تراهن القيادة الإيرانية في المرحلة الراهنة على قدرتها العالية على الصمود في وجه الضغوط العسكرية المكثفة التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا تهدف طهران إلى تحقيق حسم عسكري تقليدي، بل تسعى لتحويل الصراع إلى مواجهة استنزاف قاسية يصعب على الخصوم تحمل تبعاتها الاقتصادية والسياسية على المدى الطويل.
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية بشكل أساسي على استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية لتهديد ممرات الطاقة الحيوية في المنطقة. وتهدف هذه التحركات إلى زعزعة استقرار الأسواق العالمية بقوة كافية لإجبار واشنطن على مراجعة حساباتها والتراجع عن حملتها العسكرية الحالية.
على الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها إيران وفقدان شخصيات قيادية محورية، إلا أن الحرس الثوري لا يزال يمسك بزمام الأمور بقوة. وتؤكد مصادر مطلعة أن الحرس يوجه ساحة المعركة وينفذ خطط طوارئ معدة مسبقاً بدقة عالية، مما يضمن استمرارية العمليات العسكرية والإدارية.
لعب الحرس الثوري دوراً حاسماً في ترتيب البيت الداخلي الإيراني، حيث برز كصانع للملوك من خلال ترقية مجتبى خامنئي لمنصب الزعيم الأعلى. وجاءت هذه الخطوة بعد مقتل والده آية الله علي خامنئي في الضربات الجوية التي ميزت بدايات الصراع الحالي.
يرى خبراء دوليون أن إيران تخوض حالياً معركة وجودية شاملة لا تقبل الحلول الوسط، حيث يعتقد القادة هناك أن بقاء النظام بات على المحك. ويصف محللون الحالة الإيرانية بأنها تشبه 'الحيوان الجريح' الذي يصبح أكثر خطورة وشراسة مع زيادة الضغوط عليه.
بدأت طهران بالفعل في تصعيد ضرباتها في منطقة الخليج، مستهدفة مراكز الطاقة الحيوية في دول مثل قطر والسعودية. وتهدف هذه الهجمات المحسوبة إلى رفع التكاليف الاقتصادية على الجيران والحلفاء الغربيين، واختبار الإرادة السياسية للإدارة الأمريكية في ظل تقلبات الأسواق.
في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن العمليات العسكرية ستستمر حتى تحقيق هزيمة كاملة وحاسمة للقدرات الإيرانية. وتوقع ترامب أن تنتهي الحرب قريباً، مشيراً إلى أن الهدف هو تجريد طهران من أي أسلحة قد تهدد أمن إسرائيل أو المصالح الأمريكية مستقبلاً.
إنهم يخوضون معركة وجود، هذه حرب شاملة ومستعدون لتدمير المعبد على رؤوس الجميع.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا التصعيد كان متوقعاً لدى المخططين في طهران منذ فترة طويلة سبقت اندلاع المواجهة قبل نحو 11 يوماً. وقد أعدت إيران استراتيجية متعددة المستويات تعتمد على شبكات الحرس الثوري المترامية وقوى الوكالة الموزعة في الإقليم.
مع تضاؤل الخيارات المتاحة، تنفذ إيران خطة تهدف إلى إرهاق الخصوم سياسياً واقتصادياً عبر حرب استنزاف طاحنة. وتعتمد هذه الخطة على إطالة أمد الصراع لضمان حدوث تصدعات في التحالف الدولي الداعم للعمليات العسكرية ضدها.
داخلياً، تظهر مؤشرات على تحول الدولة الإيرانية إلى 'اقتصاد الحرب' بشكل كامل لضمان استقرار الجبهة الداخلية. وقد تم تسريع الإجراءات البيروقراطية في الموانئ والمؤسسات الحيوية لضمان تدفق الإمدادات الأساسية تحت ضغط القصف المستمر.
تظل القدرة الصاروخية الإيرانية هي العامل الحاسم في هذه المواجهة، حيث يتساءل المراقبون عن المدة التي يمكن للحرس الثوري الاستمرار فيها. ورغم تدمير أجزاء من الترسانة، إلا أن تقارير إقليمية ترجح احتفاظ طهران بنحو نصف مخزونها الاستراتيجي من الصواريخ.
على صعيد الشارع الإيراني، لم ترصد المصادر أي مؤشرات على احتجاجات واسعة أو انشقاقات داخل النخبة الحاكمة حتى الآن. ويبدو أن الهجمات التي تستهدف البنية التحتية قد أدت إلى موجة من التضامن الوطني، حيث يخشى السكان من سيناريوهات تفكك الدولة.
تتحول الحرب تدريجياً إلى اختبار حقيقي للقدرة على التحمل بين الطرفين، حيث يراقب العالم من سيتراجع أولاً تحت وطأة الضغوط. فبينما تراهن واشنطن على القوة العسكرية الغاشمة، تراهن طهران على وجع الاقتصادات الغربية من ارتفاع أسعار الطاقة.
في نهاية المطاف، قد تخرج إيران من هذا الصراع مثخنة بالجراح ومدمرة البنية التحتية، لكن بقاء النظام سيعتبره القادة نصراً. إن استمرار الهيكل القيادي في مواجهة واحد من أكبر الأساطيل العسكرية في التاريخ يمثل الهدف الأسمى للاستراتيجية الإيرانية الحالية.





شارك برأيك
استراتيجية الاستنزاف الإيرانية: الرهان على سلاح الطاقة وصمود الحرس الثوري