تشهد أروقة صناعة القرار في واشنطن نقاشات مكثفة حول خيارات عسكرية واستراتيجية تستهدف شل القدرات الاقتصادية الإيرانية، مع التركيز بشكل خاص على جزيرة خرج الحيوية. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد حدة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مما أدى إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية وتوقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز.
تعد جزيرة خرج، الواقعة على بعد 16 ميلاً من الساحل الإيراني، المركز العصبي لصادرات الطاقة في البلاد، حيث يمر عبرها ما يقرب من 90% من النفط الإيراني. ويرى خبراء جيوسياسيون أن السيطرة على هذه الجزيرة قد تمنح واشنطن وسيلة ضغط حاسمة لإخضاع النظام في طهران دون الحاجة إلى خوض حرب برية شاملة في العمق الإيراني.
أفادت مصادر مطلعة في إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن مقترح السيطرة على الجزيرة طُرح بالفعل على طاولة البحث كخيار جدي للتعامل مع التهديدات الإيرانية. ويتزامن هذا مع دعوات صريحة من قيادات إسرائيلية، وعلى رأسهم يائير لابيد، بضرورة تدمير البنية التحتية النفطية في خرج لإنهاء قدرة النظام على تمويل أنشطته الإقليمية.
يرى مراقبون أن العقيدة العسكرية الأمريكية الحالية تميل نحو العمليات الخاطفة والحاسمة، مستشهدين بالتحرك العسكري السريع الذي نفذه ترامب ضد فنزويلا قبل شهرين والذي انتهى باعتقال رئيسها. هذا التوجه يعكس رغبة واشنطن في تجنب استنزاف طويل الأمد يشبه ما حدث في أفغانستان، حيث خسرت الولايات المتحدة آلاف الجنود وتريليونات الدولارات.
من الناحية العسكرية، تشير التقارير إلى أن القوة البحرية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية أدت إلى تدميرها بشكل شبه كامل نتيجة العمليات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة. ومع ذلك، فإن السيطرة على جزيرة خرج تتطلب إنزال قوات برية، وهو قرار محفوف بالمخاطر السياسية والعسكرية، خاصة مع احتمال تعرض القوات لهجمات مستمرة بالطائرات المسيرة.
تتزايد الضغوط الاقتصادية على الإدارة الأمريكية مع وصول سعر برميل النفط إلى مستويات قياسية تجاوزت 84 دولاراً، مما انعكس سلباً على أسعار الوقود محلياً. فقد سجلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً، مما يضع البيت الأبيض في موقف حرج أمام الناخبين الذين يتأثرون مباشرة بتداعيات الصراع في الشرق الأوسط.
إذا تمكنت من التحكم في صادرات النفط، فإنك تمتلك نفوذًا أكبر بكثير على النظام الإيراني على المدى الطويل.
تعتمد إيران في استراتيجيتها الدفاعية على نفوذها الواسع في أربع عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء عبر وكلائها الإقليميين. وقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً تقنياً نوعياً، تمثل في الهجمات التي استهدفت أجهزة الاتصال التابعة لوكلاء إيران في لبنان، مما يعكس تحولاً في أساليب المواجهة الاستخباراتية.
يشير الخبراء إلى أن ترامب يسعى من خلال هذه التحركات إلى تعزيز الهيمنة النفطية الأمريكية على الساحة الدولية وإعادة رسم خارطة القوى في المنطقة. كما تبرز رغبة أمريكية في العودة إلى قواعد استراتيجية مثل قاعدة باغرام في أفغانستان، ليس فقط لمواجهة إيران، بل كجزء من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني المتنامي.
تاريخياً، خاضت إيران حروباً طويلة ومريرة، أبرزها حرب الثماني سنوات مع العراق، مما أكسب نظامها قدرة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. إلا أن استهداف 'رئة الاقتصاد' المتمثلة في جزيرة خرج يمثل تحدياً وجودياً لم يسبق للنظام الإيراني أن واجهه بهذه المباشرة منذ عقود طويلة.
تؤكد مصادر إعلامية أن السيطرة على تدفقات النفط هي المفتاح الحقيقي للتحكم في مسار الصراع على المدى الطويل، حيث يرى إيان بريمر أن من يمتلك مفاتيح التصدير يمتلك القرار. وتستخدم إيران الجزيرة كقاعدة لخدمة ناقلاتها العملاقة، مما يجعل أي تعطيل لها بمثابة قطع للشريان المالي الوحيد المتبقي للدولة.
على الرغم من الإغراءات الاستراتيجية، يحذر قادة عسكريون سابقون من أن الوجود الأمريكي الدائم في جزيرة إيرانية قد يحولها إلى هدف سهل للاستنزاف. فالقوات الأمريكية قد تجد نفسها في مواجهة حملات مسيرة لا تنتهي، مما قد يجر واشنطن إلى دوامة عنف جديدة تحاول الإدارة الحالية تجنبها بكل الوسائل الممكنة.
يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الطموحات العسكرية في منطقة هي الأكثر التهاباً في العالم. وبينما تدرس واشنطن خياراتها، تترقب أسواق المال العالمية أي إشارة لبدء عملية عسكرية قد تغير وجه الشرق الأوسط وتنهي حقبة النفوذ النفطي الإيراني بشكل كامل.





شارك برأيك
واشنطن تدرس السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية لتقويض نفوذ طهران النفطي