تشهد العلاقات الأمريكية الأوروبية تصدعاً غير مسبوق على خلفية الحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد إيران، حيث أثارت هذه المواجهة تساؤلات جوهرية حول مستقبل التحالف الغربي. وبدأ القادة الأوروبيون في التفكير بجدية في تحقيق استقلالية استراتيجية بعيداً عن إملاءات البيت الأبيض، خاصة مع شعورهم بأن المصالح الأمريكية باتت تتعارض بشكل صارخ مع استقرار القارة العجوز.
وتعد هذه الحرب هي الأولى من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تتسبب في هذا المستوى من التوتر بين ضفتي الأطلسي، متجاوزة الخلافات السابقة حول حروب فيتنام والعراق. ويرى مراقبون أن الإدمان الأمريكي على الحلول العسكرية، المدفوع بتيارات محافظين جدد يؤمنون بصراع الحضارات، بات يشكل خطراً داهماً على النظام الدولي القائم على الدبلوماسية والقانون.
وتنطلق الإدارة الأمريكية الحالية في تصعيدها ضد طهران من منطلقات دينية وجيوسياسية، تهدف إلى منع أي دولة إسلامية من امتلاك تكنولوجيا نووية أو عسكرية متطورة. وقد وصفت تقارير إعلامية دولية بعض المسؤولين في البنتاغون بأنهم يتبنون خطاباً يشبه 'الحروب الصليبية الجديدة'، مما يعمق الفجوة مع الحكومات الأوروبية الليبرالية والاشتراكية التي ترفض هذه السرديات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسعى واشنطن من خلال هذه الحرب إلى توجيه ضربة استراتيجية للصين عبر حرمانها من إمدادات الطاقة الإيرانية الحيوية. هذا البعد الجيوسياسي يضع أوروبا في موقف حرج، حيث تجد نفسها مجبرة على الانخراط في صراع يخدم الهيمنة الأمريكية المنفردة، بينما تتحمل هي التبعات الاقتصادية والأمنية المباشرة لهذا النزاع.
سانشيز أنقذ شرف أوروبا بمواقفه العلنية المناهضة للحرب التي تخرق القانون الدولي.
وقد عبر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عن القلق الأوروبي المتزايد، مؤكداً أن الحرب تخرق الشرعية الدولية وستؤدي إلى كوارث إنسانية وموجات هجرة مليونية نحو أوروبا. ويرى القادة الأوروبيون أن واشنطن تتسبب في حروب تدفع بملايين النازحين من جنوب المتوسط، ثم تنتقد أوروبا لاحقاً على تعاملها مع أزمات اللجوء الناتجة عن تلك السياسات.
وفي هذا السياق، وصفت مصادر صحفية إسبانية النزاع الحالي بـ 'حرب الفوضى'، معتبرة أن الموقف الموحد هو السبيل الوحيد لمنع انجرار القارة إلى صراع فجره الثنائي ترامب ونتنياهو. وأشادت شخصيات سياسية فرنسية بموقف مدريد الشجاع، معتبرة أن رفع الصوت ضد الحرب هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من كرامة سياسية للاتحاد الأوروبي في وجه الضغوط الأمريكية.
ويبدو أن الشرخ الاستراتيجي قد وصل إلى مرحلة اللاعودة مع محاولات واشنطن دعم التيارات اليمينية المتطرفة داخل أوروبا لتفكيك تماسك الاتحاد. هذا التوجه دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تجديد دعواته لضرورة بناء قوة أوروبية مستقلة قادرة على حماية مصالح القارة بعيداً عن التبعية المطلقة لسياسات البيت الأبيض المتقلبة.





شارك برأيك
تصدع الحلف الأطلسي: كيف تعمق الحرب ضد إيران الخلافات بين واشنطن وأوروبا؟