اسرائيليات

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

قانون إعدام الأسرى: مناورة نتنياهو للهروب من التآكل السياسي والارتهان لليمين

لا يمكن فصل إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عن السياق السياسي المتأزم الذي يعصف بالداخل الإسرائيلي في الآونة الأخيرة. يظهر هذا التشريع في جوهره كأداة للتوظيف السياسي المباشر، بعيداً عن كونه خياراً أمنياً خضع للدراسة والتمحيص الاستراتيجي.

يعيش رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو واحدة من أكثر لحظاته السياسية هشاشة، حيث تتراكم فوق كاهله الانقسامات الداخلية الحادة وتآكل الثقة الشعبية. تدفعه هذه العوامل، بالإضافة إلى الضغوط القضائية المستمرة، إلى البحث عن مخارج سريعة تعيد تثبيت موقعه المهتز في سدة الحكم.

يبرز قانون إعدام الأسرى كرسالة مزدوجة الأهداف يوجهها نتنياهو لعدة أطراف في آن واحد. فهو يسعى لإقناع الجبهة الداخلية بقدرته على الحسم الأمني، وفي الوقت ذاته يغازل حلفاءه في اليمين المتطرف ليثبت أنه لا يقل تشدداً عن طروحاتهم الراديكالية.

يرتبط هذا التحول التشريعي بشكل وثيق بصعود تيار اليمين المتطرف الذي يقوده إيتمار بن غفير داخل الحكومة. حيث انتقل الخطاب السياسي من محاولات إدارة الصراع التقليدية إلى المزايدة العلنية في استخدام أدوات القمع والترهيب ضد الفلسطينيين.

يسعى بن غفير وأقطاب اليمين القومي إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بالكامل بما يضمن تكريس منطق القوة المطلقة. ويجد نتنياهو نفسه في هذا الإطار محاصراً بين ضرورة الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي وبين خشية فقدان المبادرة لصالح شركائه الأكثر تطرفاً.

يبدو القانون في توقيته الحالي أشبه بعملية امتصاص للضغط السياسي الداخلي وإعادة توجيهه نحو الخارج. فبدلاً من مواجهة التناقضات العميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، يتم تصدير الأزمة عبر تصعيد ممنهج يستهدف الحركة الأسيرة والشعب الفلسطيني.

تعتمد السلطة في تل أبيب آلية سياسية كلاسيكية تقوم على خلق عدو خارجي أو تضخيم التهديدات القائمة لتوحيد الصفوف. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعادة إنتاج الشرعية المفقودة عبر بوابة التصعيد الأمني والتشريعي الذي يرضي غرور اليمين المتطرف.

رغم الفعالية المؤقتة لهذه المقاربة في تهدئة الشركاء السياسيين، إلا أنها تحمل في طياتها بذور تفاقم الأزمات البنيوية. فتوظيف ملف الأسرى الحساس لا يعالج جذور الانقسام الإسرائيلي، بل يعمل على تأجيل الانفجار الداخلي وتعميق الفجوات المجتمعية.

لن يجد المجتمع الإسرائيلي المستقطب في هذا القانون حلاً لإشكالاته المرتبطة بهوية الدولة أو التوترات الاجتماعية المتصاعدة. فالمزايدة مع اليمين تضع نتنياهو في معادلة خاسرة على المدى البعيد، حيث يفقد تدريجياً تمايزه السياسي كقائد براغماتي.

كلما اقترب نتنياهو من خطاب بن غفير، تحول من لاعب يمسك بخيوط اللعبة إلى تابع يلهث خلف شروط شركائه المتشددين. هذا التحول يكشف عن ضعف الموقع القيادي الذي تفرضه التوازنات الائتلافية الهشة والمصالح الشخصية الضيقة.

على صعيد الصراع مع الفلسطينيين، يندرج هذا التصعيد ضمن استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف قواعد الردع بالقوة المفرطة. ومع ذلك، فإن التجارب التاريخية تثبت أن مثل هذه السياسات المتطرفة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.

بدلاً من إخضاع الطرف الفلسطيني، تدفع هذه القوانين الجائرة نحو مزيد من التصلب في المواقف وفتح دورات جديدة من المواجهة. إن تحويل قضية الأسرى إلى ورقة للمزايدة السياسية يرفع منسوب التوتر في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة.

في المحصلة، لا يعد قانون إعدام الأسرى مجرد إجراء قانوني أو أمني، بل هو انعكاس لأزمة سياسية داخلية عميقة الجذور. إنه محاولة للهروب إلى الأمام عبر تصعيد محسوب ظاهرياً، لكنه ينطوي على مخاطر استراتيجية كبرى قد لا تحمد عقباها.

يجد نتنياهو نفسه اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغط الشارع ومطالب اليمين وتحديات البقاء الشخصي في السلطة. ويظل التشريع الجديد مرآة لنظام سياسي يبحث عن توازنه المفقود على حافة الهاوية، دون امتلاك رؤية حقيقية للحل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري غير مسبوق: قتلى وجرحى في غارات أمريكية إسرائيلية استهدفت غرب إيران

شهدت الساحة الإيرانية تصعيداً عسكرياً خطيراً يوم الثلاثاء، حيث شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية المكثفة استهدفت محافظتي مركزي وزنجان غربي البلاد. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 15 آخرين بجروح متفاوتة، في تطور ميداني يعكس حدة المواجهة المباشرة بين طهران وخصومها الدوليين والإقليميين.

وأكدت مصادر رسمية إيرانية أن القصف الجوي في محافظة مركزي تركز على مناطق سكنية مأهولة، مما أدى إلى انهيار أربعة مبانٍ بشكل كامل وإلحاق أضرار جسيمة بأربعة منشآت أخرى. وتركزت الضربات الليلية بشكل خاص على منطقة 'محلات'، حيث تواصل فرق الإنقاذ العمل على انتشال الضحايا من تحت الأنقاض وسط حالة من الاستنفار الأمني.

وفي محافظة زنجان، طال القصف 'الجامع الأعظم' التاريخي الذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، مما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وتدمير أجزاء واسعة من المعلم الأثري. وأفادت التقارير بأن الضربة أصابت قاعة الاجتماعات والمكتبة المجاورة للفناء الرئيسي مباشرة، فضلاً عن وقوع أضرار إنشائية كبيرة في مآذن المسجد التاريخي.

ويرى مراقبون عسكريون أن نمط العمليات الأخيرة يشير إلى استخدام الولايات المتحدة لذخائر ثقيلة وقنابل خارقة للتحصينات، خاصة في استهداف مستودعات الذخيرة في أصفهان. هذا التوجه التصعيدي يهدف بوضوح إلى تحييد القدرات الدفاعية الإيرانية وضرب البنية التحتية المرتبطة بالصناعات العسكرية الحساسة في عمق الأراضي الإيرانية.

وتتقاطع هذه التطورات الميدانية مع تقارير استخباراتية غربية تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية خيارات للسيطرة على مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب داخل المنشآت الإيرانية. ويبدو أن تكثيف الغارات على منشآت الصواريخ الباليستية يمثل 'تمهيداً نارياً' يسبق تحركات برية محتملة تنفذها وحدات النخبة في الجيش الأمريكي.

وتشمل السيناريوهات المطروحة إمكانية تدخل الفرقة 82 المحمولة جواً ووحدات من مشاة البحرية 'المارينز' لتنفيذ مهام نوعية ومحدودة الزمان والمكان. وتركز هذه الخطط المفترضة على محورين؛ الأول يهدف للسيطرة على جزر استراتيجية في مضيق هرمز، والثاني يسعى لتأمين أو نقل المواد النووية الحساسة في حال تدهور الأوضاع الميدانية.

على الصعيد السياسي، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ممارسة سياسة 'الضغط الأقصى' من خلال التلويح باستهداف البنى التحتية الحيوية للطاقة والمياه والكهرباء. وتهدف واشنطن من خلال هذا التصعيد إلى إجبار القيادة الإيرانية على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة تضمن أمن الملاحة الدولية وتفكيك البرنامج النووي.

وتأتي هذه الهجمات في ظل انسداد الأفق السياسي وفشل المساعي الدبلوماسية الرامية لاحتواء التوتر في المنطقة، خاصة مع استمرار وصول الصواريخ الإيرانية إلى أهداف في العمق الإسرائيلي. وتتزايد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة مع اقتراب المهل الزمنية التي حددتها الإدارة الأمريكية لحسم الملفات العالقة مع طهران.

وفي ظل غياب أي مؤشرات على التهدئة، تظل الجبهة الإيرانية مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث يرى خبراء أن المرحلة المقبلة ستكون الأكثر تعقيداً في تاريخ الصراع. ومع استمرار القصف الجوي، تترقب الأوساط الدولية طبيعة الرد الإيراني ومدى قدرة الأطراف على تجنب مواجهة برية واسعة النطاق قد تغير خارطة النفوذ في الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي دامٍ جنوب لبنان وكاتس يتوعد بفرض منطقة عازلة حتى الليطاني

شهدت مناطق متفرقة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تصعيداً عسكرياً دامياً يوم الثلاثاء، حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات عنيفة أسفرت عن وقوع ضحايا وإصابات. وأكدت مصادر ميدانية استشهاد خمسة مواطنين وإصابة ثلاثة آخرين في حصيلة أولية لهذه الهجمات التي استهدفت مركبات وتجمعات سكنية في عمق الجنوب اللبناني.

وفي تفاصيل الميدان، استهدفت غارة جوية سيارة مدنية في منطقة القاسمية، مما أدى إلى ارتقاء شهيدين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة نقلوا على إثرها للمستشفيات. كما طال القصف بلدة ديركيفا حيث استشهد شخصان آخران، في حين سجلت بلدة عبا سقوط شهيد شاب جراء استهداف جوي مباشر للمنطقة.

ولم تقتصر العمليات العسكرية على القصف الجوي المركز، بل امتدت لتشمل غارات عنيفة على بلدة القليلة جنوب مدينة صور، تزامنت مع قصف مدفعي مكثف طال أطراف بلدة المنصوري. وفي تطور لاحق بعد الظهر، هز انفجار ضخم الضاحية الجنوبية لبيروت جراء غارة إسرائيلية استهدفت أحد الأحياء هناك، مما زاد من وتيرة التوتر الميداني المتصاعد.

وعلى الصعيد السياسي والعسكري الإسرائيلي، أطلق وزير الأمن يسرائيل كاتس تصريحات شديدة الخطورة، كشف فيها عن نية الاحتلال فرض واقع جغرافي جديد في جنوب لبنان. وأوضح كاتس أن إسرائيل تعتزم إقامة ما وصفها بـ 'المنطقة الأمنية' التي ستمتد من الحدود الدولية وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، مع ضمان بقاء السيطرة العسكرية عليها.

وأشار كاتس في بيان صدر عقب تقييم للوضع الأمني، إلى أن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بالعمليات العابرة، بل سيسعى للسيطرة الكاملة على كافة المفاصل الاستراتيجية بما في ذلك الجسور والروابط الجغرافية. وشدد على أن هذه المنطقة ستبقى تحت القبضة الأمنية الإسرائيلية حتى بعد توقف العمليات القتالية لضمان عدم عودة أي تهديدات حدودية.

وفيما يخص ملف النازحين، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي صراحةً أنه لن يُسمح لأكثر من 600 ألف لبناني نزحوا من مناطقهم بالعودة إلى ديارهم الواقعة جنوب نهر الليطاني في الوقت الراهن. وربط كاتس عودة السكان اللبنانيين بما اعتبره 'تحقيق الأمن الكامل' لسكان المستوطنات في شمال إسرائيل، وهو ما ينذر بأزمة إنسانية طويلة الأمد.

كما لوّح الوزير الإسرائيلي باتباع سياسة 'الأرض المحروقة' في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، مؤكداً أن الجيش سيعمل على هدم المنازل والبنى التحتية في تلك البلدات. وشبّه كاتس هذه الإجراءات بما نفذه جيش الاحتلال في مناطق رفح وبيت حانون بقطاع غزة، بهدف إزالة أي عوائق رؤية أو تحصينات قد تستخدمها المقاومة.

تأتي هذه التطورات الميدانية والسياسية لتعكس توجهاً إسرائيلياً نحو تغيير ديمغرافي وجغرافي شامل في الجنوب اللبناني، وسط تحذيرات دولية من تداعيات هذه الخطط. وتثير هذه التصريحات مخاوف واسعة من تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة مدمرة، مما يعمق المأساة الإنسانية للنازحين ويضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة من المواجهة.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

قانون الإعدام الإسرائيلي الجديد: تكريس للتمييز الممنهج واستهداف مباشر للفلسطينيين

صادق الكنيست الإسرائيلي بشكل نهائي على تشريع جديد يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق الفلسطينيين المنفذين لعمليات ضد أهداف إسرائيلية. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد التوجهات اليمينية المتشددة داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية، وتعد تحولاً جذرياً في السياسة الجنائية المتبعة منذ عقود.

وينص القانون الجديد على اعتماد عقوبة الإعدام شنقاً كعقوبة أساسية في القضايا التي ينظر فيها القضاء العسكري، وهو المسار القانوني الذي يخضع له الفلسطينيون حصراً في الأراضي المحتلة. ويرى مراقبون أن هذا التعديل يهدف إلى تشديد القبضة الأمنية وفرض واقع قانوني جديد يتجاوز الاعتراضات الحقوقية الدولية والمحلية التي حذرت من تداعيات هذه الخطوة.

وأشار خبراء قانونيون إلى أن بنية القانون، رغم ادعائها الشمولية النظرية لكافة المواطنين، إلا أنها صُممت لتُطبق عملياً على الفلسطينيين دون غيرهم. ويستند هذا التحليل إلى حقيقة أن المتطرفين اليهود الذين يرتكبون جرائم مشابهة يُحاكمون أمام محاكم مدنية توفر ضمانات قانونية واسعة، مما يجعل فرص صدور أحكام إعدام بحقهم شبه معدومة.

ويعكس هذا التشريع ما يصفه حقوقيون بـ 'قانون ساكسونيا' الحديث، حيث تتمايز العقوبات بناءً على الهوية العرقية والدينية بدلاً من طبيعة الجرم المرتكب. وتتجلى هذه الازدواجية في اشتراط القانون لأغلبية بسيطة فقط من قضاة المحكمة العسكرية لإقرار حكم الإعدام، وهو معيار مخفف جداً مقارنة بالأنظمة القضائية التي تفرض إجماعاً كاملاً في قضايا القتل.

علاوة على ذلك، تفتقر المحاكمات العسكرية التي سيُطبق فيها القانون إلى الحد الأدنى من ضمانات العدالة، بما في ذلك القيود المفروضة على حق الاستئناف أو الحصول على عفو رئاسي. ويؤكد منتقدون أن هذه الإجراءات تقوض مبدأ المساواة أمام القانون وتكرس نظاماً قضائياً مزدوجاً يعامل الفلسطينيين كأهداف للتصفية القانونية والجسدية.

يتزامن هذا التحرك التشريعي مع تغييرات ميدانية أجراها الجيش الإسرائيلي على قواعد الاشتباك في الضفة الغربية، مما يمنح الجنود ضوءاً أخضر لاستخدام الرصاص الحي ضد الفلسطينيين. وتسمح القواعد الجديدة للجنود بفتح النار لمجرد الشعور بوجود تهديد مفترض، مما يكمل حلقة الاستهداف التي بدأت بالتشريعات داخل الكنيست وصولاً إلى الممارسات الميدانية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

مراجعات في الفقه السياسي: كيف تحول 'تضخيم الرئاسة' إلى تهميش لدور الأمة؟

تفتح الورقة البحثية للدكتور عبد المجيد النجار باباً واسعاً للمراجعة النقدية في بنية الفقه السياسي الإسلامي، منتقلة من التنظير إلى تشريح القضايا المركزية التي صاغت واقع الحكم عبر التاريخ. ويرى الباحث أن الموروث الفقهي ساهم في تضخيم مؤسسة رئاسة الدولة على حساب دور الأمة، مما أنتج اختلالات عميقة في الثقافة والممارسة السياسية المعاصرة.

ويشير النجار إلى أن الشروط المثالية التي وضعها الفقهاء الأوائل لمنصب الإمام، مثل الاجتهاد المطلق والنقاء الأخلاقي، تحولت بمرور الوقت إلى مبرر لتوسيع الصلاحيات. وبدلاً من أن تكون هذه الصفات ضمانة للعدل، أدت إلى منح الرئيس سلطات شبه مطلقة، مع تهميش واضح لأحكام الشورى التي بقيت في إطار 'المعلم' لا 'الملزم'.

وتنتقد الدراسة غياب الآليات الرقابية الفعالة في التراث الفقهي، حيث اقتصرت المحاسبة غالباً على 'المناصحة الوعظية' التي تفتقر لصفة الإلزام القانوني. هذا الوضع جعل منصب الرئاسة محاطاً بهالة من القداسة، وصعّب من إجراءات العزل حتى في حالات الضرورة القصوى أو فقدان الأهلية.

وفي قراءة لنصوص الفقهاء مثل الماوردي والفراء، يستعرض الباحث كيف تم التشدد في شروط عزل الحاكم بدعوى 'اتقاء الفتنة'. وقد وصل هذا التشدد إلى حد إجازة استمرار الحاكم في منصبه رغم إصابته بخلل عقلي جزئي أو جرح في عدالته، وهو ما يصفه النجار بالرأي 'المنتهي الفساد'.

وتنتقل الورقة إلى قضية 'سلطان الأمة'، موضحة كيف تم استبعاد الجماهير عن حقها في اختيار حاكمها عبر أدوات فقهية مستحدثة. ومن أبرز هذه الأدوات مفهوم 'أهل الحل والعقد' الذي ظل مصطلحاً هلامياً غير محدد المعالم، مما سمح باختزال إرادة الأمة في فئة قليلة جداً.

ويستشهد الباحث بآراء إمام الحرمين الجويني الذي ذهب إلى إمكانية انعقاد الإمامة بمبايعة رجل واحد فقط إذا كان مطاعاً وذا شوكة. ويرى النجار أن هذا التأصيل الفقهي تسرب إلى العقول وشكّل ثقافة سياسية تقوم على استبعاد العامة من دائرة القرار السياسي.

كما تتناول الدراسة 'ولاية العهد' كأداة أخرى سلبت الأمة حقها في الاختيار الحر، حيث يُسند حق اختيار الرئيس القادم للرئيس الحالي وحده. هذا النهج حوّل الخلافة إلى 'ملك عضوض' وغيّب رضا الأمة أو ممثليها الحقيقيين عن عملية انتقال السلطة.

ويربط الدكتور النجار بين هذا الموروث الفقهي والواقع السياسي الراهن، مؤكداً أن الاستبداد بالرأي والتشبث بالمواقع القيادية هو نتاج لتراكم ثقافي طويل. ويشير إلى أن هذا التأثير امتد ليشمل المؤسسات الاجتماعية والحركات السياسية بمختلف توجهاتها، سواء كانت إسلامية أو علمانية.

وتدعو الورقة إلى ضرورة العودة للنصوص الشرعية الصريحة التي تقيد تصرفات الحاكم بالشورى، مثل قوله تعالى 'وأمرهم شورى بينهم'. وتؤكد أن السيرة النبوية ونهج الخلفاء الراشدين قدما نموذجاً تطبيقياً للالتزام برأي الجماعة حتى لو خالف رأي القائد.

ويقترح الباحث استحداث مؤسسات أهلية تمتلك سلطة الشورى الملزمة والرقابة الدقيقة على أداء رئيس الدولة. ويرى أن الإيمان بالشورى وممارستها الفعلية يجب أن يكون شرطاً أساسياً لتولي المنصب، تماماً كشروط العلم والكفاءة.

كما تشدد المراجعة على ضرورة اعتبار الاستبداد بالرأي سبباً موجباً للعزل، وهو أمر غاب عن أحكام الفقه السياسي التقليدي. فالمصلحة الحقيقية تقتضي حماية الأمة من مفاسد الاستبداد التي تفوق في ضررها مخاطر التغيير السياسي.

وفيما يخص 'أهل الحل والعقد'، يرى النجار أن التفسيرات الحديثة التي تعتبرهم 'نواباً عن الشعب' هي محاولات إصلاحية لا أصل لها في التراث القديم. فالتراث كان صريحاً في استبعاد النساء والعوام وأهل الذمة من أي دور في عقد الإمامة أو اختيار الحاكم.

وتخلص الدراسة إلى أن تغيير الواقع السياسي للمسلمين يبدأ من مراجعة جذرية لهذه المفاهيم الفقهية لإعادة بناء الثقافة السياسية. فالهدف هو الوصول إلى تصور لمؤسسة الرئاسة يتسق مع قيم العدل والسيادة الشعبية التي أقرتها المقاصد الشرعية.

إن هذه المراجعة لا تهدف فقط لنقد التاريخ، بل لتأسيس فقه سياسي معاصر يواكب تطلعات الشعوب في الحرية والكرامة. فالفقه الذي نشأ في ظروف تاريخية معينة لم يعد قادراً على تلبية احتياجات الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات والمواطنة.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:17 مساءً - بتوقيت القدس

10 شهداء في غزة والضفة خلال 24 ساعة وحصيلة العدوان تتجاوز 72 ألفاً

تصاعدت حدة الهجمات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مما أسفر عن ارتقاء عشرة شهداء في كل من قطاع غزة والضفة الغربية. وتوزعت خارطة الاستهدافات لتشمل غارات جوية وعمليات إطلاق نار مباشرة، في ظل استمرار العدوان الشامل على مختلف المحافظات.

وفي قطاع غزة، أفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد تسعة مواطنين جراء سلسلة من الغارات التي نفذتها طائرات مسيرة، بالإضافة إلى نيران الآليات العسكرية التي استهدفت تجمعات المواطنين. وشهد صباح اليوم قصفاً مباشراً لنقطة تابعة للشرطة، ما أدى إلى استشهاد أحد العناصر وإصابة عدد من المتواجدين في المكان بجروح متفاوتة.

أما في وسط القطاع، فقد أعلن مجمع العودة الطبي في مخيم النصيرات عن وصول جثمان شهيدة سقطت برصاص طائرات 'كواد كابتر' المسيرة. وأوضحت المصادر أن الطائرات فتحت نيرانها بشكل عشوائي تجاه منازل المواطنين في منطقة مخيم (5)، مما تسبب في حالة من الذعر والدمار في الممتلكات السكنية.

وفي شمال القطاع، استشهدت مسنة فلسطينية برصاص قوات الاحتلال في مدينة بيت لاهيا، لينضم اسمها إلى قائمة طويلة من الضحايا المدنيين الذين سقطوا في استهدافات متفرقة. وتأتي هذه الحوادث بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية التي تطال الأحياء السكنية والبنى التحتية المتبقية في المناطق الشمالية.

وعلى صعيد الضفة الغربية، ارتقى شاب في مدينة جنين خلال مواجهات مع قوات الاحتلال، ليرتفع بذلك إجمالي الشهداء في الضفة وغزة إلى عشرة خلال يوم واحد. وتعكس هذه التطورات الميدانية إصرار الاحتلال على تصعيد وتيرة القتل الممنهج في كافة الجغرافيا الفلسطينية دون استثناء.

من جانبها، أصدرت وزارة الصحة تحديثاً شاملاً حول أعداد الضحايا، مشيرة إلى أن حصيلة الشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغت 72,280 شهيداً، فيما تجاوز عدد المصابين 172 ألفاً. وأكدت الوزارة أن هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة العدوان المستمر.

اسرائيليات

الثّلاثاء 31 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تغلظ عقوبات التخابر: الإعدام والمصادرة لمن يتعاون مع 'الدول المعادية'

كشفت السلطة القضائية في إيران عن إجراءات قانونية صارمة بحق الأفراد المتهمين بالتخابر أو التعاون مع من تصفهم بـ 'الدول المعادية'. وأكد المتحدث باسم القضاء أن العقوبات المقررة بموجب التشريعات الأخيرة قد تصل إلى الإعدام، بالإضافة إلى المصادرة الكاملة لكافة الأصول والممتلكات الخاصة بالمدانين، وذلك في إطار استجابة قانونية للتوترات الأمنية المتزايدة التي تشهدها المنطقة.

وأوضح المسؤول الإيراني أن مفهوم التعاون الاستخباراتي جرى توسيعه ليشمل أنشطة لم تكن مصنفة سابقاً ضمن هذا الإطار، مثل توثيق المواقع عبر الصور أو مقاطع الفيديو. واعتبرت السلطات أن تداول مثل هذه الوسائط قد يخدم أجهزة استخبارات الخصوم في تحديد أهداف عسكرية أو استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، مما يستوجب ملاحقة فاعليها قضائياً بتهم التجسس.

ويمتد القانون الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ العام الماضي، ليشمل الأنشطة الإعلامية التي تُصنف كدعم لسياسات الحكومات المعادية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وشددت المصادر القضائية على أن أي نشاط يساهم في تعزيز رواية الخصوم أو تقديم دعم معلوماتي لهم سيواجه بحزم، مشيرة إلى أن الظروف الراهنة تفرض تشديداً غير مسبوق في تنفيذ الأحكام.

وفي سياق الملاحقات الميدانية، أفادت تقارير رسمية باعتقال ما يزيد عن ألف شخص منذ اندلاع المواجهات العسكرية قبل نحو شهر من الآن. وتتنوع التهم الموجهة للموقوفين بين تصوير منشآت حيوية وحساسة، ونشر محتويات رقمية مناهضة لسياسات الدولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى التورط المباشر في خلايا تابعة لجهات خارجية.

وحذرت السلطات القضائية من أن نشر المعلومات المضللة أو الأخبار التي تهدف إلى 'إثارة الذعر' بين المواطنين سيؤدي بصاحبه إلى السجن لمدد طويلة. وأكد المتحدث أن القضاء أصدر بالفعل نحو 200 لائحة اتهام رسمية في هذا الصدد، مع استمرار التنسيق الوثيق مع الأجهزة الأمنية لتعقب كافة المشتبه بهم وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

تأتي هذه التحركات القانونية والأمنية المكثفة في أعقاب الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وقد أدى هذا التصعيد إلى تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة النطاق، شملت سقوط آلاف الضحايا واضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، مما دفع طهران لفرض قبضة أمنية مشددة في الداخل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

مقتل ضابط و3 جنود إسرائيليين في كمين محكم جنوب لبنان

أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمقتل أربعة من عسكرييه، من بينهم ضابط برتبة رفيعة ينتمي إلى لواء 'ناحال' النخبوي، إثر مواجهات ضارية شهدتها جبهة جنوب لبنان. وأوضحت مصادر عبرية أن القوة الإسرائيلية تعرضت لهجوم منسق أدى أيضاً إلى إصابة ثلاثة جنود آخرين بجروح متفاوتة خلال الساعات الأخيرة.

وأفادت تقارير ميدانية بأن الوحدة الإسرائيلية وقعت في كمين محكم أعده مقاتلو حزب الله في محيط بلدة النبطية، حيث دارت اشتباكات من مسافة صفر. واستخدم المقاتلون الصواريخ الموجهة والمضادة للدروع بكثافة، مما أعاق محاولات الاحتلال الأولية لسحب الإصابات من أرض المعركة.

وذكرت مصادر إعلامية أن جيش الاحتلال اضطر للدفع بتعزيزات جوية وبرية مكثفة، شملت غارات من الطيران الحربي وقصفاً مدفعياً ومن الدبابات، لتوفير غطاء ناري لعمليات الإجلاء. وتفرض الرقابة العسكرية الإسرائيلية تعتيماً مشدداً على تفاصيل الحادثة، محاولةً الحد من نشر المعلومات حول ظروف الكمين الدقيقة.

وتأتي هذه الحصيلة الجديدة لترفع عدد القتلى المعلن عنهم رسمياً في صفوف جيش الاحتلال إلى 6 جنود، بالإضافة إلى أكثر من 60 مصاباً منذ انطلاق العمليات البرية على الحدود اللبنانية. وتشير المعطيات إلى أن المقاومة في الجنوب تعتمد تكتيكات الاستدراج والالتحام المباشر لإيقاع أكبر قدر من الخسائر في القوات المتوغلة.

وفي سياق متصل، شهد يوم الاثنين إصابة جندي إسرائيلي بجروح خطيرة وصفها الجيش بأنها نتيجة 'حادث عملياتي' في المنطقة الحدودية. كما تعرض جنديان آخران لإصابات متوسطة جراء انفجار طائرة مسيرة انقضاضية سقطت بالقرب من موقع تواجدهما، مما يعكس تنوع الوسائل القتالية المستخدمة في التصدي للتوغل.

وعلى الصعيد السياسي والعسكري، نقلت تقارير صحفية دولية عن مسؤولين في تل أبيب نيتهم الإبقاء على القوات داخل الأراضي اللبنانية لفترة غير محددة. ويهدف هذا التوجه، بحسب صحيفة 'وول ستريت جورنال'، إلى ضمان القضاء التام على البنية التحتية والتهديدات التي يشكلها حزب الله على المستوطنات الشمالية.

من جانبها، كشفت صحيفة 'هآرتس' العبرية عن مخططات تتبناها المؤسسة العسكرية تهدف إلى تدمير شامل لكافة المنازل في قرى 'الخط الأول' الحدودية. وتسعى سلطات الاحتلال من خلال هذه السياسة إلى خلق منطقة عازلة خالية من السكان، ومنع أهالي تلك القرى من العودة إلى منازلهم في المستقبل القريب.

وتستمر المواجهات على طول الحافة الأمامية في جنوب لبنان، وسط محاولات متكررة من جيش الاحتلال للتقدم وتثبيت نقاط عسكرية جديدة. وفي المقابل، تواصل المجموعات المقاتلة تنفيذ عمليات نوعية واستهداف تجمعات الآليات والجنود، مما يجعل فاتورة التوغل البري في تصاعد مستمر.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

بن غفير يحتفل بـ 'المشانق والشامبانيا': الكنيست يقر نهائياً قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، مساء الاثنين، بصفة نهائية وبالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الذين يتهمهم الاحتلال بتنفيذ عمليات. وجاءت المصادقة بأغلبية 62 صوتاً مقابل معارضة 48 عضواً، في خطوة تشريعية وصفتها أوساط حقوقية بأنها تصعيد خطير وغير مسبوق في منظومة القوانين الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وشهدت أروقة الكنيست عقب التصويت مشهداً استفزازياً أثار موجة عارمة من الغضب، حيث ظهر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وهو يحتفل برفقة أعضاء حزبه 'عوتسما يهوديت'. وبدا بن غفير وهو يلوح بزجاجة 'شامبانيا' محاولاً فتحها، فيما لفت الأنظار بارتدائه دبوساً على ملابسه صُمم على شكل حبل مشنقة، في إشارة رمزية صريحة للهدف من القانون الجديد.

وفي أول تعليق رسمي له عقب إقرار التشريع، اعتبر بن غفير أن هذه الخطوة تمثل 'صناعة للتاريخ' وتغييراً جذرياً في سياسة الردع الإسرائيلية. ووجه رسالة تهديد مباشرة للعائلات الفلسطينية في الضفة الغربية، مؤكداً أن مصير كل من يشارك في مقاومة الاحتلال سيكون 'الإعدام شنقاً'، مشدداً على أن حكومته لن تتراجع عن هذا المسار رغم الضغوط.

وكانت لجنة الأمن القومي في الكنيست قد مهدت الطريق لهذا القرار بالمصادقة على مسودة القانون يوم الثلاثاء الماضي، قبل إحالته للتصويت النهائي. وينص القانون في جوهره على تشريع القتل الممنهج بحق المعتقلين الفلسطينيين، وهو ما يضع حياة آلاف الأسرى في دائرة الخطر المباشر والوشيك تحت غطاء قانوني إسرائيلي.

وأثار سلوك بن غفير والاحتفالات المرافقة لإقرار القانون ردود فعل فلسطينية غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصف ناشطون المشهد بأنه 'إجرامي ومجرد من الإنسانية'. واعتبر المغردون أن تزامن الاحتفال بالخمور مع تشريع إزهاق الأرواح يعكس العقلية المتطرفة التي تدير المؤسسة الأمنية والسياسية في دولة الاحتلال حالياً.

وحذر حقوقيون من أن نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني يقبعون حالياً في السجون الإسرائيلية يواجهون 'يوماً أسود' في تاريخ الحركة الأسيرة. وأكدت مصادر حقوقية أن هذا القانون يحول الأسير من معتقل سياسي أو مقاتل من أجل الحرية إلى 'جثة تنتظر التنفيذ'، مما يغلق كافة أبواب الأمل في الإفراج عنهم ضمن صفقات تبادل مستقبلية.

ووصف مدونون فلسطينيون القرار بأنه 'جريمة حرب مكتملة الأركان' وامتداد طبيعي لسياسة القتل والتهجير التي انتهجها الاحتلال منذ عام 1948. وأشاروا إلى أن هذا التشريع يمنح صبغة رسمية لعمليات التصفية التي كانت تتم في السابق خارج إطار القانون، محذرين من تداعيات كارثية على الاستقرار داخل السجون وخارجها.

وفي سياق التشكيك في مبررات القرار، لفت ناشطون إلى أن الاحتلال يمارس 'الإعدام البطيء' فعلياً بحق الأسرى منذ سنوات طويلة. واستشهدوا بارتقاء أكثر من 100 أسير نتيجة سياسات الإهمال الطبي المتعمد، والتعذيب الجسدي، والحرمان من الغذاء، مؤكدين أن القانون الجديد ليس إلا مأسسة لهذا النهج القائم أصلاً.

ورفضت أوساط فلسطينية الادعاءات الإسرائيلية بأن القانون لن يُطبق بأثر رجعي، معتبرين ذلك نوعاً من التضليل الإعلامي لامتصاص الغضب الدولي المؤقت. وأكدوا أن مجرد وجود نص قانوني يبيح الإعدام يمثل تهديداً وجودياً لكل فلسطيني يقع في الأسر، بغض النظر عن توقيت اعتقاله أو تفاصيل محاكمته.

وعبرت عائلات الأسرى عن قلقها البالغ من تحول السجون إلى 'مقصلة' تحت إشراف وزراء متطرفين مثل بن غفير وسموتريتش. وناشدت العائلات المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بالتدخل الفوري لوقف هذا 'الإرهاب المنظم' الذي يحظى بغطاء برلماني وقضائي داخل إسرائيل، مشددين على أن الصمت الدولي يشجع الاحتلال على التمادي.

وانتقد ناشطون دوليون المشهد الاستفزازي لبن غفير، معتبرين أن الاحتفال بالموت بزجاجات الشامبانيا يعكس سقوطاً أخلاقياً مدوياً. وأشاروا إلى أن هذه التصرفات تزيد من عزلة إسرائيل الدولية وتكشف وجهها الحقيقي أمام العالم كدولة تمارس الفصل العنصري والقتل الممنهج ضد شعب أعزل يطالب بحقوقه.

ودعت مؤسسات تعنى بشؤون الأسرى إلى ضرورة التحرك الرسمي الفلسطيني على الصعيد الدولي لملاحقة قادة الاحتلال في المحاكم الدولية. واعتبرت أن إقرار قانون الإعدام يجب أن يكون نقطة تحول في التعامل مع ملف الأسرى، عبر تدويل القضية بشكل أوسع وفرض عقوبات على المشرعين الذين صوتوا لصالح هذا القانون.

وحذر مراقبون من أن تطبيق هذا القانون سيؤدي إلى انفجار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث لن يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيدي أمام إعدام أبنائه. وأكدوا أن مثل هذه القوانين لن تكسر إرادة المقاومة، بل ستزيد من حالة الاحتقان والمواجهة المباشرة مع قوات الاحتلال في كافة نقاط التماس.

وختم ناشطون تفاعلاتهم بالتأكيد على أن الأسرى الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقام في سجلات مصلحة السجون، بل هم رموز وطنية وقصص نضال لن تنتهي بالمشانق. وشددوا على أن 'أبواب الحياة' التي يحاول بن غفير إغلاقها ستظل مفتوحة بصمود الأسرى وإصرار الشعب الفلسطيني على نيل حريته واستعادة أرضه.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

عناق بعد غياب عامين.. عودة 11 طفلاً من 'خدج الشفاء' إلى عائلاتهم في غزة

في مشهد إنساني يفيض بمشاعر مختلطة بين الفرح والذهول، استقبل مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس 11 طفلاً من الخدج الذين كبروا بعيداً عن عائلاتهم لعامين كاملين. هؤلاء الأطفال الذين غادروا القطاع رضعاً لا يدركون قسوة الحرب، عادوا اليوم بملامح متغيرة تختصر حكاية غياب طويل فرضته ظروف حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.

اللقاء الذي احتضنه المجمع الطبي لم يكن اعتيادياً، حيث انهمرت دموع الأمهات اللواتي عانقن أطفالهن للمرة الأولى منذ ولادتهم في ظروف استثنائية. وقد وصلت الدفعة الجديدة من الأطفال برفقة طواقم متخصصة من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وسط إجراءات طبية لضمان سلامتهم بعد رحلة العودة الشاقة.

تعود جذور هذه المأساة إلى الأيام الأولى للعدوان، وتحديداً حين اقتحم الجيش الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في نوفمبر 2023. في ذلك الوقت، تحول المستشفى إلى ساحة حرب، مما هدد حياة عشرات الأطفال الخدج الذين كانوا يعتمدون على الحاضنات والأكسجين للبقاء على قيد الحياة.

وأفادت مصادر طبية بأن عملية الإجلاء شملت في حينها 31 طفلاً من الخدج، نُقلوا من مستشفى الشفاء الذي كان يفتقر لأدنى المقومات الطبية نتيجة الحصار والاستهداف المباشر. هؤلاء الأطفال نُقلوا إلى المستشفيات المصرية لتلقي الرعاية اللازمة، بينما بقيت عائلاتهم في غزة تواجه مصيراً مجهولاً تحت القصف.

من جانبه، استذكر المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش، اللحظات العصيبة التي سبقت الإجلاء، واصفاً إياها بأنها كانت صراعاً مع الموت. وأوضح البرش أن الطواقم الطبية كانت تشاهد الأرواح الصغيرة تذبل أمام أعينها مع انقطاع الوقود وسكوت الحاضنات، وسط مناشدات دولية لم تجد صدى سريعاً.

وأضاف البرش أن رحلة الإنقاذ بدأت تحت الحصار الخانق، حيث كان الأطباء يتنقلون بالأطفال بين أروقة المستشفى بحثاً عن دفء أو أكسجين. واعتبر أن عودة هؤلاء الأطفال اليوم هي انتصار للحياة على آلة الدمار التي حاولت وأد أحلامهم وهم في أيامهم الأولى.

ومن بين القصص الأكثر إيلاماً، برزت شهادة الشاب أحمد الهرش، الذي استقبل طفله اليوم بعد أن فقد عائلته بالكامل في غارة إسرائيلية. الهرش كان يعتقد أن طفله استشهد مع والدته وإخوته، ليتفاجأ لاحقاً بأن الرضيع نجا ونُقل ضمن قوافل الخدج إلى الخارج دون علمه.

وروى الهرش كيف علم بإصابة زوجته قبل وفاتها، وكيف تركت له هذا الطفل الذي ولد في شهره الثامن ليكون الناجي الوحيد من العائلة. واليوم، وبعد عامين من الانتظار المرير، يحتضن الأب طفله الذي لم يره سوى في صور ومقاطع فيديو قصيرة كانت تصله عبر وسطاء دوليين.

وفي زاوية أخرى من المشفى، كانت الأم روان الوادية تحتضن طفلتها 'شام' التي غادرت غزة وهي لم تتجاوز السبعة أشهر. قالت الأم والدموع تملأ عينيها إنها لم تكن تعلم إن كانت ابنتها على قيد الحياة أم استشهدت، حتى رأت صورها مصادفة عبر منصات التواصل الاجتماعي من داخل أحد المستشفيات المصرية.

ووصفت الوادية لحظة اللقاء بأنها 'عودة الروح للجسد'، مشيرة إلى أنها كانت تعد الأيام والساعات بانتظار هذه اللحظة. وأكدت أن طفلتها التي كبرت بعيداً عنها ستحتاج وقتاً طويلاً لتعتاد على حضنها مجدداً، لكن الأهم أنها عادت سالمة من رحلة الموت واللجوء القسري.

الفحوصات الطبية الأولية التي خضع لها الأطفال فور وصولهم أكدت استقرار حالتهم الصحية بشكل عام، رغم حاجتهم الماسة لرعاية نفسية وجسدية خاصة. وأشارت مصادر طبية إلى أن الأطفال سيخضعون لبرنامج تأهيلي لمساعدتهم على الاندماج مجدداً في بيئاتهم الأسرية التي حُرموا منها طويلاً.

تفاعل الشارع الفلسطيني مع هذه العودة كان واسعاً ومؤثراً، حيث اعتبر ناشطون أن قصة أطفال الخدج هي مأساة تقشعر لها الأبدان وتعكس قسوة الاحتلال. وأشار مدونون إلى أن أصعب ما في المشهد هو عدم تعرف بعض الأطفال على ذويهم، نتيجة الفجوة الزمنية الكبيرة التي قضوها في الغربة.

وأكد مراقبون أن هذه القضية تفتح ملف مئات الأطفال الذين تشتتوا أو فقدوا عائلاتهم خلال الحرب، مما يتطلب جهداً دولياً لتوثيق حالاتهم وإعادتهم. وتظل قصة هؤلاء الـ11 طفلاً رمزاً للأمل وسط ركام الدمار، وشاهداً حياً على صمود الإنسان الفلسطيني في وجه محاولات الإبادة والتهجير.

ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام هذه العائلات هو إعادة بناء الروابط العاطفية مع أطفالهم الذين كبروا في ظروف استثنائية وبعيدة عن حنان الوالدين. ومع ذلك، فإن الفرحة التي غمرت مجمع ناصر الطبي اليوم تؤكد أن إرادة الحياة في غزة لا تزال أقوى من كل محاولات التغييب والقتل.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

شهيد وجرحى في جباليا واستهدافات إسرائيلية متواصلة تطال النازحين والصيادين بغزة

أفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد مواطن فلسطيني وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة، إثر استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لمجموعة من المدنيين في منطقة الاتصالات بمدينة جباليا شمالي قطاع غزة. وتأتي هذه الجريمة في سياق تصعيد ميداني مستمر يضرب عرض الحائط بالتفاهمات القائمة، مما يفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً في المناطق الشمالية.

وفي تحديث شامل لضحايا العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023، أعلنت وزارة الصحة عن ارتفاع الحصيلة الإجمالية إلى 72,280 شهيداً و172,014 مصاباً. وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع في ظل انهيار المنظومة الصحية وشح المساعدات الطبية اللازمة لإنقاذ الجرحى.

ميدانياً، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار خلال ساعات اليوم الثلاثاء، حيث تركزت الاعتداءات في المناطق الجنوبية والوسطى من القطاع. واستخدمت قوات الاحتلال الدبابات والآليات العسكرية الثقيلة لترهيب المدنيين عبر عمليات قصف وإطلاق نار مباشر استهدفت الأحياء السكنية ومناطق تجمع النازحين.

وفي مدينة خانيونس جنوباً، فتحت الدبابات الإسرائيلية نيران رشاشاتها الثقيلة بكثافة تجاه المناطق الجنوبية للمدينة، مما تسبب في حالة من الذعر الشديد. وأكدت مصادر محلية أن الرصاص الحي وصل إلى خيام النازحين في منطقة مقابر النمساوي غربي المدينة، وهي منطقة تكتظ بآلاف العائلات التي هُجرت من منازلها.

ولم تقتصر الاعتداءات في خانيونس على البر، بل شملت ملاحقة الصيادين في عرض البحر، حيث أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية نيرانها تجاه مراكب الصيد قبالة السواحل. وتستهدف هذه الهجمات الممنهجة تضييق الخناق على سبل العيش المتبقية للفلسطينيين في ظل الحصار المشدد المفروض على القطاع.

أما في المنطقة الوسطى، فقد شهدت الأطراف الشمالية الشرقية لمخيم البريج عمليات إطلاق نار مكثفة من قبل الآليات العسكرية المتمركزة خلف السياج الأمني. ورغم عدم التبليغ الفوري عن وقوع إصابات في هذا القاطع، إلا أن القصف العشوائي أدى إلى تعطيل حركة المواطنين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.

وكان يوم الإثنين قد شهد تصعيداً مماثلاً أسفر عن استشهاد 6 فلسطينيين، بينهم سيدة، وإصابة 6 آخرين في هجمات متفرقة استهدفت شمال ووسط غزة. وتؤكد هذه المعطيات أن وتيرة الاستهداف الإسرائيلي للمدنيين لم تتوقف، بل تأخذ طابعاً يومياً يستنزف ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع.

وتشير إحصائيات وزارة الصحة إلى أن إسرائيل ارتكبت مئات الخروقات منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، ما أدى لاستشهاد 704 مواطنين. وتوضح هذه البيانات هشاشة التهدئة المعلنة، حيث يواصل الاحتلال عمليات القنص والقصف المدفعي في المناطق الحدودية بشكل متكرر.

وعلى صعيد البنية التحتية، تسببت الحرب في دمار هائل طال نحو 90% من المرافق المدنية والمنشآت الحيوية في قطاع غزة، مما جعل معظم المناطق غير قابلة للحياة. وتقدر تقارير دولية صادرة عن الأمم المتحدة أن كلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال قد تصل إلى نحو 70 مليار دولار، في ظل تعطل كامل للدورة الاقتصادية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

واشنطن تفرض ضماناً مالياً وتأشيرة لمرة واحدة على المسافرين التونسيين

كشفت السفارة الأمريكية في تونس عن تحديثات جوهرية في سياسة منح تأشيرات الدخول لمواطني الجمهورية التونسية، حيث سيُطالب المتقدمون للحصول على تأشيرات الأعمال أو السياحة بدفع ضمان مالي قد تبلغ قيمته 15 ألف دولار أمريكي. ومن المقرر أن يدخل هذا القرار حيز التنفيذ الفعلي اعتباراً من الثاني من أبريل لعام 2026، مستهدفاً الراغبين في زيارة الولايات المتحدة تحت فئة B1/B2.

وأوضحت المصادر الدبلوماسية أن هذا الإجراء الجديد سيطبق أيضاً على عمليات تجديد التأشيرات من الفئات المذكورة التي تتم بعد التاريخ المحدد، في حين ستبقى التأشيرات الصادرة قبل هذا الموعد سارية المفعول دون الحاجة للالتزام بالشرط الجديد. وتهدف هذه الخطوة، وفقاً للبيان الرسمي، إلى ضمان التزام المسافرين بمدد الإقامة المحددة وشروط التأشيرة الممنوحة لهم.

وبموجب القواعد الجديدة، سيحصل المتقدمون الذين تمت الموافقة على طلباتهم، وبعد سداد قيمة الضمان المالي، على تأشيرة دخول لمرة واحدة فقط، وتكون صلاحيتها ممتدة لفترة أقصاها ثلاثة أشهر. ويأتي هذا التوجه ضمن ما وصفته السفارة بـ 'التنظيم المؤقت النهائي لضمان التأشيرة'، والذي يسعى لتنظيم حركة المسافرين وضمان عودتهم في المواعيد المقررة.

وفي سياق متصل، وجهت السفارة تحذيراً شديد اللهجة للمواطنين من مغبة الوقوع في فخ الاحتيال عبر وسطاء غير رسميين، مؤكدة ضرورة عدم دفع أي مبالغ مالية قبل إجراء المقابلة الرسمية في مقر السفارة. وأشارت إلى أن الدفع المسبق لا يمثل ضمانة للحصول على التأشيرة، كما أن المبالغ التي تُدفع خارج الإطار الرسمي قبل المقابلة لا يمكن استردادها بأي حال من الأحوال.

أما فيما يخص استرداد مبلغ الضمان، فقد أكدت السفارة أن المسافرين سيتمكنون من استعادة أموالهم في حال التزامهم التام بكافة ضوابط وشروط التأشيرة خلال تواجدهم في الولايات المتحدة. كما طمأنت السفارة فئة الطلاب، موضحة أن هذا القرار يقتصر فقط على تأشيرات السياحة والأعمال، ولا يشمل المبتعثين أو الدارسين الحاصلين على تأشيرات من فئتي 'F' أو 'M'.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

صواريخ إيران العنقودية.. كيف تتجاوز منظومات الدفاع وتضرب العمق الإسرائيلي؟

كشفت الرشقة الصاروخية الأخيرة التي استهدفت وسط إسرائيل عن تطور نوعي في طبيعة السلاح المستخدم، حيث برز استخدام الصواريخ العنقودية ذات القدرة التدميرية الواسعة. هذه الصواريخ لا تكتفي بضرب نقطة محددة، بل تمتد آثارها لتشمل نطاقات جغرافية شاسعة، مما يضع المناطق الحضرية المكتظة في دائرة استهداف مباشرة وغير مسبوقة.

أفادت مصادر ميدانية بأن صافرات الإنذار دوت في مساحات واسعة شملت منطقة تل أبيب الكبرى والسهل الساحلي، وصولاً إلى السفوح الغربية للضفة الغربية ومدينة نتانيا شمالاً. هذا الانتشار الواسع للإنذارات يعكس طبيعة الهجوم الذي لم يعد يقتصر على أهداف عسكرية معزولة، بل بات يهدد البنية التحتية والمناطق السكنية بشكل مكثف.

أكدت تقارير عبرية سقوط شظايا وذخائر تابعة لصاروخ عنقودي في مناطق متعددة، من أبرزها بني براك وبتاح تكفا، حيث تناثرت المتفجرات في ما لا يقل عن عشرة مواقع مختلفة. تسببت هذه الذخائر في اندلاع حرائق واسعة في المركبات والمباني، مما أدى إلى أضرار مادية جسيمة في قلب الكتلة العمرانية الإسرائيلية.

سجلت الطواقم الطبية ارتفاعاً في عدد المصابين ليصل إلى 9 أشخاص جراء هذه الضربة، بعد أن كانت التقديرات الأولية تشير إلى عدم وجود إصابات بشرية. ومع وصول فرق الإسعاف إلى مواقع السقوط المتعددة، بدأت تتكشف الصورة الحقيقية لحجم الخسائر الناتجة عن تناثر الرؤوس المتفجرة الصغيرة في الأحياء السكنية.

أوضحت مصادر مطلعة أن الصاروخ الذي استهدف تل أبيب تعرض لعملية اعتراض جزئي، إلا أن ذلك لم يمنع حمولته من الذخائر الصغيرة من مواصلة السقوط. وتكمن الخطورة الكبرى في أن هذه الصواريخ تنفجر في الجو أو عند اعتراضها، مطلقة عشرات القنابل التي تتوزع عشوائياً فوق رؤوس المدنيين.

تصل دائرة انتشار هذه الذخائر العنقودية إلى قطر يبلغ نحو 10 كيلومترات، وهو ما يفسر تعدد مواقع السقوط في مدن متجاورة ضمن الحيز الحضري الواحد. هذا النوع من القصف المساحي يجعل من الصعب على السكان الاحتماء بشكل فعال، كما يزيد من تعقيد مهام فرق الإطفاء والإنقاذ في التعامل مع بؤر حرائق متعددة.

تتنوع الصواريخ المستخدمة في الهجمات الأخيرة، فبعضها يحمل ثلاثة أو أربعة رؤوس متفجرة ثقيلة يصل وزن الواحد منها إلى 100 كيلوغرام من المواد شديدة الانفجار. بينما تعتمد أنواع أخرى على حمل عشرات الرؤوس الأخف وزناً، والتي تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من الانتشار والتأثير في المساحات المفتوحة والمباني.

هناك نوع ثالث من هذه الصواريخ يحمل ما يصل إلى 80 ذخيرة صغيرة، وهو ما يحول الضربة الواحدة إلى ما يشبه القصف المساحي الكثيف. هذه التقنية تهدف بالأساس إلى إغراق منظومات الدفاع الجوي وتجاوز قدرتها على التعامل مع عدد كبير من الأهداف الصغيرة والمتزامنة التي تسقط من السماء.

تواجه منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بمختلف طبقاتها مثل القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومات 'حيتس'، تحدياً تقنياً كبيراً أمام هذه الصواريخ المتشظية. فرغم نجاحها في اعتراض الصاروخ الحامل، إلا أن الذخائر المنفصلة عنه تستمر في السقوط بفعل الجاذبية، مما يقلل من فعالية مفهوم 'الاعتراض الكامل'.

أظهرت الصور الملتقطة من مدينة بني براك حجم الدمار الذي خلفته الذخائر المتفجرة، حيث تبين أن الحرائق نتجت عن انفجار القنابل الصغيرة نفسها وليس مجرد شظايا معدنية. هذا الأمر يؤكد أن الرؤوس الحربية العنقودية مصممة لتنفجر عند الارتطام بالأرض، مما يحول كل شظية إلى قنبلة مستقلة بذاتها.

تكتسب مدينة بني براك أهمية ديموغرافية خاصة، حيث يقطنها أكثر من 270 ألف نسمة في مساحة ضيقة، مما يجعلها من أكثر المناطق اكتظاظاً في العالم. أي سقوط للذخائر العنقودية في مثل هذه البيئة يؤدي حتماً إلى خسائر مضاعفة، وهو ما يفسر حالة الذعر الكبيرة التي سادت في صفوف المستوطنين هناك.

في سياق متصل، كشفت وزارة الصحة الإسرائيلية عن بيانات تشير إلى نقل أكثر من 6131 مصاباً إلى المستشفيات منذ اندلاع المواجهات الحالية. ولا يزال العشرات من هؤلاء المصابين يتلقون العلاج، في ظل ضغط متزايد على المنظومة الصحية نتيجة استمرار الرشقات الصاروخية وتطور نوعية الأسلحة المستخدمة فيها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

اتهامات لوزير الدفاع الأمريكي بمحاولة استغلال معلومات سرية للاستثمار قبل الهجوم على إيران

كشفت تقارير صحفية دولية نقلاً عن مصادر مطلعة، عن تحركات مالية مثيرة للجدل قام بها وسيط يعمل لصالح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث. وأوضحت المصادر أن هذا الوسيط سعى لتنفيذ استثمارات ضخمة في كبرى شركات الدفاع العالمية، وذلك خلال الفترة الزمنية الحرجة التي سبقت الهجوم العسكري المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

من جانبه، سارع المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية، شون بارنيل، إلى نفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً عبر تصريحات رسمية. ووصف بارنيل التقرير بأنه محض افتراء ومختلق بالكامل، مطالباً الجهات الإعلامية التي نشرته بسحبه فوراً، ومؤكداً التزام الوزارة بالشفافية التامة في كافة تعاملاتها.

وشدد المتحدث العسكري على أن الوزير هيغسيث لم يجرِ هو أو أي من وكلائه أي اتصالات مع شركات استثمارية، بما في ذلك مجموعة 'بلاك روك' الشهيرة. وأشار إلى أن الادعاءات حول محاولة الدخول في صفقات مرتبطة بالصناعات الدفاعية لا أساس لها من الصحة، وتهدف إلى تشويه صورة القيادة العسكرية في توقيت حساس.

وبحسب التفاصيل المسربة، فإن الوسيط التابع لهيغسيث في بنك 'مورغان ستانلي' تواصل مع شركة 'بلاك روك' خلال شهر فبراير الماضي. وكان الهدف من التواصل هو ضخ ملايين الدولارات في صندوق مؤشرات متداول يركز بشكل حصري على قطاع التصنيع العسكري، وذلك قبل وقت قصير من بدء العمليات الحربية ضد طهران.

وعلى الرغم من هذه المحاولات، إلا أن الصفقة لم تصل إلى مرحلة التنفيذ النهائي بسبب عوائق تقنية وإجرائية داخل النظام المالي. حيث تبين أن الصندوق الاستثماري المستهدف، والذي تم إطلاقه في منتصف العام الماضي، لم يكن متاحاً بعد للتداول من قبل عملاء 'مورغان ستانلي' في تلك الفترة.

ولم تشر التقارير بوضوح إلى حجم الصلاحيات القانونية التي كان يتمتع بها الوسيط للقيام بمثل هذه التحركات نيابة عن وزير الدفاع. كما يبقى التساؤل قائماً حول مدى علم الوزير هيغسيث بهذه التحركات المالية، وما إذا كانت تعكس استغلالاً لمعلومات استخباراتية سرية حول توقيت الضربة العسكرية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب تدقيقاً متزايداً بشأن صفقات مالية مشبوهة في الأسواق العالمية ومنصات التنبؤ. وقد أثارت بعض الرهانات المالية الناجحة التي سبقت قرارات سياسية وعسكرية كبرى تساؤلات جدية لدى الخبراء حول احتمالية تسريب معلومات حساسة لدوائر استثمارية محددة.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

مدير 'بتسيلم' السابق: عقلية 'دير ياسين' تحرك الجرائم الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين

أكد حجاي إلعاد، المدير العام السابق لمنظمة 'بتسيلم' الحقوقية أن المجازر والعمليات العسكرية التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة ليست عشوائية، بل تتبع استراتيجية واضحة تهدف لترهيب الفلسطينيين وتهجيرهم. وأوضح إلعاد أن هذه السياسة تختزلها عقلية 'دير ياسين'، التي تسعى لتحويل البلاد بالكامل لتكون تحت سيطرة اليهود فقط عبر التخلص من الوجود الفلسطيني.

ويرى إلعاد أن المشروع الصهيوني حقق انتصاراً شبه كامل من الناحية العسكرية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية والمياه. ومع ذلك، يظل العامل الديموغرافي هو التحدي الوحيد الذي لم يُحسم بعد لصالح إسرائيل، حيث لا يزال الفلسطينيون يشكلون نصف السكان بين النهر والبحر.

وأشار الحقوقي الإسرائيلي إلى أن نتائج عام 1967 لم تكرر نكبة 1948 من حيث حجم التهجير، مما أدى إلى حالة من 'التعادل العددي' التي تثير قلقاً عميقاً لدى المؤسسة الإسرائيلية. هذا التكافؤ في العدد، رغم غياب التكافؤ في الحقوق والقوة، يضع إسرائيل في مأزق بنيوي يحاول قادتها حله عبر أدوات القوة والتشريع.

واعتبر إلعاد أن سياسات الحكومة والجيش والمحاكم تتمحور حول سد هذه الفجوة الديموغرافية، إما عبر الاعتراف بالواقع ثنائي القومية أو اللجوء للتطهير العرقي. وبما أن الخيار الأول مرفوض صهيونياً، فإن التوجه نحو 'الترانسفير' يظل الحلم الذي يسعى الاحتلال لتحقيقه للتخلص من عبء نظام الأبارتهايد.

واستحضر إلعاد تصريحات تاريخية لدافيد بن غوريون من عام 1949، حيث ربط الأخير بين قيام دولة يهودية في كامل البلاد وبين ضرورة تنفيذ مجازر على شاكلة دير ياسين. وبحسب بن غوريون، فإن السيطرة على الأرض دون تهجير العرب ستجعل الدولة تحت رحمة أغلبية غير يهودية، وهو ما يرفضه الفكر الصهيوني.

ويستنتج التحليل أن حدود إسرائيل لم تكن يوماً مسألة عسكرية فحسب، بل هي حدود ديموغرافية رُسمت بمقدار ما أمكن تنفيذه من عمليات تهجير قسري. ففي عام 1948 نجحت إسرائيل في خلق أغلبية داخل الخط الأخضر، لكنها فشلت في تكرار ذلك بالكامل بعد حرب عام 1967.

وحذر إلعاد من أن إسرائيل تهرب حالياً إلى الأمام عبر تصعيد المواجهات الإقليمية مع إيران ولبنان، لكن هذه الحروب لن تعالج الأزمة الجوهرية المتمثلة في الوجود الفلسطيني. وأكد أن المسارات الدبلوماسية مثل 'اتفاقيات أبراهام' لن تغير الميزان الديموغرافي على الأرض، لأن الفلسطينيين متمسكون بوطنهم.

ونبهت مصادر حقوقية إلى أن الحروب الكبرى غالباً ما تُستغل كفرصة لتمرير مخططات التهجير التي تكون 'مؤجلة' في أوقات السلم النسبي. وما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية يعيد إحياء خيار 'دير ياسين' الذي لم يُرفع يوماً عن طاولة القرار الإسرائيلي منذ عقود طويلة.

وفيما يخص مناطق (ج) في الضفة الغربية، أوضح إلعاد أن العنف الممارس هناك يهدف لدفع السكان نحو التطهير العرقي التدريجي عبر تدمير سبل العيش. هذا المنطق يفسر أيضاً عمليات تجريف المخيمات واقتلاع عشرات الآلاف من الفلسطينيين من منازلهم تحت ذرائع أمنية واهية.

ووصف إلعاد ما يحدث حالياً بأنه 'تطهير داخلي'، حيث يتم تجميع الفلسطينيين في معازل ضيقة ومكتظة مع توسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المفتوحة. والرهان الإسرائيلي يعتمد على جعل حياة هؤلاء السكان مستحيلة، بحيث يصبحون أكثر عرضة للتهجير النهائي عند توفر الظروف السياسية المناسبة.

وأكد التحليل أن المسألة في جوهرها تتعلق بكيفية إدارة معضلة ديموغرافية لم تُحسم، حيث تتأرجح السياسة الإسرائيلية بين نظام الفصل العنصري وبين خيار التهجير القسري. وكلما زاد الضغط العسكري، تلاشت الحساسيات الدولية تجاه جرائم التطهير العرقي التي تُرتكب بدم بارد.

وخلص إلعاد إلى أن 'دير ياسين' ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي واقع يعيشه الفلسطينيون يومياً في ظل سياسات الاقتلاع المستمرة. إنها السردية التي تحاول إسرائيل إنكارها بينما تمارسها فعلياً في كل حي وزقاق، محاولةً محو حقيقة أن هذه الأرض هي وطن لشعب آخر.

وشدد المدير السابق لبتسيلم على أن استيعاب حجم العنف وسفك الدماء الذي مارسه 'الآباء المؤسسون' ضروري لفهم ما يرتكبه الجيل الحالي من القادة الإسرائيليين. فالهدف النهائي يظل ثابتاً، وهو توريث الأبناء بلداً خالياً من الفلسطينيين عبر تعميم نموذج 'دير ياسين' في كل مكان.

وفي ختام قراءته، أشار إلعاد إلى أن الصمت الدولي تجاه نظام الأبارتهايد يشجع إسرائيل على الانتقال إلى المرحلة الأكثر خطورة وهي التهجير الشامل. إن البقاء الفلسطيني على الأرض هو العائق الوحيد الذي يمنع اكتمال المشروع الصهيوني كما خطط له بن غوريون قبل أكثر من سبعة عقود.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

الخطيب يحذر من 'سابقة خطيرة': الاحتلال يوظف الطوارئ لإفراغ الأقصى وتمكين الحاخامات

أكد الشيخ كمال الخطيب، عضو لجنة المتابعة العربية العليا أن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالسماح لعشرات الحاخامات بأداء طقوس تلمودية في ساحة البراق يكشف زيف الادعاءات الأمنية. وأوضح أن هذا التوجه يتزامن مع استمرار إغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين المسلمين للشهر الثاني على التوالي، مما يفضح النوايا المبيتة تجاه المقدسات.

وأشار الخطيب في تصريحات صحفية إلى أن الاحتلال حدد يوم الخامس من أبريل المقبل موعداً لتمكين 50 حاخاماً من أداء ما يسمى 'بركة الكهنة' بمناسبة عيد الفصح اليهودي. وتأتي هذه الخطوة في وقت تفرض فيه القوات الإسرائيلية حصاراً مشدداً على البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى منذ بدء التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة.

واعتبر القيادي الفلسطيني أن منع المسلمين من أداء صلوات الجمعة والتراويح والاعتكاف، مقابل تسهيل طقوس المستوطنين، يمثل سياسة 'كيل بمكيالين' واضحة. وشدد على أن الذرائع التي تسوقها الحكومة الإسرائيلية بشأن الحفاظ على السلامة العامة هي مجرد غطاء لتنفيذ أجندات إيديولوجية توراتية تستهدف هوية القدس.

ووصف الخطيب استمرار إغلاق المسجد الأقصى بأنه 'سابقة خطيرة' لم تشهدها المدينة منذ عقود طويلة، بل اعتبرها الإجراء الأشد وطأة منذ فترة الحروب الصليبية قبل نحو 850 عاماً. وحذر من أن هذه الإجراءات تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على الحرم القدسي الشريف وتحويله إلى منطقة خاضعة للإدارة الإسرائيلية المباشرة.

كما لفت الانتباه إلى التناقض الصارخ في ممارسات الاحتلال، حيث يُحرم المصلون من دخول الأقصى بينما يُسمح لمئات المستوطنين باقتحام مقامات دينية في مدن أخرى مثل نابلس. ويرى الخطيب أن هذا الاستهداف الممنهج للأقصى دون غيره يؤكد وجود مخططات احتلالية معدة مسبقاً لاستغلال الظروف الراهنة.

وحذر الشيخ الخطيب من تصاعد وتيرة التحريض داخل المجتمع الإسرائيلي، مشيراً إلى دعوات بعض الحاخامات لاستغلال المواجهة العسكرية مع إيران لتنفيذ هجمات تستهدف بنية المسجد الأقصى. وأوضح أن هناك مخاوف حقيقية من محاولات نسب أي اعتداء مستقبلي لأطراف خارجية لتجنب المسؤولية الدولية وإشعال صراع ديني واسع.

وفي سياق متصل، نبه الخطيب إلى خطورة التحركات التي تقودها 'جماعات الهيكل' المزعوم، والتي تدعو لاقتحامات جماعية وتقديم قرابين داخل المسجد خلال أيام عيد الفصح. وأكد أن هذه الجماعات تسعى لسحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية وتسليمها لجهات استيطانية متطرفة لفرض التقسيم الزماني والمكاني.

وتطرق الخطيب إلى المحاولات التشريعية داخل الكنيست الإسرائيلي لتمرير 'قانون الحائط الغربي'، الذي يهدف لبسط السيادة الإسرائيلية على كامل ساحات المسجد الأقصى. واعتبر أن هذا القانون يمثل ذروة الطموحات التوراتية للسيطرة على الـ 144 دونماً التي تشكل مساحة المسجد الإجمالية، مما يهدد الوضع التاريخي القائم.

واستشهد القيادي الفلسطيني بتصريحات سابقة لمسؤولين إسرائيليين سابقين، مثل أبراهام بورغ وآفي ديختر، الذين حذروا من وجود مخططات سرية وجدية لهدم الأقصى أو استهدافه بصواريخ. وأكد أن هذه الشهادات تعزز المخاوف الفلسطينية من أن المسجد يواجه تهديداً وجودياً غير مسبوق في ظل انشغال العالم بالحروب الإقليمية.

ودعا الخطيب الشعوب العربية والإسلامية إلى تحرك واسع وعاجل لكسر حالة الإغلاق المفروضة على المسجد، مؤكداً أن الأقصى قضية مركزية تتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية. وانتقد حالة التردد لدى بعض الأنظمة الرسمية، مطالباً بموقف موحد يضمن رفع القيود المفروضة على حرية العبادة في القدس.

وأوضح أن الاحتلال دأب تاريخياً على استغلال الأزمات، مثل جائحة كورونا أو التوترات الأمنية، لفرض وقائع جديدة كما حدث في أزمة البوابات الإلكترونية عام 2017. إلا أنه شدد على أن صمود المقدسيين كان دائماً هو الصخرة التي تتحطم عليها هذه المحاولات التهويدية المستمرة.

وحذر من أن 'نشوة القوة' التي يعيشها الاحتلال حالياً قد تدفعه لاتخاذ قرارات غير منطقية ستكون نتائجها كارثية على المنطقة بأسرها. وأكد أن أي مساس بالمسجد الأقصى سيفجر غضباً لا يمكن التنبؤ بحدوده، نظراً للمكانة المقدسة التي يمثلها في وجدان ملايين المسلمين حول العالم.

وفي ختام تصريحاته، شدد الخطيب على أن المسجد الأقصى بكل ما فيه من مصليات وساحات وأسوار هو حق خالص للمسلمين وحدهم ولا يقبل القسمة أو الشراكة. وأكد أن القدس ستبقى صامدة في وجه محاولات الطمس الثقافي والديني، وأن السياسات القمعية لن تغير من حقيقة الهوية العربية والإسلامية للمدينة.

يُذكر أن الحكومة الإسرائيلية كانت قد أعلنت حالة الطوارئ الشاملة في فبراير الماضي، وهو ما استغلته الشرطة لإخلاء المصلين ومنع الوصول إلى المسجد. وتستمر هذه الإجراءات وسط دعوات فلسطينية متواصلة لشد الرحال إلى الأقصى ورفض سياسة الإغلاق الممنهج التي حولت القدس القديمة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

شروط إيرانية لإنهاء المواجهة: انسحاب أمريكي شامل وربط المصير بقطاع غزة

كشفت مصادر إعلامية مقربة من دوائر صنع القرار في طهران عن قائمة شروط وصفت بالصارمة لإنهاء المواجهة العسكرية المفتوحة التي انطلقت شرارتها في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وتأتي هذه التحركات في ظل تصعيد غير مسبوق شمل مواجهات مباشرة واغتيالات طالت هرم القيادة في الجمهورية الإسلامية.

تضمنت الرؤية الإيرانية تسعة مطالب أساسية، تضع على رأس أولوياتها الانسحاب الكامل والناجز للقوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط وتفكيك كافة القواعد العسكرية التابعة لها. وترى طهران أن الوجود العسكري الأجنبي هو المحرك الأساسي لعدم الاستقرار في الإقليم.

وعلى الصعيد الميداني، اشترطت طهران الوقف الفوري لكافة العمليات العدائية والهجمات التي تستهدف الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى وقف العدوان على لبنان وقوى محور المقاومة. ويأتي هذا الشرط ليعزز مفهوم الدفاع المشترك الذي تتبناه القوى الحليفة لإيران في المنطقة.

اقتصادياً، طالبت إيران برفع شامل لكافة العقوبات الدولية المفروضة عليها دون قيد أو شرط، مع ضرورة الإفراج الفوري عن جميع الأصول المالية المجمدة في المصارف العالمية. وتعتبر هذه الخطوة ركيزة أساسية لأي تفاهم سياسي مستقبلي يهدف لإنهاء حالة العداء.

وفي خطوة لتعزيز نفوذها البحري، شملت الشروط فرض نظام اقتصادي جديد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، بحيث يخضع بالكامل للسيادة الإيرانية. ويهدف هذا المطلب إلى تأمين الممرات المائية وفق الرؤية الأمنية لطهران وضمان مصالحها الحيوية.

قانونياً وسياسياً، تصر طهران على ضرورة اعتراف المجتمع الدولي بالولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي كطرفين 'معتديين' في الحرب الجارية. كما طالبت بدفع تعويضات مالية مجزية عن الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بها جراء العمليات العسكرية الأخيرة.

ولم تخلُ قائمة الشروط من ملفات إقليمية شائكة، حيث طالبت إيران دولة الإمارات العربية المتحدة بوقف مطالباتها المتعلقة بالجزر الثلاث المتنازع عليها. كما لوحت طهران بخيار الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، معتبرة ذلك حقاً سيادياً يتبع مصالحها القومية.

وفيما يخص قطاع غزة، تبرز تساؤلات ملحة حول مدى تمسك طهران بربط مصير التهدئة بوقف العدوان على القطاع. ويشير مراقبون إلى أن مفهوم 'وحدة الساحات' يفرض على صانع القرار الإيراني عدم فصل الجبهات في أي اتفاق تسوية محتمل مع القوى الدولية.

وأفادت مصادر متخصصة في الشأن الإيراني بأن أي اتفاق لا ينطلق من وقف إطلاق نار شامل وكامل سيكون اتفاقاً منقوصاً ولا يؤدي لاستقرار مستدام. وشددت المصادر على أن إيران تنظر إلى جبهات المقاومة من فلسطين إلى لبنان ككتلة واحدة لا تقبل التجزئة.

وأوضحت المصادر أن استثناء أي ساحة، وخاصة غزة، من تفاهمات التهدئة سيبقي فتيل الانفجار مشتعلاً ويهدد بانهيار أي اتفاق في مراحل مبكرة. فالموقف الإيراني يرى في أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ، وأن معالجة جذور التوتر تتطلب رؤية إقليمية شاملة.

تاريخياً، شهدت المواجهة تحولات دراماتيكية منذ مطلع عام 2024، بدءاً من استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق وصولاً إلى اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران. هذه الأحداث نقلت الصراع من 'حرب الظل' إلى المواجهة المباشرة والعلنية بالصواريخ والمسيرات.

وتستمر العمليات العسكرية التي يشنها الاحتلال والولايات المتحدة منذ فبراير الماضي، والتي أدت وفق تقارير إلى مقتل مئات الأشخاص، بينهم المرشد علي خامنئي. وفي المقابل، تواصل طهران ردودها العسكرية باستهداف ما تصفه بالمواقع والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي جنوب نهر الزهراني ومطالبات دولية بمحاسبة قتلة جنود 'اليونيفيل'

أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، أوامر إخلاء قسرية وعاجلة لسكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني في جنوب لبنان. وطالب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي المدنيين بالتوجه فوراً إلى شمال النهر، مهدداً بشن غارات جوية عنيفة ومكثفة على تلك المناطق بدعوى وجود منشآت عسكرية تابعة لحزب الله.

ويشكل نهر الزهراني نقطة جغرافية حيوية، حيث يمتد لمسافة تصل إلى 25 كيلومتراً عابراً بلدات وقرى رئيسية في محافظتي النبطية وصيدا وصولاً إلى مصبه في البحر المتوسط. وتتميز هذه المناطق بكثافة سكانية عالية، مما يثير مخاوف جدية من وقوع كارثة إنسانية نتيجة النزوح الجماعي تحت وطأة القصف المستمر.

ميدانياً، كشفت مصادر عسكرية أن مدفعية الاحتلال أطلقت ما يزيد عن 700 قذيفة خلال الأيام القليلة الماضية استهدفت بلدات حدودية وعمق الجنوب اللبناني. وتدعي سلطات الاحتلال أن هذه الهجمات تستهدف البنى التحتية العسكرية، إلا أن التقارير الميدانية تؤكد سقوط عشرات الشهداء والجرحى في صفوف المدنيين اللبنانيين يومياً.

وعلى صعيد الخسائر العسكرية، أقرت مصادر إعلامية عبرية بمقتل أربعة جنود إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة خلال اشتباكات ضارية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان. ويأتي هذا الاعتراف في ظل سياسة التعتيم الإعلامي التي يفرضها الرقيب العسكري الإسرائيلي على حجم الخسائر البشرية والمادية في المعارك البرية.

وفي تطور دولي خطير، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عن مقتل ثلاثة من عناصرها خلال الـ 24 ساعة الماضية في حوادث منفصلة. وأكدت المصادر أن جنديين من الجنسية الإندونيسية لقيا حتفهما جراء انفجار وقع قرب موقعهما، بينما سقط الجندي الثالث في اعتداء منفصل استهدف تحركات القوات الدولية.

وأثارت هذه الاستهدافات موجة غضب دولية واسعة، حيث طالبت إندونيسيا بعقد اجتماع طارئ وعاجل لمجلس الأمن الدولي لمناقشة الانتهاكات الإسرائيلية بحق القوات الأممية. وشدد وزير الخارجية الإندونيسي، سوغيونو، على ضرورة إجراء تحقيق دولي شفاف وسريع، مؤكداً أن حماية جنود حفظ السلام واجب قانوني لا يمكن التهاون فيه.

من جانبها، دخلت فرنسا على خط الأزمة الدبلوماسية، حيث أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية عن تحركات لعقد جلسة خاصة في مجلس الأمن لبحث التدهور الأمني في لبنان. واعتبر وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام، جان بيار لاكروا أن استهداف مواقع اليونيفيل أمر غير مقبول ويشكل خرقاً صارخاً للقرارات الدولية ذات الصلة.

وتشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً غير مسبوق منذ مطلع شهر مارس الجاري، حيث توسعت رقعة المواجهات لتشمل غارات مكثفة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع. وتتزامن هذه التطورات مع محاولات توغل بري إسرائيلية تقابل بمقاومة عنيفة من قبل حزب الله، الذي أعلن عن تنفيذ عمليات نوعية رداً على استهداف المدنيين.

وحذرت منظمات حقوقية وإنسانية من تفاقم الأوضاع المعيشية للنازحين اللبنانيين الذين يفرون من القصف العشوائي باتجاه الشمال. وأشارت المصادر إلى أن أوامر الإخلاء الجديدة ستؤدي إلى موجة نزوح ثانية تضغط على مراكز الإيواء المكتظة أصلاً، في ظل نقص حاد في المساعدات الطبية والغذائية الأساسية.

ويبقى المشهد الميداني في جنوب لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، مع إصرار الاحتلال على مواصلة عملياته العسكرية 'بقوة' كما جاء في بيان المتحدث العسكري. وفي المقابل، تزداد الضغوط الدولية على تل أبيب لوقف استهداف المنشآت المدنية ومواقع القوات الدولية التي تعمل بموجب تفويض أممي لضمان الاستقرار في المنطقة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 31 مارس 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق: إيران دولة صلبة ولن تستسلم للضربات العسكرية

شدد اللواء احتياط يعقوب أميدرور، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، على أن الدولة الإيرانية تمتلك مقومات صلابة تجعل من استسلامها أمراً بعيد المنال في المدى القريب. وأوضح في تصريحات صحفية أن إيران تختلف جذرياً عن العديد من دول المنطقة التي وصفها بـ 'المصطنعة'، نظراً لامتلاكها هيكلاً سياسياً وثقافياً عميقاً وجذوراً مؤسساتية راسخة.

وأشار أميدرور إلى أن الرهان على انهيار النظام الإيراني فور تلقيه ضربات عسكرية كبرى هو تقدير خاطئ لا يستند إلى فهم طبيعة الدولة هناك. واعتبر أن أي تراجع قد يطرأ على النظام نتيجة الضغوط لن يؤدي بالضرورة إلى تلاشي الدولة، بل قد يفتح المجال لتحركات معارضة محدودة دون المساس بالقدرة الجوهرية على تهديد المصالح الإسرائيلية.

وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، كشف المسؤول الأمني السابق عن وجود استعدادات عسكرية واسعة النطاق تقودها واشنطن ضد طهران. وأكد أن القوات الأمريكية حشدت حملة مدروسة تتجاوز مجرد الردود العابرة، حيث تتضمن خيارات استراتيجية متعددة المراحل تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل منهجي.

وتشمل السيناريوهات المطروحة أمام الإدارة الأمريكية، وفقاً لأميدرور، إمكانية العمل على فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية في حال إغلاقه، بالإضافة إلى خيار احتلال جزيرة خارك الحيوية. كما تتضمن الخطط استهداف منشآت استخراج اليورانيوم لضمان شل القدرات النووية الإيرانية ومنعها من الوصول إلى مرحلة التصنيع العسكري.

وأوضح أميدرور أن هذه الخيارات العسكرية ستُعرض على الرئيس الأمريكي لاتخاذ القرار النهائي بشأنها، مؤكداً أن الاستراتيجية الحالية تعتمد على التدمير التدريجي للقدرات. ويرى أن استمرار العمليات العسكرية يصب في مصلحة إسرائيل، حيث يقلل كل يوم من المواجهة من القوة النسبية لإيران ويزيد من الضغط الواقع على قيادتها.

كما لفت إلى وجود تنسيق دقيق بين القوات الإسرائيلية والأمريكية لاستهداف عشرات المواقع الحيوية داخل العمق الإيراني. وتشمل هذه الأهداف مصانع الصلب الكبرى والمنشآت العسكرية الحساسة، بهدف إضعاف البنية التحتية التي تدعم المجهود الحربي الإيراني وحلفاءها في المنطقة.

وعلى صعيد الجبهة الشمالية، أكد أميدرور أن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته ضد حزب الله في لبنان بتركيز عالٍ، لكن دون السماح لهذه الجبهة بتشتيت الانتباه عن الهدف الرئيسي. وأوضح أن التحركات العسكرية تهدف بالأساس إلى دفع قدرات الحزب إلى شمال نهر الليطاني وتأمين المستوطنات الحدودية من أي تهديد مباشر.

واستبعد المسؤول السابق شن هجوم بري واسع النطاق في الأراضي اللبنانية في الوقت الراهن، معتبراً أن الاستراتيجية الحالية تفضل الدفاع النشط في الجنوب اللبناني. وأشار إلى أن معظم الصواريخ التي يطلقها حزب الله تستهدف حالياً تجمعات القوات الإسرائيلية، مما يبقي المواجهة ضمن حدود السيطرة التكتيكية.

وذكر أميدرور أن الامتناع عن توسيع العمليات في لبنان يتيح لسلاح الجو الإسرائيلي تركيز كامل قوته نحو الأهداف الإيرانية دون الحاجة لتوزيع المجهود الجوي. واعتبر أن هذه السياسة تجعل العمليات أكثر فاعلية وتضمن عدم الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في مكانين مختلفين في آن واحد.

وأكد أن الهدف النهائي يظل القضاء على التهديدات التي تشكلها المنظمات التي وصفها بـ 'الإرهابية'، ولكن وفق توقيت يخدم المصالح الاستراتيجية العليا. وشدد على أن القوة العسكرية الكاملة سيتم استخدامها في اللحظة التي تضمن تحقيق الحسم دون تعريض الجبهات الأخرى للخطر.

وفي سياق تحليله لطبيعة الصراع، دعا أميدرور إلى ضرورة الفهم العميق للتعقيدات الإقليمية قبل اتخاذ قرارات مصيرية. وأوضح أن التعامل مع إيران يتطلب نفساً طويلاً وتخطيطاً مستمراً وحذراً، بعيداً عن التوقعات المتفائلة بسقوط سريع للنظام نتيجة الضغط العسكري الخارجي.

وأشار إلى أن العمليات الجوية المستمرة تساهم في تآكل قوة الردع الإيرانية، وهو مسار يجب الحفاظ عليه لضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة. واعتبر أن النجاح في هذه المهمة يعتمد على التنسيق الوثيق مع الحلفاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، لضمان غطاء سياسي وعسكري للعمليات.

وختم أميدرور حديثه بالتأكيد على أن إسرائيل لن تسمح للتطورات في لبنان بأن تصرفها عن مسارها الاستراتيجي تجاه طهران. واعتبر أن حماية القطاع الشرقي وغرب نهر الليطاني تمثل أولوية دفاعية حالية، بينما يظل الملف الإيراني هو التحدي الوجودي الذي يتطلب تركيز كافة الجهود الاستخباراتية والعملياتية.

تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، حيث تترقب الأوساط الدولية طبيعة الردود المتبادلة بين الأطراف الفاعلة. وتعكس رؤية أميدرور توجهاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يميل إلى التصعيد المدروس والمنظم بدلاً من الاندفاع نحو مواجهات شاملة غير محسومة النتائج.

اسرائيليات

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

من حرب الظل إلى المواجهة الرقمية الشاملة: خارطة الصراع السيبراني بين إيران وإسرائيل

شهد الصراع بين طهران وتل أبيب تحولاً جذرياً خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من 'حرب الظل' التقليدية القائمة على الاغتيالات والعمليات السرية إلى فضاء رقمي معقد. تُعرف الحرب السيبرانية في هذا السياق بأنها توظيف الفضاء الإلكتروني لاختراق أو تدمير أنظمة المعلومات الحيوية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.

تعتبر الوحدة 8200 التابعة للجيش الإسرائيلي رأس الحربة في العمليات الرقمية، حيث تخصصت في التجسس الإلكتروني واعتراض الاتصالات لجمع معلومات دقيقة حول البرنامج النووي الإيراني. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت هذه الوحدات بتطوير أدوات تخريبية متطورة تجاوزت مجرد جمع البيانات إلى إحداث أضرار مادية ملموسة في المنشآت الحساسة.

يعد فيروس 'ستوكسنت' (Stuxnet) الذي ظهر بين عامي 2007 و2009 أول سلاح سيبراني حقيقي في العالم، حيث صُمم بتعاون إسرائيلي أمريكي لاستهداف أجهزة الطرد المركزي في منشأة نطنز. تميز هذا الفيروس بقدرته الفريدة على التسلل إلى شبكات معزولة عن الإنترنت عبر وسائط تخزين محمولة، مما أدى لتعطيل مئات الأجهزة وإبطاء الطموحات النووية الإيرانية بشكل ملحوظ.

أحدث اكتشاف 'ستوكسنت' عام 2010 صدمة في دوائر صنع القرار الإيرانية، مما دفع القيادة في طهران إلى الاستثمار بكثافة في بناء قدرات رقمية وطنية هجومية ودفاعية. وفي عام 2012، تأسس المجلس الأعلى للفضاء السيبراني لتنسيق الجهود بين الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات، مما مهد الطريق لظهور مجموعات قرصنة متطورة قادرة على تنفيذ عمليات دولية.

برزت مجموعات التهديد المتقدم المستمر (APT) الإيرانية مثل 'OilRig' و'Charming Kitten' كأدوات فعالة في يد الدولة، حيث استهدفت قطاعات الطاقة والطيران والمؤسسات الأكاديمية في المنطقة. هذا النموذج منح طهران ميزة 'الإنكار الرسمي'، حيث تنفذ هذه المجموعات هجمات معقدة بينما تظل صلتها المباشرة بالأجهزة الأمنية غير معلنة رسمياً.

لم تتوقف إسرائيل عن تطوير ترسانتها الرقمية، حيث أطلقت برمجيات أكثر تعقيداً مثل 'Flame' و'Duqu' للتجسس على الأنظمة الصناعية الإيرانية. تميز برنامج 'Flame' بقدرات هائلة على تسجيل الصوت والتقاط الشاشة وتتبع الشبكات، مما جعله أحد أخطر أدوات التجسس الرقمي التي استهدفت البنية التحتية النفطية والنووية في إيران.

في المقابل، ردت إيران بسلسلة من الهجمات التي استهدفت القطاع المالي الأمريكي والإسرائيلي، من أبرزها هجمات 'DDoS' التي شلت 46 مؤسسة مالية عام 2013. كما بدأت طهران في تنفيذ عمليات 'تعبئة إلكترونية' عبر قوات الباسيج، لدمج آلاف المبرمجين والطلاب في منظومة الدفاع الرقمي والحرب النفسية عبر الإنترنت.

دخل الصراع مرحلة 'الحرب تحت العتبة' بين عامي 2011 و2019، وهي مواجهة مستمرة لا تصل إلى حد الحرب الشاملة لكنها تستنزف قدرات الخصم. شملت هذه المرحلة اختراق هواتف مسؤولين رفيعي المستوى وتسريب بيانات بطاقات ائتمان، بالإضافة إلى محاولات التسلل لأنظمة التحكم الصناعية (SCADA) التي تدير السدود ومحطات الطاقة.

شهد عام 2020 تصعيداً نوعياً باستهداف البنى التحتية المدنية، حيث اتهمت مصادر إسرائيلية طهران بمحاولة اختراق أنظمة المياه والصرف الصحي. ردت إسرائيل بهجوم سيبراني واسع استهدف ميناء بندر عباس، مما أدى إلى شلل تام في حركة السفن والشاحنات لعدة أيام، وكشف عن هشاشة الأنظمة اللوجستية أمام الضربات الرقمية.

في أكتوبر 2021، تعرض نظام توزيع الوقود في إيران لهجوم سيبراني كبير أدى لتعطيل البطاقات الذكية في آلاف المحطات، مما تسبب في أزمة وقود وطنية. نُسب الهجوم لمجموعة 'Predatory Sparrow'، واعتُبر تحولاً خطيراً كونه استهدف الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر لإثارة السخط الشعبي ضد النظام.

مع اندلاع المواجهات العسكرية في عام 2023، سجلت مصادر رسمية زيادة حادة في الهجمات السيبرانية ضد إسرائيل، حيث تم رصد أكثر من 3300 هجمة خلال أشهر قليلة. استهدفت هذه العمليات أنظمة الطاقة والإنذار المبكر، وشاركت فيها مجموعات مرتبطة بحزب الله اللبناني بتنسيق مباشر مع الوحدات السيبرانية الإيرانية.

تطورت الحرب في عام 2024 لتشمل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى دعائي وفيديوهات مزيفة للتأثير على الرأي العام. كما تم اختراق تطبيقات دينية واسعة الانتشار في إيران لنشر رسائل تحريضية، مما يعكس دمج العمليات السيبرانية في إطار 'الحرب الهجينة' التي تمزج بين الضغط النفسي والتخريب التقني.

أفادت تقارير استخباراتية بأن إسرائيل تمكنت من اختراق شبكة كاميرات المراقبة الإيرانية وتحويلها إلى أدوات لتحديد الأهداف العسكرية واللوجستية. هذا النوع من الاختراقات يوضح كيف يمكن للفضاء الرقمي أن يوفر تفوقاً ميدانياً حاسماً، حيث تصبح البنية التحتية للدولة سلاحاً يُستخدم ضدها في أوقات الصراع المسلح.

تشير التقديرات إلى أن المستقبل سيشهد تصاعداً أكبر في هذه المواجهة، مع زيادة بنسبة 700% في الهجمات المتبادلة بحلول عام 2026. سيبقى الفضاء السيبراني الجبهة الأكثر اشتعالاً، حيث تتداخل فيه الحدود بين التجسس التقليدي والتخريب المادي، مما يجعل حماية الفضاء الرقمي أولوية قصوى للأمن القومي لكلا الطرفين.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يدرس عملية كوماندوز لاستخراج اليورانيوم الإيراني ويقبل ببقاء 'هرمز' مغلقاً

كشفت مصادر إعلامية دولية عن كواليس جديدة داخل البيت الأبيض، حيث أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساعديه باستعداده لإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران. وأوضحت المصادر أن ترامب يبدي مرونة في إنهاء الصراع حتى في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو تحول استراتيجي يعكس رغبته في عدم الانجرار إلى مواجهة طويلة الأمد.

وخلصت الإدارة الأمريكية خلال الأيام الماضية إلى أن محاولة فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية قد تؤدي إلى تصعيد واسع يتجاوز السقف الزمني الذي وضعه ترامب لإنهاء العمليات. ويرى الرئيس ومستشاروه أن المهمة قد تستغرق وقتاً أطول من الأسابيع الأربعة التي حددها كإطار زمني لإنهاء الحرب، مما دفعه للبحث عن خيارات بديلة.

وفي سياق متصل، يدرس ترامب تنفيذ عملية عسكرية نوعية ومعقدة تهدف إلى استخراج ما يقرب من ألف رطل من اليورانيوم من داخل المنشآت الإيرانية. وتعتبر هذه المهمة من أخطر الخيارات المطروحة، كونها قد تستدعي توغل قوات برية أمريكية وبقاءها داخل الأراضي الإيرانية لعدة أيام لتأمين نقل المواد الحساسة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد بشأن هذه العملية، حيث يوازن حالياً بين المخاطر الجسيمة التي قد تتعرض لها القوات الأمريكية والهدف الاستراتيجي المتمثل في منع طهران من امتلاك سلاح نووي. ومع ذلك، لا يزال الرئيس منفتحاً على الفكرة كأداة ضغط نهائية لانتزاع تنازلات جوهرية.

وقد شجع الرئيس الأمريكي مستشاريه على ممارسة أقصى درجات الضغط على القيادة الإيرانية للموافقة على تسليم المخزون النووي كشرط أساسي لوقف إطلاق النار. وأكد ترامب في محادثات مع حلفائه السياسيين أن طهران لا يمكنها الاحتفاظ بهذه المواد، ملوحاً بخيار الاستيلاء عليها بالقوة في حال فشل المسار التفاوضي.

على الصعيد الدبلوماسي، برزت أدوار وساطة تقودها كل من تركيا ومصر وباكستان لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران وتجنب الانفجار الشامل. ورغم هذه الجهود، لم تنخرط الأطراف المعنية حتى الآن في مفاوضات مباشرة رسمية لإنهاء الحرب، مما يبقي الخيار العسكري قائماً على الطاولة.

من جانبها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت أن دور وزارة الدفاع يقتصر حالياً على إعداد كافة الخيارات الممكنة لمنح القائد الأعلى مرونة في اتخاذ القرار. وفي المقابل، التزم البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية الصمت حيال تفاصيل الخطط العسكرية المسربة المتعلقة باليورانيوم أو مضيق هرمز.

وتشير التقديرات الفنية إلى أن إيران كانت تمتلك كميات ضخمة من اليورانيوم عالي التخصيب قبل الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو الماضي. وبحسب تقارير دولية، فإن المخزون يشمل مواد مخصبة بنسبة 60% و20%، وهي نسب تتيح تحويلها سريعاً إلى مستوى 90% المطلوب لصناعة القنابل النووية.

ورجح مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي أن هذه المواد مخزنة في مواقع محصنة تحت الأرض، وتحديداً في منشأتي أصفهان ونطنز. وحذر خبراء من أن أي محاولة للسيطرة على هذه المواقع ستتطلب فرقاً متخصصة للتعامل مع المواد المشعة التي يُعتقد أنها مخزنة في أسطوانات خاصة تتطلب شاحنات مجهزة لنقلها.

في المقابل، حذر خبراء عسكريون من أن تنفيذ عملية برية للاستيلاء على اليورانيوم قد يؤدي إلى رد فعل إيراني عنيف يوسع نطاق الحرب إقليمياً. وأوضح المحللون أن العملية ستضع القوات الأمريكية تحت تهديد مباشر من الصواريخ والطائرات المسيرة، مما قد ينسف الجدول الزمني الذي وضعه ترامب لإنهاء الصراع بحلول منتصف أبريل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

الاستخبارات التركية تضبط المتهم الرئيسي باختطاف مؤسس 'الضباط الأحرار' حسين هرموش

نجح جهاز الاستخبارات التركية في تنفيذ عملية أمنية نوعية أفضت إلى إلقاء القبض على المدعو 'أوندر صيغيرجيق أوغلو'، المتهم الرئيسي بالقيام بأنشطة تجسسية وتخريبية ضد المصالح التركية. وجرت العملية الميدانية في المنطقة الحدودية بين سوريا ولبنان، حيث كان المتهم يتوارى عن الأنظار منذ سنوات طويلة مستفيداً من تعاون وثيق مع أجهزة أمنية تابعة للنظام السوري.

وبحسب مصادر أمنية مطلعة، فقد جرى تسليم المقبوض عليه فور وصوله إلى الأراضي التركية للجهات القضائية المختصة في العاصمة أنقرة. وتولت إدارة مكافحة الإرهاب ومكتب المدعي العام الإشراف على الإجراءات القانونية، تمهيداً لإعادة محاكمته على الجرائم المنسوبة إليه، وعلى رأسها التجسس والتعاون مع جهات خارجية معادية.

ويعد صيغيرجيق أوغلو المسؤول المباشر عن عملية اختطاف المقدم حسين هرموش، الذي انشق عن جيش النظام السوري في بدايات الثورة وأسس 'حركة الضباط الأحرار'. وقد أدى تسليم هرموش للنظام السوري في ذلك الوقت إلى وفاته تحت التعذيب داخل المعتقلات، وهي الحادثة التي اعتبرت نقطة تحول كبرى في مسار الأحداث الميدانية والسياسية في سوريا.

وتشير السجلات القضائية إلى أن المتهم كان قد حُكم عليه بالسجن لمدة 20 عاماً في عام 2013 بتهمة حرمان أشخاص من حريتهم باستخدام القوة والتهديد. إلا أنه تمكن من الفرار من محبسه في عام 2014، في واقعة أثارت الكثير من التساؤلات حول الثغرات الأمنية التي استغلها في ذلك الحين.

وكشفت التحقيقات التركية الحديثة عن تورط كيانات مرتبطة بحركة 'غولن' في تسهيل عملية هروب المتهم من السجن والتلاعب بمدد عقوبته المسجلة رسمياً. وأوضحت الفحوصات أن لائحة الاتهام الأصلية التي أُعدت ضده في عام 2014 كانت تحت إشراف مدعٍ عام ينتمي للتنظيم، مما ساهم في تمييع القضية وتسهيل اختفائه.

خلال سنوات فراره، تنقل صيغيرجيق أوغلو بين سوريا وروسيا ولبنان، حيث خضع لمراقبة دقيقة من قبل شبكة استخباراتية تركية متخصصة. واستخدمت الأجهزة الأمنية أدوات متطورة شملت المراقبة الميدانية والتنصت الإلكتروني لتعقب تحركاته وضمان عدم إفلاته من العدالة مرة أخرى، وفقاً لما ورد في البيانات الرسمية.

وأظهرت المعلومات الاستخباراتية أن المتهم انخرط في العمل لصالح مخابرات نظام الأسد فور وصوله إلى سوريا، حيث كُلف بمهام لجمع معلومات عن تحركات أفراد يعملون لصالح الدولة التركية. كما قام بنقل بيانات استراتيجية وحساسة تتعلق بالأمن القومي التركي إلى أطراف دولية أخرى، من بينها الاستخبارات الروسية.

وارتبط اسم صيغيرجيق أوغلو بعلاقات وثيقة مع قيادات تنظيمات مصنفة إرهابية، من بينهم معراج أورال زعيم ما يعرف بـ 'جبهة التحرير الشعبي'. كما ثبت تواصله مع يوسف نازيك، العقل المدبر لتفجيرات قضاء ريحانلي الدامية التي وقعت في ولاية هطاي، والذي كانت الاستخبارات التركية قد اعتقلته في عملية سابقة عام 2018.

وفي وقت سابق، ظهر المتهم في مقابلة إعلامية معترفاً بدم بارد بمسؤوليته عن اختطاف المقدم حسين هرموش ورفيقه مصطفى قسوم. وصرح حينها بأنه أقدم على هذا الفعل بدافع معارضته للسياسة الخارجية التركية، مؤكداً أنه هو من وضع المخطط ونفذه بشكل كامل دون إبداء أي ندم على مصير الضحايا.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يهدم 4 منازل في حي البستان ضمن مخطط لتهجير أكثر من 2200 فلسطيني لبناء "مدينة داود" و"حديقة الملك"

تحت غطاء مزعومة "الحديقة التوراتية": الاحتلال يهدم 4 منازل في حي البستان ضمن مخطط لتهجير أكثر من 2200 فلسطيني لبناء "مدينة داود" و"حديقة الملك"

- 257 عائلة في أحياء البستان وبطن الهوى ووادي حلوة مهددة بالتهجير

- 5 مشاريع استيطانية كبرى تستهدف سلوان‪: الجسر المُعلَّق ونفق الحجاج ومشروع "كيدم" والتلفريك والقطار


القدس- "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير- نفَّذَت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس، عمليات هدم واسعة في حي البستان بسلوان، جنوب المسجد الأقصى المبارك، طالت منازل وجدران استنادية وشوارع رئيسة وفرعية، وذلك في إطار مخططات ومشاريع استيطانية كبرى تهدف إلى تغيير الهوية التاريخية والدينية في القدس.

واقتحمت قوات الاحتلال في ساعة مبكرة من يوم أمس حي البستان، معززة بالآليات الثقيلة وبطواقم البلدية والقوات الخاصة والمستعربين وحرس المستوطنات. وفرضت حصاراً كاملاً على جميع الطرق المؤدية إلى الحي، ومنعت الأهالي والطواقم الإعلامية من الوصول للمنطقة، حيث أسفرت هذه المداهمة عن تدمير أربعة منازل بشكل كامل، وهي كالآتي: منزلا الأخوين نعيم وإبراهيم شحادة، منزل المواطن صالح أبو شافع، منزل المسن أحمد العباسي (85 عامًا).

وامتدت عمليات الهدم لتشمل تدمير جدران استنادية، وتجريف شوارع رئيسة وفرعية، وإتلاف البنية التحتية في المنطقة، كما سلَّمت سلطات الاحتلال ثلاث عائلات أخرى في الحي إخطارات بإخلاء منازلها في موقعد أقصاه السبت المقبل تمهيدًا لهدمها.


تبقى 58 منزلًا من أصل 120


تظهر الأرقام التي رصدتها لجان الدفاع عن أراضي سلوان حجم الخسائر التي يتعرض لها الحي على مدى السنوات الماضية. وأوضح عضو لجنة الدفاع عن أراضي بلدة سلوان وأحد سكان الحي،  فخري أبو ذياب، أن عدد المنازل في حي البستان بلغ قبل نحو عقد ونصف حوالي 120 منزلاً، بينما انخفض العدد إلى 66 منزلاً فقط حتى نهاية شباط الماضي، ليصبح اليوم 58 منزلًا بعد عمليات الهدم الأخيرة.

وكشف أبو ذياب عن تصاعد حاد في وتيرة أعمال الهدم التي تنفذها سلطات الاحتلال في الحي، حيث بلغ عدد المنازل التي هدمها الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من تشرين الأول 2023 نحو 37 منزلاً.

وتأتي هذه الأرقام لتؤكد أن حي البستان يتقلص عامًا بعد عام، في عملية ممنهجة تهدف إلى إفراغه من سكانه الأصليين تمهيدًا لإلغاء وجوده وإلحاقه بمشاريع استيطانية.


"بستان الملك" ذريعة لتدمير منازل المقدسيين


وتتذرع سلطات الاحتلال في حملتها الممنهجة ضد حي البستان برواية تاريخية مزعومة، تدّعي بموجبها أن المنطقة كانت في العصور القديمة "بستاناً للملك داود". ووفقًا لهذه الرواية، تسعى بلدية الاحتلال والجمعيات الاستيطانية إلى هدم منازل الحي، بهدف توسيع ما يسمى "الحديقة القومية" (الحديقة الوطنية) التي تمتد من حي وادي حلوة المجاور، والتي تديرها منذ تسعينيات القرن الماضي جمعية "إلعاد" الاستيطانية المتطرفة، بدعم ومساندة من حكومة وبلدية الاحتلال.

ويشير تقرير صادر عن مؤسسة القدس الدولية أن هذا المشروع ليس سوى امتداد لخطة أوسع تهدف إلى تحويل حي البستان إلى ما يُسمى "حديقة الملك". وتكشف الوثائق أن الاحتلال لا يملك أي ادعاءات بملكية سابقة أو شبهة استيطان في الحي، وأن الذريعة الوحيدة للتهجير تقوم على "رواية توراتية" بحتة.


"الأرض الخالية".. ذريعة مُضلِّلَة


في سياق متصل بالحملة العسكرية، كثَّفَت بلدية الاحتلال إجراءاتها الإدارية والقانونية الرامية إلى مصادرة أراضٍ واسعة في الحي. ففي بداية شهر كانون الثاني الماضي، سلَّمَت بلدية الاحتلال إخطارات لعدد من أصحاب الأراضي في حي البستان لمصادرة نحو 7 دونمات، بحجة "تنسيق حدائق وإقامة مواقف سيارات" على أراضٍ وصفتها بـ"الخالية".

لكن محافظ القدس أوضح في بيان أن هذه الأراضي ليست خالية على الإطلاق، بل هي أراضٍ كانت قائمة عليها منازل فلسطينية سكنها أصحابها قبل أن تقوم قوات الاحتلال بهدمها وتهجيرهم منها في وقت سابق. ويصف قانونيون هذه الممارسة بأنها "سياسة الأراضي الخالية"، وهي أداة قانونية خادعة تستخدمها سلطات الاحتلال لتكريس واقع استيطاني جديد على أنقاض المنازل المهدمة.


سرقة بحجة السياحة والتخطيط الحضري


إلى جانب عمليات الهدم الميدانية، ترصد تقارير متخصصة تحولاً أكثر خطورة على المستوى التخطيطي، يتمثل في تغيير الخرائط الرسمية لبلدية الاحتلال في القدس. فقد رصد فريق مركز التخطيط البديل (AHC) تغييرات مقلقة في الخرائط المنشورة على موقع بلدية الاحتلال، تُظهر تقليصاً متعمداً للحدود البلدية لبلدة سلوان، وإعادة ضم أجزاء حيوية منها، ولا سيما حي وادي حلوة، إلى ما يسمى "مدينة داود" الاستيطانية.

وحذَّرَت محافظة القدس في تقرير لها من أن هذا التصنيف الجديد يندرج في إطار تحويل أجزاء من البلدة إلى منطقة سياحية وأثرية تخضع لمشاريع استيطانية، ما يحد من الفضاء الحضري الفلسطيني المعترف به رسميًا في سلوان.

وأكدت المحافظة أن هذه التقسيمات هي إجراءات أحادية الجانب وغير شرعية، تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع المكاني والديمغرافي في القدس الشرقية لخدمة المشاريع الاستيطانية.


سلوان شطران.. عربي ويهودي


في هذا السياق، أوضح الخبير في شؤون الخرائط والاستيطان خليل التفكجي أن التغيير الجديد في الخرائط يقسم بلدة سلوان فعليًا إلى شطرين: شطر عربي وآخر يهودي- استيطاني. وأشار التفكجي إلى أن بلدية الاحتلال تعتبر الآن الأجزاء الملحقة من حي وادي حلوة جزءاً من الحي اليهودي الذي تتوسع حدوده باستمرار ليتم ضمة والحاقة بالقدس الغربية تحت اشراف البلدية والجمعيات الاستيطانية خاصة "العاد" وهناك جمعية "عطرات كوهنيم" وجمعيات صغير جرى اختلاقها لتوزيع الأدوار.

ويهدف هذا التقسيم، وفقًا للتفكجي، إلى تحويل أحياء البستان ووادي الربابة ووادي حلوة إلى مناطق ذات طابع يهودي كامل، حيث تتمتع المناطق الملحقة بمزايا وخدمات متنوعة تهدف إلى تعزيز الوجود الاستيطاني على حساب السكان الأصليين الذين يواجهون خطر التهجير.

وتقدِّر مصادر وخبراء في دائرة شؤون المفاوضات الفلسطينية- مساحة الحي اليهودي المخطط له منذ عام 2005 في قلب سلوان بحوالي كيلومترين مربعين، وجميعها تقع ضمن ما يسمى "الحوض المقدس" تحيط اسوار البلدة القديمة المحتلة من الشرق والجنوب بشكل كامل وتتبع لجنة خاصة في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي.


فوق الأرض وتحتها.. مشاريع استيطانية كبرى


لا تأتي عمليات الهدم في حي البستان بمعزل عن شبكة واسعة من المشاريع الاستيطانية التي تهدف إلى تطويق البلدة وربطها بالمستوطنات المحيطة. وتشير تقارير مركز التخطيط البديل إلى أن هذه التحركات مرتبطة بمشاريع تهويد كبرى سبق تنفيذها، مثل الجسر المعلق المخطط له، ومشروع "كيدم" الاستيطاني، بالإضافة إلى نفق "طريق الحجاج" الذي يمر تحت منازل المواطنين.

ويبرز من بين هذه المشاريع ما يُعرف بـ"حديقة الملك" كأخطر المشاريع التي تهدد منازل حي البستان، حيث يسعى الاحتلال من خلاله إلى إقامة منشآت تلمودية في المنطقة.

ويرى التفكجي أن إعادة رسم الحدود هذه تنبع هذه المرة من دوافع دينية تخدم أهدافاً توسعية سياسية، مستغلة الادعاءات بأن أجزاء من سلوان تمثل "مدينة الملك داود" التاريخية كغطاء قانوني لمصادرة الأراضي وتغيير الواقع الديمغرافي.


في سبيل الاستيطان.. حكومة إسرائيل تدعم مجرمين وإرهابيين


تدير جمعية "إلعاد" الاستيطانية منذ تسعينيات القرن الماضي الموقع الأثري والسياحي المعروف باسم "مدينة داود" في وادي حلوة، وتحظى هذه الجمعية بدعم حكومي واسع. وتشير التحقيقات إلى أن الجمعية تحولت إلى شريك رئيسي للسلطات الرسمية- الحكومة اليمينية المتطرفة– وتحظى بدعم وزارتي الاستيطان والإسكان– ووزارة المالية– وفروع الوكالة اليهودية– وايبك في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث ينفق الاحتلال كدولة وجيش أموالاً من الداخل ومن تبرعات يهود العالم على المشاريع، بينما تذهب الأرباح إلى الجمعية، التي توظف نحو 650 مستوطناً من التيار اليمين المتطرف وبعضهم مصنف كـ"إرهابيين " ومرتكبي جرائم– دينية واخلاقية واختلاس- وخاصة اتباع جمعية "شفو بنيم".

وتعمل "إلعاد" على تحويل المنطقة إلى ما يشبه "ديزني لاند أثري"، وفقاً لوصف الخبيرة الإسرائيلية تاليا عزراهي من جمعية "عمق شافيه" التي تضم علماء آثار نقديين (يرفضون تزوير التاريخ والجغرافيا واستغلالها لأهداف دينية واستيطانية). وتشمل المشاريع السياحية في المنطقة أفعوانية بطول 700 متر، ومنصة عرض ثلاثية الأبعاد، وفندقاً فخماً، إلى جانب جسر معلق طويل.

وفي الجزء الشمالي من سلوان، تنشط جمعية "عطيرت كوهانيم"الاستيطانية، التي تعمل على الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية في حي بطن الهوى.

وتشير تقارير مؤسسة بتسليم إلى أن الجمعيات الاستيطانية تعمل بالتعاون المباشر مع سلطات الاحتلال، وتستفيد من قوانين تمييزية مثل "قانون أملاك الغائبين" لعام 1950 و"قانون الأملاك" لعام 1970، التي تسمح فعليًا لليهود فقط بالاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية وبالمطالبة بعقارات سكنها يهود أو استأجرها يهود قبل النكبة عام 1948 بحجة حماية المستأجر- أملاك غائبين في دول معادية- أي الدول العربية.


1500 مواطن مهددون بالتهجير الفوري


تعكس الأرقام الصادرة عن مؤسسات حقوقية حجم الكارثة الإنسانية المحدقة بسكان حي البستان؛ وفقاً لتقرير صادر عن مؤسسة بتسليم في شباط 2026، فإن حوالي 1500 مواطن من سكان حي البستان (نحو 150 عائلة) يواجهون خطر التهجير الفوري. وبلغ عدد المنازل التي هدمتها بلدية الاحتلال في الحي حتى شباط الماضي 35 منزلاً، إضافة إلى 17 أمر هدم آخر صادرة.

وفي حي بطن الهوى المجاور، يواجه نحو 700 فلسطيني (90 عائلة) خطر الإخلاء القسري، بعد أن رفضت المحاكم الإسرائيلية التماساتهم وأمرت 157 من سكان الحي بإخلاء منازلهم لصالح المستوطنين.

وتشير مؤسسة القدس الدولية إلى أن النجاح في تهجير حي البستان سيمهد الطريق لاستهداف أحياء أخرى في سلوان، بما فيها وادي حلوة ووادي الربابة وبطن الهوى وعين اللوزة ووادي ياسول، وصولاً إلى حي الشيخ جراح في شمال القدس.


"هذا بيت أمي ولن أرحل"


ورغم توحش جرافات الاحتلال وقرارات الهدم، يظل أهالي حي البستان متمسكين بأرضهم وبيوتهم. ويجسد فخري أبو ذياب، الذي هدم منزله بالكامل بعد أن كان قد هدم جزئياً في شباط 2024، نموذجاً لهذا الصمود؛ إذ يعيش اليوم مع زوجته في بيت متنقل "كرفان صغير" أقيم على أنقاض منزله المدمر، ويرفض المغادرة قائلاً: "هذا بيت أمي، ولدت هنا ولن أرحل".

ويكشف أبو ذياب عن تفاصيل صادمة تتعلق بآلية تنفيذ سياسات الهدم، حيث يُجبر السكان على دفع تكاليف هدم منازلهم بأنفسهم. ويقول: "أنا لا أدفع ثمن الجرافات فقط، بل أدفع حتى ثمن السندوتشات التي تناولها رجال الشرطة الذين كانوا يشرفون على هدم منزلي". ويحذر فخري أبو ذياب من أن "استهداف سلوان هو استهداف مباشر لهوية المسجد الأقصى"، مشددًا على أن الاحتلال يسعى من خلال تغيير التركيبة السكانية في البلدة إلى تمهيد الطريق للاعتداء على المسجد الأقصى نفسه.


هدم حتى في رمضان.. رسالة سياسية


يحمل توقيت عمليات الهدم المتصاعدة في حي البستان رسائل سياسية واضحة. فقد حذر الخبير في شؤون القدس والأقصى زياد بحيص من أن الاحتلال نفذ "مذبحة هدم" في الحي خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، بعد أن كانت السنوات السابقة تشهد "هدنة هدم" خلال الشهر الفضيل فلا تنفذ بلدية الاحتلال عمليات هدم ولا مخالفات، بيد أن هذه العادة غيرها الاحتلال ولم يعد يقيم وزنًا للمناسبات الدينية ولا يحترم صيام الصائمين.


إدانات ومناشدات.. لكن


أعربت محافظة القدس في بيانات متكررة عن رفضها القاطع للإجراءات الإسرائيلية، مؤكدة أن جميع هذه الإجراءات "باطلة وغير قانونية" بموجب القانون الدولي، ولا تكسب الاحتلال أي حق مهما بلغ حجمها. كما حذرت من أن هذه السياسات ترتقي إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

بدورها، دعت مؤسسة القدس الدولية إلى إطلاق حملة شعبية وقانونية وإعلامية عربية وإسلامية وعالمية تحت عنوان "أنقذوا سلوان.. أنقذوا حي البستان"، مؤكدة أن الحي يمثل "الخط الدفاعي الأول" عن المسجد الأقصى المبارك من الجهة الجنوبية والجنوبية الشرقية.

وناشدت منظمة بتسليم الإسرائيلية الحقوقية المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ"سياسة الإخلاء القسري" التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق سكان سلوان، محذرة من أن أكثر من 2200 فلسطيني معرضون لخطر التهجير الفوري في أحياء البستان وبطن الهوى ووادي حلوة .


معركة وجود وهوية

ما يجري في حي البستان ليس مجرد حملة هدم عابرة، بل هو حلقة في صراع طويل حول هوية القدس المحتلة ووجودها الفلسطيني، فبينما تستخدم سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية الروايات التوراتية كغطاء لتهجير السكان، يؤكد الفلسطينيون على عمق الجذور العربية والإسلامية للمنطقة، مستدلين بآثار كنعانية وإسلامية وأموية تشهد على تاريخها العربي الأصيل.

في ظل هذا التصعيد الخطير، يبقى أهالي حي البستان متمسكين بأرضهم، رافضين سياسات الهدم والتهجير، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لتوفير الحماية لهم، ووقف ما يعتبرونه محاولة ممنهجة لطمس الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة.

فلسطين

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

واقعة اعتقال عمر عساف: قانونيون يحذرون من تراجع حرية الرأي والتعبير

عمر عساف: ما جرى رسالة من السلطة لمحاولة قمع أي صوت مخالف رغم أن سياساتها لا تحظى بإجماع شعبي وما حدث يؤشر إلى "نهج شمولي"

د. عمار دويك: الإفراج عن عساف وإسقاط التهم الموجهة إليه رسالة واضحة بأن الحريات العامة وحرية التعبير يجب أن تكون مكفولة لجميع المواطنين

أمجد الشلة: الحقوق والحريات العامة تتمتع بحماية قانونية ولا يجوز توقيف أي مواطن بسبب رأيه ما دام لا يتضمن إساءة أو شتماً أو تحقيراً لأي جهة

عصام عاروري: عساف لا ينكر توقيعه على البيان ولا ينفي صحته وبالتالي يبدو الاعتقال رسالة سياسية ربما استجابة لضغوط ما تعرضت لها السلطة

د. عمر رحال: توقيف عساف يتعارض مع الالتزامات الدولية لدولة فلسطين سيّما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يضمن حرية التعبير

ماجد عاروري: توظيف الإجراءات القانونية أو الأدوات الأمنية لملاحقة الأفراد بسبب آرائهم السياسية  يشكل سابقة خطيرة تمس المشهد الحقوقي بأكمله

أُبَيّ عابودي: يجب اتخاذ إجراءات تضمن عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً مع التأكيد على أن حرية التعبير السياسي حق أساسي للمواطنين كافة

أشرف أبو حية: الإفراج عن عساف خطوة إيجابية لكن المبدأ الأساس عدم توقيفه من البداية لأن القضاء مطالب بأن يكون الحامي الأول لحرية الرأي والتعبير

رام الله - خاص بـ "القدس"-

يُسلّط اعتقال الناشط السياسي عمر عساف ثم الإفراج عنه الضوء على تداعيات عميقة تُلقي بظلالها على واقع الحريات العامة في فلسطين، وسط تحذيرات واسعة من مؤسسات حقوقية وشخصيات قانونية من أن الحادثة تمثل مؤشراً مقلقاً على تراجع مساحة التعبير السلمي.

وبرغم إخلاء سبيل عساف الأحد بعد اعتقال استمر خمسة أيام، فإن توقيفه أثار موجة انتقادات اعتبرت ما حدث سابقة يمكن أن تُؤسس لنهج يقوّض التعددية، خصوصاً في ظل تأكيد جهات حقوقية أن البيان الذي شارك عساف في توقيعه بشأن الحرب على إيران لا ينطوي على أي إساءة أو تحريض.

وكانت الرئاسة أكدت في بيان لها أن البيان الصادر باسم مجموعة من الأشخاص بشأن الحرب الجارية في المنطقة لا يمثل إلا هؤلاء الأشخاص، ولا يمثل الموقف الرسمي، ولا الموقف الشعبي لدولة فلسطين بأي شكل من الأشكال، في حين قوبلت عملية توقيف واعتقال عساف بإدانات واسعة، وسط مطالبات بالإفراج عنه وضرورة صوت حرية الرأي والتعبير.


تفاصيل ما جرى كما يرويها عساف


يروي الناشط السياسي عمر عساف تفاصيل دهم منزله واعتقاله من قبل جهاز الأمن الوقائي، معتبراً أن ما جرى يمثل سابقة غير معهودة في التعامل مع النشطاء، ويعكس -وفق وصفه- "محاولة لقمع أي صوت لا ينسجم مع توجهات السلطة".

ويوضح عساف أن عناصر الأمن الوقائي حضروا إلى منزله ليلة الثلاثاء الماضي، وأبلغوه أنهم حضروا لـ"نقل رسالة"، وجلسوا نحو 35 دقيقة، مشيراً إلى أنهم كانوا يستندون إلى "معلومات خاطئة" تفيد بأن مجموعة من الشخصيات تعتزم عقد مؤتمر، وطالبوا بوقف البيان السياسي الذي كان قيد الإعداد، لكنه أكد لهم أن "لا أحد يملك وقف البيان لأنه يشارك فيه عشرات إن لم يكن أكثر".

وبحسب عساف، فإنه في اليوم التالي، عاد الأمن للدهم مجدداً، ولكن هذه المرة للاعتقال، معتبراً أن الطريقة التي دخل بها عناصر الأمن الوقائي إلى منزله كانت صادمة وغير مألوفة بالنسبة له ولعادات المجتمع، موضحاً أن أكثر من 20 عنصراً اقتحموا المنزل رغم أن أمر التفتيش النيابي يسمح بدخول عدد محدود من الأفراد لا يتجاوز أربعة أو خمسة.

ويوضح عساف أنه بعد اعتقاله، نُقل إلى غرفة وليس إلى زنزانة، إلا أنه اعتبر أن "مجرد الاعتقال يمثل مشكلة كبيرة"، لا سيما في ظل الأسلوب الذي جرى به الدهم، مشيراً إلى مصادرة أوراق من منزله إضافة إلى حاسوبين وهاتفه الشخصي.


بيان لا يمكن وقفه


وبحسب عساف، فإنه شدد خلال التحقيق على أن البيان لا يمكن إيقافه لأن عشرات الشخصيات شاركت فيه، بل إن البيان صدر بالفعل أثناء وجوده قيد التحقيق رغم محاولات الأمن ثنيه عن إصداره.

ويوضح عساف أنه نُقل إلى النيابة العامة، حيث رفض الحديث دون حضور محامٍ، ما دعا النيابة إلى تمديد توقيفه أسبوعين "لاستكمال التحقيق رغم عدم وجود تحقيق حقيقي"، على حد تعبيره.

ويشير عساف إلى أنه في اليوم التالي حضر المحامون، لكنه بقي موقوفاً حتى مساء الأحد، حين أخلي سبيله بكفالة.


تهمة دعم إيران


وعن التهم الموجهة إليه، يوضح عساف أنها شملت "الدعم لإيران"، وهو ما نفاه قائلاً إن موقفه هو "رفض العدوان على الفلسطينيين والإيرانيين والخليجيين والسوريين والعراقيين واللبنانيين وكل من يتعرض للعدوان"، إضافة إلى اتهامات بإثارة النعرات، والمطالبة بحلّ السلطة، ومعارضة منظمة التحرير، وكلها -وفق المحامي- لا تزال قائمة إلى حين أن تقرر الجهات المختصة خلال الشهر المقبل إما استكمال الملف أو سحب التهم، بينما يتوقع عساف التراجع عن التهم لأنها بحسبه غير صحيحة.

ويعتبر عساف أن ما جرى يمثل "رسالة من السلطة لمحاولة قمع أي صوت مخالف، رغم أن سياساتها لا تحظى بإجماع شعبي"، معتبراً أن ما حدث يؤشر إلى "نهج شمولي" يضع الأمن فوق كل الاعتبارات، بينما القضية سياسية بحتة "ولا شأن للأمن بها".


مخالفة للاتفاقيات الدولية


أعرب مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" د. عمار دويك عن ترحيبه بالإفراج عن الناشط السياسي عمر عساف، لكنه يؤكد أن توقيفه يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية الرأي والتعبير المكفولة في القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويوضح أن توقيف عساف جاء على خلفية مشاركته في صياغة وتوقيع بيان صحفي يدين العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وهو البيان الذي وقّع عليه أكثر من مئتي شخصية فلسطينية، وليس عساف فقط.

ويؤكد دويك أن الناشط عساف لم يخالف القانون في أي خطوة من خطواته، وأن التعبير عن الرأي بشكل سلمي يجب أن لا يكون سبباً للملاحقة أو الاعتقال، خاصة أنه ليس وحده الذي وقع على البيان.


مؤشر على تراجع حرية الرأي والتعبير


ويقول دويك: "إن توقيف عساف يشكل مؤشرًا سيئًا على تراجع حرية الرأي والتعبير، وطالبنا بالإفراج الفوري عنه وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه وعدم ملاحقة أي شخص يعبر عن رأيه بطريقة سلمية".

ويشير دويك إلى أنه زار عساف في مكان توقيفه يوم الخميس الماضي، واطلع على ظروف توقيفه، حيث إن الظروف كانت مناسبة على المستوى الإنساني، إلا أن الهيئة والمؤسسات الحقوقية تعارض فكرة التوقيف والاعتقال كلياً في مثل هذه الحالات.

ويشدد دويك على أن حرية الرأي والتعبير ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي، وأن أي قيود على هذه الحرية يجب أن تكون متوافقة مع القانون الدولي والمحلي.

ويشير دويك إلى أهمية أن يشكل الإفراج عن عساف وإسقاط التهم الموجهة إليه رسالة واضحة بأن الحريات العامة وحرية التعبير يجب أن تكون مكفولة لجميع المواطنين، وأن السلطة الفلسطينية مطالبة بضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات، مع احترام كافة الحقوق الدستورية والقانونية للمواطنين.


حرية الرأي والتعبير إحدى دعائم النظام القانوني


يؤكد أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين والمستشار القانوني المحامي أمجد الشلة أن الحقوق والحريات العامة في فلسطين تتمتع بحماية قانونية صريحة ومباشرة بموجب أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، مشدداً على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال توقيف أي مواطن بسبب إبداء رأيه، ما دام لا يتضمن إساءة أو شتماً أو تحقيراً لأي جهة.

ويوضح أن حرية الرأي والتعبير تُعد إحدى الدعائم الأساسية للنظام القانوني، وركيزة من ركائز المجتمع الديمقراطي، وقد أكدت عليها أيضاً القوانين والاتفاقيات الدولية التي تكفل هذا الحق وتحظر الاعتداء عليه أو الحد منه.

ويؤكد الشلة أن التعبير عن الآراء، سواء في القضايا العامة أو الشؤون المجتمعية، يشكل جزءاً لا يتجزأ من الحريات العامة التي يجب صونها وضمان ممارستها دون تضييق.

ويشير الشلة إلى أن نقابة المحامين وقفت مراراً في مواجهة أي محاولات للمساس بهذه الحقوق، مؤكداً أن النقابة تعتبر حرية الرأي حقاً أساسياً لا يقل أهمية عن الحق في الحياة، وأن مسؤوليتها المهنية والأخلاقية تحتم عليها الدفاع عن المواطنين الذين تُنتهك حقوقهم بسبب آرائهم.


مخالفة لنصوص القانون الأساسي


ويوضح الشلة أن أي توقيف أو إجراء عقابي لمجرد التعبير عن الرأي يمثل مخالفة واضحة وصريحة لنصوص القانون الأساسي الفلسطيني، الذي تضمّن أكثر من عشرين مادة تؤكد على حماية الحقوق والحريات العامة بقوة القانون. ويشدد الشلة على ضرورة التزام جميع مؤسسات السلطة التنفيذية بهذه النصوص، والعمل على احترام الحق في التعبير باعتباره جزءاً من منظومة العدالة وسيادة القانون، داعياً إلى تعزيز المناخ القانوني الذي يضمن مشاركة المواطنين في الشأن العام دون خوف أو ملاحقة.


اعتراف صريح بتوقيف حول موقف سياسي


يعتبر مدير عام مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، عصام عاروري، أن توقيف الناشط عمر عساف قبل أيام ثم الإفراج عنه، يمثل اعتقالًا سياسيًا وتعسفيًا، مشيرًا إلى أن هذا الاعتقال يعد من أبرز الحالات التي تعترف فيها السلطة الفلسطينية صراحةً أن توقيف شخص مرتبط بموقفه السياسي، وفق ما جاء في بيان رسمي من الرئاسة والأجهزة الأمنية.

ويوضح أن توقيف عساف جاء نتيجة مشاركته في توقيع بيان مناهض للحرب يدين العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران ولبنان، مشيراً إلى أن مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية أصدر بياناً طالب فيه بالإفراج عن عساف، ووقعت عليه 11 مؤسسة حقوقية فلسطينية، إضافة إلى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.


تهمة تتحول إلى "كبش فداء"


ويقول عاروري: "إذا كان البيان، الذي كان عساف أحد الموقعين عليه، لا يحتوي على تحريض أو إساءة، فلماذا يجب معاقبة من يخالف الموقف الرسمي للسلطة؟ هل كل من يختلف مع الموقف السياسي للسلطة يُستحق الاعتقال؟"

ويشير عاروري إلى أن التهمة السياسية الموجهة لعساف ربما تُستخدم لتحويله إلى "كبش فداء" في موقف سياسي يتسم بالتعسف، لافتًا إلى أن توقيفه لمدة 15 يومًا، وهي المدة القصوى قانونيًا، تم بطلب من النيابة العامة وموافقة قاضي المحكمة، رغم أن الاعتقال لا ينبغي أن يكون عقوبة بحد ذاته، بل وسيلة لاستكمال التحقيقات عند وجود تهم فعلية، لكن الجهود القانونية والتحركات أفضت إلى الإفراج عنه قبل الموعد المحدد.

ويقول عاروري: "في هذه القضية، لا يوجد ما يحتاج التحقيق، فلا ينكر عمر عساف توقيعه على البيان ولا ينفي صحته، وبالتالي الاعتقال يبدو رسالة سياسية ربما استجابة لضغوط ما تعرضت لها السلطة".


اتهام بمحاولة "تكميم الأفواه


ويلفت عاروري إلى أن توقيع البيان شمل فلسطينيين يقيمون في عدة دول عربية، ومع ذلك لم تعتقل أي دولة أحداً منهم، مشددًا على استنكاره لمحاولة "تكميم الأفواه" وفرض رأي واحد أو رأي رسمي على جميع المواطنين.

ويشير إلى أن الكثير من الأشخاص الذين يدافعون عن حرية التعبير لا يتفقون بالضرورة مع كل ما جاء في البيان الذي وقعه عساف، لكن المبدأ الأساسي يكمن في رفض اعتقال أي شخص لأنه عبر عن رأيه بطريقة سلمية، دون أن يسيء أو يعتدي على أحد.

ويعتبر عاروري أن عساف ليس هاربًا ولا متهمًا بجرائم تحتاج لإثبات شهود أو جمع أدلة، وإنما قضية سياسية بامتياز.

ويقول عاروري: "إذا كان سيتم اعتقال كل من يخالف الموقف الرسمي، فلن تكفي السجون لاستيعاب الألوف الذين يعبرون عن رأيهم بحرية في مجتمع منفتح، وبالتالي هذه ظاهرة خطيرة".

ويؤكد عاروري أن اعتقال عساف يجب أن يكون درسًا للسلطة الفلسطينية، وألا تتكرر مثل هذه الممارسات التي تنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين، وتؤكد أهمية احترام الحريات العامة وحرية التعبير لجميع الفلسطينيين، خاصة عند التعبير عن مواقف سلمية وسياسية مختلفة عن الموقف الرسمي.


دلالات مقلقة


يؤكد مدير مركز شمس لحقوق الإنسان د.عمر رحال أن مجرد فكرة توقيف الناشط عمر عساف يحمل دلالات مقلقة تتعلق بتراجع مستوى احترام حرية الرأي والتعبير في فلسطين، وهي حرية مكفولة بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، لا سيما المادة (19) التي تنص على أن "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك".

ويشير إلى أن هذا التوقيف يتعارض مع التزامات دولة فلسطين الدولية، خاصة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يضمن حرية التعبير وعدم التوقيف التعسفي.

ويؤكد رحال أن توقيف شخصية وطنية مثل عمر عساف، المعروف بدوره الوطني، يبعث برسائل سلبية حول البيئة الحقوقية، مشيراً إلى تصريحات الرئيس محمود عباس (أبو مازن) التي أكد فيها أن حرية الرأي والتعبير مكفولة وأن فلسطين ملتزمة بالاتفاقيات الدولية.



مساس بجوهر الحقوق والحريات العامة


ويعتبر رحال هذا التوقيف غير مبرر ويمس بجوهر الحقوق والحريات العامة، مؤكداً أنه رغم أهمية خطوة الإفراج عن عساف، فلا بد من احترام الضمانات القانونية المنصوص عليها في القانون الأساسي الفلسطيني، وعلى رأسها المادة (11) التي تحظر التوقيف التعسفي وتكفل الحرية الشخصية، وضرورة عرض أي موقوف على جهة قضائية مختصة خلال المدد القانونية المحددة.

ويؤكد رحال الحاجة إلى وقف سياسة التوقيف على خلفية الرأي أو النشاط السلمي، باعتبارها انتهاكاً صريحاً لحرية التعبير المكفولة في المادة (19) من القانون الأساسي، وكذلك في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه دولة فلسطين.


ضرورة مراجعة وتعديل التشريعات


ويدعو رحال إلى مراجعة وتعديل التشريعات ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون الجرائم الإلكترونية، بما يضمن عدم توظيفها لتقييد الحريات أو ملاحقة النشطاء.

ويشدد رحال على ضرورة الالتزام بتصريحات الرئيس محمود عباس حول كفالة حرية الرأي والتعبير، واحترام الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فلسطين، ما يتوجب أن يترجم إلى ممارسات فعلية تعزز سيادة القانون، وتصون الكرامة الإنسانية، وتعيد الثقة بالمنظومة الحقوقية.



حرية الرأي والتعبير ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي


يؤكد مدير عام الهيئة الأهلية لاستقلال القضاء وسيادة القانون (استقلال) ماجد عاروري أن قضية اعتقال الناشط السياسي والأسير المحرر عمر عساف يشكل انتهاكاً واضحاً لحرية الرأي والتعبير المكفولة دستورياً بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، وللحقوق التي تضمنها الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويشدد عاروري على أن حرية الرأي والتعبير ليست مجرد حق فردي، بل هي ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، وعنصر لا غنى عنه للمشاركة المجتمعية وبناء فضاء عام تعددي يحترم الاختلاف ويصون حقوق المواطنين.

ويوضح عاروري أن دور السلطة القضائية يجب ألا يقتصر على التطبيق الشكلي للقانون، بل يتعداه إلى أداء واجب قانوني وأخلاقي يتمثل في حماية الحقوق الدستورية للمواطنين، وفي مقدمتها حرية التعبير.

ويشير عاروري إلى أن توظيف الإجراءات القانونية أو الأدوات الأمنية لملاحقة الأفراد بسبب آرائهم السياسية أو مواقفهم التعبيرية السلمية يحوّل القضاء من جهة حامية للحريات إلى أداة تستخدم لتقييدها، وهو ما يشكل سابقة خطيرة تمس المشهد الحقوقي الفلسطيني بأكمله.


مخاوف من إضعاف الثقة بسيادة القانون


ويشدد عاروري على أن استمرار مثل هذه الممارسات يضعف الثقة العامة بسيادة القانون، ويولّد مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية، الأمر الذي يتناقض مع قيم الديمقراطية والتعددية التي يناضل الشعب الفلسطيني لترسيخها.

كما يعكس ذلك -وفق عاروري- استخداماً غير مشروع لأدوات إنفاذ القانون خارج نطاقها الشرعي، في وقت يتطلب فيه الواقع الفلسطيني تعزيز الحريات العامة أكثر من أي وقت مضى.

ويدعو عاروري إلى وقف جميع الملاحقات القضائية والأمنية التي تستند إلى حرية الرأي والتعبير أو النشاط السياسي السلمي، مؤكداً ضرورة أن يمارس القضاء دوره الدستوري الحقيقي في صون هذه الحرية، بما يسهم في ترسيخ بيئة ديمقراطية قائمة على سيادة القانون واحترام الحقوق العامة.


خلل جوهري في تطبيق حرية التعبير وسيادة القانون


يعتبر عضو اللجنة التنسيقية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أُبَيّ عابودي أن توقيف الناشط عمر عساف ثم الإفراج عنه بعد خمسة أيام يسلط الضوء على خلل جوهري في تطبيق حرية التعبير وسيادة القانون في فلسطين، مشيراً إلى أن خطاب السلطة حول الإصلاح وسيادة القانون ما زال "خطاباً دون أسس واقعية".

ويوضح عابودي أن توقيف عساف جاء على خلفية بيان سياسي شارك بالتوقيع عليه، مؤكداً أن البيانات والتصريحات السياسية تُعد شكلاً من أشكال التعبير السياسي المحمية بموجب القانون الأساسي الفلسطيني ووفق التزامات دولة فلسطين بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ويقول: "حتى الآن، لا تزال هناك سيطرة سياسية على الأجهزة الأمنية والقضاء، وهو ما يتضح من تصريح الناطق باسم الأجهزة الأمنية حول توقيف عساف".

ويشير عابودي إلى أن الناطق الرسمي بالأجهزة الأمنية قدم معلومات غير دقيقة حول مضمون البيان، حيث ادعى احتواءه على إساءة للدول العربية، بينما البيان لا يتضمن أي إساءة، ما يثير الشكوك حول مدى اطلاعه الفعلي على محتوى البيان.

ويؤكد عابودي أن الإفراج عن عساف مهم، لكن يجب تقديم اعتذار رسمي له، ومحاسبة المسؤولين عن قرار توقيفه واحتجازه، باعتباره مخالفة صريحة للقانون الفلسطيني والتزامات دولة فلسطين الدولية.

ويدعو عابودي إلى اتخاذ إجراءات تضمن عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً، مع التأكيد على أن حرية التعبير السياسي هي حق أساسي للمواطنين، ويجب حمايته من أي تدخل سياسي أو قضائي غير قانوني.


حرية الرأي والتعبير ليست منحة


يؤكد المستشار القانوني لمؤسسة الحق أشرف أبو حية أن موقف المؤسسة إزاء توقيف الناشط السياسي عمر عساف عبّرت عنه بوضوح من خلال البيان الصادر عن مجلس منظمات حقوق الإنسان، الذي أدان عملية التوقيف والاعتقال، معتبراً أنها جاءت في إطار الحد من حرية الرأي والتعبير المرتبطة بقضايا الشأن العام.

ويوضح أبو حية أن حرية الرأي والتعبير ليست منحة، بل حق مكفول في القانون الأساسي الفلسطيني، وفي الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين، وبالتالي فإن توقيف المواطنين لمجرد التعبير عن آرائهم، سواء عبر البيانات أو عبر منصات التواصل الاجتماعي، يشكل انتهاكاً صارخاً لهذه الحقوق.

ويشير أبو حية إلى أن قرار المحكمة الأخير بإخلاء سبيل الناشط عمر عساف هو خطوة إيجابية، لكنه يشدد على أن المبدأ الأساس هو عدم توقيفه من البداية، لأن القضاء مطالب بأن يكون الحامي الأول لحرية الرأي والتعبير ولجميع الحقوق والحريات المكفولة في الدستور والتشريعات المحلية والاتفاقيات الدولية.

ويشير أبو حية الى ضرورة احترام الجهات المكلفة بإنفاذ القانون لحق المواطنين في حرية الرأي والتعبير وبخاصة في قضايا الشأن العام، لما لها من أهمية في إعمال حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وإسهامهم في خلق مساحة من النقاش بما يخدم المجتمع والمصلحة العامة.

ويشدد أبو حية على أن التعبير عن الرأي يتشاطر ويتكامل مع الحقوق الأخرى، وبخاصة المشاركة السياسية للمواطنين في مجتمع ديمقراطي قائم على احترام الحقوق والحريات وسياة القانون.


سابقة خطيرة


ويؤكد أبو حية أن أي توقيف مشابه، سواء بحق عساف أو أي شخص آخر، يشكل سابقة خطيرة تهدد المساحة العامة وتستهدف حرية النقاش السياسي.

ويشدد أبو حية على ضرورة وقف هذه الممارسات بشكل كامل، مؤكداً أن مؤسسة الحق ترى في هذا النوع من التوقيفات مساساً جوهرياً بحقوق المواطنين وقيوداً لا مبرر لها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

مياه عتيقة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

في قعر جمجمته، تحتقن مياهٌ عتيقة، تعود جذورها إلى أكثر من أربعة عقود، مياهٌ باتت المحرك الفعلي لـ"نوازع الانتقام" من طهران، كما كشف ترمب صراحةً أمس؛ حين استدعى مقتل أمريكيين منذ عقود ليمنح حربه المقبلة سرديةً ظلت "مكتومة" في الصدور.

فـ"الانتقام" هو المحرك لجميع الحروب الأمريكية التي كانت "هيروشيما" و"ناجازاكي" أولى ضحاياها، عندما ضغط "ترومان" على "الزر النووي" في الثامن من آب من العام ١٩٤٥، مدفوعاً بتلك المشاعر التي تلبّسته، انتقاماً لمقتل نحو ثلاثة آلافٍ من جنود البحرية الأمريكية بهجومٍ نفذته فرق "الكاميكاز" اليابانية التي أغرقت الأسطول الأمريكي في ميناء "بيرل هاربر" في السابع من كانون الأول من العام ١٩٤١خلال الحرب العالمية الثانية.

و"الانتقام" هو الدافع  وراء غزو بوش الابن أفغانستان، انتقاماً لضحايا الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠٠١، وارتكاب المجازر وتدمير المباني والمنشآت، قبل أن تضطر القوات الغازية للانسحاب، بعد حرب استنزافٍ دامت نحو عقدين، سالت فيها أنهارٌ من الدماء.

و"الانتقام"، لا أسلحة الدمار، كان الدافع لقرار بوش الابن احتلال العراق، وإعدام صدام، انتقاماً لمحاولة اغتيال والده في الكويت كما قال، فالدافع الشخصي، ومثله العامل الإسرائيلي، لم يغيبا عن صناعة القرار في البيت الأبيض.

بين عشيةٍ وضحاها تتبدّل المواقف، وتتناسل الأهداف في متوالية "الثرثرات"، التي يُغرق بها الرجل غريب الأطوار في البيت الأبيض الشاشات وحوائط العالم الافتراضي، وهو يصبّ المزيد من البنزين على نار الحرب المجنونة، التي تُحركها نوازع التوسع والاستحواذ والسيطرة على مقدّرات المنطقة والعالم، لتكون طوع بنانه وبنان شريكه الذي يُغذي نرجسيته بسردياتٍ حالمة، مستفيداً من حالة السيولة الزائدة في عالمٍ تطغى فيه القوة على السياسة، والبلطجة على الدبلوماسية، لإخضاع الشعوب وسحق المجتمعات، وتركها بلا مأوى تكابد الخوف والجوع في العراء.

يحبس العالم أنفاسه أمام حروبٍ متواصلة، تُحركها العقائد والأيديولوجيات الحارقة، وصِدام الحضارات، ونوازع الانتقام الشخصية، والأحقاد التاريخية، وهي حروبٌ لا تنتهي بانتصار، بل بأنهارٍ من الدماء وتلالٍ من الركام.

وإذا كان ما يجري اليوم سيئاً، فإن "الأسوأ" لم يأتِ بعد، طالما بقي العالم رهناً بأيدي رجلين تستبدّ بهما حالة من السعار؛ يقرآن من كتابٍ واحد، تحركهما هواجس الماضي، وأحقاد العقود الغابرة، واحد يؤمن بالشعوذات ويعاني من تضخم الذات، وآخر متطاوسٌ وكذاب، يجاهر بافتتانه بـ"جنكيز خان"، ويُفضله على السيد المسيح.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

من الكنيست إلى لاهاي: تشريع الإعدام للأسرى ومسار المساءلة الدولية

إن إقرار الكنيست لتشريع يجيز إعدام الاسرى الفلسطينيين—بأغلبية 62 مقابل 47—يمثل تطورًا بالغ الخطورة، لا من حيث مضمونه فحسب، بل من حيث دلالاته على مسار متسارع نحو تقويض ممنهج لقواعد القانون الدولي.

هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق القانوني الناظم لحالة الاحتلال.

بموجب اتفاقيات جنيف، يُعدّ الفلسطينيون في الأراضي المحتلة أشخاصًا محميين، يتمتعون بحقوق غير قابلة للتصرف، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والمعاملة الإنسانية، وضمانات المحاكمة العادلة. وعليه، فإن فرض عقوبة الإعدام ضمن منظومة قضائية عسكرية تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير العدالة لا يشكل فقط انتهاكًا لهذه الحقوق، بل قد يرقى إلى القتل العمد، وهو من أخطر الخروقات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

ما يثير القلق بشكل خاص هو أن هذا التشريع يعكس توجهًا نحو مأسسة إجراءات عقابية قصوى في بيئة قانونية غير متكافئة، الأمر الذي قد يُفسَّر على أنه انتقال من إدارة النزاع إلى تكريس أدوات السيطرة من خلال القانون ذاته.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يضع إطارًا واضحًا للمساءلة، حيث قد تُرتّب مثل هذه الأفعال مسؤولية جنائية فردية عن جرائم حرب، لا سيما إذا ارتبطت بحرمان منهجي من الضمانات القانونية الأساسية. كما أن الطابع المتكرر أو الواسع النطاق لهذه السياسات قد يثير تساؤلات جدية حول انطباق توصيف الجرائم ضد الإنسانية.

وبالنظر إلى أن فلسطين دولة طرف في هذا النظام، فإن هذه التطورات تقع ضمن الولاية القضائية لـ ‪“المحكمة الجنائية الدولية‪”، الأمر الذي يضفي على ملف الأسرى الفلسطينيين بُعدًا قانونيًا دوليًا يتجاوز الإطار الإنساني إلى نطاق المساءلة الجنائية الدولية.

وفي هذا السياق، يضع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إطارًا واضحًا للمساءلة، حيث قد تشكّل هذه الممارسات جرائم حرب، وقد ترقى—إذا ثبت طابعها المنهجي—إلى جرائم ضد الإنسانية. ومع انضمام فلسطين إلى هذا النظام، فإن هذه الوقائع تدخل ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ما يحوّل ملف الأسرى الفلسطينيين من قضية إنسانية إلى قضية جنائية دولية مكتملة الأركان.

إن المجتمع الدولي مدعو اليوم إلى التعامل مع هذه المؤشرات بجدية، ليس فقط من منطلق القلق، بل من منطلق الالتزام بحماية النظام القانوني الدولي من التآكل. فاستمرار غياب المساءلة في مثل هذه الحالات يبعث برسائل خطيرة حول قابلية القواعد الدولية للتجاوز، ويقوض الثقة في منظومة العدالة الدولية ذاتها

القرار يمثل تصعيدًا خطيرًا يرقى إلى مستوى تقنين الجريمة وإضفاء الشرعية على سياسات قمعية ممنهجة بحق شعب واقع تحت الاحتلال.

الأخطر أن هذا التشريع يعكس توجّهًا نحو استخدام القانون كأداة للردع والسيطرة، بما يعمّق من بنية الإفلات من العقاب، ويكرّس واقعًا تُستخدم فيه النصوص القانونية لتبرير العنف والإبادة والجرائم بدل الحدّ منه.

إن استمرار هذا النهج دون مساءلة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوّض أسس النظام القانوني الدولي ذاته. فحين يُسمح لدولة قائمة بالاحتلال أن تشرّع القتل بحق من تحتلهم، فإننا نكون أمام لحظة فارقة لا تتعلق فقط بحقوق الإنسان، بل بـمستقبل العدالة الدولية برمتها.

كل من صوت للقرار معرض للمساءلة بشكل فردي  ودولة اسرائيل تراكم في سجل جرائمها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس

فاتورة الطاقة: النزيف الصامت

في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني، غالبًا ما يتم التركيز على العجز المالي أو تراجع الإيرادات بوصفها جوهر الأزمة. غير أن هناك عاملًا أكثر عمقًا وتأثيرًا، يعمل بصمت داخل بنية الاقتصاد، ويتمثل في كلفة الطاقة، التي باتت تشكل أحد أبرز محددات الاستثمار والإنتاج، دون أن تحظى بالاهتمام الكافي في النقاش العام.

تشير التقديرات إلى أن فاتورة الطاقة في فلسطين تتراوح بين 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنويًا، في اقتصاد محدود الموارد ويعاني من قيود هيكلية متعددة. هذا الرقم لا يعكس فقط عبئًا ماليًا، بل يمثل أيضًا نزيفًا مستمرًا للعملة خارج الاقتصاد، في ظل اعتماد يتجاوز 85% على الاستيراد. وفي بيئة تعاني أصلًا من شح السيولة، فإن خروج هذا الحجم من الموارد يقلل من قدرة الاقتصاد على توليد استثمارات جديدة، ويضعف الطلب الداخلي، ويحدّ من فرص النمو.

لكن الأثر الأهم لفاتورة الطاقة لا يكمن فقط في حجمها، بل في انعكاسها المباشر على كلفة الإنتاج. فارتفاع أسعار الكهرباء يرفع كلفة التشغيل على المنشآت الصناعية والزراعية، ما يضعف تنافسية المنتج الفلسطيني، سواء في السوق المحلي أو في الأسواق الخارجية. وفي ظل هذه المعادلة، لا يصبح السؤال لماذا لا ينمو الاستثمار، بل كيف يمكن أن ينمو في بيئة ترتفع فيها الكلفة منذ اللحظة الأولى.

ولا يقتصر تأثير هذا الملف على القطاع الخاص، بل يمتد بشكل مباشر إلى المالية العامة. إذ تتحمل الحكومة جزءًا من عبء الكهرباء من خلال ما يُعرف بصافي الإقراض، والذي يُقدّر بنحو مليار شيكل سنويًا، يتم اقتطاعه من أموال المقاصة. هذا النزيف المالي المستمر يقلل من قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو الإنفاق التنموي، ويزيد من الضغوط على الموازنة العامة.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الطاقة كقطاع خدمي فقط، بل يجب التعامل معها كمدخل اقتصادي استراتيجي. فاستثمار موجّه في الطاقة المتجددة، بقيمة تقارب مليار دولار، يمكن أن يولد ما يصل إلى 1000 ميغاواط من الكهرباء، وهو ما يكفي لتغطية ما بين 30% إلى 40% من الطلب في الضفة الغربية. مثل هذا التحول يمكن أن يساهم في تخفيض فاتورة الطاقة بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، ما يعني إعادة ضخ هذه الموارد داخل الاقتصاد بدلًا من خروجها خارجه.

غير أن التحدي في هذا المجال لا يقتصر على التمويل أو التكنولوجيا، بل يرتبط بشكل وثيق ببنية الإدارة والحوكمة في قطاع الطاقة. فالتعدد في الجهات المسؤولة، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة، وعدم اكتمال نموذج “المشتري الواحد”، كلها عوامل ساهمت في خلق فجوة بين الإنتاج والتحصيل، وأدت إلى ضعف الكفاءة التشغيلية. وفي ظل محدودية الجباية ووجود فاقد كهرباء، تتحول المشكلة من تحدٍ اقتصادي إلى عبء مالي مباشر على الخزينة.

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة البيئة القانونية والتنظيمية كعامل لا يقل أهمية. فمن حيث النصوص، لا تبدو القوانين الفلسطينية عائقًا أمام الاستثمار، إذ تتضمن حوافز وإعفاءات تهدف إلى تشجيعه، بما في ذلك في قطاع الطاقة. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الفجوة بين الإطار القانوني والتطبيق العملي، حيث يواجه المستثمر إجراءات معقدة، وتعددًا في الجهات، ودرجة من عدم اليقين في استقرار السياسات. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح الاستثمار ممكنًا قانونيًا، لكنه مكلف ومخاطر عمليًا.

ولا يمكن إغفال العامل السياسي، الذي يفرض قيودًا إضافية على قطاع الطاقة، سواء من حيث السيطرة على الموارد أو حرية تطوير المشاريع الكبرى. هذا الواقع يحدّ من القدرة على تحقيق استقلال طاقي كامل، لكنه لا يلغي إمكانية تحسين الكفاءة وتقليل الكلفة ضمن الهامش المتاح.

ويظهر ملف الطاقة بوضوح في مشروع موازنة عام 2026، سواء من خلال الدعم المباشر الذي يتجاوز مليار شيكل سنويًا، أو من خلال استمرار بند صافي الإقراض المرتبط بديون الكهرباء والمياه. غير أن اللافت في هذا السياق هو أن الموازنة تتعامل مع هذا الملف باعتباره عبئًا ماليًا يجب احتواؤه، لا كمدخل اقتصادي يمكن الاستثمار فيه لتقليل الكلفة مستقبلاً. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في حجم الإنفاق على الطاقة، بل في غياب تحويله إلى استثمار منتج يخفف الضغط عن المالية العامة.

إن معالجة ملف الطاقة في فلسطين لا تتطلب حلولًا جذرية فورية، بقدر ما تحتاج إلى رؤية تدريجية متكاملة، تبدأ بتحسين الحوكمة، وتعزيز الجباية، وتبسيط الإجراءات، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع ذات أثر مباشر على الكلفة. فالتحدي ليس في غياب الحلول، بل في القدرة على تنفيذها ضمن بيئة معقدة.

في النهاية، يمكن القول إن فاتورة الطاقة في فلسطين ليست مجرد بند إنفاق، بل أحد المفاتيح الأساسية لفهم معضلة الاستثمار والنمو. فهي تؤثر على كلفة الإنتاج، وعلى المالية العامة، وعلى قرار المستثمر، وحتى على مستوى النشاط الاقتصادي ككل. والتعامل معها كأولوية اقتصادية، وليس فقط كخدمة أساسية، قد يكون أحد المسارات الأكثر واقعية لتخفيف الضغط عن الاقتصاد.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: كم ندفع مقابل الطاقة؟
 بل: كيف ندير هذا الملف بطريقة تقلل الكلفة وتفتح المجال للنمو؟

 * مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

خمسون عامًا على يوم الأرض: أزمة قيادة ومأزق تاريخي للمشروع الصهيوني

يأتي يوم الأرض، في ذكراه الخمسين، ليس كاستعادة لحدث تاريخي، بل كمرآة مكثفة لجوهر الصراع المفتوح بين الشعب الفلسطيني والمشروع الصهيوني. فمنذ 30 آذار/مارس 1976، حين انتفض الفلسطينيون في أراضي 1948 دفاعًا عن أرضهم في مواجهة سياسات المصادرة والتهويد، تكرّست حقيقة مركزية: أن الصراع هو، في أساسه، صراع على الأرض بوصفها وجودًا وهويةً ومستقبلًا.


لم يكن يوم الأرض مجرد احتجاج، بل لحظة تأسيسية أعادت تأكيد الهوية الوطنية الجامعة، ونقلت الفلسطينيين في الداخل من موقع التهميش إلى موقع الفاعل الوطني، وأعادت تعريفهم كجزء عضوي من معادلة الصراع. ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأرض مجرد موضوع نزاع، بل أصبحت ميدانًا دائمًا لمحاولة فرض الاستباحة السياسية والقانونية لاقتلاع الفلسطيني من جغرافيته.

 

 شكّل يوم الأرض لحظة تحوّل في وعي الفلسطينيين داخل أراضي 1948، حيث انتقلت المواجهة من حالات احتجاج متفرقة إلى فعل جماعي منظم، أرسى لأول مرة قاعدة أن الجماهير الفلسطينية في الداخل ليست هامشًا في الصراع، بل جزءًا أصيلًا من معادلة المواجهة الوطنية الشاملة. ومنذ ذلك التاريخ، تكرّس هذا الدور في محطات لاحقة، كان أبرزها دعمها السياسي والمعنوي للانتفاضات الفلسطينية، واستمرارها في الدفاع عن الأرض والهوية في مواجهة سياسات المصادرة والتمييز.


لقد شكّل يوم الأرض انتقالًا نوعيًا نحو الفعل الجماهيري المنظم داخل أراضي 1948، بينما جاءت الانتفاضة الكبرى، في أواخر الثمانينيات، لتجسّد ذروة الفعل الوطني الشامل في الضفة وغزة، بقيادة ميدانية موحدة استطاعت إنتاج برنامج كفاحي متماسك ضمن مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية.



بين هاتين التجربتين، يتضح أن وحدة الهدف،مواجهة الاستيطان ونهب الأرض، كانت ثابتة، لكن الأدوات تباينت بفعل اختلاف السياقات. غير أن هذا التباين، في غياب قيادة جامعة، تحوّل تدريجيًا من تنوع وظيفي إلى تباعد بنيوي، أضعف القدرة على مراكمة الفعل الوطني وتحويله إلى إنجاز سياسي.


 

بعد يوم الأرض، رسّخ الفلسطينيون في الداخل معادلة نضالية خاصة، قوامها الصمود في وجه سياسات الإقصاء والتمييز، ومحاولات تحويلهم إلى أقلية مُدجّنة داخل بنية كولونيالية إحلالية. لم يعد وجودهم مجرد بقاء ديمغرافي، بل فعل مقاومة يومي ضد مشروع يسعى إلى استباحة الأرض وتفريغها من أصحابها.


وقد تطورت أطرهم التنظيمية، رغم القيود البنيوية، لتؤدي دورًا مزدوجًا: حماية الهوية الوطنية وتنظيم الفعل الجماهيري، ضمن شروط قانونية وأمنية معقدة. ومع ذلك، ظل هذا النضال محكومًا بغياب اندماجه الكامل في إطار قيادي وطني جامع.


 

الفارق بين تجربة الداخل وتجربة الانتفاضة لا يكمن في الفعالية، بل في طبيعة السياق؛ فالأولى نشأت تحت نظام يسعى إلى الاحتواء والتدجين، فطوّرت أدوات مرنة للبقاء، بينما نشأت الثانية في لحظة انفجار وطني سمحت بإنتاج قيادة هجومية نسبيًا تسعى للخلاص من الاحتلال.


غير أن القاسم المشترك الذي كان يمنح هذه التجارب معناها، أي وجود مرجعية وطنية جامعة، تآكل اليوم إلى حد كبير. فلم تعد منظمة التحرير الفلسطينية تؤدي دورها كإطار جامع، بل تراجعت وظيفتها التمثيلية وغاب دورها في قيادة النضال الوطني، ما أدى إلى تفكك الحقول النضالية إلى مسارات شبه منفصلة، تفتقر إلى التنسيق والاستراتيجية.

 

لم يكن التباين في أدوات النضال هو المشكلة بحد ذاته، بل غياب القيادة القادرة على تحويل هذا التباين إلى تكامل. فالتعدد غير المنظّم تحوّل إلى عبء، بدلًا من أن يكون مصدر قوة.


المطلوب اليوم ليس توحيدًا قسريًا للأدوات، بل بناء استراتيجية وطنية قادرة على تنظيم تباين خصوصية الساحات، وتحويلها إلى شبكة فعل متكاملة؛ أي الانتقال من التعددية المتنافرة إلى التعددية المنسقة، حيث تتكامل الأدوار ضمن رؤية سياسية واحدة.

 

في المقابل، لا يمكن قراءة تطورات المشروع الصهيوني بمعزل عن تحوّله المتسارع نحو أنماط من السيطرة الفاشية، حيث لم يعد القمع مجرد أداة، بل أصبح بنية حكم قائمة على الاستباحة الشاملة للعنف الاحتلالي بلا أية ضوابط، وإعادة تعريف القانون بوصفه أداةً للهيمنة.


هذا التحول لا يعكس قوة مستقرة، بل أزمة تاريخية عميقة. فالمشروع الذي قام على اقتلاع الفلسطيني يواجه اليوم حدود قدرته على تحقيق هدفه المركزي: إلغاء الوجود الفلسطيني. وهنا تتجلى مفارقته: فائض القوة يقود إلى فائض عنف، والعنف يتحول إلى مؤشر أزمة، لا إلى دليل استقرار. كما يشير عدد من المؤرخين النقديين الاسرائيليين وأبرزهم ايلان بابيه، فإن تصاعد هذا النمط من العنف لا يعكس ثقة، بل اقترابًا من مأزق تاريخي بنيوي، حيث تتآكل شرعية المشروع من داخله، حتى وهو يوسّع أدوات السيطرة والبطش.

 

بعد خمسين عامًا على يوم الأرض، تتبدى المفارقة بوضوح: الأزمة الفلسطينية، رغم عمقها، هي أزمة قيادة وتنظيم؛ أي أزمة قابلة للمعالجة. أما أزمة المشروع الصهيوني، فهي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة المشروع نفسه وحدود قابليته للاستمرار.


شعب يمتلك مقومات البقاء، لكنه يفتقر إلى قيادة تمثل طموحاته، وقادرة على قيادة نضاله، وتحويل تضحياته إلى إنجازات سياسية متراكمة؛ ومشروع يمتلك أدوات القوة الغاشمة، لكنه يقترب من حدود أزمته التاريخية.

 

لا يطرح يوم الأرض اليوم سؤال الوجود؛ فهذا محسوم بصمود الفلسطينيين؛ بل سؤال الفعل، وهو: كيف يتحول هذا الوجود إلى قوة تاريخية منظمة، قادرة على استثمار أزمة المشروع المقابل؟


الإجابة تبدأ من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية ديمقراطية، تستوعب التعددية وتحوّلها إلى طاقة فاعلة، وتعيد إنتاج القيادة بوصفها أداة توجيه وقيادة كفاحية، لا مجرد إدارة معزولة عن هموم الناس ومتطلبات صمودهم.


ما بين مشروع يتآكل تحت وطأة عنفه ويتجه نحو أشكال فاشية مكشوفة، وشعب يراكم عناصر البقاء دون أن يمتلك أداته القيادية الجامعة، تتحدد لحظة تاريخية نادرة. فإما أن تُملأ فجوة القيادة الفلسطينية بما يعيد تنظيم الفعل الوطني، أو يُترك المجال مفتوحًا أمام مشروع مأزوم ليُطيل عمر أزمته عبر المزيد من الاستباحة والتوحش.


هنا تحديدًا، يستعيد يوم الأرض معناه الحقيقي: ليس كتاريخ، بل كإرادة مقاومة تستجيب لمخاطر اللحظة السياسية. والسؤال الملئ بالتحدي هو : إذا كان يوم الأرض، وكذلك الانتفاضة الكبرى، استجابةً طبيعية لما تتعرض له الأرض من نهب واستيطان ومصادرة؟ فما هو واجبنا اليوم، والفاشية الإسرائيلية تسعى بصورة محمومة لحسم هذا الصراع على مجمل أرض فلسطين التاريخية؟ ألا يترتب على ذلك ضرورة الاستفادة من دروس يوم الأرض والانتفاضة الكبرى، وما يستدعيه ذلك من بلورة استراتيجية كفاحية شاملة، وقيادة وطنية قادرة على استنهاض مجمل الطاقات الفلسطينية ومناصري قضيتنا العادلة لمواجهة هذه المخططات التصفوية وإسقاط تلك الأوهام، وتعميق المأزق التاريخي للمشروع الصهيوني، وليس الانحناء له.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس فجّ وبذيء... حين تنكسر هيبة الدولة بين الاستعراض والمقارنة

لم يعد الجدل حول شخصية دونالد ترامب مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحوّل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة القيادة الأمريكية وحدود انزلاقها من الرصانة إلى الفجاجة.

 فالرجل الذي أعاد تعريف الخطاب السياسي بلغة صادمة ومباشرة، لم يكتفِ بكسر الأعراف، بل جعل من هذا الكسر نهجاً دائماً، الأمر الذي يستدعي قراءة تجربته في ضوء مقارنتها برؤساء أمريكيين سابقين شكّلوا، كلٌ بطريقته، ملامح "الهيبة الأمريكية".

منذ حملته الانتخابية الأولى، اعتمد دونالد ترامب خطاباً قائماً على السخرية والتقليل من الخصوم، بل وحتى الحلفاء.

لم يتردد في إطلاق أوصاف جارحة، أو التلويح بسياسات مفاجئة عبر تصريحات إعلامية أو منصات التواصل، ما جعل السياسة تبدو وكأنها امتداد لبرنامج تلفزيوني، لا إدارة دولة عظمى.

وقد تجلّى ذلك في مواقفه المتقلبة من حلف شمال الأطلسي، وفي لهجته الحادة تجاه قادة دول، وفي تعامله مع الملفات الدولية بمنطق "الرابح والخاسر" لا بمنطق المصالح المتبادلة.

في المقابل، حين نستحضر نموذج باراك أوباما، نجد خطاباً مختلفاً جذرياً؛ خطاباً يقوم على الهدوء والاتزان، حتى في لحظات التوتر.

لم يكن أوباما يخلو من النقد أو الحزم، لكنه كان يدرك أن اللغة جزء من القوة الناعمة، وأن صورة الولايات المتحدة تُبنى بالكلمة بقدر ما تُبنى بالفعل.

 لذلك حافظ على حد أدنى من الاحترام في مخاطبة الخصوم قبل الحلفاء، ما منح سياسته بعداً أخلاقياً وإن اختلفت التقييمات حول نتائجها.

أما جورج بوش الابن، فعلى الرغم من الانتقادات الواسعة لسياساته، خصوصاً بعد حرب العراق، فإنه لم ينزلق إلى مستوى الخطاب الشخصي الفجّ.

كان يمثل مدرسة تقليدية في التعبير السياسي، تحافظ على قوالب اللياقة، حتى عندما تتخذ قرارات صدامية.

وهو ما يعكس الفارق بين "القرار المثير للجدل" و"الأسلوب المثير للنفور".

وإذا عدنا إلى بيل كلينتون، نجد نموذجاً آخر للقيادة التي تمزج بين الكاريزما السياسية والقدرة على التواصل الإيجابي.

فعلى الرغم من الأزمات التي واجهته، حافظ على خطاب قادر على استيعاب الداخل والخارج، دون أن يتحول إلى منصة للإهانة أو التقليل من شأن الآخرين.

إن المقارنة هنا لا تهدف إلى تبرئة تجارب سابقة أو تجميلها، فلكل رئيس أخطاؤه وسياقاته، لكنها تكشف بوضوح أن ما نشهده مع دونالد ترامب يتجاوز مجرد الاختلاف في السياسات، ليصل إلى اختلاف في مفهوم القيادة ذاته.

فبينما كانت الرئاسة الأمريكية تُدار ضمن إطار مؤسسي يضبط الإيقاع، تبدو اليوم أكثر عرضة للتقلبات الشخصية، حيث تتقدم ردود الفعل على التخطيط، والانفعال على التقدير.

ومن الشواهد التي تعكس هذا التحول، التصريحات العلنية التي حملت طابعاً تهكمياً تجاه قادة دول حليفة، أو التقليل من التزامات استراتيجية قائمة منذ عقود، إضافة إلى قرارات مفاجئة أربكت الحلفاء قبل الخصوم.

هذه الممارسات لم تخلق فقط توتراً دبلوماسياً، بل أضعفت ثقة العالم بقدرة الولايات المتحدة على الالتزام طويل الأمد، وهي الثقة التي تُعدّ حجر الزاوية في أي نظام دولي.

الأخطر من ذلك، أن هذا النمط أعاد تعريف "القوة" بوصفها قدرة على فرض الإرادة، لا على بناء التوافق. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين قيادة تُدير العالم عبر التحالفات، وأخرى تتعامل معه كحلبة صراع مفتوح. الأولى تبني نفوذاً مستداماً، والثانية تستهلك رصيدها بسرعة.

داخلياً، انعكس هذا الأسلوب في تعميق الاستقطاب، حيث أصبح الخطاب السياسي أكثر حدة وانقساماً، وهو ما لم يكن غريباً على شخصية تعتمد أساساً على التعبئة العاطفية لا على التهدئة العقلانية.

فبدلاً من أن يكون الرئيس نقطة التقاء، أصبح جزءاً من معادلة الصراع.

في المحصلة، تكشف تجربة دونالد ترامب عن لحظة فارقة في التاريخ السياسي الأمريكي، حيث لم تعد المسألة تتعلق بقرارات أو سياسات، بل بطبيعة الخطاب الذي يُنتج هذه السياسات.

فحين تتراجع اللغة، تتراجع معها المعايير، وحين تُختزل الدولة في مزاج فرد، تصبح الهيبة أولى الضحايا.

إن الدول الكبرى لا تفقد مكانتها بسبب خصومها فقط، بل أحياناً بسبب الطريقة التي تُدير بها نفسها. وبين رئيس يحسب كلماته لأنها تمثل أمة، وآخر يطلقها لأنها تمثل ذاته...

هكذا تتحدد المسافة بين الهيبة والتآكل.



عربي ودولي

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

خطط لعملية برية أمريكية إسرائيلية في إيران: سيناريوهات السيطرة على 'خارك' وهرمز

تتصاعد نذر المواجهة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط مع تكشف تفاصيل حول استعدادات تجريها الولايات المتحدة بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي لشن عملية عسكرية برية محدودة داخل الأراضي الإيرانية. ووفقاً لتقارير صحفية دولية، فإن هذه الخطط التي وصفت بـ 'السرية للغاية' تهدف إلى السيطرة على جزيرة خارك الاستراتيجية، التي تضم كبرى محطات تصدير النفط في البلاد، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات خاطفة على السواحل المطلة على مضيق هرمز.

وأفادت مصادر مطلعة بأن العملية المرتقبة لن تأخذ شكل الغزو الشامل، بل ستتركز على تنفيذ غارات دقيقة تستهدف ترسانة الأسلحة الإيرانية التي تهدد حركة الملاحة الدولية في الخليج. وتتضمن الخطة الاعتماد بشكل أساسي على قوات العمليات الخاصة ووحدات المشاة البحرية لتعقب وتدمير منصات الصواريخ والطائرات المسيرة، في مهمة قد تمتد لعدة أسابيع لضمان تحقيق الأهداف العملياتية.

وتشير التحقيقات إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحثت بجدية خلال الشهر الماضي خيارات السيطرة على نقاط القوة الإيرانية في الخليج العربي، لانتزاع أوراق ضغط ثمينة في أي مفاوضات مستقبلية. ويرى مسؤولون سابقون في البنتاغون أن التحضيرات لهذه العمليات ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تخطيط طويل الأمد يهدف إلى وضع طهران في موقف محرج عسكرياً وسياسياً أمام المجتمع الدولي.

ميدانياً، أكدت القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية وصول تعزيزات ضخمة إلى المنطقة، شملت نحو 3500 من مشاة البحرية والبحارة، مدعومين بطائرات مقاتلة هجومية ومعدات إنزال تكتيكية متطورة. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس، خاصة بعد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت منشأة إنتاج الماء الثقيل في 'خنداب' قبل ثلاثة أيام، مما أدى إلى توقفها عن العمل بشكل كامل.

وعلى الجانب الإيراني، قوبلت هذه التهديدات بنبرة تحدٍ واضحة، حيث اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف واشنطن بممارسة النفاق السياسي عبر إرسال رسائل تفاوض علنية بينما تعد لعدوان عسكري سراً. وأكد قاليباف أن القوات المسلحة والشعب الإيراني في حالة تأهب قصوى، محذراً من أن أي جندي أمريكي يطأ الأراضي الإيرانية سيكون هدفاً مباشراً للنيران.

وفي إطار الاستعدادات الدفاعية، كشفت تقارير تقنية عن تطوير طهران لمنظومة دفاعية معقدة تتألف من ثمانية مستويات متداخلة، تعتمد على التنسيق بين الحرس الثوري والجيش وقوات المتطوعين. وتبدأ هذه المنظومة بخط دفاع أول من القوات الخاصة واللواء 65 المحمول جواً، المكلفين بتدمير قوات الإنزال المعادية فور وصولها إلى الشواطئ أو الجزر المستهدفة.

وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية على ما يسمى بـ 'الدفاع الفسيفسائي'، حيث تم تجهيز كل منطقة جغرافية بمستودعات أسلحة ومؤن مستقلة تتيح لها القتال بشكل منفصل في حال انقطاع الاتصالات المركزية. وتهدف هذه الخطة إلى استدراج القوات المهاجمة إلى معارك استنزاف في المناطق الحضرية والتضاريس الجبلية الوعرة، مما يحيد التفوق التكنولوجي والجوي الأمريكي.

كما قامت طهران بنشر آلاف الفرق المتنقلة المزودة بدراجات نارية وشاحنات خفيفة مسلحة بصواريخ 'ألماس' و'طوفان' المضادة للدروع، لضمان سرعة الحركة والالتفاف على القوات الغازية. ولتأمين الأجواء، تم تزويد وحدات المشاة بمنظومات دفاع جوي محمولة من طراز 'ميثاق'، بالإضافة إلى بطاريات 'خرداد-3' المتنقلة القادرة على إسقاط طائرات النقل الضخمة والمروحيات.

وتحسباً لعمليات الإنزال الليلي، زرعت القوات الإيرانية حقول ألغام ذكية في المواقع المحتملة، ونشرت فرقاً مزودة بكاميرات تصوير حراري متطورة لرصد تحركات قوات النخبة الأمريكية. كما طورت إيران قدرات في الحرب الإلكترونية تهدف إلى تعطيل أنظمة تحديد المواقع (GPS) والاتصالات الفضائية، لحرمان المهاجمين من ميزة الضربات الدقيقة والتنسيق اللحظي.

دولياً، حذر الكرملين من أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران ستخلف آثاراً مدمرة لا تقتصر على المنطقة فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية الدولية. وأشار المتحدث باسم الرئاسة الروسية إلى أن تداعيات مثل هذا الصراع لن تكون قصيرة الأمد، بل ستترك ندوباً عميقة في استقرار إمدادات الطاقة والأمن الإقليمي لسنوات طويلة.

وفي سياق متصل، لا تزال أصداء الهجوم على منشأة 'خنداب' النووية تثير القلق، رغم تأكيدات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدم وجود خطر إشعاعي فوري في الموقع. وتعتبر هذه المنشأة حيوية للبرنامج النووي الإيراني، حيث صُممت لإنتاج كميات من البلوتونيوم والماء الثقيل الذي تصدره إيران لعدة دول، مما يجعل استهدافها ضربة اقتصادية وتقنية كبرى.

ويرى مراقبون أن استهداف مصنع 'الكعكة الصفراء' والمنشآت المساندة في خنداب يمثل تمهيداً نارياً لأي عملية برية محتملة، عبر إضعاف القدرات الاستراتيجية الإيرانية قبل بدء الهجوم. ومع ذلك، يظل الرهان الإيراني قائماً على 'التعبئة الشعبية' في المناطق الحدودية، حيث يتم تدريب أعداد ضخمة من المتطوعين لخوض حرب عصابات طويلة الأمد ضد أي تواجد أجنبي.

إن السيناريو المطروح للسيطرة على مضيق هرمز وجزيرة خارك يضع العالم أمام مرحلة جديدة من التصعيد، حيث تتحول التهديدات الكلامية إلى خطط عملياتية قابلة للتنفيذ. وتظل قدرة القوات الأمريكية على حماية جنودها أثناء تثبيت مواقعهم داخل الأراضي الإيرانية هي التحدي الأكبر الذي يواجه المخططين العسكريين في واشنطن وتل أبيب.

ختاماً، يبدو أن المنطقة تتجه نحو منزلق خطير يتجاوز حدود المناوشات التقليدية، في ظل إصرار إيراني على المواجهة الشاملة واستعداد أمريكي لاستخدام القوة الخشنة. وسيكون للأيام القادمة القول الفصل في ما إذا كانت هذه الخطط ستدخل حيز التنفيذ أم أنها ستظل أداة للضغط السياسي في صراع الإرادات المستمر بين طهران وخصومها.