقديم اعتذار رسمي

 اعتذرت شبكة فوكس نيوز عن بثها مقطع فيديو قديم للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدون قبعة خلال تغطيتها يوم الأحد حضوره مراسم تسليم جثامين الجنود الأمريكيين الذين سقطوا في حرب ايران، مؤكدة أنه كان خطأ غير مقصود.
وفي ظل حالة الاستقطاب، زعم بعض النقاد على الإنترنت دون دليل أن الأمر لم يكن خطأً، وأن القناة كانت تحاول تحسين صورة ترامب بعدم إظهاره مرتدياً قبعة بيسبول خلال ما يعتبر من أقدس واجبات قائد القوات المسلحة، وقد جرت مراسم تسليم جثامين ستة جنود يوم السبت في قاعدة دوفر الجوية.
لكن فوكس نيوز أوضحت أن لقطات أرشيفية لترمب من مراسم سابقة استخدمت سهواً من قبل أحد أعضاء فريق العمل في بثين صباح الأحد وأشارت متحدثة باسم القناة إلى أنه تم استخدام اللقطات الصحيحة في أوقات أخرى، بما في ذلك يوم السبت.
وقالت فوكس في بيان: نأسف لهذا الخطأ ونعتذر عن اللقطات غير الصحيحة، وأصدر جريف جينكينز، مذيع فوكس نيوز، تصحيحاً على الهواء يوم الأحد، قائلاً: نتقدم بخالص احترامنا وتعازينا لأسر الجنود الذين سقطوا.
وبحسب وكالة اسوشيتد برس، لم يلق الاعتذار استحسان بعض النقاد حيث قال قال جوني "جوي" جونز، وهو مذيع مخضرم ومقدم مشارك لبرنامج " على قناة فوكس نيوز، على مواقع التواصل الاجتماعي إنه يشعر بالحرج والخجل مما حدث.
وكتب جونز: كنت أعتقد أن هذا خطأ غير مقصود، لكن هذا لا يجعله مقبولاً. قلّما يوجد شيء أقدس من أبطالنا الذين يضحون بأرواحهم في سبيل الواجب.
وأضاف جونز: إذا كانت التعليقات الساخرة والإهانات هي طريقتكم في الرد على هذا، فوجهوها إليّ. أنا من يملك الكلمات اللاذعة في هذه القضايا. إذا كنتم تستخدمون هذا كوسيلة لتوجيه انتقادات حزبية لزملائي المجتهدين، فراجعوا ساعاتكم.
 


منوعات

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

علماء يبتكرون أكباداً مصغرة تُحقن فى الجسم لتتولى وظائف الكبد الفاشل

ابتكر علماء من معهد ماساسوستش للتكنولوجيا أكبادا  مصغرة" يمكن حقنها في الجسم للمساعدة في تولي وظائف الكبد الفاشل.
ووفقاً لما ذكرته مجلة Newsweek، فإنه إذا تحقق هذا التطور سريريًا، فإنه قد يوفر شريان حياة للعديد من الأمريكيين الذين يزيد عددهم عن 10000 أمريكي والذين يعانون من أمراض الكبد المزمنة، وينتظرون حاليًا عملية زرع الكبد- وسط نقص حالي في الأعضاء المتبرع بها.
قالت سانجيتا بهاتيا، مؤلفة الورقة البحثية وأستاذة الهندسة الطبية الحيوية، "نعتبر هذه بمثابة أكباد فرعية"، مضيفة، إنه إذا استطعنا إيصال هذه الخلايا إلى الجسم مع ترك العضو المريض في مكانه، فإن ذلك سيوفر وظيفة معززة، في الدراسات المبكرة التي أجريت على الفئران، أثبت الباحثون أن هذه الأنسجة المهندسة تنتج بنجاح العديد من الإنزيمات والبروتينات الأخرى التي تنتجها الأكباد الحقيقية - ويمكن أن تظل قابلة للحياة في الجسم لمدة شهرين على الأقل.
يُعد الكبد، وهو أكبر عضو صلب داخلي في جسم الإنسان، مسؤولاً عن 500 وظيفة حيوية أساسية تتعلق بتنظيم المواد الكيميائية في الدم، بدءًا من تنظيم تخثر الدم وصولاً إلى التخلص من الأدوية والبكتيريا، وتؤدي معظم هذه الوظائف خلايا متخصصة تُعرف بالخلايا الكبدية.
على مدى العقد الماضي، قامت بهاتيا وزملاؤها بالبحث عن طرق لاستعادة وظيفة الخلايا الكبدية دون اللجوء إلى عملية زرع جراحية.
إحدى الأفكار التي استكشفوها تضمنت تضمين الخلايا الكبدية في مادة متوافقة بيولوجيًا مثل الهيدروجيل - وهي شبكة ثلاثية الأبعاد من البوليمرات المتشابكة القادرة على امتصاص كميات كبيرة نسبيًا من الماء دون أن تذوب.
لكن المشكلة في هذا النهج تكمن في أن الهيدروجيلات نفسها تتطلب زرعًا جراحيًا، ولتجاوز هذه المشكلة، بحث الباحثون عن وسيلة لحقن خلايا الكبد في المرضى بدلًا من ذلك.
تضمن حلهم حقن ليس فقط الخلايا، ولكن أيضًا كريات دقيقة من الهيدروجيل التي من شأنها أن تساعد الخلايا الكبدية على البقاء معًا، وكذلك على تكوين روابط مع الأوعية الدموية القريبة.
تساعد خاصية رائعة للكرات المجهرية الهيدروجيلية في هذه العملية- فعندما تتراص الكرات معًا بشكل وثيق، فإنها تتصرف مثل السائل، مما يسمح بحقنها عبر المحقنة؛ ومع ذلك، بمجرد دخولها إلى الجسم، فإنها قادرة على استعادة بنيتها الصلبة.
علاوة على ذلك، أظهرت الكريات المجهرية المصنوعة من الهيدروجيل نتائج واعدة في المساعدة على التئام الجروح، إذ تُساعد الخلايا على الهجرة إلى الفراغات بين الكريات وتكوين أنسجة جديدة، وبهذه الطريقة، تمكّن باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من استخدام هذه الكريات المجهرية لمساعدة خلايا الكبد المحقونة.
من خلال إضافة الخلايا الليفية إلى الخليط المحقون - وهو نوع من الخلايا الداعمة - تمكن الفريق من زيادة فرص بقاء الخلايا الكبدية على قيد الحياة، وتعزيز نمو الأوعية الدموية.
وأوضح فاردامان كومار، مؤلف الورقة البحثية والمهندس البيولوجي، إن ما فعلناه هو استخدام هذه التقنية لإنشاء بيئة هندسية لزراعة الخلايا"، فإذا تم حقن الخلايا في غياب هذه الكريات، فلن تندمج بكفاءة مع الجسم المضيف، لكن هذه الكريات المجهرية توفر للخلايا الكبدية بيئة مناسبة حيث يمكنها البقاء متمركزة والاتصال بدورة الجسم المضيف بشكل أسرع بكثير."
بالتعاون مع أحد المتخصصين من معهد كوخ، طور الباحثون طريقة لاستخدام الموجات فوق الصوتية لتوجيه الحقنة إلى موقع الحقن - في حالة تجاربهم على الفئران، الأنسجة الدهنية في البطن - بالإضافة إلى مراقبة الاستقرار المستمر للزرعة.
قال كومار: "تشكلت الأوعية الدموية الجديدة بجوار خلايا الكبد مباشرة، وهذا هو سبب قدرتها على البقاء، فقد تمكنت من الحصول على العناصر الغذائية مباشرة، وتمكنت من أداء وظائفها كما هو متوقع، وأنتجت البروتينات التي نتوقعها منها"، ووفقًا للباحثين، يمكن أيضًا إيصالها إلى مواقع أخرى في الجسم، بما في ذلك الطحال وفي محيط الكليتين.
وأشار كومار، إلى أنه "في الغالبية العظمى من أمراض الكبد، لا يلزم أن يكون قريبًا من الكبد"، في الواقع، تستطيع الخلايا المحقونة العمل مثل نظيراتها "الأصلية" طالما توفرت لها مساحة كافية وإمكانية الوصول إلى شبكة الدورة الدموية.
أفاد الفريق أن خلايا الكبد المحقونة ظلت فعالة طوال فترة الدراسة بأكملها -ثمانية أسابيع- ما يشير إلى أن العلاج لديه إمكانات كعلاج طويل الأمد لأمراض الكبد.
وأوضح كومار قائلاً: "إن الطريقة التي نرى بها هذه التقنية هي أنها يمكن أن توفر بديلاً للجراحة، ولكنها يمكن أن تكون بمثابة جسر لعملية الزرع حيث يمكن لهذه الطعوم أن توفر الدعم حتى يصبح العضو المتبرع به متاحاً".
وتابع قائلاً: "وإذا اعتقدنا أنهم قد يحتاجون إلى علاج آخر أو المزيد من عمليات الزرع، فإن العوائق التي تحول دون القيام بذلك أقل بكثير مع هذه التقنية القابلة للحقن مقارنة بإجراء عملية جراحية أخرى"، بالإضافة إلى ذلك، أشارالفريق إلى أنه يمكن استخدام الطعوم لمساعدة المرضى غير المؤهلين لعملية الزرع لأن الأطباء يخشون أنهم ليسوا بصحة جيدة بما يكفي لتحمل الجراحة.
بحسب المفهوم الحالي، سيحتاج المرضى إلى تناول أدوية مثبطة للمناعة لاستخدام الكبد المصغر، لكن في المستقبل، يقول الفريق إنه قد يكون من الممكن تطوير نسخ مزودة بخلايا كبدية "متخفية" قادرة على تجنب رفض الجهاز المناعي، بدلاً من ذلك، يمكن تكييف الكرات الهيدروجيلية لتوصيل مثبطات المناعة موضعياً إلى موقع الحقن.


تحليل

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

"البنتاغون" يستعد لحرب قد تمتد حتى أيلول وسط تصعيد أمريكي ضد إيران

تحليل إخباري
 تدل مؤشرات متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى أن الحرب الدائرة ضد إيران قد تستمر أشهراً أطول مما أعلن عنه البيت الأبيض في البداية. فوفقاً لتقرير نشرته مجلة "بوليتيكو"، يضع البنتاغون حالياً سيناريوهات لعمليات عسكرية قد تمتد حتى شهر أيلول المقبل، أي ما يتجاوز بكثير التقديرات الأولية التي تحدث عنها الرئيس دونالد ترمب عندما حدد مدة تقريبية للحملة لا تتجاوز أربعة أسابيع.
التقرير يشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات عملية استعداداً لاحتمال طول أمد المواجهة. فقد طلبت القيادة المركزية United States Central Command (سنتكوم) من وزارة الدفاع إرسال عدد إضافي من ضباط الاستخبارات إلى مقر القيادة في مدينة تامبا، بولاية فلوريدا، بهدف دعم التخطيط العملياتي وإدارة المعركة خلال فترة قد تصل إلى مئة يوم على الأقل.
وتعكس هذه الخطوة ، وفق مراقبين عسكريين، تحوّلاً من تصور "عملية سريعة محدودة" إلى الاستعداد لحملة أطول وأكثر تعقيداً. فالعمليات الجوية المستمرة، وتوسع رقعة المواجهة، وردود الفعل الإيرانية، جميعها عوامل تدفع المخططين العسكريين إلى اعتماد تقديرات زمنية أكثر تحفظاً.
في السياق ذاته، أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن الولايات المتحدة ستواصل تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، بالتوازي مع توسيع نطاق الحملة الجوية ضد أهداف إيرانية.
وقال هيغسيث إن تعزيزات عسكرية إضافية وصلت بالفعل إلى المنطقة، موضحاً: "تصل اليوم المزيد من القاذفات والمقاتلات. ومع سيطرتنا الكاملة على الأجواء، سنواصل استخدام القنابل الدقيقة الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي والليزر، بأوزان 500 و1000 و2000 رطل، ولدينا مخزون كبير منها".
ورغم الضغوط السياسية والإعلامية لتحديد أفق زمني للحرب، تجنب وزير الدفاع إعطاء موعد واضح لنهاية العمليات. وقال إن التقديرات قد تتغير تبعاً لتطورات المعركة، مضيفاً أن مدة الحملة قد تكون "أربعة أسابيع، أو ستة، أو ثمانية، وربما أكثر"، مشدداً على أن الولايات المتحدة هي التي ستحدد "الوتيرة والسرعة" في إدارة الحرب.
هذا الغموض في تحديد الإطار الزمني يعكس طبيعة الصراع المتحرك، حيث تحاول واشنطن إبقاء الضغط العسكري على طهران مع تجنب الانجرار إلى حرب برية واسعة، وهو التحدي الذي واجه الإدارات الأمريكية في معظم النزاعات الإقليمية خلال العقود الماضية.
ميدانياً، تشير التقديرات الأولية إلى أن الحرب أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من ألف مدني إيراني نتيجة الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، في حين قُتل ما لا يقل عن ستة جنود أمريكيين في هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت مواقع عسكرية في المنطقة.
كما يعمل البنتاغون على تعزيز مخزوناته من الصواريخ وذخائر الدفاع الجوي في الشرق الأوسط، بعد أن تراجعت بشكل ملحوظ خلال الأيام الأولى من العمليات العسكرية. وتشير مصادر عسكرية إلى أن الاستهلاك المرتفع للذخائر خلال الأيام الخمسة الأولى من الحرب دفع القيادة العسكرية إلى تسريع عمليات نقل الإمدادات من قواعد أمريكية في أوروبا والولايات المتحدة.
إلى جانب البعد العسكري، كشفت التطورات أيضاً عن تحديات لوجستية ودبلوماسية واجهتها الإدارة الأمريكية. فقد أشار تقرير بوليتيكو إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية اضطرت إلى تكثيف جهودها لإجلاء المواطنين الأمريكيين العالقين في عدد من دول الشرق الأوسط مع توسع رقعة التوتر.
وبحسب التقرير، لم تكن لدى الإدارة خطة إجلاء جاهزة على نطاق واسع، رغم أشهر من الحشد العسكري في المنطقة وتصاعد تهديدات واشنطن بتوجيه ضربات لإيران. وقد أدى ذلك إلى حالة من الارتباك في الأيام الأولى للحرب، ما دفع الدبلوماسيين الأمريكيين إلى العمل بشكل عاجل لتنظيم عمليات مغادرة للرعايا الأمريكيين عبر الرحلات التجارية والطرق البرية.
هذه التطورات تعكس الفجوة التي قد تظهر أحياناً بين التخطيط العسكري والاستعدادات المدنية المرافقة للحروب، خصوصاً عندما تتحول التهديدات السياسية إلى عمليات عسكرية فعلية بوتيرة أسرع مما تتوقعه المؤسسات الحكومية المختلفة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن تعزيز وجودها العسكري، يبقى السؤال الرئيسي المطروح داخل الأوساط السياسية والعسكرية هو ما إذا كانت الحملة الجوية قادرة على تحقيق أهدافها الإستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
استعداد البنتاغون لعمليات قد تمتد حتى شهر أيلول المقبل  يكشف فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الأولي والتقديرات العسكرية الواقعية. ففي كثير من النزاعات، تميل القيادات السياسية إلى تقديم جداول زمنية قصيرة لطمأنة الرأي العام، بينما يضع المخططون العسكريون سيناريوهات أطول وأكثر تعقيداً. طلب إرسال ضباط استخبارات إضافيين إلى مقر القيادة المركزية يشير إلى أن واشنطن تستعد لإدارة حرب استنزاف جوية قد تستمر أشهراً وليس أسابيع.
رغم تأكيد واشنطن امتلاك "السيطرة الكاملة على الأجواء"، فإن التجارب العسكرية الحديثة تظهر أن التفوق الجوي وحده لا يضمن تحقيق أهداف إستراتيجية سريعة. فإيران تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والشبكات غير التقليدية في الرد، وهي أدوات تسمح لها بإطالة أمد الصراع ورفع كلفته دون مواجهة تقليدية مباشرة مع القوات الأمريكية.
مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في إيران وتزايد المخاطر على القوات الأمريكية في المنطقة، قد تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً سياسية متزايدة داخلياً وخارجياً. فكلما طالت مدة الحرب، زادت الأسئلة حول أهدافها النهائية وكلفتها الإستراتيجية. كما أن غياب خطة إجلاء واضحة منذ البداية يسلط الضوء على فجوات في التنسيق بين الاستعداد العسكري وإدارة الحرب.
 
 



عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري واسع: غارات تطال طهران وأصفهان وعراقجي يعلن توقف المفاوضات

أعلن الحرس الثوري الإيراني عن تنفيذ هجوم صاروخي استهدف قاعدة حرير العسكرية التابعة للقوات الأمريكية في إقليم كردستان العراق. وأوضحت البيانات العسكرية أن الهجوم تم بواسطة خمسة صواريخ دقيقة، مشيرة إلى أن هذه العملية تأتي في سياق الرد الطبيعي على ما وصفته بالعدوان الإسرائيلي الأمريكي المستمر ضد السيادة الإيرانية.

في المقابل، كشفت مصادر إعلامية عبرية عن تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي سلسلة غارات ليلية استهدفت ما وصفتها بمختبرات نووية ومنشآت حساسة داخل العاصمة طهران. وادعت المصادر أن هذه المنشآت كانت ضمن بنك أهداف سابق وتمت إعادة استهدافها لضمان تحييد قدراتها التقنية والبحثية في المجال النووي.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الغارات الجوية طالت مناطق واسعة ومتفرقة من العاصمة الإيرانية، حيث تركز القصف في الضواحي الشرقية والجنوبية والغربية. ومن أبرز المواقع المتضررة منطقة الري التاريخية في أقصى الجنوب، بالإضافة إلى حي نارمك السكني، ومواقع قريبة من الطريق السريع المعروف باسم 'ارتش' الذي يضم منشآت تابعة للجيش.

وامتدت رقعة الاستهدافات لتشمل محافظة البرز المجاورة للعاصمة، حيث تعرضت مدينتا كرج وشهريار لضربات جوية متلاحقة خلال الأيام القليلة الماضية. وتحدثت التقارير عن انفجارات عنيفة هزت تلك المناطق، مما أثار حالة من القلق في صفوف المدنيين نتيجة كثافة النيران المستخدمة في العمليات الجوية الأخيرة.

وفي وسط البلاد، تعرضت محافظة أصفهان لغارات جوية استهدفت عدداً من المباني، من بينها منشآت سكنية، مما أدى إلى وقوع ضحايا بين قتيل وجريح. ورغم عدم صدور حصيلة رسمية نهائية من السلطات الإيرانية حتى اللحظة، إلا أن شهود عيان أكدوا حجم الدمار الكبير الذي خلفه القصف في المناطق المأهولة.

ورصد سكان محليون في غرب طهران ظاهرة بصرية تمثلت في ظهور أضواء زرقاء ساطعة في السماء تزامنت مع وقوع الانفجارات. ويرجح خبراء عسكريون أن هذه الأضواء قد تكون ناتجة عن استخدام أنواع خاصة من الذخائر المصممة لتعطيل البنية التحتية الكهربائية والأنظمة الإلكترونية عبر نبضات كهرومغناطيسية.

وأكدت شركة الكهرباء الوطنية الإيرانية تعرض أجزاء حيوية من شبكة الإمداد لأضرار جسيمة جراء الهجمات التي استهدفت طهران ومحافظة البرز. وأوضحت الشركة أن الفرق الفنية تعمل على تقييم الأضرار وإعادة التيار للمناطق المتضررة، في ظل مخاوف من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مرافق الطاقة الأساسية في البلاد.

من جانبها، لوحت مصادر عسكرية إيرانية بتغيير جذري في طبيعة الردود الصاروخية القادمة ضد الأهداف الإسرائيلية. وأشارت هذه المصادر إلى إمكانية استخدام رؤوس حربية ثقيلة تصل زنتها إلى طن واحد، مؤكدة أن الصواريخ الإيرانية باتت قادرة على اختراق المنظومات الدفاعية بسهولة أكبر بعد تضرر الرادارات المعادية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، قطع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الطريق أمام أي محاولات للتهدئة السياسية في الوقت الراهن. وصرح عراقجي بأن بلاده مستعدة لمواصلة العمليات العسكرية طالما تطلب الأمر ذلك، مشدداً على أن خيار المفاوضات مع الولايات المتحدة لم يعد مدرجاً على جدول أعمال القيادة الإيرانية.

وفي تصريحات صحفية، أوضح عراقجي أن طهران ستستخدم كافة الوسائل المتاحة للدفاع عن أمنها القومي، وأن لغة الصواريخ هي الرد الوحيد الممكن حالياً. واعتبر أن التراجع عن المسار الدبلوماسي جاء نتيجة استمرار السياسات العدائية الأمريكية ودعمها المطلق للتحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.

بدوره، أشار كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إلى أن إيران فقدت الثقة تماماً في أي مسار تفاوضي مع واشنطن. وأوضح خرازي أن بلاده تراهن الآن على الضغوط الاقتصادية واضطراب أسواق الطاقة العالمية لإجبار المجتمع الدولي على التدخل ووقف التصعيد العسكري ضد الأراضي الإيرانية.

كما لوحت طهران باستخدام ورقة مضيق هرمز الاستراتيجية، ملمحة إلى إمكانية فرض قيود مشددة على حركة ناقلات النفط والسفن المرتبطة بالدول الغربية وإسرائيل. ويأتي هذا التهديد في ظل انتشار بحري مكثف لقوات الحرس الثوري، مما يضع أمن الملاحة الدولية في مواجهة تحديات غير مسبوقة.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني جنوب لبنان: الاحتلال يبحث توسيع العملية البرية والمقاومة تدمر 3 دبابات 'ميركافا'

جدد جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم الثلاثاء تهديداته لسكان مناطق جنوب نهر الليطاني، مطالباً بإخلاء بلدات واسعة بالتزامن مع تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي. وشمل القصف العنيف بلدات عيتا الشعب ورامية ويارون، في محاولة لتأمين غطاء ناري لتحركات القوات البرية على الحدود.

أفادت مصادر ميدانية بأن الساعات الماضية شهدت اشتباكات ضارية في القطاع الشرقي، وتحديداً في مدينة الخيام التي تحاول قوات الاحتلال اختراقها من عدة محاور. وأكدت المصادر أن المقاومة خاضت معارك من المسافة صفر لمنع تقدم الآليات الإسرائيلية التي تحاول التمركز في نقاط استراتيجية.

أعلن حزب الله في سلسلة بيانات عسكرية عن تدمير ثلاث دبابات من طراز 'ميركافا' بعد استهدافها بصواريخ موجهة في محيط مدينة الخيام. وأوضح الحزب أن الإصابات كانت مباشرة وأدت إلى احتراق الآليات ووقوع طواقمها بين قتيل وجريح خلال محاولات التقدم.

شهد محيط معتقل الخيام السابق كميناً محكماً نصبته المقاومة لقوة إسرائيلية حاولت التسلل إلى عمق المدينة، مما أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة استمرت حتى فجر اليوم. وتكتسب هذه المنطقة أهمية رمزية وعسكرية بالغة نظراً لموقعها المشرف على مساحات واسعة من القطاع الشرقي.

رصدت التقارير الميدانية توغلاً إسرائيلياً بعمق يصل إلى 5 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، انطلاقاً من محور العديسة وكفركلا وصولاً إلى أطراف بلدة رب ثلاثين. وتعمل قوات الاحتلال على فتح محاور جديدة للالتفاف على نقاط تمركز المقاومة في القرى الحدودية الأمامية.

في إطار الرد على الاعتداءات، استهدف حزب الله قاعدة للدفاع الفضائي والدفاع السيبراني تابعة لجيش الاحتلال في منطقة 'إيلا' بالجليل. كما طال القصف الصاروخي قاعدة الرملة التي تبعد نحو 135 كيلومتراً عن الحدود اللبنانية، في تطور يعكس قدرة المقاومة على الوصول لأهداف استراتيجية.

أكدت بيانات المقاومة استخدام صواريخ نوعية وصل مداها إلى 160 كيلومتراً، استهدفت تجمعات عسكرية ومواقع مستحدثة في مركبا وعيترون. وتزامن ذلك مع إطلاق أسراب من المسيّرات الانقضاضية باتجاه نهاريا وإسكاف عام وكريات شمونة، مما أدى لتفعيل صفارات الإنذار بشكل متواصل.

كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن ارتفاع مؤلم في حصيلة الضحايا، حيث بلغ عدد الشهداء 486 شخصاً منذ بدء العدوان الواسع. وأشارت الوزارة إلى أن الساعات الأربع والعشرين الماضية كانت الأكثر دموية، حيث ارتقى 92 شهيداً جراء الغارات التي استهدفت منازل المدنيين.

طالت الغارات الإسرائيلية فجر اليوم بلدات تبنين والشهابية ودير الزهراني، مما تسبب في دمار هائل في البنية التحتية والممتلكات. وتواصل فرق الإسعاف والدفاع المدني عمليات البحث عن مفقودين تحت الأنقاض في ظل ظروف أمنية معقدة وصعبة للغاية.

على الجانب الآخر، اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بإطلاق ما لا يقل عن 30 صاروخاً في دفعة واحدة باتجاه مدينة حيفا ومناطق الشمال. وذكرت المصادر أن صفارات الإنذار دوت في مساحات واسعة خشية وصول صواريخ دقيقة قادرة على تجاوز منظومات الدفاع الجوي.

بحث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع القادة العسكريين إمكانية توسيع العملية البرية في لبنان لتشمل مناطق أعمق. ويأتي هذا النقاش في ظل تقديرات استخباراتية تشير إلى امتلاك حزب الله مئات الصواريخ الدقيقة التي بدأت تشكل تهديداً مباشراً لوسط إسرائيل.

أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن بعض الصواريخ التي أطلقت من لبنان سقطت في مناطق مأهولة دون تفعيل صفارات الإنذار، مما أثار حالة من الذعر. وأسفرت هذه الرشقات عن إصابات مباشرة بين المستوطنين وأضرار مادية في المنشآت الحيوية بشمال فلسطين المحتلة.

أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية أن المستشفيات استقبلت أكثر من 2339 جريحاً منذ اندلاع المواجهات على الجبهة الشمالية. ولا يزال العشرات من هؤلاء المصابين يتلقون العلاج في أقسام العناية المكثفة، مما يعكس حجم الخسائر البشرية في صفوف الاحتلال.

تستمر حالة الاستنفار القصوى على جانبي الحدود، مع توقعات بمزيد من التصعيد في الساعات القادمة إذا ما قرر الاحتلال المضي قدماً في خطط التوسع البري. وتؤكد المعطيات الميدانية أن المقاومة أعدت خطوط دفاعية متعددة لمواجهة أي محاولة لتعميق التوغل الإسرائيلي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

استراتيجية الاستنزاف الإيرانية: الرهان على سلاح الطاقة وصمود الحرس الثوري

تراهن القيادة الإيرانية في المرحلة الراهنة على قدرتها العالية على الصمود في وجه الضغوط العسكرية المكثفة التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا تهدف طهران إلى تحقيق حسم عسكري تقليدي، بل تسعى لتحويل الصراع إلى مواجهة استنزاف قاسية يصعب على الخصوم تحمل تبعاتها الاقتصادية والسياسية على المدى الطويل.

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية بشكل أساسي على استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لتهديد ممرات الطاقة الحيوية في المنطقة. وتهدف هذه التحركات إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية بقوة كافية لإجبار واشنطن على مراجعة حساباتها والتراجع عن حملتها العسكرية الحالية.

على الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها إيران وفقدان شخصيات قيادية محورية، إلا أن الحرس الثوري لا يزال يمسك بزمام الأمور بقوة. وتؤكد مصادر مطلعة أن الحرس يوجه ساحة المعركة وينفذ خطط طوارئ معدة مسبقاً بدقة عالية، مما يضمن استمرارية العمليات العسكرية والإدارية.

لعب الحرس الثوري دوراً حاسماً في ترتيب البيت الداخلي الإيراني، حيث برز كصانع للملوك من خلال ترقية مجتبى خامنئي لمنصب الزعيم الأعلى. وجاءت هذه الخطوة بعد مقتل والده آية الله علي خامنئي في الضربات الجوية التي ميزت بدايات الصراع الحالي.

يرى خبراء دوليون أن إيران تخوض حالياً معركة وجودية شاملة لا تقبل الحلول الوسط، حيث يعتقد القادة هناك أن بقاء النظام بات على المحك. ويصف محللون الحالة الإيرانية بأنها تشبه 'الحيوان الجريح' الذي يصبح أكثر خطورة وشراسة مع زيادة الضغوط عليه.

بدأت طهران بالفعل في تصعيد ضرباتها في منطقة الخليج، مستهدفة مراكز الطاقة الحيوية في دول مثل قطر والسعودية. وتهدف هذه الهجمات المحسوبة إلى رفع التكاليف الاقتصادية على الجيران والحلفاء الغربيين، واختبار الإرادة السياسية للإدارة الأمريكية في ظل تقلبات الأسواق.

في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن العمليات العسكرية ستستمر حتى تحقيق هزيمة كاملة وحاسمة للقدرات الإيرانية. وتوقع ترامب أن تنتهي الحرب قريباً، مشيراً إلى أن الهدف هو تجريد طهران من أي أسلحة قد تهدد أمن إسرائيل أو المصالح الأمريكية مستقبلاً.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا التصعيد كان متوقعاً لدى المخططين في طهران منذ فترة طويلة سبقت اندلاع المواجهة قبل نحو 11 يوماً. وقد أعدت إيران استراتيجية متعددة المستويات تعتمد على شبكات الحرس الثوري المترامية وقوى الوكالة الموزعة في الإقليم.

مع تضاؤل الخيارات المتاحة، تنفذ إيران خطة تهدف إلى إرهاق الخصوم سياسياً واقتصادياً عبر حرب استنزاف طاحنة. وتعتمد هذه الخطة على إطالة أمد الصراع لضمان حدوث تصدعات في التحالف الدولي الداعم للعمليات العسكرية ضدها.

داخلياً، تظهر مؤشرات على تحول الدولة الإيرانية إلى 'اقتصاد الحرب' بشكل كامل لضمان استقرار الجبهة الداخلية. وقد تم تسريع الإجراءات البيروقراطية في الموانئ والمؤسسات الحيوية لضمان تدفق الإمدادات الأساسية تحت ضغط القصف المستمر.

تظل القدرة الصاروخية الإيرانية هي العامل الحاسم في هذه المواجهة، حيث يتساءل المراقبون عن المدة التي يمكن للحرس الثوري الاستمرار فيها. ورغم تدمير أجزاء من الترسانة، إلا أن تقارير إقليمية ترجح احتفاظ طهران بنحو نصف مخزونها الاستراتيجي من الصواريخ.

على صعيد الشارع الإيراني، لم ترصد المصادر أي مؤشرات على احتجاجات واسعة أو انشقاقات داخل النخبة الحاكمة حتى الآن. ويبدو أن الهجمات التي تستهدف البنية التحتية قد أدت إلى موجة من التضامن الوطني، حيث يخشى السكان من سيناريوهات تفكك الدولة.

تتحول الحرب تدريجياً إلى اختبار حقيقي للقدرة على التحمل بين الطرفين، حيث يراقب العالم من سيتراجع أولاً تحت وطأة الضغوط. فبينما تراهن واشنطن على القوة العسكرية الغاشمة، تراهن طهران على وجع الاقتصادات الغربية من ارتفاع أسعار الطاقة.

في نهاية المطاف، قد تخرج إيران من هذا الصراع مثخنة بالجراح ومدمرة البنية التحتية، لكن بقاء النظام سيعتبره القادة نصراً. إن استمرار الهيكل القيادي في مواجهة واحد من أكبر الأساطيل العسكرية في التاريخ يمثل الهدف الأسمى للاستراتيجية الإيرانية الحالية.

اقتصاد

الثّلاثاء 10 مارس 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس أرامكو يحذر من تداعيات كارثية على أسواق الطاقة بسبب التوترات الإقليمية

أطلق الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن مستقبل أسواق الطاقة العالمية في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة بالمنطقة. وأكد الناصر أن إطالة أمد التوترات الراهنة ستؤدي إلى نتائج وصفها بالكارثية، مشدداً على أن استقرار الاقتصاد العالمي بات مهدداً بشكل مباشر نتيجة تعطل سلاسل الإمداد الحيوية.

وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس يشهد فيه مضيق هرمز إغلاقاً شبه كامل جراء العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المستمرة ضد إيران منذ نهاية فبراير الماضي. وأوضحت مصادر أن هذا الإغلاق تسبب في شلل الممر المائي الأهم عالمياً، مما أثر بشكل مباشر على نحو 180 مليون برميل من النفط، وهو ما يضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وفي إطار سعيها لمواجهة الأزمة، كشفت أرامكو عن اعتمادها الكلي على خط أنابيب 'الشرق-الغرب' كمنفذ وحيد لتصدير الخام العربي الخفيف إلى الأسواق الدولية. وتبلغ السعة الاستيعابية لهذا الخط نحو 7 ملايين برميل يومياً، حيث تسعى الشركة لتشغيله بطاقته القصوى خلال الـ 48 ساعة القادمة لضمان وصول الشحنات إلى محطات التحميل البديلة وتفادي توقف الإمدادات.

وأبدى الناصر قلقه العميق من تراجع الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، معتبراً أن هذا التراجع سيسرع من انخفاض قيمة الأصول في ظل الأزمة الحالية. كما أشار إلى أن تركز قدرة إنتاج النفط الاحتياطية في هذه المنطقة يجعل من استئناف الملاحة في مضيق هرمز ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل لتفادي نقص حاد في المعروض.

على الصعيد المالي، كشفت النتائج السنوية للعملاق النفطي السعودي عن تراجع في الأرباح بنسبة 12%، وهو ما عزته الشركة إلى انخفاض أسعار الخام والظروف الاستثنائية الناجمة عن العمليات العسكرية. وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط الاقتصادية التي تفرضها الحرب على كبرى الشركات العالمية، رغم محاولات الحفاظ على استقرار الأداء المالي في ظل التقلبات الحادة.

ولتعزيز ثقة المستثمرين، أعلنت أرامكو عن خطوة غير مسبوقة بإطلاق برنامج لإعادة شراء أسهمها بقيمة تصل إلى ثلاثة مليارات دولار على مدار عام ونصف. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى دعم استقرار سهم الشركة في الأسواق المالية ومواجهة التحديات الجيوسياسية المتسارعة التي ألقت بظلالها على كافة القطاعات الاقتصادية في المنطقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال عسكري في الخليج: الهجمات الإيرانية تعيد صياغة التحالفات وتكشف معضلة الأمن الإقليمي

شهدت منطقة الخليج العربي تحولاً دراماتيكياً في الساعات الأولى من صباح السبت الماضي، حيث تحولت التوترات المزمنة إلى مواجهة دامية عقب انطلاق عمليات عسكرية أمريكية وإسرائيلية واسعة النطاق ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. هذا الانفجار العسكري لم يكن مفاجئاً للمراقبين، لكنه وضع دول الجوار الخليجي أمام واقع أمني جديد يعيد للأذهان اضطرابات ما بعد عام 1979.

وفي رد فعل عسكري مباشر، وجهت طهران ترسانتها من الصواريخ والمسيّرات نحو منشآت حيوية في دول المنطقة، متجاوزة علاقات الجوار والوساطات الدبلوماسية التي قادتها عواصم مثل الدوحة ومسقط. وقد ولدت هذه الهجمات شعوراً عميقاً بالخيانة لدى القادة الخليجيين، خاصة وأن القصف طال أهدافاً مدنية واقتصادية حساسة في وقت كانت فيه هذه الدول تسعى لخفض التصعيد.

التحرك الدبلوماسي الأبرز جاء من الرياض، حيث بادر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بإجراء اتصالات مكثفة مع قادة الإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن. وأكدت مصادر رسمية أن هذه التحركات تهدف إلى بناء جبهة موحدة ووضع كافة الإمكانات لمساندة الدول التي تعرضت للاعتداءات الإيرانية، مما ساهم في تذويب جليد الخلافات البينية السابقة.

وعلى الصعيد الميداني، أعلنت شركة 'بابكو إنرجيز' في البحرين حالة القوة القاهرة عقب استهداف مصفاة النفط الحكومية، وهو إجراء تكرر في قطر التي علقت إنتاج الغاز المسال في منشآت رأس لفان. هذه التطورات تعكس حجم الضرر الاقتصادي الذي لحق بشرايين الطاقة العالمية نتيجة الإصرار الإيراني على نقل المعركة إلى أراضي دول الجوار.

من جانبه، وصف رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الهجمات بأنها 'خطأ فادح'، مشيراً إلى أن استهداف المنشآت المدنية لا يمكن تبريره. وأوضح في تصريحات صحفية أن بلاده لن تكون طرفاً في حروب ضد جيرانها، لكن ما حدث في الخليج يمثل تهديداً لن يبقى حبيساً في المنطقة الجغرافية الضيقة.

وزارة الدفاع السعودية أعلنت من جهتها عن إحباط هجمات متعددة استهدفت حقل شيبة النفطي ومجمع رأس تنورة، مؤكدة أن المملكة تحتفظ بحقها الكامل في الرد وحماية سيادتها. وشددت الرياض على أن استهداف الأعيان المدنية يمثل انتهاكاً سافراً للمواثيق الدولية، ويعكس رغبة طهران في زعزعة استقرار المنطقة بالكامل.

وتبرر طهران هذه الهجمات بادعاء استهداف القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، حيث اعتبر مسؤولون إيرانيون أن هذه القواعد تمثل 'أراضي أمريكية' مشروعة للاستهداف. هذا المنطق يضع دول الخليج في مأزق سيادي، إذ تجد نفسها تدفع ثمن صراع دولي لا ناقة لها فيه ولا جمل، رغم تأكيداتها المستمرة بأن أراضيها لا تستخدم كمنطلق للغارات.

تاريخياً، كان هاجس 'تصدير الثورة' الذي تبناه الخميني عام 1979 هو المحرك الأساسي لتأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981. واليوم، تعيد الأحداث الراهنة التأكيد على أن الطموحات التوسعية الإيرانية لا تزال تمثل التحدي الأمني الأول للمنظومة الخليجية، مما يستوجب مراجعة شاملة لآليات الدفاع المشترك.

المفارقة التاريخية تكمن في أن إيران، التي كانت سبباً في توترات خليجية سابقة وصلت لحد الحصار في 2017، باتت اليوم هي العامل الموحد لهذه الدول. فقد أدركت العواصم الخليجية أن الخطر المشترك يتجاوز الخلافات الجانبية حول ملفات إقليمية مثل اليمن، مما دفعها لإعادة اللُّحمة السياسية بشكل متسارع.

وعلى الرغم من وجود اتفاقيات دفاعية مع واشنطن، إلا أن هناك شعوراً متزايداً في العواصم الخليجية بعدم جدوى التعويل الكامل على الحماية الأمريكية. فبينما تتعرض المنشآت النفطية للقصف اليومي، تكتفي القوات الدولية بالدفاع عن مصالحها المباشرة، مما يترك دول المنطقة في مواجهة منفردة مع التهديدات الصاروخية.

قوات 'درع الجزيرة'، التي أُنشئت في الثمانينيات لحماية الأمن الجماعي، تواجه اليوم تساؤلات صعبة حول فاعليتها في ظل الحروب الحديثة والمسيّرات. فالتحديات الراهنة تتجاوز القدرات التقليدية لهذه القوات، مما يفرض ضرورة تطوير منظومات دفاع جوي متكاملة قادرة على صد آلاف الهجمات المتزامنة.

إن معضلة الأمن في الخليج ترتبط بشكل وثيق بالثروة النفطية الهائلة التي جعلت المنطقة مطمعاً للقوى الإقليمية والدولية. وفي ظل 'فائض الصراعات' في الشرق الأوسط، تجد دول النادي الثري نفسها مضطرة للاستثمار بكثافة في التكنولوجيا العسكرية لتعويض النقص العددي في جيوشها أمام الكثافة البشرية الإيرانية.

الدبلوماسية القطرية وصفت الجوار الإيراني بأنه 'قدر'، وهو تعبير يلخص واقع الجغرافيا السياسية التي لا يمكن تغييرها. لكن هذا القدر يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على قنوات الحوار المفتوحة وبين بناء قوة ردع حقيقية تمنع تكرار سيناريوهات 'الطعن من الخلف' التي شهدتها الأيام الماضية.

ختاماً، تظل الحرب الحالية اختباراً حقيقياً لإرادة دول مجلس التعاون في التحول من التنسيق السياسي إلى الوحدة الدفاعية الفعلية. فالمستقبل القريب سيكشف ما إذا كانت هذه الدول ستنجح في ابتكار مظلة أمنية ذاتية تحمي مقدراتها، أم ستظل رهينة لصراع القوى الكبرى على أراضيها.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

عمليات الإنزال في البقاع: محاولات إسرائيلية لفك شفرة بنية حزب الله الصاروخية

شهدت محافظة البقاع شرقي لبنان خلال الأيام القليلة الماضية تصعيداً ميدانياً لافتاً تمثل في تنفيذ الجيش الإسرائيلي لمحاولتي إنزال جوي فاشلتين بفارق زمني ضئيل. وتضع هذه العمليات، التي استهدفت مناطق قريبة من الحدود السورية اللبنانية، علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية لتل أبيب في هذا التوقيت الحساس من المواجهة.

ويرى خبراء عسكريون لبنانيون أن هذه التحركات تحمل طابعاً استخباراتياً وعملياتياً دقيقاً، يهدف إلى تجاوز القصف الجوي التقليدي للوصول إلى أهداف نوعية. ورغم فشل العمليات في تحقيق نتائج ملموسة، إلا أن تكرارها يشير إلى إصرار إسرائيلي على فحص ثغرات الجبهة الشرقية للبنان.

وأفادت مصادر ميدانية بأن مقاتلي حزب الله رصدوا تسلل نحو 15 مروحية تابعة لجيش الاحتلال من الاتجاه السوري، حيث حلقت فوق قرى جنتا ويحفوفا والنبي شيث وصولاً إلى عرسال. وقد أنزلت هذه المروحيات قوة مشاة في سهل سرغايا السوري، حيث جرى التصدي لها بالأسلحة المناسبة قبل توغلها في العمق اللبناني.

ويعتقد العميد الركن المتقاعد بهاء حلال أن الأهداف الإسرائيلية تتجاوز الروايات الرسمية المعلنة، مشيراً إلى أن العملية قد تستهدف البنية التحتية الصاروخية للحزب. وأوضح حلال أن تكرار الإنزالات يهدف لتحديد مواقع دقيقة تحت الأرض تمهيداً لضربها في مراحل لاحقة من التصعيد العسكري.

وتشمل الأهداف المحتملة لهذه العمليات جمع معلومات استخباراتية ميدانية وفحص المواقع المشتبه في كونها مخازن صواريخ أو نقاط اتصال لوجستية. كما تسعى القوات الإسرائيلية من خلال هذه المغامرات إلى زرع أجهزة تجسس وحساسات مراقبة متطورة في مناطق جغرافية وعرة يصعب الوصول إليها جواً.

من جانبه، أشار الخبير العسكري ناجي ملاعب إلى أن أحد الدوافع قد يكون البحث عن رفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، وهي ذريعة تكررت في عمليات سابقة. وأكد ملاعب أن القوات الإسرائيلية استخدمت في بعض الأحيان تمويهاً بزي الجيش اللبناني وآليات مشابهة لتجهيزاته لضمان أطول فترة ممكنة من التخفي.

وبحسب تقارير سابقة، فإن القوة الإسرائيلية في العملية الأولى بقيت داخل الأراضي اللبنانية لمدة تقارب 9 ساعات قبل انسحابها تحت ضغط الاشتباكات. هذا البقاء الطويل يعكس رغبة في إجراء مسح ميداني شامل للمنطقة التي تعتبر محطة أساسية لنقل السلاح عبر الحدود السورية.

ويؤكد المحللون أن فقدان عنصر المفاجأة في العمليات الأخيرة سيجعل من تنفيذ مهام مماثلة في المستقبل أمراً بالغ الصعوبة والخطورة. فانتشار عناصر المقاومة داخل القرى وتشديد الإجراءات الأمنية في البقاع يقلص من فرص نجاح أي تسلل بري أو إنزال مروحي مفاجئ.

وتتزامن هذه الإنزالات مع تسارع وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف بلدات سهل البقاع بشكل يومي، مما يوحي بوجود خطة لإنشاء منطقة ضغط عسكري. ويهدف الاحتلال من خلال هذا الضغط إلى تشتيت قدرات حزب الله الدفاعية بين جبهتي الجنوب والبقاع.

الجيش اللبناني من جهته رصد تحركات المروحيات الإسرائيلية في منطقة الخريبة ببعلبك، وأكد وقوع اشتباكات بين القوات المتسللة وأهالي المنطقة. وقد تخلل تلك العمليات قصف جوي عنيف وتمشيط واسع للمساحات المفتوحة لتأمين انسحاب القوات الخاصة الإسرائيلية بعد فشل مهمتها.

ويرى مراقبون أن منطقة النبي شيث ومحيطها باتت في دائرة الاستهداف المباشر نظراً لمكانتها الاستراتيجية في الهيكل اللوجستي لحزب الله. وتعتبر هذه المناطق تاريخياً نقاط ارتكاز أساسية لتخزين وتوزيع العتاد العسكري القادم من خارج الحدود، مما يفسر التركيز الإسرائيلي عليها.

وفي سياق متصل، أقر جيش الاحتلال ضمناً بإخفاق عملية الجمعة الماضية، مدعياً أنها كانت تهدف للبحث عن أدلة مادية تتعلق بملفات قديمة. إلا أن حجم القوة المشاركة ونوعية التغطية الجوية المرافقة تشير إلى أهداف عملياتية مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحالية للحزب.

ويبقى احتمال تكرار هذه الإنزالات قائماً، حيث يسعى الاحتلال لاختبار سرعة رد الفعل لدى القوى المحلية وقياس مدى جهوزية الدفاعات الجوية. وتعتبر هذه العمليات بمثابة 'استطلاع بالنار' لفحص إمكانية فتح جبهة البقاع على نطاق أوسع في حال اندلاع مواجهة شاملة.

ختاماً، تظهر التطورات الأخيرة في البقاع أن المعركة الاستخباراتية بين الجانبين قد انتقلت إلى مرحلة المواجهة المباشرة في العمق. ومع استمرار التحليق المكثف للمسيرات والمروحيات، يظل الترقب سيد الموقف لما قد تحمله الأيام القادمة من محاولات تسلل جديدة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

«طوبى للجبناء».. صرخة نجيب سرور ضد الموت المجاني في حروب الساسة

في عام 1955، لم تمر تصريحات الجنرال البريطاني مايك وست، قائد فرقة الكومنولث في كوريا، مرور الكرام على مخيلة الشاعر الثائر نجيب سرور. فبينما كان الجنرال يتحدث ببرود عن إعدام جنود بتهمة 'الجبن'، كان سرور يصيغ رده الشعري الخالد في قصيدة 'طوبى للجبناء'، متسائلاً عن أخلاقية الحروب التي يُدفع فيها البشر ليكونوا وقوداً لنزوات الساسة وأطماع الإمبراطوريات.

عاش نجيب سرور (1932-1978) حياة حافلة بالتمرد والملاحقة، متنقلاً بين السجون والمصحات العقلية بسبب مواقفه المنحازة للإنسان البسيط. وفي قصيدته، لم يكن يقدس الجبن بمعناه التقليدي، بل كان يستنكر التهمة ذاتها؛ فاستخدم 'طوبى للجبناء' كأداة احتجاجية لمراجعة الخط الفاصل بين الشجاعة والتبعية العمياء، مدافعاً عن الجندي الذي يرفض الموت 'مجاناً' في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل.

ترسم القصيدة لوحات مأساوية تبدأ من ساحات القتال المغطاة بالأشلاء، والتي يصفها الساسة بـ 'قبلة الصالحين'، وصولاً إلى القرية المصرية حيث تنتظر الأمهات عودة الآباء الذين ذهبوا ولم يعودوا. يختتم سرور نصه بمشهد سريالي لمحاكمة جندي رفض السلاح، ليواجه حكماً بالإعدام مكللاً بـ 'عار' قرره أصحاب الدمار، في مفارقة تبرز كيف يتحول رفض القتل إلى جريمة في عالم تحكمه آلهة الحرب.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 7:48 صباحًا - بتوقيت القدس

عراقجي يتوعد بتدمير منظومات "هيمارس" الأمريكية بعد رصد انتشارها قرب الحدود الإيرانية

أثار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، موجة من الجدل الدبلوماسي والعسكري عقب توجيهه رسالة شكر ساخرة للقيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم". جاء ذلك بعد قيام الحسابات الرسمية للقيادة الأمريكية بنشر مواد بصرية تظهر تموضع منظومات صواريخ "هيمارس" المتطورة، مؤكدة جاهزيتها للعمليات المرتبطة بالملف الإيراني.

واعتبر رئيس الدبلوماسية الإيرانية أن هذا النشر يمثل اعترافاً صريحاً وموثقاً من قبل واشنطن باستخدام أراضي الدول المجاورة للجمهورية الإسلامية كقواعد انطلاق لمنظومات هجومية. وأشار عراقجي في تدوينة له عبر منصة "إكس" إلى أن هذه التحركات العسكرية تستهدف الشعب الإيراني بشكل مباشر، بما في ذلك البنى التحتية الحيوية.

ولفت الوزير الإيراني الانتباه إلى أن الصور المنشورة تشير بوضوح إلى نشر هذه الأنظمة الصاروخية بالقرب من منشآت مدنية حساسة، من بينها محطة لتحلية المياه. وشدد على أن طهران تراقب بدقة هذه التحركات التي وصفها بالعدائية، محذراً من تداعيات استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف على حدود بلاده.

وفي نبرة حملت تهديداً عسكرياً مباشراً، أكد عراقجي أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك القدرة الصاروخية الكافية لتحييد هذه التهديدات في أماكن تواجدها. وأوضح أنه في حال اتخاذ قرار بالرد، فإن تدمير هذه المنظومات سيكون بمثابة انتقام مشروع للدفاع عن السيادة الوطنية والأمن القومي الإيراني.

من جانبها، كانت مصادر عسكرية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية قد بثت صوراً للمنظومة الصاروخية عالية الحركة، مشيرة إلى قدرتها الفائقة على إصابة أهداف في عمق الأراضي الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة الأمريكية في سياق استعراض القوة والردع المتبادل الذي تشهده المنطقة في الآونة الأخيرة بين واشنطن وطهران.

وتشير هذه التطورات إلى تصعيد جديد في لغة الخطاب بين الطرفين، حيث تصر طهران على رفض أي تواجد عسكري أجنبي في محيطها الجغرافي. ويرى مراقبون أن تصريحات عراقجي تضع الدول المضيفة لهذه القواعد أمام تحديات ديبلوماسية وأمنية معقدة في ظل التهديد الإيراني المفتوح باستهداف تلك المنظومات.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 مارس 2026 7:03 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب والسياسة الخارجية: صراع الكلمات والبارود في عهدة ثانية مثيرة للجدل

تتسارع الخطابات السياسية والخرجات الصوتية التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتواكب أفعاله الميدانية، حيث يبرز كظاهرة تجمع بين القوة العسكرية والكلمات الحادة التي لا تتوقف. فبينما يوجه ضرباته العسكرية نحو أهداف في إيران، يشن في الوقت ذاته هجمات كلامية أربكت الحلفاء والخصوم على حد سواء، مجسداً حالة من الحيرة العالمية تجاه قراراته التي تتسم بالسرعة والحدة.

يروج ترامب في خطابه الأخير لفكرة مفادها أنه يضحي بمفرده من أجل سعادة البشرية، مؤكداً أن تحركاته العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً ضد بلاد الفرس، لا تهدف فقط لحماية المصالح الأمريكية بل لخدمة العالم أجمع. هذا الطرح يثير تساؤلات حول المقابل المادي الذي قد يطلبه من الدول التي تنعم بالسلم بفضل ما يصفه بـ 'حكمته' في إدارة الأزمات الدولية ومكافحة الإرهاب.

وعلى الرغم من الاتهامات التي لاحقت الرئيس الأمريكي بالعنصرية تجاه شعوب بعينها، إلا أن ممارساته خلال السنة الأولى من عهدته الثانية أظهرت صدامات مع مروحة واسعة من الدول. فقد شملت انتقاداته وهجماته السياسية دولاً مثل المكسيك وإسبانيا وفرنسا وتركيا، بل وامتدت لتطال أقرب حلفائه التاريخيين في كندا وبريطانيا، مما يعكس رغبة في إعادة صياغة العلاقات الدولية وفق رؤيته الخاصة.

يعيد المشهد الحالي للأذهان الوعود الأمريكية السابقة التي رافقت التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق، حيث بشرت الإدارات السابقة بعهود من الحرية والازدهار عقب انتهاء العمليات القتالية. ذات الأسطوانة تكررت في ملفات سوريا وفنزويلا وحتى قطاع غزة، الذي رُسمت له صور مستقبلية توحي بالرفاهية رغم الدمار الشامل الذي لحق به، وهو ما يتناقض مع الواقع المرير على الأرض.

وبالنظر إلى المناطق التي طالتها التدخلات الأمريكية، لا تظهر في الأفق سوى ملامح الدماء والدمار والفتن الداخلية التي تمزق النسيج الاجتماعي. ويرى مراقبون أن الخراب الذي يطال البنى التحتية في إيران سيعيد البلاد عقوداً إلى الوراء، وهو ما يدركه حتى معارضو النظام هناك، حيث تتحول الوعود بالبناء إلى واقع من الفوضى التي يصعب السيطرة عليها أو التنبؤ بنهايتها.

وفي سياق متصل، يتبنى ترامب نهجاً غير مسبوق في التدخل بالشؤون الداخلية للدول، حيث أعلن صراحة عدم قبوله بأي قيادة دينية أو سياسية في طهران ما لم تحظَ بموافقته الشخصية. هذا التوجه يمثل نموذجاً غريباً في العلاقات الدولية، حيث يسعى الرئيس الأمريكي لفرض 'مزاجه' السياسي في اختيار القادة الأنسب للدول الأخرى، ضمن خطة يبدو أنها بدأت تنتقل من حيز القول إلى حيز التنفيذ الفعلي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 6:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تصدع الحلف الأطلسي: كيف تعمق الحرب ضد إيران الخلافات بين واشنطن وأوروبا؟

تشهد العلاقات الأمريكية الأوروبية تصدعاً غير مسبوق على خلفية الحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، حيث أثارت هذه المواجهة تساؤلات جوهرية حول مستقبل التحالف الغربي. وبدأ القادة الأوروبيون في التفكير بجدية في تحقيق استقلالية استراتيجية بعيداً عن إملاءات البيت الأبيض، خاصة مع شعورهم بأن المصالح الأمريكية باتت تتعارض بشكل صارخ مع استقرار القارة العجوز.

وتعد هذه الحرب هي الأولى من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تتسبب في هذا المستوى من التوتر بين ضفتي الأطلسي، متجاوزة الخلافات السابقة حول حروب فيتنام والعراق. ويرى مراقبون أن الإدمان الأمريكي على الحلول العسكرية، المدفوع بتيارات محافظين جدد يؤمنون بصراع الحضارات، بات يشكل خطراً داهماً على النظام الدولي القائم على الدبلوماسية والقانون.

وتنطلق الإدارة الأمريكية الحالية في تصعيدها ضد طهران من منطلقات دينية وجيوسياسية، تهدف إلى منع أي دولة إسلامية من امتلاك تكنولوجيا نووية أو عسكرية متطورة. وقد وصفت تقارير إعلامية دولية بعض المسؤولين في البنتاغون بأنهم يتبنون خطاباً يشبه 'الحروب الصليبية الجديدة'، مما يعمق الفجوة مع الحكومات الأوروبية الليبرالية والاشتراكية التي ترفض هذه السرديات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تسعى واشنطن من خلال هذه الحرب إلى توجيه ضربة استراتيجية للصين عبر حرمانها من إمدادات الطاقة الإيرانية الحيوية. هذا البعد الجيوسياسي يضع أوروبا في موقف حرج، حيث تجد نفسها مجبرة على الانخراط في صراع يخدم الهيمنة الأمريكية المنفردة، بينما تتحمل هي التبعات الاقتصادية والأمنية المباشرة لهذا النزاع.

وقد عبر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عن القلق الأوروبي المتزايد، مؤكداً أن الحرب تخرق الشرعية الدولية وستؤدي إلى كوارث إنسانية وموجات هجرة مليونية نحو أوروبا. ويرى القادة الأوروبيون أن واشنطن تتسبب في حروب تدفع بملايين النازحين من جنوب المتوسط، ثم تنتقد أوروبا لاحقاً على تعاملها مع أزمات اللجوء الناتجة عن تلك السياسات.

وفي هذا السياق، وصفت مصادر صحفية إسبانية النزاع الحالي بـ 'حرب الفوضى'، معتبرة أن الموقف الموحد هو السبيل الوحيد لمنع انجرار القارة إلى صراع فجره الثنائي ترامب ونتنياهو. وأشادت شخصيات سياسية فرنسية بموقف مدريد الشجاع، معتبرة أن رفع الصوت ضد الحرب هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من كرامة سياسية للاتحاد الأوروبي في وجه الضغوط الأمريكية.

ويبدو أن الشرخ الاستراتيجي قد وصل إلى مرحلة اللاعودة مع محاولات واشنطن دعم التيارات اليمينية المتطرفة داخل أوروبا لتفكيك تماسك الاتحاد. هذا التوجه دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تجديد دعواته لضرورة بناء قوة أوروبية مستقلة قادرة على حماية مصالح القارة بعيداً عن التبعية المطلقة لسياسات البيت الأبيض المتقلبة.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 6:19 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤشرات إسرائيلية على حرب طويلة الأمد: استهداف العمق الإيراني وخيار التوغل البري في لبنان

أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن المؤسسة العسكرية في تل أبيب بدأت بالتمهيد لرأي عام يستوعب طول أمد الحرب الحالية، خاصة بعد القصف العنيف الذي نفذه حزب الله مؤخراً. وأوضح المتحدث باسم جيش الاحتلال أن كافة الخيارات الميدانية، بما في ذلك الدخول البري إلى الأراضي اللبنانية، باتت مطروحة على طاولة القيادة العسكرية للتعامل مع تهديدات الحزب المستمرة.

وفي سياق متصل، زعم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن العمليات العسكرية داخل إيران لم تحقق كافة أهدافها بعد، مشيراً إلى وجود آلاف الأهداف المدرجة على قوائم سلاح الجو. هذا التلميح يأتي في وقت يرى فيه مراقبون إسرائيليون أن المواجهة المباشرة مع طهران وحلفائها دخلت منعطفاً قد يمتد لأسابيع أو أشهر طويلة، رغم الضغوط الدولية المتزايدة.

من جانبه، ذكر الكاتب في صحيفة يديعوت أحرونوت، رون كريسي أن القصف المتبادل يشير إلى حملة ضرورية من وجهة النظر الإسرائيلية، رغم مرور تسعة أيام على الهجوم الواسع الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة. وأشار كريسي إلى أن انخفاض وتيرة بعض الرشقات الصاروخية لا يعني اقتراب نهاية الحرب، بل هو هدوء يسبق مراحل أكثر تعقيداً في المواجهة الإقليمية.

وعلى الصعيد الأمريكي، تواصل واشنطن تعزيز تواجدها العسكري في المنطقة، حيث وصلت أربع قاذفات استراتيجية من طراز B-1 إلى القواعد البريطانية تمهيداً للمشاركة في العمليات. كما أرسل البنتاغون حاملة الطائرات 'جورج بوش' برفقة قوة مهام تضم مدمرات صواريخ موجهة، في إشارة واضحة لاستعداد الولايات المتحدة لحملة عسكرية طويلة الأمد ضد الأهداف الإيرانية.

ورصدت تقارير استخباراتية وصول طائرات نقل عملاقة من طراز C-5M سوبر غالاكسي إلى قاعدة فيرفورد، وهي طائرات قادرة على نقل عتاد ثقيل يشمل دبابات أبرامز ومروحيات أباتشي. هذه التحركات اللوجستية تعكس حجم الاستعدادات للمرحلة التالية من الحرب، والتي يبدو أنها ستتجاوز مجرد الضربات الجوية الخاطفة إلى تدمير شامل للبنية التحتية العسكرية.

وفي الجبهة الشمالية، أظهر حزب الله قدرة عالية على الصمود رغم الغارات المكثفة التي استهدفت ضاحية بيروت الجنوبية وقرى الجنوب اللبناني. فقد شن الحزب وابلاً صاروخياً هو الأقوى منذ أكتوبر 2023، مستهدفاً المستوطنات الشمالية ومواقع تمركز قوات الاحتلال، مما يثبت امتلاكه لترسانة عسكرية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي بفعالية.

ميدانياً، اعترف جيش الاحتلال بإصابة 14 جندياً بنيران مضادة للدبابات أطلقها مقاتلو حزب الله على الحدود، وصفت حالة خمسة منهم بالخطيرة. هذه الخسائر البشرية تضع ضغوطاً على القيادة الإسرائيلية التي تحاول موازنة العمليات بين الجبهة اللبنانية المشتعلة والعمليات الجوية المستمرة في العمق الإيراني.

وكشفت تقارير تقنية عن دخول رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر في تنفيذ 'المرحلة الثانية' من الحرب. وتستهدف هذه المرحلة بشكل مباشر الصناعات العسكرية الإيرانية، بدءاً من خطوط إنتاج الصواريخ الباليستية وصولاً إلى مستودعات التخزين ومنصات الإطلاق المنتشرة في أنحاء البلاد.

وتهدف الخطة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة إلى تعطيل دورة الإنتاج العسكري الإيراني بالكامل، عبر استخدام قاذفات ثقيلة قادرة على اختراق التحصينات الموجودة في أعماق الأرض. ويشمل بنك الأهداف الجديد تصفية الكوادر الفنية والعسكرية المسؤولة عن تشغيل المنظومات الصاروخية، لضمان شل القدرات الهجومية لطهران بشكل مستدام.

تأتي هذه التطورات بعد مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في غارة جوية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وهو الحدث الذي فجر المواجهة المباشرة. ورغم انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، إلا أن الضغوط العسكرية لم تتوقف، حيث تشير إحصائيات الهلال الأحمر الإيراني إلى سقوط أكثر من 1230 قتيلاً منذ بدء الهجمات.

وفي لبنان، لا يزال الوضع الإنساني يتدهور مع مقتل 394 شخصاً، بينهم عدد كبير من الأطفال، جراء الغارات الإسرائيلية المتواصلة. وتؤكد مصادر طبية أن الاستهدافات طالت مناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية لحزب الله لوقف هجماته الصاروخية التي لم تتوقف رغم كثافة النيران.

وبالتوازي مع الحرب الإقليمية، يسعى قادة المستوطنين في الضفة الغربية، وعلى رأسهم ديفيد بن تسيون، لاستغلال الانشغال بالحرب لتغيير الواقع الديموغرافي والأمني هناك. ويدعو قادة الاستيطان إلى تحويل التحركات العسكرية في مدن الضفة إلى خطوة استراتيجية تهدف لاستئصال البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية بشكل نهائي.

ويقود الجنرال آفي بالوت، قائد المنطقة الوسطى، عمليات مكثفة على مدار الساعة في مختلف مدن الضفة الغربية لاعتقال الفلسطينيين ومصادرة الأسلحة. ويرى المستوطنون أن هذه الحرب تمثل 'نافذة فرص' لا يجب إضاعتها لفرض سيطرة كاملة وإنهاء أي تهديدات مستقبلية تنطلق من المناطق الفلسطينية المحتلة.

ختاماً، تشير كافة المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن المنطقة مقبلة على أيام أكثر ضراوة، في ظل إصرار إسرائيل وأمريكا على تدمير القدرات الإيرانية. وفي المقابل، تبدي طهران وحزب الله قدرة على مواصلة المواجهة واستنزاف قوات الاحتلال، مما يجعل من الحديث عن نهاية قريبة للحرب أمراً بعيد المنال في الوقت الراهن.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 5:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تناقضات ترمب تثير الجدل: هل اقتربت نهاية المواجهة العسكرية مع إيران؟

أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن المواجهة العسكرية مع إيران حالة من الإرباك والجدل السياسي، نتيجة التناقض الواضح في خطابه خلال مدة زمنية وجيزة. فقد تراوحت مواقفه بين التأكيد على قرب انتهاء العمليات العسكرية ووصفها بالرحلة قصيرة الأمد، وبين الإشارة إلى أن الانتصار النهائي لم يتحقق بعد بالشكل المطلوب.

وفي مقابلة هاتفية أجرتها معه مصادر إعلامية، أعرب ترمب عن اعتقاده بأن الحرب قد انتهت تقريباً، مشيراً إلى أن القوات الأمريكية قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ الجدول الزمني الذي وضعه مسبقاً. وبحسب تقديراته، فإن العمليات التي كان من المفترض أن تستغرق ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع قد بلغت مراحلها الختامية.

على النقيض من تفاؤل الرئيس، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية عبر منصاتها الرسمية رسائل مقتضبة تشير إلى أن القتال قد بدأ للتو، مما يعكس فجوة في الرواية الرسمية بين البيت الأبيض والبنتاغون. هذا التباين عززه تصريح وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في مقابلة مسجلة أن العمليات العسكرية الحالية ضد طهران ليست سوى البداية.

وخلال خطاب ألقاه أمام أعضاء الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، حاول ترمب الموازنة بين الإنجازات المحققة والحاجة للاستمرار، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت انتصارات عدة لكنها لا تكفي لضمان الأمن الدائم. وشدد على ضرورة المضي قدماً بعزيمة أكبر لتحقيق ما وصفه بـ 'الهزيمة الساحقة' للعدو لضمان عدم عودة التهديدات مستقبلاً.

ولم يقتصر التناقض على المدى الزمني للحرب، بل شمل تقييم القدرات العسكرية الإيرانية، حيث زعم ترمب في البداية أن طهران فقدت كامل قوتها الجوية والبحرية وشبكات اتصالاتها. وادعى الرئيس الأمريكي أن إيران أطلقت كل ما في ترسانتها ولم يعد لديها ما تقدمه عسكرياً في مواجهة الآلة الحربية الأمريكية.

لكن في مؤتمر صحفي لاحق، تراجع ترمب جزئياً عن هذه التقديرات المطلقة، موضحاً أن القدرات الإيرانية لم تختفِ تماماً بل تضاءلت بشكل كبير جداً. وبدا هذا التراجع واضحاً عند حديثه عن الأسطول البحري، حيث عدل تصريحه من 'انعدام الأسطول' إلى 'غرق معظمه'، مع تغيير مستمر في أعداد السفن المستهدفة.

وتشير تقارير إلى أن ترمب قدم أرقاماً متغيرة حول خسائر البحرية الإيرانية، حيث رفع العدد من 46 إلى 51 سفينة خلال وقت قصير، وفق ما نقلته مصادر صحفية تابعت المؤتمر. هذا التضارب الرقمي أثار تساؤلات حول دقة المعلومات الاستخباراتية التي يستند إليها الرئيس في تصريحاته العلنية.

وفيما يخص الترسانة الصاروخية، قدر ترمب أن القدرة الهجومية الإيرانية انخفضت إلى نحو 10% فقط من قوتها الأصلية، معتبراً أن معظم الصواريخ قد استُنفدت أو دُمّرت في المخازن. كما أشار إلى تراجع قدرات الطائرات المسيّرة بنسبة 75%، متوقعاً تلاشي هذا التهديد بشكل كامل في القريب العاجل.

الملف السياسي والقيادي في إيران نال نصيبه من التناقض أيضاً، حيث صرح ترمب أولاً بزوال القيادة الإيرانية بالكامل وعدم وجود من يدير الدفة هناك. إلا أنه عاد ليوضح أن القضاء تم على مستويين فقط من القيادة، مشيراً إلى أن الشخصيات الحالية غير معروفة على النطاق الدولي.

وفي سياق متصل، أبدى الرئيس الأمريكي قلقه وخيبة أمله من اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية الإسلامية، معتبراً أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تفاقم الأزمات التي تواجهها البلاد. ويعكس هذا التصريح اعترافاً ضمنياً بوجود هيكلية قيادية قائمة، خلافاً لادعاءاته السابقة بانهيار النظام بالكامل.

أما القضية الأكثر إثارة للجدل، فكانت اتهامه المباشر لإيران بالمسؤولية عن قصف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب، وهو الهجوم الذي أودى بحياة أكثر من 150 شخصاً. ترمب أكد في البداية وبشكل حازم أن طهران هي من نفذت الاعتداء بناءً على تقارير أولية اطلع عليها أثناء تواجده في طائرة الرئاسة.

ولكن مع حلول يوم الإثنين، بدا الرئيس أقل ثقة في اتهاماته، حيث صرح أمام الصحفيين بأن التحقيقات لا تزال جارية وأنه سينتظر التقرير النهائي لقبول النتائج. هذا التراجع يشير إلى ضغوط أو معطيات جديدة قد تكون شككت في الرواية الأولى التي تبناها البيت الأبيض حول الحادثة الأليمة.

ومن المثير للاستغراب تلميح ترمب إلى احتمال استخدام إيران لصاروخ من طراز 'توماهوك' في الهجوم المذكور، وهو نوع من الصواريخ الجوالة التي تشتهر الولايات المتحدة بتصنيعها ولا تملكها إيران. هذا الخطأ الفني زاد من حدة الانتقادات الموجهة لتصريحاته، واعتبره مراقبون دليلاً على عدم دقة المعلومات المتداولة في المؤتمرات الصحفية.

ختاماً، تبقى الرؤية الأمريكية تجاه الصراع مع إيران متأرجحة بين الرغبة في إعلان نصر سريع وبين الواقع الميداني الذي تشير إليه وزارة الدفاع. وبينما ينتظر العالم وضوحاً أكثر في الاستراتيجية الأمريكية، تظل تصريحات ترمب مادة دسمة للتحليل حول مستقبل المنطقة في ظل هذه المواجهة المفتوحة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 5:04 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تدرس السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية لتقويض نفوذ طهران النفطي

تشهد أروقة صناعة القرار في واشنطن نقاشات مكثفة حول خيارات عسكرية واستراتيجية تستهدف شل القدرات الاقتصادية الإيرانية، مع التركيز بشكل خاص على جزيرة خرج الحيوية. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد حدة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية وتوقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

تعد جزيرة خرج، الواقعة على بعد 16 ميلاً من الساحل الإيراني، المركز العصبي لصادرات الطاقة في البلاد، حيث يمر عبرها ما يقرب من 90% من النفط الإيراني. ويرى خبراء جيوسياسيون أن السيطرة على هذه الجزيرة قد تمنح واشنطن وسيلة ضغط حاسمة لإخضاع النظام في طهران دون الحاجة إلى خوض حرب برية شاملة في العمق الإيراني.

أفادت مصادر مطلعة في إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن مقترح السيطرة على الجزيرة طُرح بالفعل على طاولة البحث كخيار جدي للتعامل مع التهديدات الإيرانية. ويتزامن هذا مع دعوات صريحة من قيادات إسرائيلية، وعلى رأسهم يائير لابيد، بضرورة تدمير البنية التحتية النفطية في خرج لإنهاء قدرة النظام على تمويل أنشطته الإقليمية.

يرى مراقبون أن العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية تميل نحو العمليات الخاطفة والحاسمة، مستشهدين بالتحرك العسكري السريع الذي نفذه ترامب ضد فنزويلا قبل شهرين والذي انتهى باعتقال رئيسها. هذا التوجه يعكس رغبة واشنطن في تجنب استنزاف طويل الأمد يشبه ما حدث في أفغانستان، حيث خسرت الولايات المتحدة آلاف الجنود وتريليونات الدولارات.

من الناحية العسكرية، تشير التقارير إلى أن القوة البحرية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية أدت إلى تدميرها بشكل شبه كامل نتيجة العمليات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة. ومع ذلك، فإن السيطرة على جزيرة خرج تتطلب إنزال قوات برية، وهو قرار محفوف بالمخاطر السياسية والعسكرية، خاصة مع احتمال تعرض القوات لهجمات مستمرة بالطائرات المسيرة.

تتزايد الضغوط الاقتصادية على الإدارة الأمريكية مع وصول سعر برميل النفط إلى مستويات قياسية تجاوزت 84 دولاراً، مما انعكس سلباً على أسعار الوقود محلياً. فقد سجلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً، مما يضع البيت الأبيض في موقف حرج أمام الناخبين الذين يتأثرون مباشرة بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط.

تعتمد إيران في استراتيجيتها الدفاعية على نفوذها الواسع في أربع عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء عبر وكلائها الإقليميين. وقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً تقنياً نوعياً، تمثل في الهجمات التي استهدفت أجهزة الاتصال التابعة لوكلاء إيران في لبنان، مما يعكس تحولاً في أساليب المواجهة الاستخباراتية.

يشير الخبراء إلى أن ترامب يسعى من خلال هذه التحركات إلى تعزيز الهيمنة النفطية الأمريكية على الساحة الدولية وإعادة رسم خارطة القوى في المنطقة. كما تبرز رغبة أمريكية في العودة إلى قواعد استراتيجية مثل قاعدة باغرام في أفغانستان، ليس فقط لمواجهة إيران، بل كجزء من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي.

تاريخياً، خاضت إيران حروباً طويلة ومريرة، أبرزها حرب الثماني سنوات مع العراق، مما أكسب نظامها قدرة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. إلا أن استهداف 'رئة الاقتصاد' المتمثلة في جزيرة خرج يمثل تحدياً وجودياً لم يسبق للنظام الإيراني أن واجهه بهذه المباشرة منذ عقود طويلة.

تؤكد مصادر إعلامية أن السيطرة على تدفقات النفط هي المفتاح الحقيقي للتحكم في مسار الصراع على المدى الطويل، حيث يرى إيان بريمر أن من يمتلك مفاتيح التصدير يمتلك القرار. وتستخدم إيران الجزيرة كقاعدة لخدمة ناقلاتها العملاقة، مما يجعل أي تعطيل لها بمثابة قطع للشريان المالي الوحيد المتبقي للدولة.

على الرغم من الإغراءات الاستراتيجية، يحذر قادة عسكريون سابقون من أن الوجود الأمريكي الدائم في جزيرة إيرانية قد يحولها إلى هدف سهل للاستنزاف. فالقوات الأمريكية قد تجد نفسها في مواجهة حملات مسيرة لا تنتهي، مما قد يجر واشنطن إلى دوامة عنف جديدة تحاول الإدارة الحالية تجنبها بكل الوسائل الممكنة.

يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الطموحات العسكرية في منطقة هي الأكثر التهاباً في العالم. وبينما تدرس واشنطن خياراتها، تترقب أسواق المال العالمية أي إشارة لبدء عملية عسكرية قد تغير وجه الشرق الأوسط وتنهي حقبة النفوذ النفطي الإيراني بشكل كامل.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 5:04 صباحًا - بتوقيت القدس

طرقات لبنان تتحول إلى ملاذات قسرية: 450 ألف نازح يواجهون المجهول والتمييز

تعيش الأراضي اللبنانية أزمة إنسانية متفاقمة مع وصول أعداد النازحين إلى نحو 450 ألف شخص، وفقاً لآخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن السلطات اللبنانية. هؤلاء النازحون الذين فروا من جحيم الغارات الإسرائيلية وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع مرير، حيث تحولت الطرقات والحدائق العامة في مختلف المناطق إلى مساكن مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.

وفي مدينة صيدا جنوبي البلاد، رصدت مصادر ميدانية انتشار مئات العائلات على قارعة الطريق وفي الساحات العامة، حيث افترشوا الأرض لأيام تحت أشعة الشمس الحارقة. وتبرز معاناة النازحين السوريين بشكل مضاعف، إذ نقلت شهادات حية تعرض بعضهم للمنع من دخول مراكز الإيواء الرسمية بدواعي تتعلق بجنسيتهم، مما أجبرهم على البقاء في العراء.

تروي السيدة مريم حنوف، وهي نازحة سورية من بلدة الشهابية، كيف قضت ثلاثة أيام مع أطفالها في حديقة عامة بصيدا بعد رفض استقبالها في مراكز الإيواء. وأوضحت مريم أن التمييز العنصري زاد من وطأة نزوحها، حيث واجهت عبارات قاسية تطلب منها العودة إلى بلادها رغم اشتعال النيران في المناطق التي كانت تقطنها بجنوب لبنان.

من جانبها، أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نحو 215 ألف لاجئ سوري تأثروا بشكل مباشر بالنزاع الحالي في لبنان. وأشارت المفوضية إلى أن التقديرات الرسمية تشير أيضاً إلى عبور أكثر من 60 ألف شخص الحدود باتجاه الأراضي السورية هرباً من القصف العنيف الذي يطال القرى والبلدات اللبنانية.

ورغم تخصيص الحكومة اللبنانية لنحو 700 مدرسة رسمية لتكون مراكز إيواء جماعية، إلا أن الضغط الهائل والتدفق السريع للنازحين جعل الوصول إلى هذه المراكز تحدياً كبيراً. وتشدد المنظمات الدولية على ضرورة أن تكون هذه المراكز شاملة ومتاحة لجميع المحتاجين بغض النظر عن جنسياتهم، التزاماً بالمبادئ الإنسانية الأساسية.

وفي العاصمة بيروت، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث اضطر النازحون من الضاحية الجنوبية لإخلاء منازلهم والتوجه نحو الشواطئ والجامعات. إيناس القشاط، شابة في السادسة والعشرين من عمرها، تصف رحلة نزوحها من منطقة شاتيلا إلى شاطئ الرملة البيضاء بأنها هروب نحو مصير مجهول في ظل ارتفاع جنوني لأسعار الإيجارات.

وتضيف إيناس أن المكوث في حرم الجامعة اللبنانية، رغم كونه أفضل من الشارع، إلا أنه يفتقر للخصوصية والخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء. وتعبر عن رعب دائم من فقدان منزلها الذي تصدع في جولات سابقة، مؤكدة أن الحرب أرهقت قدرة الناس على الصمود النفسي والمادي.

وفي منطقة جبل لبنان، استقبلت بلدة برجا وحدها أكثر من 10 آلاف نازح توزعوا بين المنازل ومراكز الإيواء الثمانية المفتوحة في البلدة. وناشدت الفعاليات المحلية أجهزة الدولة بضرورة الالتفات للعائلات المقيمة في الشقق السكنية، حيث يعانون من نقص حاد في البطانيات والمستلزمات الطبية والغذائية الضرورية.

قصة مريم عزام، النازحة من بلدة قانا، تختصر مأساة الجنوبيين الذين فقدوا كل شيء؛ فقد استشهد زوجها في غارة سابقة ودُمر منزلها ومحصولها الزراعي بالكامل. مريم التي تعيل ثلاثة أطفال تجد نفسها اليوم في مركز إيواء ببلدة برجا، مجردة من أوراقها الثبوتية ومقتنياتها، وتتساءل بمرارة عن الجهة التي ستعوضها عن خسائرها الفادحة.

وتشير التقارير إلى أن تمويل عمليات الإغاثة الدولية في لبنان لا يتجاوز حالياً 14% من الاحتياجات المطلوبة، مما ينذر بكارثة إنسانية إذا طال أمد العدوان. هذا النقص الحاد في التمويل يضعف قدرة المنظمات على تقديم المساعدات العاجلة لمئات الآلاف الذين فقدوا سبل عيشهم ومنازلهم في لحظات.

الأطفال هم الحلقة الأضعف في هذه المأساة، حيث يعيشون مرارة التشريد بعيداً عن مقاعد الدراسة وفي ظروف صحية وبيئية صعبة. وتوثق المصادر الميدانية حالات عديدة لأطفال يعانون من صدمات نفسية جراء أصوات الانفجارات ومشاهد النزوح القسري التي طبعت ذاكرتهم بالخوف والقلق.

وعلى الصعيد الحقوقي، تزايدت المطالبات بضرورة وقف الممارسات العنصرية التي تستهدف النازحين غير اللبنانيين، خاصة في ظل الظروف الحربية التي تتطلب تكاتفاً إنسانياً. ويؤكد ناشطون أن التمييز في تقديم المأوى يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية التي تحمي المدنيين واللاجئين في أوقات النزاعات المسلحة.

في المقابل، تبذل مبادرات مجتمعية وجهات أهلية جهوداً جبارة لتأمين وجبات الطعام والمستلزمات الأساسية للنازحين في الشوارع، محاولين سد الفجوة التي تركتها الإمكانيات الرسمية المحدودة. هذه المبادرات تعكس وجهاً تضامنياً يسعى للتخفيف من وطأة المعاناة التي يعيشها اللبنانيون والسوريون على حد سواء.

يبقى أفق الحل مسدوداً مع استمرار الغارات الجوية واتساع رقعة الاستهداف، مما يجعل قصص النزوح سطوراً مفتوحة على مزيد من الألم. وبينما ينتظر النازحون العودة إلى ديارهم، تظل ذكريات التشريد على قارعة الطريق وصمة تطارد الضمير العالمي الذي يقف عاجزاً عن وقف آلة الحرب.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 4:50 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب إيران تكشف حدود نفوذ "إيباك" وتفتح نقاشاً أميركياً أوسع حول دور اللوبيات في السياسة الخارجية

واشنطن –سعيد عريقات – 10/3/2026

تحليل إخباري

لم تعد الحرب الدائرة مع إيران حدثاً عسكرياً أو جيوسياسياً يقتصر تأثيره على الشرق الأوسط، بل تحولت تدريجياً إلى عامل ضغط داخل السياسة الأميركية نفسها، حيث بدأت تكشف حدود نفوذ اللوبيات التقليدية في واشنطن، وفي مقدمتها : اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة American Israel Public Affairs Committee (إيباك)، اللوبي الإسرائيلي القوي،  كما أعادت فتح نقاش أوسع حول دور جماعات الضغط في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وتبرز هذه التحولات بوضوح في سباقات مجلس النواب في ولاية إلينوي، وفق تقرير أعده الصحفي أليكس كيين Alex Kane، حيث يظهر أن عدداً من المرشحين الذين سبق أن تلقوا دعماً من شبكات مرتبطة بإيباك بدأوا يتخذون مواقف أكثر حذراً من الحرب مع إيران، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لحساسية الرأي العام تجاه أي انخراط عسكري طويل في الشرق الأوسط.

على مدى سنوات طويلة، تمكنت "إيباك" من ترسيخ نفوذ واسع في الكونغرس عبر شبكة تمويل سياسي فعالة وتحالفات عابرة للحزبين، ما ساهم في تثبيت خطاب سياسي داعم بقوة لإسرائيل ومتشدد تجاه إيران. لكن الحرب الحالية تبدو وكأنها تضع هذا النموذج أمام اختبار غير مسبوق.

ففي دوائر انتخابية تضم قاعدة شبابية وتقدمية متنامية، أصبح الخطاب السياسي أكثر حذراً تجاه الحرب. بعض المرشحين بدأوا يتحدثون عن ضرورة الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية، وعن مخاطر التورط في نزاع إقليمي واسع، بل إن بعضهم يلمح إلى أهمية إعطاء أولوية للمسار الدبلوماسي بدلاً من التصعيد العسكري.

هذا التحول لا يعني بالضرورة قطيعة مباشرة مع اللوبي المؤيد لإسرائيل، لكنه يكشف تراجع قدرة الخطاب التقليدي القائم على المواجهة مع إيران على حشد الإجماع السياسي نفسه الذي كان قائماً في الماضي.

ويشير مراقبون إلى أن هذا التغير يعكس تحولاً أعمق داخل الحزب الديمقراطي، حيث باتت الأجيال السياسية الجديدة أكثر ميلاً إلى مساءلة سياسات التدخل العسكري، وأكثر استعداداً لانتقاد دور جماعات الضغط في التأثير على القرارات الاستراتيجية للولايات المتحدة.

في هذا السياق، يطرح مدير الأخبار جوش ناثان كزيس Josh Nathan-Kazis تساؤلات نقدية حول الدور الذي تلعبه المؤسسات اليهودية الأميركية في النقاش العام حول الحرب. فبحسب تحليله، تبنت بعض هذه المؤسسات خطاباً داعماً بقوة للحملة العسكرية ضد إيران، وغالباً ما قُدم هذا الموقف بوصفه تعبيراً عن إجماع داخل المجتمع اليهودي الأميركي.

غير أن هذا الطرح يتجاهل التنوع الكبير في الآراء داخل هذا المجتمع، كما قد يضع الجاليات اليهودية في موقع حساس إذا تحولت الحرب إلى قضية غير شعبية على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة.

ويحذر التحليل من أن الخلط بين مواقف مؤسسات سياسية وبين هوية جماعية قد يخلق انطباعات مضللة في النقاش العام، ويغذي سرديات تبسيطية أو معادية لليهود، خصوصاً في أوقات الأزمات السياسية الكبرى.

وتعكس هذه التطورات تحولاً ملحوظاً في توازن القوى داخل النقاش السياسي الأميركي حول الشرق الأوسط. فبعد عقود كان فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل يتمتع بقدرة كبيرة على صياغة الخطاب السياسي في واشنطن، بدأت تظهر اليوم مساحات أكبر للنقد والمساءلة، خصوصاً داخل الأوساط التقدمية. هذا التحول لا يعني انهيار نفوذ تلك الشبكات، لكنه يشير إلى تآكل تدريجي في قدرتها على فرض إجماع سياسي واسع، وهو ما قد يفتح الباب أمام نقاش أكثر تنوعاً حول أولويات السياسة الأميركية في المنطقة.

وفي نقاش أوسع حول دلالات الحرب، تناولت حلقة من بودكاست "على الأنف  On The Nose" هذه القضية من زاوية النظام الدولي، حيث ناقش الكاتب والمحلل بيتر باينارت Peter Beinart مع أستاذة القانون الدولي آسلي يو بالي Aslı Ü. Bâli من جامعة ييل (Yale University) تداعيات الحرب على صورة القوة الأميركية في العالم.

وترى بَالي، (التي تشارك أيضاً في أنشطة مؤسسة كوينسيQuincy Institute )، أن نمط الحروب الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة اليوم يعكس تحوّلاً في أسلوب استخدام القوة. فبدلاً من الغزو البري واسع النطاق، تعتمد واشنطن بشكل متزايد على الضربات الجوية والشركاء الإقليميين والتفوق التكنولوجي العسكري.

لكن بينارت يشير إلى أن هذه الإستراتيجية قد تخفي تناقضاً أساسياً: فبينما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرة عسكرية هائلة، فإن قدرتها على حشد دعم سياسي داخلي لحروب طويلة أصبحت أضعف بكثير مما كانت عليه في السابق.

ولا يقتصر النقاش على السياسة، إذ تتطرق النشرة أيضاً إلى انعكاسات المناخ السياسي على الثقافة. فقد نشرت عملاً أدبياً جديداً للكاتب والناقد ويين كويستنسبوم Wayne Koestenbaum يتناول القلق السياسي والإنتمائي الذي يطبع المرحلة الراهنة.

وفي ظل الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة على بيروت ، أعادت النشرة نشر تحقيق سابق أعدته المحررة مايا روزن Maya Rosen حول طموحات بعض تيارات اليمين الإسرائيلي لتوسيع النشاط الاستيطاني نحو جنوب لبنان.

ويوثق التحقيق نقاشات أيديولوجية داخل بعض الأوساط القومية الإسرائيلية التي تتبنى رؤية جغرافية أوسع تتجاوز الحدود المعترف بها دولياً لإسرائيل، وهو ما يثير مخاوف من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى إحياء مشاريع سياسية كانت حتى وقت قريب على هامش النقاش.

أحد أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في تداعيات حرب إيران يتمثل في الانكشاف النسبي لحدود نفوذ إيباك داخل المشهد السياسي الأميركي. فبينما نجحت المنظمة لعقود في بناء شبكة تأثير قوية داخل الكونغرس والحزبين، فإن تغير المزاج الشعبي بعد حروب الشرق الأوسط الطويلة جعل هذا النفوذ أقل قدرة على ضبط النقاش العام. المرشحون اليوم أكثر حساسية للرأي العام المحلي، وأقل استعداداً للدفاع غير المشروط عن سياسات خارجية مكلفة. هذا لا يعني تراجعاً حاداً فورياً في نفوذ إيباك، لكنه يشير إلى بداية مرحلة يصبح فيها تأثيرها موضع جدل علني ونقاش سياسي أوسع.

في المحصلة، تكشف الحرب مع إيران أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد تُصاغ فقط في دوائر النخبة التقليدية في واشنطن، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بتوازنات الرأي العام والاعتبارات الانتخابية. ومع ازدياد الاستقطاب الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات، باتت أي مغامرة عسكرية خارجية تحمل مخاطر سياسية داخلية كبيرة. لذلك فإن الجدل الحالي حول الحرب لا يتعلق بإيران وحدها، بل يعكس سؤالاً أعمق حول موقع الولايات المتحدة في العالم وحدود القوة العسكرية في عصر تتزايد فيه القيود السياسية والاقتصادية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 10 مارس 2026 4:33 صباحًا - بتوقيت القدس

من الملا إلى آية الله العظمى: دلالات الألقاب الدينية في هيكلية السلطة الإيرانية

شهدت الساحة السياسية والدينية في إيران تحولاً مفصلياً بإعلان مجلس خبراء القيادة اختيار آية الله مجتبى الخامنئي مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية. وجاء هذا القرار خلفاً لوالده الراحل آية الله علي الخامنئي، في خطوة حظيت بمبايعة فورية من كافة الأجهزة السيادية والعسكرية في البلاد.

أكد مجلس خبراء القيادة، وهو الجهة الدستورية المنوط بها تحديد رأس الهرم السياسي أن اختيار مجتبى الخامنئي تم بإجماع تام ودون تردد. وقد سارعت قيادات الحرس الثوري والجيش والشرطة، بالإضافة إلى السلك الدبلوماسي، لإعلان الولاء للمرشد الثالث في تاريخ الجمهورية.

يترافق هذا التحول مع تسليط الضوء على منظومة الألقاب الدينية التي تحكم المؤسسة الحوزوية في إيران. ويبرز لقب 'الملا' كأولى درجات السلم الديني، حيث يطلق على خريجي الحوزات العلمية الذين يتولون مهاماً مجتمعية كإمامة المساجد وإلقاء الخطب التعليمية.

لا يقتصر استخدام لقب 'الملا' على المذهب الشيعي أو الجغرافيا الإيرانية، بل يمتد ليشمل دولاً مثل العراق والكويت وباكستان وأفغانستان. وقد اشتهر بهذا اللقب قادة في الحركات السنية مثل الملا محمد عمر والملا فضل الله، مما يعكس تداخلاً ثقافياً في استخدام المصطلح.

عندما يتجاوز طالب العلم الديني مرحلة الدراسة الأولية التي تمتد لنحو عشر سنوات، يحصل على لقب 'حجة الإسلام'. هذا اللقب الذي كان في الأصل شرفياً، بات اليوم علامة فارقة في الهرم العلمي للدلالة على بلوغ مرتبة متقدمة في التحصيل الفقهي.

تاريخياً، لم يكن لقب 'حجة الإسلام' حكراً على الشيعة، فقد لُقب به الإمام أبو حامد الغزالي وهو من كبار علماء السنة. ومع قيام الثورة الإسلامية، أصبح اللقب يمنح للدارسين الذين أتموا ما يعادل شهادة الدكتوراه وبدأوا في مرحلة 'دراسة الخارج'.

تعد مرحلة 'دراسة الخارج' هي الأرقى في التعليم الحوزوي، حيث لا يلتزم الدارس بمنهاج محدد بل يبحث في أصول الفقه بعمق. وكان المرشد الجديد مجتبى الخامنئي يحمل لقب حجة الإسلام حتى وقت قريب، قبل أن يتم ترفيعه لمرتبة 'آية الله' تزامناً مع تصدره للمشهد.

يُمنح لقب 'آية الله' بالإجماع للمجتهدين الذين بلغوا مرتبة تمكنهم من استنباط الأحكام الشرعية مباشرة من المصادر الأساسية. ويشير هذا اللقب إلى تميز حامله بصفات التقوى والعلم الواسع التي تجعله مرجعاً في فهم الحكمة الإلهية والتشريعات الدينية.

أما لقب 'آية الله العظمى'، فهو المرتبة الأعلى التي تُميز مراجع التقليد الذين يتبعهم عامة الشيعة في شؤونهم العبادية والمعاملاتية. ومن أبرز من حمل هذا اللقب مؤسس الجمهورية روح الله الخميني، والمرشد الراحل علي الخامنئي، والمرجع العراقي علي السيستاني.

يقوم النظام السياسي في طهران على نظرية 'ولاية الفقيه'، التي تمنح المرشد الأعلى صلاحيات مطلقة تتجاوز المؤسسات المنتخبة. وبموجب هذا المبدأ، يجمع الولي الفقيه في يده سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء، ويقود القوات المسلحة بصفته إماماً للأمة.

على الصعيد الإقليمي، لاقى اختيار مجتبى الخامنئي ترحيباً واسعاً من حلفاء طهران ضمن ما يعرف بمحور المقاومة. فقد هنأ حزب الله اللبناني المرشد الجديد مجدداً العهد على 'خط الولاية'، كما باركت جماعة أنصار الله اليمنية هذه الخطوة القيادية.

تعد العمامة التي يرتديها رجال الدين في إيران وسيلة بصرية لتعريف النسب والمنزلة، حيث ترمز العمامة السوداء إلى 'السيادة'. ويُقصد بها أن صاحبها ينحدر من سلالة النبي محمد عليه السلام عبر ابنته فاطمة الزهراء والإمام الحسين.

في المقابل، يرتدي بقية علماء الدين 'العمامة البيضاء'، وهم من لا يعود نسبهم المباشر لآل البيت، دون أن ينقص ذلك من مكانتهم العلمية. وقد حمل علماء كبار يرتدون العمامة البيضاء لقب 'آية الله العظمى'، مثل المرجع الراحل مرتضى البروجردي.

يبرز المرشد الجديد مجتبى الخامنئي مرتدياً العمامة السوداء، تماماً كوالده وجده، تأكيداً على نسبه الحسيني. وتجمع شخصيته اليوم بين الشرعية الدينية كمجتهد، والشرعية السياسية كولي فقيه، والشرعية النسبية كأحد السادة المنتمين لآل البيت.

عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 4:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي خطير: هجمات إيرانية تطال مطارات ومنشآت نفطية في دول الخليج

دخلت المواجهة العسكرية الدائرة بين إيران من جهة، والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة أخرى، يومها العاشر بتصعيد غير مسبوق شمل عدة دول خليجية. وأفادت مصادر ميدانية بأن الهجمات الإيرانية تواصلت عبر إطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية، مما استدعى استنفاراً كاملاً لمنظومات الدفاع الجوي في المنطقة.

وفي الكويت، أعلنت وزارة الدفاع أن دفاعاتها الجوية تمكنت من اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية منذ فجر الأحد، مؤكدة استمرار التصدي لأهداف معادية في الأجواء. وأوضحت المصادر أن طائرات مسيّرة استهدفت مطار الكويت الدولي، ما أسفر عن انفجار في خزانات الوقود ونشوب حريق محدود في محطة الصبية للقوى الكهربائية تمت السيطرة عليه لاحقاً.

وعلى إثر الهجوم، أعلنت الإدارة العامة للطيران المدني الكويتي تعليق حركة الملاحة الجوية بشكل مؤقت فجر الاثنين لضمان سلامة الأجواء. وعادت الحركة الجوية للانتظام بشكل تدريجي صباح اليوم، بعد التأكد من زوال التهديد المباشر وتأمين كافة المرافق الحيوية داخل حرم المطار الذي تعرض لبعض الأضرار المادية.

أما في البحرين، فقد كشفت القيادة العامة لقوة الدفاع عن حصيلة ثقيلة لعمليات الاعتراض، حيث دمرت المنظومات الدفاعية 95 صاروخاً و164 طائرة مسيّرة منذ انطلاق العمليات. وأشارت وزارة الداخلية البحرينية إلى وقوع إصابات بين المدنيين، إحداها وصفت بالبليغة، جراء سقوط شظايا وتضرر منازل في منطقة سترة السكنية.

وفي تداعيات اقتصادية مباشرة، أعلنت شركة 'بابكو إنرجيز' للطاقة في البحرين حالة القوة القاهرة نتيجة الاعتداءات المستمرة التي طالت البنية التحتية. ويعكس هذا الإجراء حجم المخاطر التي باتت تهدد إمدادات الطاقة العالمية جراء توسع رقعة الصراع العسكري في منطقة الخليج العربي التي تعد شرياناً رئيسياً للاقتصاد الدولي.

وفي السعودية، أكدت وزارة الدفاع اعتراض طائرة مسيّرة في منطقة الربع الخالي كانت في طريقها لاستهداف حقل شيبة النفطي الاستراتيجي. وسجلت المملكة أول حالتي وفاة بين المدنيين نتيجة سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية، مما دفع بوزارة الخارجية لإصدار بيان شديد اللهجة يحمل طهران المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الخطير.

وشددت الخارجية السعودية في بيانها على أن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، نافية بشكل قاطع الادعاءات بهذا الشأن. ولوحت الرياض بحقها في الرد على هذه الانتهاكات، مع التأكيد في الوقت ذاته على رغبتها في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة لا تخدم استقرار المنطقة.

وفي دولة الإمارات، تعاملت فرق الإطفاء والدفاع المدني في الفجيرة مع حريق اندلع في منطقة 'فوز' البترولية نتيجة سقوط حطام صواريخ تم اعتراضها. وأكدت السلطات المحلية السيطرة على الحريق دون وقوع خسائر بشرية، مشيرة إلى أن العمليات في المنشآت النفطية تسير وفق خطط الطوارئ المعتمدة لضمان استمرارية الإنتاج.

داخلياً في قطر، رفعت وزارة الداخلية مستوى التهديد الأمني إلى الدرجة القصوى، ونفذت حملة اعتقالات طالت 313 شخصاً من جنسيات مختلفة. ووجهت السلطات للموقوفين تهماً تتعلق بتصوير مواقع حيوية ونشر معلومات مضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما قد يضر بالأمن القومي في ظل الظروف الراهنة.

سياسياً، وصف رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الهجمات الإيرانية بأنها 'خطأ فادح' قوض جهود الاستقرار في المنطقة برمتها. ودعا المسؤول القطري إلى ضرورة العودة لطاولة المفاوضات وخفض التصعيد فوراً، مؤكداً أن بلاده تبذل جهوداً دبلوماسية مكثفة لمنع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة تخرج عن السيطرة.

دبلوماسياً، أدان وزراء الخارجية العرب في اجتماع طارئ بالقاهرة الهجمات الإيرانية، واصفين إياها بالانتهاك الصارخ لسيادة الدول العربية وتهديداً للأمن القومي. وأكدت الجامعة العربية تضامنها مع الكويت والسعودية والإمارات والبحرين وقطر، مشددة على حق هذه الدول في الدفاع عن نفسها بموجب ميثاق الأمم المتحدة.

فلسطين

الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:33 صباحًا - بتوقيت القدس

استراتيجية 'الإعماء' الإيرانية: كيف سقطت عيون الدفاع الجوي في فخ الصواريخ؟

تؤدي أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية دوراً محورياً في التصدي للتهديدات الباليستية، خاصة في ظل التصعيد العسكري المستمر الذي يشنه الاحتلال والولايات المتحدة ضد إيران. وتعتمد هذه الأنظمة بشكل كلي على الرادارات المتطورة التي تغطي مساحات شاسعة في المنطقة لرصد أي تحركات صاروخية معادية.

تعد منظومتا 'ثاد' و'باتريوت' من أهم الركائز الدفاعية التي تعمل على مدار الساعة في منطقة الخليج ولدى سلطات الاحتلال. وتمثل رادارات هذه المنظومات 'عيون الكشف المبكر' التي تمنح وقتاً كافياً لتفعيل الدفاعات ونقل المستوطنين والعسكريين إلى الملاجئ قبل وصول المقذوفات.

ركزت الاستراتيجية الإيرانية منذ بدء العدوان على استهداف هذه الرادارات بشكل مباشر لتعطيل قدرات الرصد والتتبع. وأفادت مصادر بأن دولاً في المنطقة اعترفت بتعرض منظوماتها للتدمير، بينما كشفت صور الأقمار الصناعية عن ضربات دقيقة أخرجت منشآت رادارية حساسة عن الخدمة.

أدى خروج هذه الرادارات عن العمل، والتي تقدر تكلفة الوحدة منها بنحو مليار دولار، إلى حالة من 'الإعماء الراداري' في المنطقة. وتسبب هذا الفشل التقني في تأخير وصول معلومات الإنذار بشأن الصواريخ المنطلقة من إيران باتجاه الأهداف الإسرائيلية والأمريكية.

نقلت مصادر إعلامية تابعة للاحتلال شكاوى واسعة من المستوطنين بسبب تراجع كفاءة منظومة الإنذار المبكر. حيث تقلصت المدة الزمنية الفاصلة بين دوي صافرات الإنذار وسقوط الصواريخ من عشر دقائق إلى دقيقة واحدة، وهي مدة غير كافية للوصول إلى المناطق المحصنة.

يعتبر رادار AN/TPY-2 القلب النابض لمنظومة 'ثاد' الأمريكية، حيث يعمل بتقنية المصفوفة الإلكترونية النشطة بترددات عالية. وتسمح هذه التقنية بتمييز الأهداف بدقة متناهية، والتفريق بين الرؤوس الحربية الحقيقية والشراك الخداعية أو حطام الصواريخ التي يتم اعتراضها.

يعمل هذا الرادار ضمن شبكة دفاعية متعددة الطبقات، حيث يتولى مهمة الكشف البعيد وتوجيه الصواريخ الاعتراضية في مراحلها النهائية. وبدون هذا الرادار، تفقد منظومة 'ثاد' قدرتها الكاملة على العمل، وتصبح منصات الإطلاق عاجزة عن الاشتباك مع الأهداف الجوية.

تشير التقارير العسكرية إلى أن مدى الكشف لهذا الرادار يتجاوز 1000 كيلومتر، وقد يصل إلى 1500 كيلومتر في وضع الإنذار المبكر. وتعتمد دقة التتبع على ارتفاع الهدف ومقطعه الراداري، مما يجعله أداة استراتيجية لا غنى عنها في الحروب الحديثة.

يتميز الرادار بقدرة فائقة على معالجة البيانات الضخمة، حيث يمكنه تعقب مئات الأهداف الباليستية في وقت واحد. وتتم تحديثات البيانات في أجزاء من الثانية، وهو أمر حيوي لمواجهة الصواريخ التي تتحرك بسرعات هائلة تتطلب استجابة فورية ودقيقة.

على الجانب الآخر، يبرز رادار AN/MPQ-65 كعنصر أساسي في منظومة 'باتريوت' الشهيرة، وهو نسخة مطورة للتعامل مع التهديدات الحديثة. ويختص هذا الرادار بالكشف عن الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات الحربية، وتوجيه الصواريخ الاعتراضية لحظة الإطلاق.

يصل مدى الكشف في منظومة الباتريوت إلى نحو 160 كيلومتراً ضد الصواريخ الباليستية، بينما يغطي 100 كيلومتر للأهداف الجوية التقليدية. وتوفر المنظومة بيانات دقيقة لمركز التحكم حول سرعة الهدف ومساره، مما يسمح بالاشتباك مع عدة أهداف بالتزامن.

رغم هذه القدرات، كشفت المواجهات الأخيرة عن قصور واضح في أداء 'الباتريوت' أمام الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية. فبالرغم من قدرة الرادار على رصد الصاروخ، إلا أن السرعة الفائقة تجعل الصواريخ الاعتراضية عاجزة عن اللحاق به، مما يؤدي لتدميرها ذاتياً بعد الفشل.

تاريخياً، ارتبطت العلاقة الإيرانية مع القوى الإقليمية والدولية بتقلبات كبرى منذ الثورة الإسلامية عام 1979 التي أسقطت نظام الشاه. وقد ساهمت إيران في مراحل لاحقة بتغيير الخارطة السياسية في المنطقة، بما في ذلك موقفها من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

يرى مراقبون أن الصراع الحالي يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى حرب تكنولوجية لكسر التفوق الجوي. وتظل قوة إيران العسكرية عاملاً مؤثراً في معادلة الأمن القومي العربي، حيث يرى البعض أن إضعافها قد ينعكس سلباً على قدرات المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال.