أقلام وأراء

الثّلاثاء 31 مارس 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

مياه عتيقة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

في قعر جمجمته، تحتقن مياهٌ عتيقة، تعود جذورها إلى أكثر من أربعة عقود، مياهٌ باتت المحرك الفعلي لـ"نوازع الانتقام" من طهران، كما كشف ترمب صراحةً أمس؛ حين استدعى مقتل أمريكيين منذ عقود ليمنح حربه المقبلة سرديةً ظلت "مكتومة" في الصدور.

فـ"الانتقام" هو المحرك لجميع الحروب الأمريكية التي كانت "هيروشيما" و"ناجازاكي" أولى ضحاياها، عندما ضغط "ترومان" على "الزر النووي" في الثامن من آب من العام ١٩٤٥، مدفوعاً بتلك المشاعر التي تلبّسته، انتقاماً لمقتل نحو ثلاثة آلافٍ من جنود البحرية الأمريكية بهجومٍ نفذته فرق "الكاميكاز" اليابانية التي أغرقت الأسطول الأمريكي في ميناء "بيرل هاربر" في السابع من كانون الأول من العام ١٩٤١خلال الحرب العالمية الثانية.

و"الانتقام" هو الدافع  وراء غزو بوش الابن أفغانستان، انتقاماً لضحايا الحادي عشر من سبتمبر من العام ٢٠٠١، وارتكاب المجازر وتدمير المباني والمنشآت، قبل أن تضطر القوات الغازية للانسحاب، بعد حرب استنزافٍ دامت نحو عقدين، سالت فيها أنهارٌ من الدماء.

و"الانتقام"، لا أسلحة الدمار، كان الدافع لقرار بوش الابن احتلال العراق، وإعدام صدام، انتقاماً لمحاولة اغتيال والده في الكويت كما قال، فالدافع الشخصي، ومثله العامل الإسرائيلي، لم يغيبا عن صناعة القرار في البيت الأبيض.

بين عشيةٍ وضحاها تتبدّل المواقف، وتتناسل الأهداف في متوالية "الثرثرات"، التي يُغرق بها الرجل غريب الأطوار في البيت الأبيض الشاشات وحوائط العالم الافتراضي، وهو يصبّ المزيد من البنزين على نار الحرب المجنونة، التي تُحركها نوازع التوسع والاستحواذ والسيطرة على مقدّرات المنطقة والعالم، لتكون طوع بنانه وبنان شريكه الذي يُغذي نرجسيته بسردياتٍ حالمة، مستفيداً من حالة السيولة الزائدة في عالمٍ تطغى فيه القوة على السياسة، والبلطجة على الدبلوماسية، لإخضاع الشعوب وسحق المجتمعات، وتركها بلا مأوى تكابد الخوف والجوع في العراء.

يحبس العالم أنفاسه أمام حروبٍ متواصلة، تُحركها العقائد والأيديولوجيات الحارقة، وصِدام الحضارات، ونوازع الانتقام الشخصية، والأحقاد التاريخية، وهي حروبٌ لا تنتهي بانتصار، بل بأنهارٍ من الدماء وتلالٍ من الركام.

وإذا كان ما يجري اليوم سيئاً، فإن "الأسوأ" لم يأتِ بعد، طالما بقي العالم رهناً بأيدي رجلين تستبدّ بهما حالة من السعار؛ يقرآن من كتابٍ واحد، تحركهما هواجس الماضي، وأحقاد العقود الغابرة، واحد يؤمن بالشعوذات ويعاني من تضخم الذات، وآخر متطاوسٌ وكذاب، يجاهر بافتتانه بـ"جنكيز خان"، ويُفضله على السيد المسيح.

دلالات

شارك برأيك

مياه عتيقة!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.