د. حسن أيوب: الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً وإيران لن تقبل بتحويل وقف النار إلى حالة ممتدة من الهدوء الهش أو عودة إسرائيل نحو استئناف الهجمات
د. أسامة عبد الله: قرار الاستجابة للوساطة الباكستانية لم ينبع من رغبة حقيقية في التفاهم بل من محاولة للخروج من "مأزق استراتيجي" دون الاعتراف بالهزيمة
نعمان توفيق العابد: إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى الآن إذ كان نتنياهو يعوّل على إسقاط النظام الإيراني أو ضرب نفوذه الإقليمي لكن ما حدث شكّل "صفعة" له
د. تمارا حداد: الخاسر الأكبر في هذه المواجهة دول الخليج العربي التي ستجد نفسها تحت تأثير النفوذ الإيراني خصوصاً في ما يتعلق بحركة مضيق هرمز
د. أمجد بشكار: الهدنة القائمة حالياً هي وقف متبادل للهجمات وقبول الولايات المتحدة بمفاوضات بناءً على عشرة مطالب إيرانية يعكس تحوّلاً جوهرياً
سليمان بشارات: قدرة إيران على الحفاظ على شبكة حلفائها في المنطقة وتثبيت دورهم ضمن معادلات القوة قد تمنحها زخماً أكبر في الملفات الإقليمية
رام الله - خاص بـ"القدس"-
في سياق غير متوقع وبلحظات حاسمة، تأتي الهدنة التي فُرضت فجر الأربعاء، عبر الوساطة الباكستانية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلة انتقالية دقيقة، بعدما وصلت المواجهة مرحلة تصعيد كبير كادت تجر المنطقة والعالم إلى حرب لا تحمد عقباها.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن التصعيد الذي بدأ بلهجة تهديدية عالية انتهى بقبول أمريكي بوقف مؤقت لإطلاق النار، وفرض شرط فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل المواجهة، في إشارة واضحة إلى أن الأهداف المعلنة للحرب لم تتحقق، وأن الاستمرار كان سيقود إلى كلفة أكبر من قدرة الإدارة الأمريكية على احتمالها.
ويلفتون إلى أن إيران بدورها تمكنت من تحويل زمن المواجهة إلى فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي وإثبات قدرتها على الصمود، ما جعل ورقتها التفاوضية أساساً معتمداً للمحادثات المقبلة، وأن هذا التحول يعكس اعترافاً ضمنياً بحدود القوة الأمريكية، وبأن طهران باتت لاعباً يصعب تجاوز شروطه.
ويرون أنه رغم توقف الهجمات، تبقى الهدنة محاطة بعوامل هشاشة، وسط معارضة إسرائيلية لمسار التفاهم، وتشدد إيراني في رفض أي تهدئة طويلة بلا ضمانات، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لمدى قدرة الوسطاء على منع العودة إلى التصعيد وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
اعتراف أمريكي إسرائيلي بحدود القوة
يعتقد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسن أيوب أن تحوّل قضية فتح مضيق هرمز ـوهي مسألة طارئة خلال الحرب ـ إلى الشرط الأمريكي الأساسي لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يكشف بوضوح أن الأهداف المعلنة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تتحقق.
ويرى أيوب أن موافقة واشنطن على اعتماد الورقة الإيرانية المكوّنة من عشر نقاط كأساس للمفاوضات المقبلة، تمثل اعترافاً أمريكياً وإسرائيلياً بحدود القوة، بعد أسابيع من التصعيد العسكري والتهديدات الواسعة التي لم تُترجم إلى إنجازات استراتيجية.
وبحسب أيوب، فإن إيران تعاملت مع الحرب باعتبارها فرصة لتثبيت معادلة ردعية جديدة على مستوى الإقليم، وليست فقط في إطار المواجهة مع إسرائيل.
ورغم الثمن الباهظ الذي دفعته طهران، فإنها نجحت ـ وفق أيوب ـ في فرض نمط "الرد بالمثل" على مدار المواجهة، ما عزز مصداقية تهديداتها الميدانية.
ويشير أيوب إلى أن هذا النمط هو ما جعل تهديدات ترمب الأخيرة بـ"مسح الحضارة الإيرانية" غير قابلة للتنفيذ، خاصة بعد أن قابلتها إيران بإعلان جاهزيتها للرد بذات المستوى.
تراجع سياسي أمريكي
ويؤكد أيوب أن قبول ترمب بوقف العدوان لا يمكن تفسيره إلا كتراجع سياسي، خصوصاً بعد الانتقادات الواسعة لتصريحاته في الداخل الأمريكي وعلى المستوى الدولي، وعجز واشنطن وتل أبيب عن تحقيق أهداف الحرب المعلنة.
الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً
ومع ذلك، يعتبر أيوب أن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال مبكراً، إذ لن تقبل إيران بتحويل وقف إطلاق النار إلى حالة ممتدة من الهدوء الهش، بينما ستسعى إسرائيل وحلفاؤها داخل إدارة ترمب ومؤسسات القرار في واشنطن إلى الدفع نحو استئناف الهجمات.
ويرى أيوب أن معطيات ميدانية وسياسية عدة قد تفتح الباب أمام اتفاق نهائي يلبي جزءاً مهماً من المطالب الإيرانية، من بينها: اعتراف واشنطن بالورقة الإيرانية كمرجعية للتفاوض، وقدرة إيران على مواصلة المواجهة لفترة طويلة دون انهيار، وتفاهمات طهران مع أطراف إقليمية ودولية مؤثرة بشأن تشغيل مضيق هرمز، ما منحها ورقة قوة إضافية بالتزامن مع قبولها إعادة تشغيله، إضافة إلى المخاوف الإقليمية والدولية من العودة إلى حرب واسعة، وفشل الولايات المتحدة في الحصول على شرعية دولية لعملياتها العسكرية، إلى جانب التراجع الملحوظ في شرعية الحرب داخل المجتمع الأمريكي.
نتنياهو يحاول الالتفاف على الاتفاق
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فيؤكد أيوب أنها لعبت دوراً أساسياً في دفع واشنطن نحو الحرب، التي يصفها بأنها "إسرائيلية بامتياز"، لكن ترمب كان هو الطرف الذي فرض على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو القبول بوقفها مؤقتاً.
ويرى أيوب أن لغة بيان نتنياهو تعكس محاولة للالتفاف على الاتفاق، خصوصاً مع رفض إسرائيل تطبيقه على لبنان رغم إعلان باكستان أن بنوده تشمل الساحة اللبنانية.
ويشير أيوب إلى أن إسرائيل غير راضية عن المسار الحالي، وستعمل لتعطيل الانتقال نحو اتفاق نهائي ينهي الحرب ويرفع العقوبات عن إيران، وصولاً إلى تفاهمات جديدة بشأن ملفها النووي دون تفكيكه، وهي مطالب أساسية تتمسك بها طهران.
تحوّل اضطراري فرضته وقائع الميدان
يرى الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن قبول الولايات المتحدة الأمريكية بالمبادرة الباكستانية بشأن إيقاف الحرب على إيران لا يمكن وصفه بأنه تراجع تكتيكي محدود، بل هو تحوّل اضطراري فرضته وقائع الميدان وارتباكات السياسة الأمريكية خلال المواجهة الأخيرة.
ويوضح عبد الله أن إدارة ترمب انطلقت بخطاب تصعيدي مرتفع يقوم على فرضية الحسم السريع وتحقيق تفوق ردعي واضح، إلا أن الحرب التي امتدت لأكثر من شهر كشفت عن كلفة أكبر بكثير مما توقعت واشنطن، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو على صعيد استقرار الحلفاء في المنطقة.
محاولة الخروج من "مأزق استراتيجي"
ويشير عبد الله إلى أن قرار الاستجابة للوساطة الباكستانية لم ينبع من رغبة حقيقية في التفاهم، بل من محاولة للخروج من "مأزق استراتيجي" دون الاعتراف بالهزيمة، بعدما بات استمرار التصعيد يهدد بتوسّع المواجهة إلى صراع إقليمي شامل يصعب التحكم بتداعياته. ويرى عبد الله أن طهران حققت ثلاث مكاسب رئيسية بقبول المبادرة الباكستانية: الصمود تحت الضغط دون اهتزاز داخلي، وفرض معادلة ردع متبادل تُنهي التفوق الأحادي الأمريكي، ونقل المواجهة إلى مستوى إقليمي متشابك يحدّ من قدرة واشنطن على الحسم.
ويوضح عبد الله أن عدم هزيمة إيران يشكّل بحد ذاته إنجازاً في ميزان القوى الراهن، مقابل إدراك أمريكي بأن سقف قدرتها على فرض إرادتها أصبح محدوداً.
مرحلة اختبار النوايا
وفي ما يتعلق بطبيعة المرحلة الحالية، يشدد عبد الله على أنّ المشهد لا يُظهر بوادر تسوية استراتيجية شاملة، بل يشي بهدنة تكتيكية مؤقتة، فالقضايا الجوهرية التي فجّرت المواجهة—بدءاً من النفوذ الإقليمي وصولاً للملف النووي وأمن إسرائيل—ما تزال قائمة دون حلول.
ويلفت عبد الله إلى أن الحديث عن أسبوعين كإطار زمني للتهدئة يعكس أن الأطراف ما تزال تختبر النوايا وتعيد ترتيب مواقعها، لا أنها بصدد بناء اتفاق نهائي.
ويرى عبد الله أن باب الخروج من الحرب لن يكون عسكرياً، بل سياسياً، عبر ثلاثة مسارات متوازية: ضبط التصعيد عبر تفاهمات غير معلنة، وإعادة تفعيل مسار التفاوض بواسطة وسطاء إقليميين ودوليين، ثم التفاهم حول مناطق النفوذ باعتبارها جوهر الصراع ومحركه الأساسي.
أما بالنسبة لمستقبل المواجهة مع إسرائيل وحلفاء إيران، فيتوقع عبد الله استمرار نمط الحرب منخفضة الحدة بدلاً من الانفجار الشامل، فإسرائيل ستواصل عملياتها ضمن حدود لا تفتح مواجهة إقليمية واسعة، فيما سيستمر حلفاء إيران بالضغط المدروس، بينما تعتمد طهران استراتيجية "إدارة الاشتباك" لضبط الإيقاع دون الذهاب نحو حرب مفتوحة مكلفة لجميع الأطراف.
ويشير عبد الله إلى أن المشهد الإقليمي ما يزال في مرحلة هشّة، عنوانها الرئيسي: تهدئة مشروطة، وصراع مفتوح، وحسابات معقدة تحكم ما سيحدث لاحقاً.
صعود الدور الباكستاني في التوازنات الدولية
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن الدور الذي لعبه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير كان عاملاً جوهرياً في الدفع نحو الهدنة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن منير، بحكم نفوذه الأمني والعسكري السابق في إدارة الاستخبارات الباكستانية، بات لاعباً إقليمياً قادراً على التأثير في ملفات الشرق الأوسط.
ويعتبر العابد أن هذه الوساطة تعكس صعود الدور الباكستاني في التوازنات الدولية، وأن نجاحها يفتح الباب أمام تدخلات مستقبلية مؤثرة.
ويوضح العابد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجد نفسه متورطاً في حرب لم يكن مستعداً لها، بعدما وقع في تضليل من دولة الاحتلال الإسرائيلي وبعض مستشاريه المقربين المؤيدين لنتنياهو.
تماسك النظام الإيراني فاجأ ترمب
ويشير العابد إلى أن ترمب طوال الفترة الماضية كان ينتظر انهيار النظام الإيراني، قبل أن يُفاجأ بتماسكه وقدرته على امتصاص الضربات وامتلاكه خططاً مسبقة لإدارة المواجهة.
ويبيّن العابد أن عقلية ترمب القائمة على فكرة "الصفقة" دفعته للاعتقاد بأن مجرد التهديد سيجبر إيران على القبول بشروطه، لكنه اصطدم برفض طهران وانضباطها في إدارة المعركة، الأمر الذي شكّل ضربة لفكره السياسي وأوهامه حول إمكانية فرض الإملاءات بالقوة.
هزيمة سياسية لأمريكا
ويرى العابد أن قبول ترمب بالهدنة الحالية، رغم أنها مؤقتة وتمتد لأسبوعين فقط، يشكل بحد ذاته هزيمة سياسية؛ فالنظام الإيراني بقي قائماً، واليورانيوم المخصب ما يزال تحت سيطرته، كما بقي مضيق هرمز وباب المندب بيد الإيرانيين، إضافة إلى استمرار نفوذ طهران عبر أذرعها الإقليمية، وهو ما كانت واشنطن تسعى لتحجيمه دون نجاح واضح.
ويشير العابد إلى أن الورقة الإيرانية التي تضمنت شروطاً تم قبولها كأساس للتفاوض، تمثل انعطافة في موقف ترمب الذي أدرك، بتأثير مباشر من الوسيط الباكستاني، أن إيران ليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة.
إسرائيل الخاسر الأكبر
ويؤكد العابد أن إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى الآن، إذ كان نتنياهو يعوّل على إسقاط النظام الإيراني أو على الأقل ضرب نفوذه الإقليمي، لكن ما حدث شكّل "صفعة" له، خاصة بعد أن تبيّن أن باكستان ، التي كانت إسرائيل تنظر إليها كهدف محتمل للتأثير السلبي، أصبحت الوسيط الذي أنتج الهدنة.
ويشير العابد إلى أن امتعاض الإدارة الأمريكية من نتنياهو أصبح واضحاً، سواء عبر تهميشه في مسار المفاوضات أو من خلال مواقف نائب الرئيس الأمريكي الذي عبّر عن استيائه من تضليل تل أبيب لواشنطن.
إعادة تموضع تكتيكي
تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن الاتفاق الذي جرى بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية جاء بعد استجابة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للمبادرة الباكستانية، وهو ليس تحولاً استراتيجياً كاملاً، بل إعادة تموضع تكتيكية فرضتها نتائج الميدان والتكلفة الباهظة للحرب.
وترى حداد أن تمسّك إيران بعملية إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، ما انعكس سلباً على الاقتصاد الدولي وعلى الداخل الأمريكي تحديداً، الأمر الذي شكّل عاملاً ضاغطاً على ترمب ودفعه إلى التراجع عن التهديدات العسكرية المباشرة.
وتشير حداد إلى أن ترمب بدأ يواجه قلقاً متصاعداً داخل الولايات المتحدة، تَمثـّلَ في جمع توقيعات تطالبه بالتنحي، إضافة إلى مخاوفه من خسارة الانتخابات النصفية، وهو ما جعله يبحث عن مخرج يخفف من كلفة التصعيد دون خسارة سياسية مباشرة.
وتؤكد حداد أن ترمب، من خلال خطابه التصعيدي الأخير، كان يهدف إلى ممارسة "ضغط أقصى سريع" لدفع إيران نحو قبول شروط تفاوضية عاجلة، من دون الانجرار إلى حرب طويلة أو مفتوحة لا ترغب بها الإدارة الأمريكية.
وواشنطن -وفق حداد- ليست معنية بإسقاط النظام الإيراني، بل بضبط سلوكه واحتواء نفوذه، وهي سياسة أقرب إلى "إدارة الصراع" لا إنهائه.
وصول واشنطن سقف ردع دون الانزلاق للحرب
وتشير حداد إلى أن استجابة ترمب للوساطة الباكستانية تعكس وصول واشنطن إلى سقف الردع الذي يمكنها بلوغه دون الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، خصوصاً مع خشيتها من فقدان السيطرة على مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية في فترة حساسة انتخابياً.
وتوضح حداد أن الوساطة وفّرت مخرجاً يحفظ ماء وجه الطرفين، فيما لم تُهزم إيران ولم تنتصر بالكامل، لكنها نجحت في تفادي ضربة شاملة تهدد بنيتها الاستراتيجية، وحافظت على بقائها السياسي وفرضت مبدأ التفاوض غير المباشر عبر شروط قدّمتها ووافقت عليها واشنطن.
ورغم ذلك، تشير حداد إلى أن إيران لا تزال تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، ما دفعها إلى القبول بهدنة مؤقتة، لكنها تفضّل تهدئة شاملة تمنع الضربات الاستباقية، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي الذي لا يبدي رضا عن مسار التفاهم الأمريكي الإيراني.
هدنة اختبارية قصيرة ومقلقة
وترى حداد أن ما جرى لا يشكل تسوية دائمة بل "هدنة اختبارية قصيرة ومقلقة"، لأن الملفات الجوهرية كالمشروع النووي ومستوى التخصيب وآلية التعامل مع مخزون اليورانيوم، إضافة إلى العقوبات والمشروع الصاروخي ونفوذ إيران الإقليمي، لم تُحَل بعد.
وتوضح حداد أن الخروج من دائرة الحرب يتطلب خفضاً للتصعيد ووقفاً للضربات وتفاهمات أمنية محدودة في مضيق هرمز، يليها مفاوضات مرحلية واتفاق جزئي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، وهو النهج الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة في إدارة الصراعات طويلة الأمد.
أما بشأن الموقف الإسرائيلي، فترى حداد أن تل أبيب لا تعتبر التهدئة نهاية للصراع، وتستعد لمواصلة الضربات الاستباقية ضد أذرع إيران إن شعرت بعودة التهديدات.
إعادة ضبط الصراع وليس إنهاءه
وتتوقّع حداد أن تبقى المنطقة في إطار احتكاك منخفض الوتيرة، مع احتمال عودة "حرب الظل" بين الأطراف المختلفة.
وتشدد حداد على أن ما يحدث هو إعادة ضبط الصراع وليس إنهاءه، فترمب لم يتراجع بل انتقل من التهديد إلى التفاوض القسري، فيما صمدت إيران دون تحقيق نصر كامل.
وتعتبر حداد أن الخاسر الأكبر في هذه المواجهة هي دول الخليج العربي التي ستجد نفسها تحت تأثير النفوذ الإيراني، خصوصاً مع قدرة طهران على التأثير في حركة مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن بالشراكة مع سلطنة عُمان، ما يجعل دول الخليج "تحت رحمة إيران" في المدى المتوسط.
وتشير حداد إلى أن الولايات المتحدة تخلت عملياً عن الاعتماد التقليدي على دول الخليج مقابل احتواء إيران.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فترى حداد أن غيابها عن الاتفاقات يؤكد أن إيران تتحرك وفق مصالحها الخاصة، وأن "الفلسطيني وحده هو من يحمي قضيته".
إيران بقيت نداً حقيقياً
يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن قبول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالمبادرة الباكستانية بشأن الهدنة ووقف الحرب على إيران يمثل "تراجعاً كبيراً" عن تهديداته السابقة، خاصة أن واشنطن وتل أبيب كانتا تطمحان منذ بداية الحرب إلى إسقاط النظام الإيراني واستبداله برموز من المعارضة، إلى جانب السيطرة بالقوة على مواد تخصيب اليورانيوم.
ويشير بشكار إلى أن ترمب فوجئ بقدرة إيران على الصمود، رغم الفارق الكبير في القوة العسكرية، إذ واجهت طهران "الجيش الأقوى في العالم" و"الجيش الأقوى في الشرق الأوسط" مجتمعين، لكنها بقيت نداً حقيقياً ولم تنكسر، ما عرقل مشروعاً غربياً كان يستهدف إعادة صياغة المنطقة.
ويوضح بشكار أن إيران تعرضت لضربات قاسية طالت البنى التحتية والجسور ومحطات البتروكيماويات وشبكات القطارات، إلا أنها في المقابل نجحت في منع الانهيار والاستسلام، وباتت قوة إقليمية مهيمنة أمنياً على الخليج ومضيق هرمز.
ويشير بشكار إلى أن دول الخليج العربي تراجعت فعاليتها خلال الحرب ولم تقدم ردعاً حقيقياً، فيما أسهمت الهجمات التي شاركت فيها أطراف متحالفة مع إيران من اليمن والعراق في جعل القواعد الأمريكية مكشوفة، وفاقدة لجدواها، وهو ما يمثل بداية تراجع كبير للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
ويعتبر بشكار أن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها في لبنان، وأن الحديث عن نزع سلاح "حزب الله" أصبح غير واقعي، ما يجعل مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو "على المحك" بعد هذه الحرب.
تخلي ترمب عن تصريحاته النارية
ويلفت بشكار إلى أن ترمب اضطر للتخلي عن تصريحاته النارية، وأن البند الوحيد الذي يمكن اعتبار إيران قدّمت فيه تنازلاً يتعلق بفتح مضيق هرمز، على الرغم من أنه كان مفتوحاً أساساً، وأن الفتح حالياً بات مشروطاً بالتنسيق مع القوات الإيرانية، ما يمنح طهران ميزة إضافية.
ويؤكد بشكار أن الهدنة القائمة حالياً هي وقف متبادل للهجمات، وأن الولايات المتحدة قبلت خوض مفاوضات بناءً على عشرة مطالب إيرانية، وهو ما يعكس تحوّلاً جوهرياً في الموقف الأمريكي.
أسبوعان حاسمان
ويرى بشكار أن الأسبوعين المقبلين سيكونان حاسمين: فإما التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بالكامل، أو العودة إلى نقطة الصفر، رغم اعتقاده أن تجدد المواجهات بات أمراً صعباً.
ويشدد بشكار على أن النظام الإيراني لم يتغير، والبرنامج الصاروخي ما زال قائماً ويتجه إلى التطوير، كما فشلت واشنطن في الحصول على اليورانيوم الذي كانت تسعى إليه.
أما الرهان الأمريكي والإسرائيلي على انفجار داخلي في إيران، فيوضح بشكار أن نتيجته كانت معاكسة، حيث التفّت المعارضة الوطنية حول النظام بدلاً من إسقاطه.
ويؤكد بشكار أن إيران لم تخضع، وأن صناعاتها العسكرية بقيت فاعلة، بينما ظهرت الصناعات العسكرية الأمريكية مكشوفة، لافتاً إلى أن حلفاء طهران في لبنان والعراق واليمن سيزدادون قوة ودوراً، باعتبارهم الخط الأول في مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
ويعتبر بشكار أن موافقة الولايات المتحدة على التفاوض وفق البنود الإيرانية العشرة، بما يشمل تعويض الخسائر عبر فك تجميد الأصول الإيرانية أو رسوم على ناقلات النفط في مضيق هرمز، يعني أنّ إيران هي "المنتصر الحقيقي"، مؤكداً أن هذه العوائد قد تجعلها قوة مالية كبرى خلال سنوات.
سلم لنزول ترمب عن الشجرة
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن المبادرة الباكستانية شكّلت "سلّماً" لما يعتبره نزول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن "الشجرة"، في ظل مستوى التهديدات القصوى التي صعد إليها خلال الحرب، بعدما كانت المنطقة قاب قوسين من الانزلاق إلى مواجهة قد تتدحرج نحو مآلات خطيرة لا يمكن التنبؤ بها.
ويوضح أن المبادرة الباكستانية أتاحت فرصة أخيرة لإعادة إدخال العقلانية في الخطاب السياسي، والانتقال من التلويح بالقوة إلى الواقعية الدبلوماسية، دون أن يعني ذلك تراجعاً نهائياً من جانب واشنطن، بل إعادة ترتيب للأدوات المستخدمة في إدارة الصراع.
ويشير بشارات إلى أن الحرب أحدثت إرباكاً واسعاً في الحسابات الإقليمية والدولية، ما جعل الولايات المتحدة على حافة خسارة استراتيجية واضحة، الأمر الذي دفعها إلى محاولة وقف الانحدار عبر فتح الباب أمام مسار تفاوضي مؤقت.
مسار هشّ لا يمكن الجزم بمآلاته
ويشدد بشارات على أن هذا المسار لا يزال هشاً ولا يمكن الجزم بمآلاته، لكنه يمنح الأطراف فرصة لإعادة قراءة المشهد وإعادة تشكيل المسارات بما يخدم مصالح المنطقة والعالم.
وفي معرض الرد على سؤال حول ما إذا كانت إيران قد انتصرت، يؤكد بشارات أن طهران نجحت في تثبيت معادلة استراتيجية جديدة رغم الخسائر التي تكبدتها، إذ أثبتت أن القوة العسكرية لا يمكنها تحطيم مشروعها الإقليمي ولا إقصاء دورها المركزي في الشرق الأوسط.
كما عززت طهران وفق بشارات، من شرعيتها السياسية، وأصبحت شريكاً معترفاً به في إدارة مضيق هرمز بعد التوصل إلى آلية واضحة لإدارة الممر البحري، وهو ما يمثل اعترافاً ضمنياً بسيادتها ودورها الحيوي.
اختبار لإيران بالحفاظ على حلفائها
ويشير بشارات إلى أن قدرة إيران على الحفاظ على شبكة حلفائها في المنطقة، وتثبيت دورهم ضمن معادلات القوة في الإقليم، قد يمنحها زخماً أكبر في الملفات الإقليمية، وخصوصاً القضية الفلسطينية واللبنانية، إضافة إلى تأثير محتمل في مسارات أخرى يجري تشكيلها في المنطقة.
وفي ما يتعلق بآفاق تثبيت التهدئة المؤقتة، يرى بشارات أن المنطقة لا تزال تقف عند نقطة توازن دقيقة بين الدافع نحو الهدنة وعوامل التصعيد، وأن المسار التفاوضي سيظل رهينة القدرة على تضييق الفجوات بين المطالب الإيرانية والأمريكية، وتجاوز "صواعق التفجير" التي قد تدفع بها إسرائيل لتعطيل الاتفاق، وعلى رأسها محاولة الفصل بين الجبهة اللبنانية ومسار التهدئة.
ويعتبر بشارات أن قدرة الوسطاء الإقليميين -باكستان ومصر وتركيا- على ضبط الإيقاع ستحدد مستقبل التهدئة في الأسابيع المقبلة.
ويؤكد بشارات أن المنطقة لا تزال على "برميل بارود"، وأن اختبار القوة أظهر للجميع حجم الثمن المدفوع، خصوصاً لدول الخليج التي كادت تتحمل كلفة حرب "ليست حربها"، ما يؤكد ضرورة بناء خطوات ثقة فعلية لمنع العودة إلى مربع التصعيد.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس
هدنة الجحيم: جسر ترمب للخلاص من ورطة خطأ الحسابات
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس
تراجع ترامب عن 'محو إيران': حدود 'نظرية الرجل المجنون' في مواجهة الواقع
كشف التراجع المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديداته المروعة بمحو الحضارة الإيرانية عن حدود أسلوبه في التفاوض الذي يصعب التنبؤ به. وأثارت هذه الخطوة تساؤلات جدية حول المخاطر المتزايدة المرتبطة بنهجه السياسي، خاصة بعد أن تراجع عن وعيده العسكري في اللحظات الأخيرة.
وجاء القرار بالموافقة على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين كأكبر خطوة حتى الآن نحو نزع فتيل حرب استمرت 40 يوماً وهزت استقرار الشرق الأوسط. ويرى مراقبون أن هذا التراجع ساهم في تهدئة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بشدة جراء التصعيد العسكري الأخير.
ويستخدم منتقدون مصطلح 'تاكو' (TACO) للإشارة إلى تراجعات ترامب المتكررة، وهو اختصار يوحي بضعف الموقف عند المواجهة الحقيقية. ورغم إعلان ترامب النصر، إلا أن الشكوك تظل قائمة حول جدوى مزيج المطالب المتشددة والخطاب المتقلب الذي يتبعه البيت الأبيض.
وكانت التهديدات قد بلغت ذروتها عندما توعد ترامب عبر منصات التواصل الاجتماعي بفناء حضارة كاملة ما لم تذعن إيران للشروط الأمريكية. لكنه عاد وتراجع فجأة عن تلك التهديدات التي وصفها خبراء قانونيون بأنها قد ترقى إلى مستوى 'جرائم حرب' في حال تنفيذها.
وأعلن ترامب عن الهدنة التي تمت بوساطة باكستانية قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة حددها لطهران لفتح مضيق هرمز الاستراتيجي. وزعم في تصريحاته اللاحقة أن القوات الأمريكية حققت بالفعل جميع أهدافها العسكرية وتجاوزتها، في محاولة لرسم صورة الانتصار رغم التراجع.
وعلى الرغم من نبرة النشوة التي أبداها الرئيس، يرى محللون أن إيران ستظل مشكلة قائمة ومعقدة أمام الإدارة الأمريكية في المستقبل القريب. فبالرغم من إضعافها عسكرياً، إلا أن قيادتها باتت أكثر تشدداً مع استمرار سيطرتها الفعلية على ممرات شحن النفط الحيوية.
وتمتلك طهران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب مدفوناً في منشآت حصينة تحت الأرض، مما يجعل الخيار العسكري محدود التأثير على طموحاتها النووية. ويشير الخبراء إلى أن الغارات الجوية السابقة لم تنجح في القضاء بشكل كامل على القدرات التقنية الإيرانية في هذا المجال.
وقع الرئيس في فخ مبالغاته... لم يكن بإمكانه تدمير الحضارة الإيرانية، وتكلفة مجرد المحاولة للقيام بذلك ستكون باهظة.
ويصور ترامب نفسه دائماً كمفاوض بارع استناداً إلى خلفيته في التطوير العقاري، لكن أسلوبه الحالي قد يقوض مصداقية الولايات المتحدة دولياً. ويرى جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية أن الرئيس وقع في فخ مبالغاته الخطابية التي لا يمكن ترجمتها إلى واقع عسكري.
وينطوي هذا النهج على خطر استراتيجي يتمثل في فهم الخصوم مثل الصين وروسيا لهذه الاستراتيجية وتوقع تراجعات ترامب المستقبلية. وأفادت مصادر بأن عنصر المفاجأة بدأ يتلاشى، حيث بات من المتوقع أن يتراجع الرئيس عن تهديداته القصوى بمجرد اشتداد الضغوط.
من جانبها، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن يكون ما حدث تراجعاً، واصفة نبرة الرئيس بأنها جزء من 'أسلوب تفاوضي صارم'. وأكدت في تصريحات للصحفيين أن على العالم أن يأخذ كلام الرئيس على محمل الجد، رغم التناقضات الظاهرة في المواقف.
ويتبع ترامب نمطاً متكرراً في اتخاذ مواقف متشددة ثم التراجع عنها تحت ضغوط الأسواق المالية أو قاعدته السياسية. وقد لوحظ أن هذا التغيير الأخير جاء عقب ارتفاع حاد في أسعار البنزين وتراجع معدلات تأييده في استطلاعات الرأي المحلية.
واستجابت الأسواق المالية بشكل إيجابي لهذا التراجع، حيث قفز مؤشر ستاندرد أند بورز بنسبة 2.5% فور إعلان وقف إطلاق النار. ويعكس هذا الارتباط مدى تأثير قرارات ترامب المتقلبة على الاقتصاد العالمي وحرصه على استقرار البورصة كمقياس لنجاحه.
وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان 'نظرية الرجل المجنون' التي استخدمها ريتشارد نيكسون سابقاً لإخافة الأعداء عبر التظاهر بعدم الاتزان. ويفترض هذا النهج أن التهديدات النووية أو القصوى قد تجبر الخصوم على تقديم تنازلات جوهرية على طاولة المفاوضات لتجنب الكارثة.
ومع ذلك، يحذر مارك دوبويتز من أن هذه النظرية قد تخيف الحلفاء والشعب الأمريكي بقدر ما تخيف الأعداء، مما يسبب حالة من عدم الاستقرار. ويبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة ترامب على منع إيران من امتلاك سلاح نووي في ظل هذا المسار التفاوضي المتعرج.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس
تضارب الأنباء حول شمول لبنان بـ 'هدنة واشنطن وطهران' والوساطة الباكستانية توضح التفاصيل
أكد السفير الباكستاني لدى الولايات المتحدة، رضوان سعيد شيخ أن لبنان يقع ضمن دائرة اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة دولية بين واشنطن وطهران. وأوضح السفير في تصريحات صحفية أن التفاهمات التي جرت كانت تتسم بالجدية والصدق، محذراً في الوقت ذاته من أن هشاشة الموقف قد تؤدي إلى انتهاك الاتفاق في أي لحظة نظراً لتعقيدات المشهد الميداني.
في المقابل، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتثير حالة من الجدل، حيث زعم أن لبنان لم يُدرج ضمن الصفقة الحالية بسبب وجود حزب الله. واعتبر ترامب أن المواجهات العسكرية في لبنان تمثل 'قتالاً منفصلاً' سيتم التعامل معه في مسار آخر، وهو ما يعكس تبايناً واضحاً في الرؤى بين الأطراف المشاركة في الوساطة والإدارة الأمريكية.
من جانبه، شدد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على أن الاتفاق الذي تم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة وحلفائهما يقضي بوقف فوري وشامل لإطلاق النار. وأشار شريف إلى أن هذا الوقف يسري مفعوله فوراً ويشمل كافة الجبهات بما في ذلك لبنان، في محاولة لتثبيت دعائم التهدئة الإقليمية التي تقودها بلاده.
ونقلت مصادر مطلعة على سير المفاوضات أن كلاً من طهران وإسلام آباد لديهما قناعة راسخة بأن لبنان جزء لا يتجزأ من تفاهمات الهدنة المؤقتة. وأوضحت المصادر أن المحادثات المكثفة ضمت مبعوثين رفيعي المستوى من بينهم صهر ترامب جاريد كوشنر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، واستمرت حتى ساعات متأخرة من الليل قبل إعلان الاتفاق.
وركزت هذه المباحثات الماراثونية على تحديد مفهوم 'وقف إطلاق النار المؤقت' ووضع الأسس المتينة لمفاوضات أكثر تفصيلاً من المقرر انطلاقها يوم السبت المقبل في العاصمة الباكستانية. وتهدف جولة إسلام آباد المرتقبة إلى حسم الملفات العالقة ورسم خارطة طريق للترتيبات الإقليمية التي تضمن استدامة الهدوء ومنع التصعيد العسكري.
وعلى الصعيد الإسرائيلي، سارع مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إصدار بيان رسمي يعارض الموقف الباكستاني جملة وتفصيلاً. وأكد البيان أن إسرائيل لا تعتبر لبنان مشمولاً بأي تفاهمات حالية، مشدداً على استمرار العمليات العسكرية ضد الأهداف التي تهدد أمنها، مما يضع الاتفاق أمام اختبار حقيقي على الأرض.
وفي تطور ميداني موازٍ، ذكرت تقارير إعلامية أن طهران بدأت بالفعل في دراسة خيارات الرد على استمرار الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف الأراضي اللبنانية. وأشارت المصادر إلى أن السلطات الإيرانية اتخذت خطوة تصعيدية بإعادة إغلاق مضيق هرمز أمام السفن التجارية، كأداة ضغط لوقف العمليات العسكرية ضد حلفائها في المنطقة.
التفاهمات المرتبطة بالاتفاق كانت في غاية الصدق، إلا أن اتفاق وقف إطلاق النار قد ينتهك في أي لحظة.
وبالنسبة لقضية مضيق هرمز، أوضحت المصادر أن موضوع تحصيل رسوم مرور السفن لم يُناقش بشكل معمق خلال الجولة الأولى من المحادثات. ومن المتوقع أن تطرح إيران مطالبها المتعلقة بالسيادة على المضيق في مفاوضات السبت، رغم التأكيدات الأمريكية بأن هذه المياه دولية وتخضع للقانون الدولي الذي يضمن حرية الملاحة.
وكشفت المصادر أن الاتفاق الحالي لا يزال في إطاره 'الشفهي' ولم ينتقل بعد إلى مرحلة التوقيع الرسمي بين واشنطن وطهران، بخلاف اتفاقات سابقة. ويعتمد الالتزام الحالي على تفاهمات متبادلة لوقف الهجمات بشكل مؤقت، مع ضمانات أولية بشأن سلامة مرور السفن الأمريكية في الممرات المائية الدولية.
ويمثل الوفد الإيراني في هذه المفاوضات الحساسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، مما يعكس ثقل التمثيل الرسمي. في حين أعلنت إدارة ترامب أن نائب الرئيس جيه دي فانس سيتولى قيادة الوفد الأمريكي في الجولات المقبلة، بمشاركة مستشارين بارزين لضمان تنفيذ الرؤية الأمريكية الجديدة.
وتواجه المفاوضات تحديات داخلية في طهران، حيث يضطر الفريق الدبلوماسي لإجراء مشاورات مزدوجة مع الحكومة من جهة والحرس الثوري من جهة أخرى. ويتمتع الحرس الثوري بنفوذ واسع في صنع القرار السياسي والعسكري، خاصة في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد عقب التطورات الأخيرة في هرم القيادة الإيرانية.
وفيما يخص الملف الصاروخي، تشير التقديرات إلى احتمالية موافقة إيران على فرض قيود على مدى صواريخها الباليستية بحيث لا تتجاوز 3000 كيلومتر. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تكون بادرة حسن نية لتقليل المخاوف الدولية، رغم أنها تبقي على القدرات الصاروخية التي يمكنها الوصول إلى أهداف استراتيجية في المنطقة.
أما بخصوص الفصائل المسلحة الموالية لإيران في المنطقة، فقد وصفت المصادر هذا الملف بأنه قد يكون الأقل تعقيداً في مسار التفاوض. وتتمسك طهران بموقفها الرسمي الذي ينفي تسليح هذه المجموعات، لكنها قد تبدي استعداداً للالتزام بضمانات مستقبلية تتعلق بوقف الدعم العسكري في إطار تسوية إقليمية شاملة.
ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه اجتماعات إسلام آباد، حيث سيتضح ما إذا كان لبنان سيتمتع بالهدوء فعلياً أم سيبقى ساحة مشتعلة. وتتجه الأنظار نحو قدرة الوسطاء على جسر الهوة بين المطالب الإيرانية والتحفظات الإسرائيلية والأمريكية لضمان عدم انهيار هذا الاتفاق الهش.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس
كواليس ليلة التفاوض الصعبة: كيف انتزعت باكستان هدنة بين طهران وواشنطن؟
كشفت مصادر مطلعة عن تفاصيل ليلة درامية من الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها باكستان، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى تأمين وقف مؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وجاء هذا النجاح بعد أن كانت جهود الوساطة على حافة الانهيار التام نتيجة التصعيد العسكري الميداني الذي سبقت المحادثات بساعات قليلة.
وأفادت تقارير بأن التوتر بلغ ذروته عقب استهداف إيران لمجمع بتروكيماويات حيوي في المملكة العربية السعودية يوم الثلاثاء الماضي، وهو ما وضع الوسطاء في سباق مع الزمن لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة. وقد قادت إسلام آباد اتصالات ماراثونية استمرت طوال الليل لضمان عودة الأطراف إلى طاولة الحوار المباشر.
وشملت التحركات الباكستانية اتصالات رفيعة المستوى مع الإدارة الأمريكية، ضمت الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس، بالإضافة إلى المبعوث الخاص ستيف ويتكوف. وفي المقابل، جرى التواصل مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والقيادي في الحرس الثوري أحمد وحيدي لتقريب وجهات النظر المتباعدة.
ووفقاً للمصادر، فقد وافقت طهران في نهاية المطاف على وقف إطلاق النار دون شروط مسبقة، بعد ساعات وصفها المسؤولون بأنها كانت مرهقة ومحفوفة بالمخاطر. وكان الهدف الأساسي هو نزع فتيل الانفجار قبل انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي للتوصل إلى تفاهمات ملموسة.
وأوضحت المصادر أن الجانب الباكستاني أعرب لإيران عن استيائه من الهجوم الذي استهدف منشآت الجبيل في السعودية، معتبراً إياه تهديداً لمسار السلام. وفي الوقت ذاته، سعت إسلام آباد للحصول على تعهدات من واشنطن بضرورة لجم الضربات الإسرائيلية التي تستهدف العمق الإيراني لضمان استمرار الهدنة.
من جانبهم، برر المسؤولون الإيرانيون الهجوم الأخير بأنه رد مباشر على اعتداء إسرائيلي طال منشأة إيرانية في وقت سابق، مؤكدين أن الاستمرار في استهدافهم سيجعل من المستحيل المضي قدماً في أي مفاوضات سياسية. وقد نقلت باكستان هذه المخاوف بوضوح إلى الجانب الأمريكي محذرة من خروج الأمور عن السيطرة.
ومع اقتراب منتصف الليل، وجه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف نداءً عاجلاً لجميع الأطراف للالتزام بالهدنة لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي. وتضمنت النقاشات الليلية مراجعة دقيقة لمقترح أمريكي يتكون من 15 بنداً، يركز بشكل أساسي على شكل وقف إطلاق النار وإطار المفاوضات المستقبلية.
لقد عملنا طوال الليل، وما حدث يمثل درساً للأجيال القادمة في عدم الاستسلام حتى في أكثر اللحظات صعوبة.
وطرحت طهران خلال المداولات مطالب سيادية تتعلق بالاعتراف بحقوقها في مضيق هرمز، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية مع واشنطن. كما تمسكت إيران بحقها في تطوير برنامج نووي للأغراض السلمية وإبرام اتفاقيات دفاعية إقليمية، وهي قضايا حاول الوسطاء ترحيلها لتجنب الصدام الفوري.
وتمثل التحدي الأكبر للوسطاء في إقناع القيادة الإيرانية بقبول التهدئة دون انتزاع مكاسب فورية، حيث أظهرت طهران تشدداً كبيراً في الساعات الأخيرة. ومع ذلك، نجحت الضغوط الدبلوماسية في إقناع الأطراف بأن المطالب التفصيلية يمكن مناقشتها بمجرد الجلوس على طاولة المفاوضات الرسمية.
وعقب إعلان ترامب عن وقف إطلاق النار، سارع رئيس الوزراء الباكستاني لتوجيه الدعوات الرسمية للوفدين الأمريكي والإيراني للاجتماع في بلاده. وأكد شريف في اجتماع حكومي أن ما تحقق هو ثمرة عمل دؤوب لم يعرف اليأس، معتبراً إياه درساً في الإصرار الدبلوماسي.
وفي تل أبيب، سادت حالة من التحفظ تجاه الاتفاق، حيث عبر مسؤولون إسرائيليون عن اعتقادهم بأن الضغط العسكري كان كفيلاً بتحقيق نتائج أفضل. ورغم هذه المعارضة، قررت الحكومة الإسرائيلية دعم قرار الإدارة الأمريكية مع التأكيد على أن التنسيق مع واشنطن لا يزال مستمراً على أعلى المستويات.
وشددت مصادر إسرائيلية على أن الهدنة الحالية لا تعني إنهاء الحرب بشكل دائم أو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران. وأشارت إلى أن واشنطن ستواصل الضغط من أجل تسليم المخزون النووي الإيراني ووقف برنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره تهديداً استراتيجياً.
من جهته، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب متلفز ليؤكد جاهزية قواته للعودة إلى العمليات القتالية إذا لم يلبِّ الاتفاق النهائي التطلعات الأمنية لبلاده. ومن المقرر أن تنطلق المفاوضات الرسمية غداً الجمعة في إسلام آباد برئاسة جيه دي فانس ومحمد باقر قاليباف.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب يلوح بالخيار العسكري ويبقي قواته في محيط إيران لضمان 'اتفاق حقيقي'
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن القوات العسكرية الأمريكية المنتشرة في محيط إيران ستواصل تمركزها في المنطقة ولن تبرح مواقعها في الوقت الراهن. وأوضح ترمب أن هذا القرار سيظل سارياً إلى حين التوصل إلى ما وصفه بـ 'اتفاق حقيقي' يضمن المصالح الأمريكية، وذلك في أعقاب بدء سريان هدنة هشة لوقف إطلاق النار بين الطرفين لمدة أسبوعين.
وأكد الرئيس الأمريكي عبر منصة 'تروث سوشيال' أن كافة السفن والطائرات والأفراد العسكريين، بالإضافة إلى تعزيزات من الذخائر والأسلحة، سيبقون في مواقعهم الاستراتيجية داخل إيران وحولها. وشدد على أن الهدف من هذا الوجود العسكري المكثف هو ضمان الالتزام الكامل والشفاف بأي تفاهمات يتم التوصل إليها مستقبلاً، ومنع أي محاولة للالتفاف على القيود المفروضة.
وفي سياق متصل، جدد ترمب تأكيده على ثوابت السياسة الأمريكية تجاه طهران، مشدداً على أن بلاده لن تسمح تحت أي ظرف بامتلاك إيران لأسلحة نووية. كما أشار إلى أن ضمان أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز يمثل أولوية قصوى، مؤكداً أن المضيق سيبقى مفتوحاً أمام حركة التجارة العالمية تحت حماية القوات الأمريكية وحلفائها.
وحذر ترمب بلهجة شديدة من مغبة خرق الاتفاق، مشيراً إلى أنه في حال وقوع أي انتهاك، فإن الرد العسكري الأمريكي سيكون 'الأكبر والأقوى على الإطلاق'. ورغم استبعاده لحدوث هذا السيناريو، إلا أنه أصر على بقاء جميع الوحدات القتالية في حالة تأهب قصوى إلى حين تحقيق التزام إيراني كامل وغير مشروط بالبنود المتفق عليها.
الرد العسكري سيكون الأكبر والأقوى على الإطلاق في حال عدم الالتزام بالاتفاق لأي سبب كان.
من جانبها، أفادت مصادر إعلامية بأن خطاب ترمب الأخير ركز بشكل انتقائي على بندين أساسيين هما الملف النووي وأمن مضيق هرمز، متجاهلاً بقية النقاط العشر التي جرى تداولها في الأروقة الدبلوماسية. هذا التركيز أثار تساؤلات حول مصير التفاهمات الأخرى، خاصة في ظل تلميحات إيرانية بوقوع انتهاكات أمريكية لثلاثة بنود من اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت.
وتشير القراءات السياسية إلى وجود تباين واضح في مواقف الإدارة الأمريكية، حيث تحولت نبرة ترمب من الحديث عن 'مرحلة ازدهار' وإعادة إعمار محتملة إلى لغة التصعيد والوعيد العسكري. ويربط مراقبون هذا التحول بالتطورات الميدانية الأخيرة، بما في ذلك الضربات الإسرائيلية التي أثرت على موازين القوى في المنطقة ودفعت واشنطن لتشديد شروطها.
ويبقى الغموض سيد الموقف فيما يتعلق بتفاصيل 'النقاط العشر' للاتفاق، وسط تضارب الروايات بين واشنطن وطهران حول السيادة على مضيق هرمز. ويبدو أن الحسابات الاقتصادية والتقارير الاستخباراتية هي التي دفعت البيت الأبيض للقبول بالهدنة الحالية، مع الاحتفاظ بخيار القوة العسكرية كأداة ضغط رئيسية في حال تعثر المسار الدبلوماسي.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس
استشهاد شاب برصاص مستوطنين واحتجاز جثمانه في طوباس
ارتقى الشاب الفلسطيني علاء صبيح، البالغ من العمر 28 عاماً، فجر اليوم الخميس، جراء إصابته برصاص أطلقه مستوطنون متطرفون خلال مواجهات عنيفة شهدتها محافظة طوباس شمالي الضفة الغربية المحتلة. وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية نبأ الاستشهاد، مشيرة إلى أن المواجهات اندلعت في منطقة قريبة من قرية تياسير الواقعة إلى الشرق من المحافظة، حيث تصدى المواطنون لمحاولات التوسع الاستيطاني في المنطقة.
وأفادت مصادر محلية بأن المواجهات بدأت عقب قيام مجموعات من المستوطنين المتطرفين، وبحماية مشددة من قوات الاحتلال الإسرائيلي، بالشروع في إقامة بؤرة استيطانية جديدة في الأراضي الواقعة بين قريتي تياسير والعقبة. وقد أدى هذا التحرك الاستفزازي إلى اندلاع اشتباكات ميدانية حاول خلالها الأهالي الدفاع عن أراضيهم المهددة بالمصادرة، مما دفع المستوطنين لاستخدام الرصاص الحي بشكل مباشر تجاه المواطنين.
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب علاء صبيح (28 عاماً) برصاص مستوطنين خلال مواجهات في محافظة طوباس.
وفي أعقاب الحادثة، أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي على احتجاز جثمان الشهيد علاء صبيح، مانعاً الطواقم الطبية والأهالي من الوصول إليه أو نقله لتشييعه. وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسة الاحتلال الممنهجة في احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين، مما يزيد من حالة التوتر والغضب الشعبي في عموم مدن الضفة الغربية التي تواجه تصعيداً مستمراً في اعتداءات المستوطنين.
بالتزامن مع ذلك، نفذت قوات كبيرة من جيش الاحتلال عملية عسكرية واسعة النطاق في بلدة طوباس، حيث اقتحمت الآليات العسكرية والجرافات أحياء البلدة تحت غطاء كثيف من إطلاق النار. وداهمت القوات المقتحمة عدداً من منازل المواطنين وعبثت بمحتوياتها بعد تفتيشها بدقة، وسط فرض حصار عسكري على المنطقة لضمان تأمين البؤرة الاستيطانية الجديدة التي شرع المستوطنون في تثبيتها.
أقلام وأراء
الخميس 09 أبريل 2026 9:00 صباحًا - بتوقيت القدس
ميزان الربح والخسارة في الحرب على إيران
مع أن اتفاق وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران هو اتفاق مؤقت، إلا أن الحرب انتهت فعلياً، ولن يُعاد استئنافها بعد أسبوعين. فمن بدأ هذه الحرب وتبجح بإزالة «الحضارة الإيرانية» عن الوجود وإعادة إيران إلى «العصر الحجري حيث مكانها المناسب»، لم يعُد بإمكانه الاستمرار بشنّها. عامل الوقت كان مُسلّطاً على الرئيس الأميركي، وأي يوم إضافي تستمر فيه هذه الحرب، التي لم يتمكن من حسمها بالسرعة والسهولة التي كان يتوقعها، واستمرار ارتفاع أسعار مشتقات النفط واضطراب الأسواق المالية داخل أميركا، كان على الأرجح سيؤدي إلى خسارة مؤكدة لحزبه في الانتخابات النصفية القادمة، ما سيعرقل بقية فترته الرئاسية، ويُضعف فرص فوز أي مرشح جمهوري بالانتخابات الرئاسية عام 2028.
لقد أجبر التحمُّل الإيراني لحملة أميركية – إسرائيلية مكثفة من القصف الجوي المستمر، رغم كلفتها الباهظة بشرياً ومادياً، بل وقدرة إيران على تحويل الحرب التي أُريد لها أميركياً وإسرائيلياً أن تكون خاطفة ونظيفة، إلى حرب شرسة، مفتوحة ومتدحرجة، أدخلت العالم بأسره في أزمة حادة ومتفاقمة، أجبر الرئيس الأميركي على ممارسة أعلى درجات الضغط بحثاً عن مخرجٍ يحفظ فيه ماء الوجه ليس لنفسه فحسب، وإنما أيضاً لبلادة التي ورّطها في حرب مستعصية. ولما لم يتمكن، واكتشف مدى انكشاف محدودية القدرة الأميركية على تحقيق الانتصار المتوهَم، اضطر للموافقة على وقفٍ مؤقتٍ لحربٍ لن تتجدد، والعودة للتفاوض مع نظامٍ إيراني خاض الحرب لإسقاطه، مقابل إعادة فتحٍ مشروطٍ لمضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً أصلاً قبل اندلاع الحرب. ومهما يحاول ترامب الآن تنميق الادعاء بتحقيق النصر في حربٍ خاضها مختاراً، وليس مضطراً، بالإنابة عن إسرائيل بتحريضٍ من نتنياهو، إلا أن الحقيقة الموضوعية تشير إلى تكبُّده خسارة واضحة، ستكون لها تداعيات سلبية ليس عليه فقط، وإنما على بلاده أيضاً.
لقد هزّأ الرئيس الأميركي نفسه بما آلت إليه حربٌ شنّها بتوقعات مغالية لم يتمكن من تحقيقها، وهزّ مكانة أميركا معه. فجميع الأهداف المعلنة التي خاض هذه الحرب من أجلها لم تُحسم على أرض المعركة، وعليه الآن أن يتفاوض مع إيران عليها. ومجرد قبوله بوقف إطلاق النار والذهاب إلى طاولة المفاوضات لا يُمثّل فقط اعترافاً ضمنياً بفشل استخدام القوة التي عوّل عليها بالأساس لفرض شروطه على إيران، وإنما باستعداده لتقديم تنازلات لها، من أجل التوصل إلى اتفاق. لقد فرضت إيران على أميركا؛ الدولة العظمى عالمياً، ضرورة القبول بالعودة لاتّباع مسار التفاوض، وهو مسار يقوم على ضرورة تقديم تنازلات متبادلة بين الأطراف المتفاوضة. ونتيجة لهذه الحرب الخاسرة أميركياً، انكشفت العلاقة التي ظنّها ترامب في المُتخيّل علاقة قوة عمودية مع إيران المترنحة إقليمياً، بمعنى أن أميركا تستطيع لفائض قوتها أن تفرض انصياع إيران لشروطها، بأنها في واقع الأمر علاقة قوة أفقية بينها وبين إيران، لا يمكن لواشنطن أن تُحقق جزءاً من مطالبها إلا بالتفاوض الندّي مع طهران.
ويا لهذا الانكشاف من تداعيات مستقبلية على وضعية أميركا كالقوة العظمى عالمياً. فبالإفراط في الغرور والاستخفاف بالآخرين والتهور في اتخاذ القرارات، كشف ترامب في حربه المتسرعة على إيران عن المستور؛ عن مدى التدهور الحاصل منذ مطلع هذه الألفية في مكانة أميركا عالمياً. تدحرج هذا التدهور تصاعدياً منذئذٍ نتيجة المحاولات التعديلية الجادة التي استمرت تقوم بها قوى كبرى وإقليمية بهدف إضعاف القوة العظمى، والانفلات من قبضة نظام أحادية القطبية الدولية، وتحويل النظام الدولي إلى التعددية القطبية. وما الخطوات المتتالية التي تتخذها الصين في العقدين الماضيين لتوسيع هيمنتها إقليمياً، وحرب روسيا على أوكرانيا، وتوسيع نطاق وحراك دول «البريكس»، وإنشاء أطر اقتصادية وتطوير منظومات مالية دولية جديدة، واستفاقة أوروبا المتأخرة، إلا أمثلة على الحراك المستمر في مواجهات غير مباشرة مع أميركا، تستهدف تقويض مكانتها كالقوة العظمى عالمياً.
وبشكل مفاجئ تطفو على السطح مواجهةٌ مباشرةٌ لم تُفرض على هذه القوة العظمى، بل قامت هي باختيارها، كـ «امتحان» تُظهر فيه لجميع القوى والحراكات التعديلية التي تحاول استنزاف مكانتها، أنها ما تزال تتمتع بقدرة فائقة على صدّ «المعتدين» عليها، وتحتفظ بكامل هيمنتها كقوة عظمى. لقد اختار ترامب الحرب على إيران لاعتقاده بأنها ستكون مهمة سهلة، يُظهر من خلالها للعالم أن أميركا لا تزال في الصدارة وتتحكم بالمجريات العالمية. ولكن النتيجة التي آلت هذه الحرب إليها تُظهر أن أميركا، حتى باستخدامها القوة العسكرية المفرطة، كانت ضعيفة فعلياً ولم تكن قادرة على حسم الأمر حتى مع قوة إقليمية كانت هي ذاتها تقول عنها أنها ضعيفة وذات قوة متهالكة. وفي ذلك بالتأكيد مؤشر ضعف، وإشارة ستلتقطها كل الأطراف الأخرى الساعية لتعزيز مكانتها على الصعيد الدولي، ودعوة مفتوحة لها لعدم الوجل منذ الآن، بل تكثيف تحدياتها المستقبلية لأميركا، لأن الباب تكشّف بأنه مفتوح أمامها على مصراعيه. فمن لم يستطع تحجيم إيران، لن يكون بمقدوره فرض الانصياع على قوى تعديلية وأخرى صاعدة إقليمياً.منذ مطلع الألفية الثالثة والنظام الدولي يمرّ في حالة تحوُّل. كان يمكن من خلال مراقبة تصرُّف قوى كبرى، خصوصاً الصين وروسيا، وقوى صاعدة إقليمياً، كالهند وإيران والبرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا وكوريا الشمالية، أنها غير قابلة باستمرار حالة أحادية القطبية الدولية، التي بموجبها تتربّع أميركا على سُدّة هرم التراتبية الدولية. ولكن الآن، ونتيجة لإخفاق واشنطن في حسم وضع الحرب على إيران لصالحها، فقد أصبح تغيير وضعية النظام الدولي أمراً نافذ الحصول، لا رادّ له. فقد أصبح جلياً أن أميركا تعاني من حالة غير مسترجَعة من الانحسار في قوتها والارتداد في مكانتها. هذا لا يعني على الإطلاق أنها لن تستمر قوة عظمى لها تأثيرها في ميزان القوة العالمي، ولكنه يعني أنها لم تعّد قادرة على فرض إرادتها المطلقة على العالم، كما كانت قبل انكشاف محدودية قوتها وقدرتها على فرض الانصياع على إيران. ومن الأدلة الكاشفة على ذلك أنه مع ضعف وتهاوي مكانة ومقدرة المؤسسات الدولية جرّاء الاستهداف الأميركي، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلا أن واشنطن لم تتمكن حتى على الاستحصال منها على قرار من مجلس الأمن يجيز إعادة فتح مضيق هرمز بكافة الوسائل، بل جوبهت بفيتو مزدوج من روسيا والصين، أفقدها غطاء الشرعية الدولية لاستمرار حربها على إيران.إضافة لترامب وأميركا، فإن نتنياهو وإسرائيل هما ثاني أكبر الخاسرين من هذه الحرب التي شُنّت بضغط شديد ومتواصل منهما. عدا عن حملة التدمير الممنهج الذي قام به الطيران الحربي على إيران، والذي خلّف أضراراً كبيرة لا يُستهان بها، ولكن يمكن إصلاحها وتعويضها، لم تتحقق جميع الأهداف الإسرائيلية من هذه الحرب. وعدا عن التفاصيل، كعدم خروج الإيرانيين للشوارع لإسقاط النظام، وعدم النجاح في تأليب الأكراد على إعلان الحرب على إيران، وعدم سقوط النظام الإيراني بعد سلسلة اغتيالات قياداته السياسية والعسكرية، والقضاء على القدرة العسكرية لحزب الله، واستمرار ضرب المواقع الإسرائيلية بالصواريخ الإيرانية، فإن الهدف الإسرائيلي الأهم والأكبر في إنهاء مكانة ودور إيران كقوة إقليمية مناوئة ومكافئة لإسرائيل لم يتحقق، بل تعزز فعلياً.
فإيران ستتفاوض مع أميركا، وإسرائيل المذيلة ستُجبر على تجرُّع النتائج، وهي التي سيُفرض عليها الانصياع، ولن يكون بمقدورها أن تفعل شيئاً سوى محاولة تغليف المرارة بادعاءات مزيفة لإنجازات متوهَمة. فهي حتى وبالاحتماء خلف أميركا، وتوريطها باستخدام قوتها العسكرية المفرطة، لم تتمكن من تحصيل مرادها، فكيف بها بعد أن تفقد هذا الغطاء. لقد فشلت فشلاً ذريعاً محاولة نتنياهو المستميتة منذ عقدين من الزمن القضاء على إيران كقوة إقليمية. وتنتهي الحرب الآن والشرق الأوسط الذي بشّر نتنياهو بتغييره ليس فقط باقياً كما كان وحسب، بل جرى عليه تحوّلٌ في الاتجاه المعاكس لمصلحة إسرائيل. وما كان تبجُّح نتنياهو بإعلانه أن إسرائيل أضحت قوة عالمية سوى مجرد ادعاء واهم لا يوجد له مضمون سوى باستمرار كفالة الحماية الأميركية. ولكن هذه الحماية لم تعُد كما كانت قبل الحربين، على غزة وإيران، مضمونة ومكفولة دون أية مساءلة أو استفهام.
إن النتيجة الموضوعية التي على إسرائيل ضرورة مواجهتها هي أن متوالية فشلها العسكري، في غزة ولبنان واليمن وإيران، تُثبت أن اعتمادها المطلق على قدراتها العسكرية، المدعمة أميركياً، لا يمكن أن تحقق لها شرعية الوجود. إن ما يمكن أن يحقق لها ذلك هو أمران أساسيان: ضرورة إنهاء الاحتلال وإحقاق الحقوق الوطنية الشرعية للشعب الفلسطيني المتمثلة بالحرية والاستقلال، وإنهاء عدائيتها ومحاولاتها المستمرة للهيمنة على المنطقة. وطالما لم يتحقق الشرطان فإن إسرائيل ستبقى تتجرّع الخيبات.
أما ثالث الخاسرين في هذه الحرب فهي المنظومة العربية المتهالكة، المكونة من نظم ارتضت رهن استمرار وجودها بتذييل نفسها للآخرين، وبالتحديد لأميركا. خلال هذه الحرب انكشف الوضع المزيف لهذه المنظومة، والذي تهاوى بسرعة فائقة وسهولة، نتيجة عدم قيام من تم التعويل عليهم للدفاع عنها بالمهمة، والتي تُكلّف استنزاف الموارد العربية بانتظام. لقد خسرت هذه المنظومة موارد مادية ضخمة، ولكن الأهم أنها خسرت استقراراً وسمعة يحتاج ترميمها للكثير من الموارد والسنوات. وحتى مع الترميم قد تكون النتيجة أن الحال، وخصوصاً ما يتعلق بالمكانة المعنوية لبلدان عديدة، لن يعود إلى وضعه السابق إلا بعد مرور فترة مديدة.كشفت هذه الحرب، والخيارات العربية التي تخللتها، انعدام الثقة بالقوة الذاتية، التي حتى وإن لم تكن متوفرة، يتم استخلاص العبر ويُعمل في المستقبل على بنائها. الواضح أن التبعية هي حالة ذهنية قبل أن تتحدد بتوفر قدرة مادية. لقد حكمت المنظومة العربية، بوضعها الحالي، على نفسها أن تبقى تابعة؛ تقبع على هامش الصراع الدائر على تحديد مكانة القوى الإقليمية ذات الوزن المؤثر في الإقليم. وسيبقى وضع هذه المنظومة تابعاً ومهمشاً طالما بقيت القوى المتحكمة بالقرار السياسي على ما هي عليه حالياً.
في مقابل الخاسرين، تخرج إيران من هذه الحرب أكبر الرابحين. فرغم خسائرها المادية الجسيمة ولكن التي يمكن تعويضها، فقد صمدت البلاد والنظام، وخاضت حرباً بكفاءة واقتدار، وفرضت على أميركا التفاوض لإنهاء الحرب وفق شروط مقدمة منها، مقابل مطالب أميركية. لقد أكسب التماسك وحسن الأداء الإيراني خلال الحرب إيران مكانة فعلية ومعنوية كبيرتين، تجعلان منها قوة يجدر أن تؤخذ بالاعتبار، ليس فقط إقليمياً، وإنما على الصعيد الدولي العام. وستخرج طهران من هذه الحرب وهي أقوى في مكانتها الإقليمية مما كانت عليه، فقد حققت انتصاراً بالغ الأهمية، بشكلٍ مباشر بالنسبة لها، وبآثارٍ غير مباشرة لأطرافٍ كثيرةٍ في العالم أيضاً.
رياضة
الخميس 09 أبريل 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس
جامع كرات ينهي حلم إيطاليا المونديالي.. تفاصيل سرقة 'ورقة دوناروما' في ليلة الإقصاء
فجرت تقارير صحفية مفاجأة مدوية حول كواليس خروج المنتخب الإيطالي من ملحق التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2026، حيث تبين أن بطل الواقعة فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، كان له دور حاسم في حرمان "الآتزوري" من الظهور المونديالي للمرة الثالثة على التوالي. وجاء الإقصاء المرير عقب السقوط أمام منتخب البوسنة والهرسك بركلات الترجيح، في مباراة شهدت تحولات درامية بدأت بطرد المدافع أليساندرو باستوني في الشوط الأول.
وأفادت مصادر بأن الحارس الإيطالي جيانلويجي دوناروما، الذي اشتهر ببراعته في التصدي لركلات الترجيح، ظهر عاجزاً تماماً خلال المواجهة الحاسمة، والسبب يعود إلى اختفاء "ورقة التعليمات" التي كانت تضم تحليلًا دقيقًا لزوايا تسديد لاعبي الخصم. واتضح لاحقاً أن جامع الكرات البوسني، أفان تشيجميتش، وهو لاعب ناشئ في نادي تشيليك، تسلل وسرق الورقة من جانب منشفة الحارس وأخفاها، مما أربك حسابات الحارس الإيطالي بشكل كامل.
لاحظتُ الورقة بجانب منشفة الحارس، فأخذتها وأخفيتها بسرعة، مما أجبره على الاعتماد على حدسه فقط.
هذه الواقعة أثارت موجة من الجدل الواسع، فبينما طالبت جماهير البوسنة بتكريم الفتى الذي اعتبروه بطلاً ساهم في تأهل تاريخي لبلادهم، سادت حالة من الصدمة في الأوساط الرياضية الإيطالية. وبهذه الخسارة، سيتعين على دوناروما وجيله الانتظار حتى عام 2030 لمحاولة الظهور في نهائيات كأس العالم لأول مرة في مسيرتهم الاحترافية، بعد سلسلة من الإخفاقات المتتالية التي طاردت بطل يورو 2020.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس
تقارير إيرانية تتهم الإمارات بشن هجمات جوية عقب إعلان الهدنة مع واشنطن
أفادت مصادر إعلامية إيرانية بظهور أدلة ميدانية تشير إلى وقوع هجوم جوي استهدف موقعين على الأقل داخل الأراضي الإيرانية، وذلك في أعقاب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين طهران وواشنطن. وذكرت التقارير أن هذه الهجمات تم رصدها فجر يوم الأربعاء، مما أثار تساؤلات حول الجهة المنفذة في توقيت حساس يتزامن مع التهدئة الدبلوماسية المعلنة مؤخراً.
وفي سياق التحليلات العسكرية، رجح الخبير العسكري نيما أكبرخاني أن تكون مقاتلات تابعة لسلاح الجو الإماراتي هي من نفذت الغارة على مصفاة 'لاوان' النفطية، واضعاً نسبة احتمال تصل إلى 90 بالمئة لصحة هذه الفرضية. واستندت هذه التقديرات إلى صور جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي تظهر طائرة من طراز 'ميراج'، وهو نوع تمتلكه القوات الجوية الإماراتية، مما يعزز فرضية الاختراق الجوي.
من جانبها، نقلت مصادر صحفية دولية عن مسؤول أمريكي تأكيده أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليس لهما علاقة بالهجوم الذي استهدف المنشأة النفطية الإيرانية. هذا النفي الأمريكي يفتح الباب أمام سيناريوهات أخرى حول هوية الأطراف التي تسعى لتقويض اتفاق التهدئة أو توجيه رسائل عسكرية مباشرة لطهران في ظل حالة الاستنفار الإقليمي القائمة.
هناك احتمال بنسبة 90 بالمئة أن الهجوم على مصفاة لاوان تم بواسطة طائرات مقاتلة إماراتية.
بالتزامن مع هذه التطورات، كشفت بيانات تتبع الملاحة الجوية من موقع 'فلايت رادار 24' عن تحركات مكثفة لطائرات نقل عسكرية إماراتية كانت متجهة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتأتي هذه التحركات لتعزز الشكوك الإيرانية حول طبيعة التنسيق العسكري القائم في المنطقة، خاصة مع تكرار الاتهامات لطرف إقليمي بتقديم تسهيلات لوجستية وعسكرية لخصوم طهران خلال جولات التصعيد السابقة.
يُذكر أن الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية كانت قد أشارت في وقت سابق إلى رصد نشاط لعناصر من 'الموساد' الإسرائيلي داخل الأراضي الإماراتية خلال فترة المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل. وتتهم طهران بشكل متكرر السلطات في أبوظبي بالتواطؤ وفتح أجوائها وقواعدها العسكرية أمام الطائرات الأجنبية، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي وخرقاً للتفاهمات الإقليمية.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس
اتفاق مرتقب في مضيق هرمز: توجه لفرض رسوم مرور بعد أسابيع من الشلل الملاحي
أثار إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين موجة من التوقعات بعودة الملاحة تدريجياً في مضيق هرمز. ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من التوتر الذي شل حركة مئات السفن وأدى إلى ارتباك حاد في إمدادات الطاقة على مستوى العالم.
أفادت مصادر إعلامية بأن طهران كانت قد أغلقت المضيق فعلياً خلال الأسابيع الستة الماضية، مما تسبب في احتجاز مئات السفن وتعطيل تدفقات النفط والغاز. وقد انعكس هذا الإغلاق بشكل مباشر على الأسواق العالمية التي شهدت حالة من الترقب والحذر الشديدين.
ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رغبته في فرض رسوم على السفن التي تعبر المضيق، في خطوة تهدف لتأمين الملاحة وتحقيق عوائد مالية. وجاء هذا التوجه بعد أن بدأت إيران بالفعل بفرض رسوم مشابهة على السفن العابرة خلال الفترة الأخيرة من الأزمة.
يتعارض مقترح فرض الرسوم مع قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تضمن حرية الملاحة في الممرات الدولية وتحظر الجباية المالية. ورغم ذلك، فإن كلاً من الولايات المتحدة وإيران لم تصادقا رسمياً على هذه الاتفاقية الدولية حتى الآن.
أشار خبراء قانونيون إلى أن الولايات المتحدة التزمت عملياً بأعراف القانون الدولي البحري منذ عقود رغم عدم توقيعها الرسمي. وحذر متخصصون من أن شرعنة فرض الرسوم قد تضعف النظام الملاحي العالمي وتفتح الباب لدول أخرى لاتخاذ إجراءات مماثلة.
لم يقدم البيت الأبيض تفاصيل واضحة حول آليات تطبيق فرض الرسوم أو كيفية توزيع الأرباح المتوقعة. واكتفت التصريحات الرسمية بالإشارة إلى الرغبة في استئناف الملاحة ومساعدة إيران في تمويل عمليات إعادة الإعمار بعد الأضرار التي لحقت بها.
من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي موافقة بلاده على السماح بمرور السفن خلال فترة الهدنة بشروط محددة. وتتضمن هذه الشروط التنسيق المسبق مع الجيش الإيراني والالتزام الكامل بالقيود الفنية التي تفرضها السلطات البحرية في طهران.
نتوقع تحقيق أرباح كبيرة من تأمين الملاحة، مع تمكين إيران من بدء عمليات إعادة الإعمار.
أوضح عراقجي أن أي اتفاق دائم مع واشنطن يجب أن يستند إلى وثيقة إيرانية تتألف من عشر نقاط أساسية. وتشمل هذه النقاط رفع العقوبات الاقتصادية، وتقديم تعويضات عن أضرار الحرب، بالإضافة إلى الإفراج عن كافة الأصول الإيرانية المجمدة.
كشفت مصادر إقليمية مطلعة على سير المفاوضات أن الاتفاق المحتمل قد يمنح إيران وسلطنة عُمان حق فرض رسوم على السفن. ويمر عبر هذا المضيق الحيوي نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، مما يجعل أي رسوم مصدراً ضخماً للدخل القومي.
تخطط طهران لاستخدام العائدات المالية المتوقعة من رسوم المرور في تمويل مشاريع إعادة الإعمار الكبرى. وتأتي هذه الخطط في ظل الحاجة الماسة لإصلاح البنية التحتية التي تضررت نتيجة الضربات العسكرية خلال فترة النزاع الأخيرة.
أظهرت بيانات متخصصة في أبحاث السوق وجود 426 ناقلة نفط عالقة حالياً في منطقة المضيق بانتظار الانفراجة. وتحمل هذه الناقلات ما يقارب 130 مليون برميل من الخام، بالإضافة إلى ملايين البراميل من الوقود المكرر والغاز المسال.
إلى جانب ناقلات الطاقة، تعاني نحو 400 سفينة تجارية أخرى من التعطل وهي محملة بمنتجات زراعية ومعادن وحاويات. ويؤدي هذا التكدس إلى خسائر اقتصادية فادحة للشركات العالمية وتأخير في سلاسل التوريد الحيوية.
حذرت المنظمة البحرية الدولية من أزمة إنسانية تواجه نحو 20 ألف بحار مدني عالقين على متن السفن في المنطقة. ويعاني هؤلاء البحارة من نقص حاد في الإمدادات الأساسية، فضلاً عن الإرهاق الجسدي والضغوط النفسية المتزايدة.
يرى مراقبون أن استئناف الملاحة لن يكون فورياً بمجرد إعلان الهدنة، حيث تحتاج شركات التأمين لضمانات أمنية قاطعة. وتخشى هذه الشركات من تجدد التصعيد، مما يجعل عودة الحركة الطبيعية مرتبطة باستقرار سياسي طويل الأمد وليس مجرد تهدئة مؤقتة.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 7:29 صباحًا - بتوقيت القدس
بعد 40 يوماً من الحصار.. المصلون يدخلون المسجد الأقصى فجر اليوم
استعاد المسجد الأقصى المبارك فجر اليوم الخميس نبضه مع تدفق المصلين الفلسطينيين إلى ساحاته ومصلياته، وذلك عقب قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إعادة فتح أبوابه بعد إغلاق قسري استمر 40 يوماً متواصلة. ووثقت مصادر ميدانية مشاهد مؤثرة للمقدسيين وهم يدخلون المسجد مكبرين ومبتهجين بالعودة إلى قبلتهم الأولى بعد فترة انقطاع طويلة فرضتها الظروف العسكرية الراهنة.
وباشر متطوعون وسدنة المسجد الأقصى، فور فتح الأبواب، حملة واسعة لتنظيف وترتيب المصليات والساحات الخارجية وتجهيزها لاستقبال الحشود، استعداداً لإقامة الشعائر الدينية وصلاة الجمعة القادمة. وتأتي هذه الخطوة بعد أن ظل المسجد خالياً تماماً من المصلين منذ أواخر فبراير الماضي، حيث اقتصر الوجود فيه على عدد محدود جداً من الموظفين والحراس التابعين للأوقاف.
من جانبها، أعلنت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة أن أبواب المسجد باتت مفتوحة أمام المصلين من كافة الأعمار ابتداءً من صلاة الفجر، دون الإدلاء بتفاصيل إضافية حول طبيعة القيود التي قد تُفرض عند المداخل الخارجية. ويترقب الشارع الفلسطيني مدى التزام سلطات الاحتلال بتسهيل وصول المصلين من مناطق الضفة الغربية والداخل المحتل في ظل الحواجز المحيطة بالمدينة.
أبواب المسجد الأقصى ستُفتح أمام جميع المصلين ابتداء من صلاة فجر الخميس.
وجاء هذا التطور الميداني بعد إعلان رسمي من السلطات الإسرائيلية مساء الأربعاء، أكدت فيه استعدادها لإعادة فتح الأماكن المقدسة في القدس، بما في ذلك كنيسة القيامة، أمام الزوار والمصلين. وعزت أجهزة أمن الاحتلال هذا القرار إلى تحديثات في تعليمات الجبهة الداخلية، بعد فترة من الإغلاق التام الذي تزامن مع اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
ورغم قرار الفتح، إلا أن شرطة الاحتلال أبقت على حالة التأهب القصوى، حيث نشرت المئات من عناصرها وقوات حرس الحدود في أزقة البلدة القديمة وعلى الطرق المؤدية إلى المسجد الأقصى. وادعت المصادر الأمنية الإسرائيلية أن هذه التعزيزات تهدف إلى تأمين المنطقة، في حين يراها المقدسيون استمراراً لسياسة التضييق والمراقبة التي تهدف إلى تقليص أعداد الوافدين للمسجد.
يُذكر أن مدينة القدس المحتلة عاشت طوال الأسابيع الستة الماضية ظروفاً استثنائية تحت وطأة الإجراءات الأمنية المشددة، حيث تحولت البلدة القديمة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية المغلقة. وقد أدى هذا الإغلاق الطويل إلى حرمان آلاف الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية، وسط تحذيرات حقوقية ودولية من مغبة استمرار المساس بالوضع القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 7:14 صباحًا - بتوقيت القدس
تحت ضغط الملفات الشائكة.. استئناف صامت لعمليات ترحيل الجزائريين من فرنسا
أفادت مصادر إعلامية بأن السلطات الجزائرية استأنفت بهدوء عملية إعادة قبول مواطنيها الصادرة بحقهم قرارات ترحيل من الأراضي الفرنسية (OQTF). وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الجمود والتعطيل الذي شاب هذا الملف الحساس، حيث وصفت الدوائر الدبلوماسية في باريس هذه العودة بأنها انفراجة مهمة رغم أن الأرقام المسجلة حتى الآن لا تزال متواضعة.
وتشير المعطيات إلى أن التحركات الأخيرة لوزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر العاصمة، بدأت تؤتي ثمارها على أرض الواقع. وقد نجحت القنوات الرسمية في استعادة لغة الحوار التقني بعيداً عن الأضواء، مما سمح بإعادة تفعيل آليات التنسيق الأمني والقنصلي التي كانت متوقفة نتيجة التوترات السياسية المتلاحقة بين البلدين.
ورغم هذا التقدم في ملف الهجرة، إلا أن الساحة الإعلامية شهدت تصعيداً حاداً من جانب وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ضد المدعي الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستين. وجاء هذا الهجوم رداً على تصريحات للأخير وضع فيها الجزائر ضمن قائمة دول ترتبط بملفات 'إرهاب الدولة'، إلى جانب قوى دولية أخرى مثل إيران وروسيا.
واعتبرت الأوساط الرسمية في الجزائر أن إقحام اسمها في هذا السياق يمثل تصرفاً غير مسؤول ومتهوراً، خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل للبلاد في مكافحة الإرهاب خلال تسعينيات القرن الماضي. وذكرت مصادر مطلعة أن الجزائر كانت شريكاً أساسياً لباريس في محاربة الجماعات المتطرفة، وأن مساواتها بدول أخرى في هذا الملف يعد إنكاراً لجهودها وتضحياتها.
وفي قلب هذا التوتر القضائي، يبرز ملف موظف قنصلي جزائري جرى توقيفه في باريس خلال شهر أبريل من عام 2025. وتتهم السلطات الفرنسية الموظف بالتورط في محاولة اختطاف ناشط معارض يوصف بأنه مؤثر رقمي، بينما تؤكد الجزائر أن الناشط المعني مطلوب دولياً في قضايا تتعلق بالاحتيال والجرائم الإرهابية الخطيرة.
وتولت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا التحقيق في هذه القضية، حيث كُلف جهاز الاستخبارات الداخلية وفرق الجرائم الكبرى بمتابعة الملف. ويبدو أن القضية خرجت عن نطاق السيطرة الدبلوماسية المباشرة للإليزيه ووزارة الخارجية، لتصبح بيد القضاء الفرنسي الذي قرر تمديد الحبس الاحتياطي للموظف القنصلي لعام إضافي.
الآلة انطلقت مجددًا وهذا هو المهم؛ لقد تمت استعادة الحوار عبر القنوات الرسمية رغم أن الأرقام ليست مذهلة بعد.
وكانت وزارة الخارجية الجزائرية قد استدعت القائم بالأعمال الفرنسي للاحتجاج رسمياً على ظروف احتجاز موظفها، معبرة عن استنكارها الشديد للطريقة التي يتم التعامل بها معه. وترى الجزائر أن هذه القضية تُستخدم كأداة ضغط سياسي، في حين تصر باريس على استقلالية القضاء وعدم قدرة السلطة التنفيذية على التدخل في مسار التحقيقات الجارية.
وعلى صعيد آخر، برز خلاف جديد حول ملف استرداد الأموال المنهوبة التي تم تهريبها إلى الخارج خلال حقبة النظام السابق. وأعلن وزير الشؤون الخارجية الجزائري أن بلاده أرسلت 61 طلب تحري إلى السلطات الفرنسية في هذا الإطار، مؤكداً أن هذه الطلبات لم تلقَ أي رد فعلي حتى الآن، وهو ما يثير تساؤلات حول جدية التعاون القضائي.
في المقابل، تنفي مصادر فرنسية هذه الادعاءات، مؤكدة أن القضاء الفرنسي قدم المساعدة في عدة مناسبات دون أن يتلقى ردوداً واضحة من الجانب الجزائري. هذا التضارب في الأرقام والروايات يعكس عمق الفجوة في الثقة بين المؤسسات القضائية في كلا البلدين، رغم المحاولات المستمرة لتطبيع العلاقات الثنائية على المستويات العليا.
ولم تقتصر الانتقادات الجزائرية على الملفات القضائية، بل امتدت لتشمل التحركات الدبلوماسية الفرنسية الأخيرة، ومنها زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الفاتيكان. وربطت وسائل إعلام جزائرية بين هذه الزيارة والزيارة المرتقبة للبابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر، ملمحة إلى محاولات فرنسية للتأثير على قضايا قضائية معينة عبر وساطات دينية.
وتسعى باريس لتهدئة الأجواء من خلال إرسال شخصيات ذات ثقل دبلوماسي واقتصادي إلى الجزائر في الفترة المقبلة. ومن المتوقع أن تزور آن-كلير لوجاندر، المستشارة السابقة لماكرون، الجزائر نهاية شهر أبريل، في محاولة لترميم الجسور المكسورة والاستفادة من علاقاتها الواسعة داخل قصر المرادية الرئاسي.
كما يتوقع أن يرافق هذه التحركات الدبلوماسية وفد اقتصادي رفيع المستوى بقيادة باتريك مارتين، رئيس جمعية أرباب العمل الفرنسية. وتهدف هذه الزيارات المتتالية إلى البحث عن قواسم مشتركة في الملفات الاقتصادية والاستثمارية، لعلها تنجح في تخفيف حدة الخلافات السياسية والأمنية التي لا تزال تفرض ظلالها على علاقة البلدين.
تحليل
الخميس 09 أبريل 2026 7:14 صباحًا - بتوقيت القدس
انتقام بوتين: كيف تحولت إيران إلى ساحة روسية لاستنزاف واشنطن؟
على مدار سنوات الصراع في شرق أوروبا، قدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعماً علنياً وسخياً لأوكرانيا، شمل مليارات الدولارات وأحدث المنظومات التسليحية والمعلومات الاستخباراتية. كان الهدف الغربي من هذا الدعم واضحاً، وهو استخدام الساحة الأوكرانية كحرب بالوكالة لاستنزاف القدرات العسكرية والروسية وإضعاف نفوذ موسكو الدولي عبر عقوبات اقتصادية قاسية.
لكن المشهد الجيوسياسي شهد انقلاباً كبيراً في الآونة الأخيرة، حيث بدأت روسيا بتبادل الأدوار مع الغرب بشكل استراتيجي. فبينما انخرطت واشنطن في مواجهات واسعة لدعم حلفائها ضد إيران، قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توظيف طهران كأداة لمواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة من خلف الستار.
تجلت هذه الاستراتيجية الروسية في تقديم دعم عسكري وتقني غير مسبوق للجانب الإيراني، شمل تزويدها بمعلومات استخباراتية دقيقة وتكتيكات ميدانية متقدمة. ويرى مراقبون أن موسكو رفعت شعار 'أوكرانيا مقابل إيران' في رد حاسم على الانتقادات الأوروبية للدور الروسي المتصاعد في الشرق الأوسط.
وقد أقر الرئيس الأمريكي ترامب بهذا الواقع الجديد عندما سُئل عن الدعم الروسي لطهران، حيث أكد أن الطرفين يمارسان اللعبة ذاتها في ساحات مختلفة. وكشفت تقارير أن إدارة ترامب رفضت عرضاً روسياً صريحاً يقضي بوقف دعم إيران مقابل توقف واشنطن عن تسليح وتمويل القوات الأوكرانية.
وتشير البيانات التقنية إلى أن الدعم الروسي يتجاوز مجرد السلاح، ليصل إلى توفير صور أقمار صناعية عالية الدقة عبر القوات الجوية الروسية (VKS). هذه البيانات تتيح لطهران رصد القواعد العسكرية والأصول الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية بشكل آني، مما يرفع من دقة الضربات الإيرانية المحتملة.
أوكرانيا مقابل إيران.. هكذا ردت موسكو على استنزاف الغرب لقواتها عبر دعم طهران بتكتيكات عسكرية متطورة ومعلومات فضائية آنية.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكد بدوره هذه المعلومات، مشيراً إلى أن الخبرات الروسية باتت تتدفق نحو طهران بشكل مكثف. هذا التعاون يمثل رداً للجميل، بعد أن كانت إيران قد زودت موسكو بطائرات 'شاهد' الانتحارية في بدايات الحرب الأوكرانية ومنحتها مخططات تصنيعها محلياً.
اليوم، تتبنى إيران النهج العسكري الروسي القائم على استخدام أسراب كثيفة من الطائرات المسيرة الرخيصة لإرباك أنظمة الدفاع الجوي المتطورة. وتتبع هذه الأسراب ضربات صاروخية دقيقة تستهدف مراكز القيادة والسيطرة والرادارات، وهي تكتيكات أثبتت فاعليتها في الميدان الأوكراني ونُقلت بحذافيرها للمستشارين الإيرانيين.
إلى جانب الميدان العسكري، توظف روسيا قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لشن حرب دعاية مضللة تهدف لتضخيم القوة الإيرانية وإظهار تفوقها. وتعمل وسائل الإعلام الرسمية الروسية على نشر هذه المحتويات على نطاق واسع لتشتيت التركيز الأمريكي وإثارة القلق في الدوائر الغربية.
ويبدو أن هدف بوتين من هذا التصعيد هو استنزاف الموارد الأمريكية بعيداً عن الجبهة الأوكرانية، وهو ما تحقق جزئياً مع اضطرار واشنطن لسحب منظومات 'باتريوت' من أوروبا. هذا النقص في الدفاعات الجوية الأوكرانية جاء نتيجة إعادة توجيه الصواريخ نحو منطقة الخليج، في ظل محدودية الإنتاج الأمريكي الذي لا يتجاوز 65 صاروخاً شهرياً.
ولم تقتصر مكاسب موسكو على الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل أسواق الطاقة العالمية التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار نتيجة التوترات. هذا الارتفاع أجبر واشنطن على تخفيف بعض العقوبات النفطية على روسيا، مما وفر لموسكو تدفقات مالية بمليارات الدولارات استُخدمت في تمويل آلتها الحربية دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة بشكل مباشر ضد القوات الأمريكية.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 6:43 صباحًا - بتوقيت القدس
كواليس الساعات الأخيرة: كيف أدار مجتبى خامنئي مفاوضات وقف الحرب تحت التهديد الأمريكي؟
كشفت مصادر صحفية أمريكية عن تفاصيل اللحظات الحرجة التي سبقت التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، حيث برز اسم المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، كلاعب محوري أصدر الأوامر المباشرة للمفاوضين للتحرك نحو الصفقة. وجاء هذا التحرك في وقت كانت فيه القوات الأمريكية تضع اللمسات الأخيرة لشن حملة قصف وصفت بأنها الأضخم ضد البنية التحتية الإيرانية، مما وضع المنطقة على حافة انفجار شامل.
وصف مسؤولون في الدفاع الأمريكي تلك الساعات بـ 'المجنونة'، حيث سادت حالة من الغموض والسرية المطلقة داخل أروقة البنتاغون والقيادات العسكرية التي لم تكن تعلم المسار النهائي للأزمة. وبينما كان الرئيس ترامب يطلق تهديدات علنية بإبادة حضارة كاملة، كانت الطائرات والقطع البحرية تستعد لتنفيذ أهدافها، في حين شهدت المدن الإيرانية موجات نزوح للمدنيين خوفاً من الضربات الوشيكة.
أشارت التقارير إلى أن مجتبى خامنئي أدار دفة المفاوضات في ظل ظروف أمنية معقدة وتهديدات إسرائيلية بالاغتيال، حيث اعتمد على نظام 'العدّائين' لنقل ملاحظاته يدوياً لضمان السرية التامة. واعتبرت المصادر أن مباركة خامنئي الصريحة للمفاوضين كانت هي نقطة التحول الجوهرية التي سمحت بالانتقال من حالة التصعيد العسكري إلى المسار الدبلوماسي المفاجئ.
على الجانب الإيراني الداخلي، لعب وزير الخارجية عباس عراقجي دوراً حاسماً في إقناع قادة الحرس الثوري بضرورة القبول بالاتفاق وتجاوز التحفظات العسكرية. وقد استند عراقجي في مساعيه إلى نصائح صينية صريحة تلقتها طهران، أكدت على ضرورة إيجاد 'مخرج آمن' لتجنب مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى انهيار هيكلية الدولة الإيرانية أمام القوة الأمريكية.
شهد يوم الإثنين الذي سبق الاتفاق حالة من الغضب الشديد في الجانب الأمريكي، حيث وصف المبعوث ستيف ويتكوف المقترحات الإيرانية الأولية بأنها 'كارثية' وغير قابلة للتطبيق. تبع ذلك ماراثون من المفاوضات الفوضوية وتبادل المسودات عبر الوسطاء الباكستانيين، وبدعم دبلوماسي مكثف من وزيري خارجية مصر وتركيا اللذين بذلا جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر المتباعدة.
كانت الساعات الأخيرة مجنونة تماماً، ولم تكن القيادات العسكرية تعرف إلى أين تتجه الأمور حتى اللحظة الأخيرة قبل صدور الأوامر.
في واشنطن، تولى نائب الرئيس 'دي جي فانس' إدارة الاتصالات الحساسة مع الجانب الباكستاني من مقر إقامته في المجر، محاولاً ضبط إيقاع التفاهمات بعيداً عن الأضواء. وفي الوقت نفسه، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب التطورات بقلق متزايد، خشية أن تؤدي الصفقة إلى فقدان السيطرة على الضغوط الممارسة ضد البرنامج النووي والنفوذ الإيراني.
رغم الضجيج الإعلامي وتوقعات الانهيار التي سادت المشهد، كانت المفاوضات تكتسب زخماً غير مسبوق خلف الكواليس في الدقائق الأخيرة. وتلقى ترامب اتصالات مكثفة من 'صقور' الإدارة الأمريكية تطالبه برفض التهدئة والاستمرار في خيار القوة، إلا أنه قرر حسم الأمر بعد مشاورات نهائية مع نتنياهو لضمان التنسيق، واتصال مع المشير الباكستاني عاصم منير لإغلاق الثغرات الأخيرة.
جاءت لحظة الحسم بصدور أوامر التراجع للقوات الأمريكية بعد 15 دقيقة فقط من قيام ترامب بنشر إعلان الاتفاق عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا التوقيت القصير يعكس مدى الجاهزية العسكرية التي كانت قائمة، وكيف أن القرار السياسي نجح في اللحظة الأخيرة في سحب فتيل مواجهة كانت ستبدأ فعلياً قبل بزوغ الفجر.
من المتوقع أن يقود نائب الرئيس 'فانس' الوفد الأمريكي في جولة مفاوضات تكميلية في باكستان يوم الجمعة المقبل، وهي المهمة التي توصف بأنها الأهم في مسيرته السياسية حتى الآن. وفي المقابل، تستعد الماكنة الإعلامية في البيت الأبيض للترويج بأن سياسة 'الضغوط القصوى' والتهديدات العسكرية هي التي أرغمت طهران على الخضوع، بينما تحاول الأخيرة تصوير الاتفاق كحماية لسيادتها.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 6:42 صباحًا - بتوقيت القدس
خمسون عاماً على يوم الأرض: صراع الوجود والهوية الفلسطينية مستمر
أحيا الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده الذكرى الخمسين ليوم الأرض الخالد، وسط تأكيدات رسمية وشعبية على أن قضية الأرض تظل المحور المركزي للهوية الوطنية. وقد تشكلت هذه الهوية في أتون الصراع المستمر للدفاع عن الوجود الفلسطيني، حيث يزداد هذا الصدام سخونة مع تصاعد مشاريع سلب الأراضي وتعاظم إرادة أصحاب الحق في الذود عنها.
تعود جذور هذه الذكرى إلى الثلاثين من مارس عام 1976، حين هبت الجماهير الفلسطينية في مناطق الـ48، وتحديداً في الجليل والمثلث والنقب والساحل، للتصدي لمشاريع المصادرة الإسرائيلية. وقد مثلت تلك الهبة الشعبية نقطة تحول تاريخية، حيث أثبتت قدرة الفلسطينيين على الوحدة الكفاحية رغم سياسات التجزئة والتقسيم التي فرضت عليهم منذ النكبة.
أصدرت لجنة المتابعة العليا كراساً توثيقياً خاصاً بهذه المناسبة، يهدف إلى تعزيز الوعي الوطني وشحذ الهمم في معركة الدفاع عن الأرض. وتكمن أهمية هذه الوثيقة في كونها تحظى بإجماع وطني شامل من كافة الأحزاب والحركات السياسية والسلطات المحلية العربية، مما يجعلها مرجعاً تربوياً ونضالياً للأجيال الصاعدة.
تاريخياً، بدأ الصراع على الأرض مع بدايات الاستيطان الأولى في فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، حيث واجه الفلاحون العرب محاولات اقتلاعهم من قراهم. ومع مرور العقود، لم يتغير جوهر الصراع، إذ ظل صداماً بين أصحاب الأرض الشرعيين ومشروع استعماري يسعى لإحلال مستوطنين جدد مكان السكان الأصليين عبر سياسات ممنهجة.
تشير البيانات التاريخية إلى أن الحركة الصهيونية كانت تسيطر على نحو 6% فقط من مساحة فلسطين عشية نكبة عام 1948. وعقب عمليات التهجير الكبرى، نفذت السلطات الإسرائيلية عمليات سطو مقوننة عبر عشرات القوانين التي استهدفت أملاك اللاجئين وأراضي الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم وفرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية.
الأرض ليست مجرد ملكية عقارية، بل هي الوطن وأساس الهوية، والدفاع عنها هو دفاع عن الذات والوجود والكرامة الفلسطينية.
رغم أن عدد الفلسطينيين في الداخل تضاعف نحو 12 مرة منذ عام 1948 ليصل إلى 1.8 مليون نسمة، إلا أن مساحة الأراضي المتبقية في أيديهم تقلصت إلى الربع. هذا التناقض الصارخ بين النمو الديموغرافي وانحسار الحيز الجغرافي خلف جروحاً عميقة وغضباً شعبياً تراكم حتى انفجر في أحداث يوم الأرض الشهيرة.
كان مشروع 'تطوير الجليل' الذي طرحته الحكومة الإسرائيلية عام 1975 هو الشرارة التي أشعلت الغضب، حيث استهدف تهويد المنطقة الشمالية وتغيير واقعها الجغرافي. وكشفت 'وثيقة كينج' في ذلك الوقت عن قلق إسرائيلي رسمي من التكاثر السكاني العربي، مما دفع السلطات لمحاولة مصادرة 21 ألف دونم إضافية في مناطق سخنين وعرابة ودير حنا.
انطلقت شرارة المواجهات مساء 29 مارس 1976 في بلدة دير حنا، ثم امتدت سريعاً إلى عرابة حيث ارتقى الشهيد خير ياسين كأول ضحايا تلك الهبة. وفي اليوم التالي، عمت المواجهات مختلف البلدات العربية، وسقط برصاص القوات الإسرائيلية خمسة شهداء آخرين في سخنين وكفركنا والطيبة، لتعمد دماؤهم وحدة الأرض والمصير.
لم يكن يوم الأرض مجرد حدث عابر، بل كان محطة مفصلية تجلت فيها وحدة الفلسطينيين في الداخل عبر أول إضراب عام وشامل. ومنذ ذلك الحين، تبنت الحركة الوطنية الفلسطينية في الوطن والشتات هذا اليوم، ليتحول من هبة محلية في الجليل إلى يوم وطني جامع يجسد كسر حاجز الخوف والإصرار على الحقوق التاريخية.
في الوقت الراهن، تواجه قضية الأرض تحديات تفوق في خطورتها ما كان قائماً عام 1976، حيث يسعى المشروع الاستيطاني للسيطرة الكاملة وتفريغ الأرض من سكانها. وما يحدث اليوم في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية والنقب من هدم للمنازل ومصادرة للمساحات الواسعة، يؤكد أن معركة الوجود لا تزال مستمرة وتتطلب استلهام روح يوم الأرض للصمود والبقاء.
تحليل
الخميس 09 أبريل 2026 5:36 صباحًا - بتوقيت القدس
فانس يقود الوفد الأميركي للتفاوض مع إيران في إسلام أباد وسط اختبار هش لوقف إطلاق النار
واشنطن – سعيد عريقات – 9/4/2026
تحليل إخباري
أعلن البيت الأبيض، يوم الأربعاء، أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، سيقود فريق التفاوض الأميركي في المحادثات المرتقبة في إسلام آباد خلال عطلة نهاية الأسبوع، في خطوة تعكس، وفق مؤشرات أولية، محاولة لإضفاء زخم سياسي على مسار تفاوضي هش يرتبط بوقف إطلاق نار محدود المدة. ويأتي ذلك بعد الإعلان، ليل الثلاثاء-الأربعاء، عن اتفاق لوقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لمدة أسبوعين، وسط أجواء يغلب عليها الحذر والتشكيك في قابلية الاستمرار.
وبحسب ما أعلنته السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارولين ليفيت، فإن فانس ، الذي عارض الحرب منذ بدايتها وحتى قبل ذلك، سيرأس الوفد الذي يضم أيضاً مبعوثي الرئيس دونالد ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ويُنظر إلى مستوى التمثيل الأميركي في هذه المحادثات بوصفه مؤشراً على جدية الانخراط، لا سيما بعد تقارير سابقة أشارت إلى احتمال غياب فانس لأسباب أمنية، أو إلى انعقاد اللقاءات في توقيت مختلف. وقد أكدت الإدارة ثقتها في ترتيبات الحماية الأمنية لنائب الرئيس خلال زيارته إلى باكستان.
في المقابل، تشير تسريبات دبلوماسية إلى أن طهران تفضّل أن يقود فانس مسار التفاوض، في ضوء تحفظاتها على أداء ويتكوف وكوشنر خلال جولات سابقة، واتهامهما بتحريف بعض المواقف الإيرانية. كما يُعد فانس من بين الأصوات القليلة داخل الإدارة التي أبدت تحفظاً، بحسب تقارير، على خيار التصعيد العسكري مع إيران، وهو ما قد يفسر الرهان الإيراني عليه بوصفه شريكاً تفاوضياً أكثر قابلية للتفاهم.
وخلال كلمة ألقاها في بودابست، أشار فانس إلى أن ترمب يُظهر نفاد صبر إزاء بطء التقدم نحو إنهاء الحرب، مؤكداً أن الرئيس وجّه فريقه للتفاوض “بحسن نية”. إلا أن هذه الإشارات الإيجابية تزامنت مع تطورات ميدانية معاكسة، إذ سرعان ما تعرّض وقف إطلاق النار لاختبارات جدية، في ظل تبادل الاتهامات والانتهاكات.
فقد اتهمت إيران إسرائيل باستهداف منشآت نفطية، في حين تحدثت دول خليجية عن تعرضها لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية خلال يوم الأربعاء، بعد ليلة شهدت ضربات صاروخية على إسرائيل. ويعكس هذا التصعيد المتبادل هشاشة التفاهمات المعلنة، ويطرح تساؤلات حول قدرة الوسطاء على احتواء التدهور.
وتبرز مسألة شمول لبنان ضمن اتفاق وقف إطلاق النار كأحد أبرز نقاط الخلاف. ففي حين أشار وسطاء باكستانيون إلى أن الاتفاق يمتد ليشمل الساحة اللبنانية، نفت الولايات المتحدة وإسرائيل ذلك بشكل قاطع. وأكد فانس أن ما وصفه بـ”سوء فهم مشروع” دفع إيران للاعتقاد بأن لبنان مشمول، مشدداً على أن الاتفاق يركّز حصراً على إيران وحلفاء واشنطن، وتحديداً إسرائيل ودول الخليج.
,رغم حديث فانس عن استعداد إسرائيلي لإبداء قدر من ضبط النفس في لبنان دعماً للمفاوضات، لم تظهر مؤشرات ميدانية واضحة على ذلك، إذ شهد جنوب لبنان تصعيداً لافتاً في الضربات الإسرائيلية. وقد اعتبر فانس أن ربط إيران مصير المفاوضات بالوضع في لبنان يظل “خياراً” تتخذه طهران، في إشارة إلى رفض واشنطن توسيع إطار التفاوض.
على صعيد آخر، صعّد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لهجته، متهماً الولايات المتحدة بانتهاك ثلاثة بنود من مقترح إيراني من عشر نقاط، قُدّم كأساس لاتفاق طويل الأمد. وشملت هذه البنود، وفق الرواية الإيرانية، شمول وقف إطلاق النار للبنان، ومنع اختراق المجال الجوي الإيراني، والاعتراف بحق طهران في تخصيب اليورانيوم.
وفي حين أعلن ترمب سابقاً قبوله المقترح الإيراني كقاعدة للتفاوض، أكدت واشنطن لاحقاً أن النسخة المنشورة في الإعلام الإيراني لا تعكس الصيغة الفعلية المقدمة، من دون أن تكشف عن تفاصيلها. ويعكس هذا التباين فجوة ثقة مستمرة، أشار إليها قاليباف صراحة، معتبراً أن سجل الولايات المتحدة في “انتهاك الالتزامات” يبرر الشكوك الإيرانية.
من جهته، حاول فانس التقليل من أهمية الخلافات، معتبراً أن التركيز على ثلاث نقاط خلافية قد يعني وجود أرضية اتفاق أوسع. إلا أنه أثار جدلاً بتشكيكه في دقة فهم قاليباف لبعض عناصر المقترح، في تعليق قد يُنظر إليه على أنه يزيد من تعقيد الأجواء التفاوضية.
وفي السياق ذاته، وصفت ليفيت وقف إطلاق النار بأنه "انتصارا" للولايات المتحدة، مشيرة إلى تحقيق أهداف عسكرية رئيسية، من بينها إضعاف القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية وتقليص دعمها لحلفائها الإقليميين. غير أنها أقرت ضمنياً بأن هذه القدرات لم تُدمّر بالكامل، بل تراجعت لسنوات إلى الوراء، ما يفتح الباب أمام تقييمات متباينة لنتائج المواجهة.
وتعكس طبيعة التحركات الأميركية الحالية محاولة لإدارة التوازن بين التصعيد والاحتواء، إذ تسعى واشنطن إلى استثمار الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. غير أن تعدد مسارات الصراع، من الخليج إلى لبنان، يجعل من الصعب حصر التفاهمات في إطار جغرافي ضيق. كما أن التباين بين الخطاب السياسي والوقائع الميدانية قد يقوض الثقة تدريجياً، ما لم تُترجم النوايا المعلنة إلى التزامات قابلة للتحقق.
ويبرز اختيار فانس لقيادة الوفد التفاوضي كمؤشر على إدراك داخل الإدارة لأهمية البعد الشخصي في إدارة الأزمات الدولية. فالمفاوضات في مثل هذه السياقات لا تعتمد فقط على النصوص، بل أيضاً على مستوى الثقة بين الأطراف. وإذا صح أن طهران ترى في فانس محاوراً أقل تشدداً، فإن ذلك قد يفتح نافذة محدودة للتفاهم، وإن كانت محاطة بقيود سياسية داخلية لدى الجانبين.
ويطرح إسناد مهمة التفاوض إلى فانس تساؤلات حول تراجع أدوار شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين ارتبط اسمهما سابقاً بملفات الشرق الأوسط. هذا التهميش قد يعكس تقييمًا داخل الإدارة لضعف خبراتهما التقنية والدبلوماسية في إدارة نزاع معقد بهذا الحجم، أو لاعتبارات تتعلق بضرورة إعادة ضبط المسار التفاوضي بعيداً عن قنوات أثبتت محدودية فعاليتها في أزمات سابقة.
كما أن الارتباط الوثيق بين بعض المفاوضين الأمريكيين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يثير شكوكاً حول حيادية الجدية الأمريكية في التفاوض، ويضعف ثقة طهران في جدية واشنطن ،ويعزز قناعة بأن التفاوض يجري ضمن إطار منحاز، خاصة وأن الولايات المتحدة شنت حرب على إيران مرتين أثناء التفاوض مع فريق ويتكوف كوشنر. وبالتالي، فإن نجاح المسار الدبلوماسي يتطلب إظهار قدر أكبر من الاستقلالية الأمريكية، سواء عبر تغيير الوجوه أو تعديل آليات التفاوض لضمان توازن نسبي في المقاربة.
وتكشف الخلافات حول بنود المقترح الإيراني عن معضلة أعمق تتعلق بتضارب السرديات، حيث يتمسك كل طرف بتفسير مختلف لنفس الوثيقة. وفي غياب شفافية كاملة، يصبح من الصعب التحقق من صحة الادعاءات المتبادلة، ما يعزز مناخ الشك. كما أن إدخال قضايا سيادية حساسة، مثل التخصيب أو المجال الجوي، في صلب التفاوض، يزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية سريعة، ويجعل أي اتفاق عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 5:29 صباحًا - بتوقيت القدس
بأسماء ضحاياها.. كيف توظف واشنطن إرث 'السكان الأصليين' في ترسانتها العسكرية؟
تتجلى في الترسانة العسكرية الأمريكية مفارقة تاريخية وأخلاقية عميقة، حيث تعتمد واشنطن في تسمية أحدث طائراتها وصواريخها الفتاكة على أسماء قبائل وزعماء السكان الأصليين. هؤلاء الذين تعرضوا لحملات إبادة وتهجير تاريخية على يد القوات الأمريكية، باتت أسماؤهم اليوم تزين آلات الحرب التي تنفذ عمليات عسكرية في مختلف قارات العالم.
ومن أبرز الأمثلة على هذا النهج، صاروخ 'توماهوك' الجوال الذي يعد ركيزة أساسية في الهجمات الصاروخية الأمريكية، حيث استمد اسمه من فأس الحرب التقليدية التي استخدمها الهنود الأصليون. وقد سجلت تقارير حقوقية استخدام هذا السلاح في عمليات أدت لسقوط مدنيين، من بينها استهداف منشآت تعليمية، مما يعمق جراح الذاكرة المرتبطة بهذا الاسم.
وفي سماء المعارك، تبرز مروحية 'أباتشي' (AH-64) كواحدة من أقوى الطائرات الهجومية في العالم، وقد سُميت تيمناً بقبائل الأباتشي التي اشتهرت بضراوتها القتالية الفائقة. كما تبرز مروحية 'بلاك هوك' (UH-60) التي تحمل اسم الزعيم المحارب من قبيلة ساوك، والذي قاد مواجهات تاريخية ضد التوسع الأمريكي في أراضي أجداده.
ولا يتوقف الأمر عند الطائرات الهجومية، بل يمتد ليشمل طائرات النقل الثقيل مثل 'شينوك' (CH-47)، المنسوبة لشعوب قطنت شمال غرب المحيط الهادئ. وتستخدم مروحيات 'كايوا' (OH-58) و'لاكوتا' (UH-72) في مهام الاستطلاع والمهام المتعددة، وهي أسماء تعود لقبائل السهول الكبرى واتحاد قبائل السيوكس الشهير.
تعود جذور هذه السياسة إلى عام 1969، حين وضع الجيش الأمريكي لائحة رسمية لتنظيم تسمية المعدات العسكرية بمبادرة من الجنرال هاميلتون هاوز. ومنذ ذلك الحين، يتولى مكتب 'الشؤون الهندية' داخل المؤسسة العسكرية مهمة اختيار الأسماء التي يرى الجيش أنها تخليد لذكرى المقاتلين القدامى، بينما يراها آخرون استغلالاً رمزياً.
وتشمل القائمة أيضاً مروحيات 'إيروكوا' و'كايوس' و'كريك'، بالإضافة إلى طائرات الشحن من طراز 'هيرون' وطائرات المراقبة 'يوت'. كل هذه المسميات تعكس رغبة عسكرية في استحضار روح القتال والمناورة التي ميزت السكان الأصليين، وتوظيفها في سياق القوة الجوية الحديثة للولايات المتحدة.
لكن هذه التسميات لا تخلو من إهانات مبطنة، حيث أفادت مصادر بأن الجيش الأمريكي لا يزال يستخدم مصطلح 'بلدان الهنود' للإشارة إلى مناطق النزاع والعمليات الخارجية. هذا الربط بين أراضي 'العدو' الحالي وأراضي السكان الأصليين قديماً يثير استياءً واسعاً لدى المنظمات الممثلة للهنود الأمريكيين.
اختيار هذه الأسماء يذكرنا بسهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بأسماء ضحايا جرائمنا، فربما كنا سنتصرف بشكل مختلف لو أطلق النازيون أسماء ضحاياهم على طائراتهم.
وقد استنكر المؤتمر الوطني للهنود الأمريكيين تكرار هذه المصطلحات في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، معتبرين أنها تقلل من تضحياتهم وتضعهم في خانة 'العدو' الدائم. ويرى مراقبون أن هذه اللغة العسكرية تعكس عقلية استعمارية لم تتخلص تماماً من رواسب الصراعات الداخلية القديمة.
ولعل الواقعة الأكثر إثارة للجدل كانت استخدام اسم 'جيرونيمو' كرمز سري في العملية التي استهدفت أسامة بن لادن في باكستان. وجيرونيمو هو قائد أسطوري من قبائل الأباتشي قاوم القوات الأمريكية لسنوات طويلة قبل أن يتم اعتقاله كأسر حرب حتى وفاته في أوائل القرن العشرين.
أثار هذا الاستخدام غضباً عارماً بين السكان الأصليين، الذين اعتبروا مساواة زعيمهم الوطني بـ 'إرهابي' دولي إهانة لا تغتفر لتاريخهم. ورغم أن وزارة الدفاع لم تؤكد رسمياً تفاصيل كلمة السر، إلا أن التقارير المسربة أكدت استخدام عبارة 'جيرونيمو إيكيا' للإعلان عن مقتل الهدف.
الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي دخل على خط الأزمة، منتقداً بشدة هذه السياسة التحريرية والعسكرية في اختيار الأسماء. وأشار تشومسكي إلى أن البيت الأبيض، من حيث لا يدري، قد يكون مجد بن لادن عبر منحه اسم زعيم مقاومة شجاع قاد شعبه ضد الغزاة.
وأضاف تشومسكي في تعليقاته أن تسمية أسلحة القتل بأسماء الضحايا هي ظاهرة تستحق التأمل في السيكولوجية السياسية الأمريكية. وتساءل باستنكار عن رد فعل العالم لو أن القوات النازية أطلقت أسماء ضحاياها من الأقليات على طائراتها المقاتلة في الحرب العالمية الثانية.
إن استمرار استخدام هذه الأسماء يضع المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام تساؤلات أخلاقية مستمرة حول كيفية التوفيق بين 'التكريم' المزعوم والواقع العملي لهذه الأسلحة. فبينما يرى الجنرالات فيها فخراً، يراها أحفاد القبائل تذكيراً مستمراً بآلات الموت التي سحقت حضارتهم يوماً ما.
وفي الختام، تظل قصة 'أسماء الأسلحة' فصلاً مفتوحاً في نقاش أوسع حول الهوية والتاريخ في الولايات المتحدة، حيث تصطدم الرواية الرسمية للجيش مع مشاعر الضحايا التاريخيين. ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت واشنطن ستراجع هذه السياسة مستقبلاً أم ستستمر في التحليق بأسماء من طاردتهم في الماضي.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 4:57 صباحًا - بتوقيت القدس
من أسوار السرايا إلى حاملات الطائرات.. لماذا يطارد اسم 'طرابلس' الذاكرة العسكرية الأميركية؟
في ظل التصعيد العسكري الذي يشهده الشرق الأوسط، برز اسم العاصمة الليبية طرابلس مجدداً في التقارير الاستراتيجية، ولكن ليس كساحة جغرافية للصراع الحالي، بل كرمز محفور على بدن السفينة الهجومية البرمائية الأميركية 'يو إس إس تريبولي' (USS Tripoli LHA-7). هذا الحضور يعيد إلى الأذهان حقبة تاريخية شكلت ملامح العقيدة العسكرية للولايات المتحدة خارج حدودها القارية.
تتواجد السفينة 'تريبولي' حالياً في المنطقة حاملة على متنها نحو 2200 عنصر من وحدة الاستكشاف الحادية والثلاثين لمشاة البحرية. ويأتي هذا التحرك ضمن تقليد عسكري أميركي عريق يقضي بتخليد الانتصارات والمعارك الفاصلة عبر إطلاق أسمائها على القطع البحرية الكبرى، حيث يمثل اسم طرابلس محطة مفصلية في الذاكرة المؤسسية للجيش الأميركي.
تعود جذور هذه التسمية إلى أوائل القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى ما يُعرف بـ 'الحرب البربرية الأولى' أو حرب السنوات الأربع. كانت هذه المواجهة هي الاختبار الحقيقي الأول للبحرية الأميركية الناشئة بعد استقلال الولايات المتحدة، حيث وجدت واشنطن نفسها في مواجهة مباشرة مع إيالة طرابلس التي كانت تسيطر على ممرات الملاحة في البحر المتوسط.
في تلك الحقبة، كان نظام الملاحة في المتوسط يعتمد على دفع إتاوات ورسوم حماية للقوى المحلية لضمان سلامة السفن التجارية. ومع رفض الإدارة الأميركية الجديدة الاستمرار في دفع هذه المبالغ، أعلن حاكم طرابلس يوسف باشا القره مانلي الحرب على الولايات المتحدة في عام 1801، مما أطلق شرارة أول صراع عسكري أميركي عابر للحدود.
شهدت الحرب أحداثاً دراماتيكية، كان أبرزها جنوح الفرقاطة الأميركية 'فيلادلفيا' قرب سواحل طرابلس في عام 1803. تمكنت القوات الليبية حينها من أسر الطاقم بالكامل واحتجاز السفينة، مما شكل صدمة كبرى للقيادة الأميركية ونقطة تحول نفسية وعسكرية في مسار الصراع الذي استمر لسنوات.
ردت البحرية الأميركية بعملية وصفت بأنها الأجرأ في ذلك العصر، حيث قاد الضابط ستيفن ديكاتور فرقة خاصة للتسلل إلى ميناء طرابلس وإحراق الفرقاطة 'فيلادلفيا' لمنع الليبيين من استخدامها. هذه العملية نالت إعجاب القادة العسكريين في العالم آنذاك، واعتبرها الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون عملاً بطولياً فريداً من نوعه.
لم تتوقف المواجهة عند الحصار البحري، بل امتدت لتشمل عمليات برية جريئة انطلقت من الأراضي المصرية باتجاه شرق ليبيا. قادت القوات الأميركية وحلفاؤها حملة عبر الصحراء انتهت بالسيطرة على مدينة درنة، وهي اللحظة التي شهدت رفع العلم الأميركي لأول مرة فوق أرض أجنبية في التاريخ العسكري للولايات المتحدة.
تسمية طرابلس في السفن الحربية الأميركية تعود إلى أول تجربة قتالية خارجية خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها.
انتهت الحرب في عام 1805 بتوقيع معاهدة سلام، وعلى الرغم من أنها تضمنت دفع فدية مقابل إطلاق سراح الأسرى الأميركيين، إلا أن واشنطن اعتبرتها انتصاراً استراتيجياً. فقد نجحت الحرب في كسر قيود الإتاوات المفروضة على تجارتها البحرية وأثبتت قدرتها على حماية مصالحها في أقاليم بعيدة جداً عن سواحلها.
بقي اسم طرابلس حياً في الوجدان العسكري الأميركي، حيث تم تخليده في النشيد الرسمي لمشاة البحرية 'المارينز'. العبارة الشهيرة 'إلى شواطئ طرابلس' لا تزال تتردد في احتفالاتهم العسكرية، كإشارة دائمة إلى أول انتصار خارجي ساهم في صياغة هوية هذه القوة القتالية النخبوية.
المؤرخون يشيرون إلى أن استمرار إطلاق اسم 'تريبولي' على السفن الحربية الحديثة يعكس رغبة أميركية في ربط القوة المعاصرة بالجذور التاريخية. فالسفينة التي تجوب مياه الشرق الأوسط اليوم تحمل معها إرثاً يمتد لأكثر من قرنين، يذكر العالم ببدايات النفوذ الأميركي في البحار والمحيطات.
في المقابل، لا تزال مدينة طرابلس الليبية تحتفظ بشواهد مادية على تلك الحقبة التاريخية البعيدة. فسارية الفرقاطة الأميركية 'فيلادلفيا' لا تزال معلقة فوق أسوار السرايا الحمراء في قلب العاصمة، تطل على البحر كشاهد صامت على مواجهة بحرية غيرت مجرى التاريخ السياسي بين البلدين.
إلى جانب السارية، يضم ميدان الشهداء في طرابلس نصباً تذكارياً يذكر بحادثة أسر الفرقاطة، مما يجعل الذاكرة مشتركة بين الطرفين وإن اختلفت زوايا الرؤية. فبينما يراها الأميركيون رمزاً للبطولة والانتشار العالمي، يراها الليبيون فصلاً من فصول المقاومة والسيادة البحرية في القرن التاسع عشر.
إن الحضور المتجدد لاسم طرابلس في الخرائط العسكرية الحالية ليس مجرد مصادفة جغرافية، بل هو استدعاء لرمزية القوة. فالسفينة 'يو إس إس تريبولي' تمثل امتداداً لسياسة 'العصا الغليظة' التي بدأت ملامحها تتشكل منذ تلك المواجهة الأولى على السواحل الليبية قبل مئتي عام.
ختاماً، يظل اسم طرابلس عابراً للقرون، يربط بين ماضٍ كانت فيه الولايات المتحدة قوة ناشئة تحاول إثبات ذاتها، وحاضرٍ تقود فيه أساطيلها العمليات العسكرية الكبرى. هي قصة مدينة ليبية تحولت في القاموس العسكري الأميركي من خصم عنيد إلى رمز خالد للقوة والنفوذ.
تحليل
الخميس 09 أبريل 2026 4:57 صباحًا - بتوقيت القدس
اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن: قراءة في توازنات الردع الجديدة
يأتي اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية فجر الأربعاء، الثامن من نيسان 2026، ليتوج أربعين يوماً من المواجهات العسكرية المحتدمة. ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمثل نقطة تحول جوهرية في صراع الإرادات، حيث استطاع محور المقاومة تثبيت معادلات ردع جديدة في المنطقة.
لقد أثبتت الأيام الأربعون الماضية قدرة المنظومة الدفاعية الإيرانية على امتصاص الضربات الجوية والصاروخية المكثفة التي شنتها القوات المشتركة. وبحسب مصادر مطلعة، فإن إدارة المعركة تمت ببراعة على جبهات متعددة، مما حال دون تحقيق الحلف المعادي لأهدافه المعلنة في تدمير البنية التحتية الحيوية.
إن قبول الإدارة الأمريكية بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لم يكن مجرد مناورة تكتيكية، بل جاء كاعتراف ضمني بصعوبة الاستمرار في الخيار العسكري. هذا التحول يعكس ضرورة البحث عن مخرج دبلوماسي يجنب القوى الكبرى المزيد من الخسائر الاستراتيجية في ظل صمود ميداني غير مسبوق.
برزت الوساطة الباكستانية كعامل حاسم في اللحظات الأخيرة، حيث نجحت في نزع فتيل انفجار أوسع قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة التهديدات الأمريكية. هذا التراجع في الخطاب التصعيدي للرئيس ترامب يشير إلى فجوة كبيرة بين الوعيد الإعلامي والقدرة الفعلية على حسم المعارك على الأرض.
ما يعزز من قيمة هذا الإنجاز السياسي هو قبول واشنطن، في خطوة غير مسبوقة، للإطار العام للمقترح الإيراني ذي النقاط العشر كقاعدة للتفاوض المباشر. هذا التطور يضع طهران في موقع الفاعل الأساسي الذي يفرض شروطه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.
من جانبه، وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ما جرى بأنه انتصار تاريخي، مؤكداً أن الواقع الجيوسياسي الجديد قد فرض نفسه. ولم تكن هذه التصريحات مجرد شعارات، بل استندت إلى معطيات ميدانية أكدت فشل محاولات دفع طهران نحو الاستسلام أو الخضوع للإملاءات الخارجية.
في المقابل، سادت حالة من الذهول داخل الأوساط السياسية في الكيان الصهيوني جراء تهميشه في صياغة هذا الاتفاق. فقد كشفت التطورات أن القرار الأمريكي اتُخذ بمعزل عن التنسيق المباشر مع تل أبيب، مما يوجه ضربة قوية لأسطورة التحالف غير المشروط بين الطرفين.
قبول واشنطن بالمقترح الإيراني ذي النقاط العشر يمثل اعترافاً صريحاً بمركزية دور طهران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
هذا التهميش الاستراتيجي يوضح أن المصالح الأمريكية العليا قد تتقدم أحياناً على الرغبات الإسرائيلية، خاصة عندما تتعرض هيبة واشنطن للخطر. وبات واضحاً أن الولايات المتحدة تبحث الآن عن سبل لإنقاذ ما تبقى من نفوذها في المنطقة بعيداً عن المغامرات العسكرية غير محسومة النتائج.
إن الرسالة الموجهة للأطراف الإقليمية من خلال هذا الاتفاق تكمن في أن أمن واستقرار المنطقة لا يمكن استيراده من الخارج. فقد شاهد حلفاء واشنطن عجز القوة العسكرية المتفوقة عن كسر إرادة الشعوب التي تتبنى خيار المواجهة والردع الذاتي.
تعتبر المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لتصوير النتائج كنجاح لها مجرد مساعٍ بائسة لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام. فالحقائق على الأرض تشير إلى هزيمة استراتيجية للمشاريع التي استهدفت إعادة رسم خارطة المنطقة بالقوة العسكرية خلال الأسابيع الماضية.
وعلى الأنظمة التي تراهن على الحماية الأمريكية أن تعيد حساباتها بدقة بعد هذا التراجع المهين لواشنطن أمام القوة الإيرانية. فالمراهنة على 'الحصان الخاسر' لم تعد خياراً آمناً في ظل المتغيرات الدولية والجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة العالمية.
يؤكد محور المقاومة أن يده لا تزال على الزناد، مشدداً على عدم الثقة بالوعود الأمريكية التي غالباً ما تتسم بالمراوغة. فالخبرات المتراكمة من الحروب السابقة مكنت المقاومة من قراءة نوايا العدو واستباق خطواته العدائية بردود فعل حازمة وكلفة باهظة.
إن أي خطأ جديد في الحسابات من قبل الجانب الأمريكي أو الإسرائيلي سيقابل برد يفوق المستويات السابقة بمراحل. فالمعادلة اليوم لم تعد تسمح بالاعتداء دون دفع ثمن مباشر وفوري يطال المصالح الحيوية للمعتدين في كافة أرجاء المنطقة.
ختاماً، فإن هذا الاتفاق ليس نهاية المطاف في الصراع الوجودي، بل هو محطة متقدمة في مسيرة طويلة تهدف لرفع الظلم. وتبقى المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد القادر على انتزاع الحقوق وتحقيق السيادة الكاملة بعيداً عن الهيمنة والغطرسة الدولية.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 4:57 صباحًا - بتوقيت القدس
ادعاءات مصطفى بكري حول 'الوساطة المصرية' في حرب إيران تثير موجة غضب خليجية
تسببت تدوينات نشرها الكاتب والنائب المصري السابق مصطفى بكري في حالة من الاستياء الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي في دول الخليج، وذلك عقب ادعائه أن الفضل في التوصل لاتفاق وقف الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، يعود بالأساس إلى التحركات الدبلوماسية المصرية. وزعم بكري أن التنسيق بين الخارجية المصرية والمخابرات العامة، وتحت رعاية مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، هو ما حقق 'المعادلة الصعبة' بين كافة الأطراف المتنازعة.
وأشار بكري في حديثه إلى أن المقترح الذي تقدمت به باكستان رسمياً لم يكن إلا نتاج مشاورات مكثفة جرت بين مصر وتركيا وسلطنة عمان، حيث تم الاتفاق على أن يتولى رئيس الوزراء الباكستاني تقديم هذه المبادرة للعلن. ووصف بكري الدولة المصرية بأنها باتت 'الرقم الصعب' والوسيط النزيه الذي يحظى باحترام القوى الإقليمية والدولية، معتبراً أن القاهرة هي المحرك الفعلي لجهود التهدئة التي أنهت جولة من الصراع العسكري العنيف.
في المقابل، واجهت هذه التصريحات ردود فعل خليجية غاضبة، حيث اتهمت حسابات ومحللون بكري بمحاولة 'سرقة جهود الآخرين' ونسبها لبلاده، مؤكدين أن باكستان هي من قادت الوساطة بشكل مباشر وفعال. وذكر مغردون أن محاولة تهميش الدور الباكستاني والادعاء بوجود مطبخ سياسي خلفي تديره القاهرة لا يعكس الواقع الدبلوماسي الذي شهدته الأزمة خلال الأسابيع الماضية، معتبرين أن هذه التصريحات تفتقر للدقة وتثير الحساسيات بين الحلفاء.
مصر أصبحت الرقم الصعب في المعادلة، والجهد المصري كان وراء بلورة الاقتراح الذي تقدمت به باكستان.
وانتقدت أطراف خليجية ما وصفته بالموقف المصري 'البارد' خلال فترة التصعيد العسكري، مشيرين إلى أن القاهرة لم تصطف بشكل كامل إلى جانب جيرانها في الخليج خلال هذه الحرب التي هددت أمن المنطقة واستقرارها. وتأتي هذه السجالات في وقت حساس عقب موافقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار الهدنة، بعد مواجهات شهدت إطلاق إيران لنحو 670 صاروخاً ومئات الطائرات المسيرة، مما أدى لتضرر آلاف المباني داخل إسرائيل وسقوط قتلى في صفوف جيش الاحتلال.
وعلى الصعيد الميداني والاقتصادي، تأتي هذه التطورات السياسية بعد فترة عصيبة شهدت تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى 90%، وهو الممر الذي يعبر من خلاله خمس تجارة النفط العالمية. وبينما تسعى القوى الإقليمية لتثبيت وقف إطلاق النار، تظهر الاستطلاعات فجوة كبيرة في الثقة تجاه الدور الأمريكي، حيث يرى نحو 86% من المستطلعين في مصر والأردن انحيازاً كاملاً من واشنطن لصالح الاحتلال الإسرائيلي، رغم جهود التهدئة المعلنة.
أقلام وأراء
الخميس 09 أبريل 2026 4:27 صباحًا - بتوقيت القدس
بين استراتيجية الدولة ونزعات ترامب: هل تقود واشنطن حرباً مؤجلة في المنطقة؟
تطرح التطورات المتسارعة في المنطقة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التحركات العسكرية الأمريكية، وما إذا كانت تعبر عن توجهات شخصية للرئيس دونالد ترامب أم أنها استكمال لاستراتيجية عميقة وضعتها الدولة العميقة في واشنطن. إن انتشار 13 قاعدة حربية أمريكية بمهام مختلفة وتواجد حاملات الطائرات والمدمرات في بحار المنطقة يشير إلى أننا لسنا أمام ردود فعل آنية، بل أمام خطط تدرب عليها الجيش الأمريكي لسنوات طويلة.
لقد مهدت الإدارات السابقة، ومنها إدارة باراك أوباما، لهذه المرحلة حين صرح بأن الحرب على ما يسمى 'الإرهاب' ستستغرق عقوداً، وهو مصطلح غالباً ما يتم توظيفه لخدمة مصالح جيوسياسية محددة. الاختلاف الجوهري اليوم يكمن في رغبة ترامب في تحويل هذه الخطط إلى مجد شخصي، مدفوعاً بضغوط اللوبي الصهيوني الذي يجد نفسه في مأزق حقيقي بعد التغيرات الميدانية الكبيرة التي فرضتها أحداث طوفان الأقصى.
هذا اللوبي، الذي استثمر طويلاً في شخصية ترامب، يسابق الزمن الآن لتنفيذ أجنداته بعد أن استشعرت القوى الداعمة للكيان الصهيوني خطر التحلل والزوال الذي يهدد وجوده. إن الخطط الموضوعة تتطلب من أي رئيس أمريكي التخلي عن المبادئ التي نادت بها واشنطن لعقود، مثل العولمة والتجارة الحرة والقانون الدولي، لصالح فرض واقع جديد بالقوة العسكرية.
لقد شهدنا في عهد الإدارات المتعاقبة، وصولاً إلى بايدن وترامب، تجاهلاً تاماً لتقارير المنظمات الدولية وحقوق الإنسان، بما في ذلك صرخات وكالة الأونروا والمقررين الأمميين. الفيتو الأمريكي ظل السلاح الأبرز لمنح الحصانة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مما يؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية تسير في خط ثابت يتجاوز أسماء الرؤساء وانتماءاتهم الحزبية.
وفي سياق التصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن إيران وحلفاءها أطلقوا ما لا يقل عن 388 صاروخاً وطائرة مسيرة باتجاه إقليم كردستان العراق منذ بدء النزاع الأخير. هذا التصعيد يعكس حجم التوتر في المناطق الحدودية، حيث تسعى القوى الإقليمية لتثبيت معادلات ردع جديدة في مواجهة التحركات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة في تلك المناطق.
المصادر الميدانية أكدت تنفيذ نحو 140 هجوماً مشتركاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت مواقع يسيطر عليها الأكراد في شمال غرب إيران، بهدف إضعاف قبضة الحرس الثوري. هذه الضربات الدقيقة أسفرت عن مقتل عدد من المقاتلين الأكراد داخل الأراضي العراقية، مما يفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
الحرس الثوري الإيراني لم يقف مكتوف الأيدي، بل وجه تهديدات مباشرة لحكومة إقليم كردستان بضرورة سحب القوات من الحدود، مستخدماً وسائل ضغط تكنولوجية ونفسية متطورة. تسيير سيارات مزودة بأجهزة مسح للاتصالات الفضائية وإرسال رسائل تهديد نصية للسكان يعكس حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها الأجهزة الأمنية الإيرانية في مواجهة الاختراقات.
إن حرب الإدارات الأمريكية ممتدة في عهد كل الرؤساء، ديمقراطيين وجمهوريين، وما يختلف هو أسلوب التنفيذ وتوقيته.
تركيا من جهتها دخلت على خط الأزمة بحذر، حيث حذر وزير خارجيتها هاكان فيدان واشنطن من مغبة إشراك الفصائل الكردية في عمليات عسكرية عابرة للحدود. أنقرة تخشى أن يؤدي هذا الدعم الأمريكي للأكراد، الذين يشكلون 10% من سكان إيران، إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وإثارة نزعات انفصالية قد تنتقل عدواها إلى الداخل التركي.
إن الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فُرض على إيران ودول أخرى لسنوات لم يكن سوى تمهيد لهذه المرحلة من الاجتياح الشامل للمنطقة وثرواتها. الهدف النهائي يبدو أنه تأسيس مرحلة جديدة من الهيمنة الغربية الاستعمارية، تتجاوز حدود اتفاقيات سايكس بيكو القديمة لترسم حدوداً جديدة تتوافق مع المصالح الحيوية للقوى الكبرى.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين لفتح نافذة للمفاوضات، إلا أن المؤشرات على الأرض لا توحي بنهاية قريبة للصراع. الطموحات المسلحة للمعارضة الكردية، مدعومة بالغطاء الأمريكي، تظل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، خاصة مع استمرار الضربات الجوية التي تستهدف المقرات والقواعد العسكرية.
إن ما يحدث اليوم هو انقلاب عسكري وسياسي على إرادة الشعوب، ليس فقط في الشرق الأوسط بل امتد ليشمل دولاً في أفريقيا وآسيا. أمريكا التي أسست للمنظمات الدولية هي نفسها التي تقود الآن عملية تفكيك هذه المنظومة عندما تتعارض مع أهدافها في حماية الكيان الصهيوني وتأمين تدفق الثروات.
ترامب، بما يمثله من أسلوب فج ومنحاز بشكل مطلق، قد يكون الواجهة الأكثر وضوحاً لهذا القبح السياسي، لكنه ليس المبتكر الوحيد لهذه السياسات. إن المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية هي المحرك الفعلي لهذه الحروب، بينما يقتصر دور الرئيس على اختيار التوقيت وطريقة الإخراج التي تناسب طموحاته السياسية.
إن طوفان الأقصى لم يغير فقط معادلة الميدان في فلسطين، بل أحدث زلزالاً في التفكير الاستراتيجي الغربي، مما دفعهم لتسريع خططهم بشكل قد يفتقر إلى التأني المطلوب. هذا التسرع قد يكون هو الثغرة التي تؤدي إلى تآكل الهيمنة الأمريكية، حيث تظهر التناقضات الصارخة بين الشعارات الديمقراطية والممارسات الإرهابية على الأرض.
في الختام، تظل الحرب الأمريكية ممتدة ومستمرة بغض النظر عن هوية الساكن في البيت الأبيض، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً. وما نراه اليوم من تصعيد في جبهات متعددة، من غزة إلى كردستان، هو فصل جديد من فصول محاولة إعادة صياغة المنطقة، وهي محاولة تواجه مقاومة غير مسبوقة قد تقلب الطاولة على المخططين ومنفذيهم.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس
بين وعود ترامب وتهديدات طهران.. كيف أُجهضت 'الجبهة الكردية' في الحرب ضد إيران؟
كشفت تقارير ميدانية ومصادر مطلعة عن حالة من الارتباك سادت الأوساط السياسية والعسكرية الكردية، نتيجة الرسائل المتناقضة الصادرة عن البيت الأبيض خلال ذروة التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فبينما أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حماساً أولياً لانخراط المقاتلين الأكراد في العمليات البرية، سرعان ما تراجع عن هذا الموقف، مما ترك حلفاء واشنطن في شمال العراق في مواجهة مباشرة مع آلة القمع الإيرانية.
وعلى مدار ثمانية أسابيع من الرصد في إقليم كردستان العراق، تبين أن آمال واشنطن وتل أبيب في تحريك 'ورقة الأكراد' للإطاحة بالنظام في طهران قد اصطدمت بواقع ميداني معقد. فقد شنت إيران حملة عسكرية واستخباراتية شرسة استهدفت شل حركة الفصائل المعارضة، مستخدمة مزيجاً من الضربات الصاروخية الدقيقة والضغوط السياسية على حكومة أربيل لمنع أي تسلل عبر الحدود المشتركة.
وأفادت مصادر بأن الحرس الثوري الإيراني لم يكتفِ بالعمليات العسكرية، بل أطلق حرباً نفسية عبر إغراق المناطق الكردية برسائل نصية تحذر السكان من التعاون مع من وصفتهم بـ 'المرتزقة'. كما جابت سيارات مزودة بتقنيات مسح متطورة شوارع المدن الإيرانية لتعقب الاتصالات غير القانونية عبر الأقمار الصناعية، في محاولة لقطع الطريق على أي تنسيق بين الداخل والخارج.
وفي الجانب العراقي، تعرضت حكومة إقليم كردستان لضغوط مباشرة، حيث تلقى مسؤولون كبار مكالمات هاتفية من قيادات في الحرس الثوري تطالب بانسحاب القوات الكردية من الحدود فوراً. وأكدت المصادر أن التهديد كان واضحاً: 'انسحبوا في غضون ساعة أو واجهوا وابلاً من الصواريخ'، وهو ما دفع الأكراد العراقيين لإعلان موقف محايد لتجنب الانجرار إلى أتون حرب مدمرة.
ورغم محاولات النأي بالنفس، لم يسلم الإقليم من الهجمات، إذ وثقت تقارير إطلاق نحو 388 صاروخاً وطائرة مسيرة إيرانية استهدفت مقرات المعارضة الكردية الإيرانية في العراق. وأسفرت هذه الضربات عن مقتل عدد من المقاتلين وتدمير قواعد لوجستية كان يُعتقد أنها آمنة، مما أثبت قدرة طهران الاستخباراتية على تحديد مواقع الأهداف بدقة متناهية.
في المقابل، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية نحو 140 غارة جوية استهدفت مراكز أمنية ونقاط حرس حدود تابعة للحرس الثوري في شمال غرب إيران. وكان الهدف من هذه العمليات هو إضعاف القبضة الأمنية الإيرانية وتهيئة الأرضية لانتفاضة داخلية، إلا أن هذه الضربات لم تكن كافية لكسر إرادة النظام أو دفع الجماهير نحو مواجهة مفتوحة في ظل الانتشار العسكري الكثيف.
وتحدث قادة عسكريون من حزب 'الحرية الكردستاني' عن خيبة أملهم من غياب خطة أمريكية واضحة، مشيرين إلى أن التصريحات التشجيعية لم تترجم إلى دعم لوجستي أو تسليح حقيقي على الأرض. وأوضح القادة أنهم كانوا ينتظرون 'اللحظة المناسبة' للعودة إلى أراضيهم، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة المسيرات الإيرانية وسندان التردد الأمريكي في واشنطن.
ترامب في اليوم السادس: هجوم الأكراد سيكون أمراً رائعاً.. ترامب في اليوم الثامن: نحن لا نتطلع لدخول الأكراد، لقد استبعدت ذلك.
ودخلت تركيا على خط الأزمة، حيث حذر وزير خارجيتها هاكان فيدان الإدارة الأمريكية من مغبة إشراك الفصائل الكردية في أي عملية عسكرية عابرة للحدود. وأعربت أنقرة عن مخاوفها من أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها، بما في ذلك الداخل التركي والسوري، مما أضاف طبقة جديدة من التعقيد أمام صانع القرار في البيت الأبيض.
وبحلول اليوم الثامن من الحرب، بدا أن ترامب قد استجاب لهذه الضغوط والتعقيدات، حيث أعلن صراحة من على متن طائرة الرئاسة استبعاد خيار الاعتماد على الأكراد في المواجهة البرية. هذا التحول المفاجئ أصاب الفصائل الكردية في المنفى بحالة من الإحباط، بعد أن كانت تعتقد أن الفرصة التاريخية للإطاحة بالنظام في طهران قد حانت أخيراً.
وعلى الصعيد الميداني، أكد سكان في المدن الكردية الإيرانية أن الحرس الثوري دفع بتعزيزات ضخمة شملت عشرات الحافلات المحملة بالمقاتلين إلى المناطق الحدودية. وأشار السكان إلى أن قوات الأمن نامت في سياراتها وتحصنت في الغابات والمساجد لتجنب الغارات الجوية، مع الحفاظ على جاهزية تامة لقمع أي محاولة للتمرد أو التظاهر في الشوارع.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لا يزال المقاتلون الأكراد في العراق يعيشون حالة من التأهب والقلق، حيث يخشون أن يكون أي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران على حساب قضيتهم. وقال أحد القادة الميدانيين إن 'الاحتلال الإيراني' لا يزال قائماً، وأن خطر التصفية والإعدام يلاحقهم في حال توقف الدعم الدولي أو تم التوصل إلى تسوية سياسية.
وتشير البيانات إلى أن الأكراد، الذين يمثلون نحو 10% من سكان إيران، يظلون الحلقة الأضعف والأكثر استهدافاً في أي صراع إقليمي، نظراً لتوزعهم الجغرافي وطموحاتهم القومية. ومع غياب كيان سياسي مستقل، يجد الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً وقوداً لصراعات القوى الكبرى، حيث تُستخدم ورقتهم لتحقيق مكاسب مؤقتة قبل أن يتم التخلي عنهم عند أول منعطف سياسي.
وفي السليمانية وأربيل، يراقب المسؤولون الأكراد العراقيون بحذر مسار المفاوضات الجارية، مؤكدين أن أولويتهم القصوى هي الحفاظ على استقرار الإقليم وحكمه الذاتي. ويرى هؤلاء أن الانجرار إلى الحرب ضد إيران سيكون انتحاراً سياسياً وعسكرياً، خاصة في ظل التغلغل الكبير للفصائل المسلحة الموالية لطهران داخل الساحة العراقية.
ويبقى السؤال قائماً حول مستقبل المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة في ظل هذه المتغيرات، فبينما يواصل المقاتلون تدريباتهم في جبال كردستان، تبدو آفاق التغيير في طهران بعيدة المنال. ومع استمرار سياسة 'الرسائل المتضاربة' من واشنطن، يجد الأكراد أنفسهم مضطرين للاعتماد على إمكانياتهم الذاتية وشبكاتهم السرية داخل إيران، بانتظار لحظة قد لا تأتي قريباً.
تحليل
الخميس 09 أبريل 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس
هندسة الحسم المؤجل: كيف تمنع القوى الكبرى نهاية الحروب في المنطقة؟
شهدت العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة القوى الكبرى للأزمات الدولية، حيث انتقلت من مفهوم 'الفوضى الخلّاقة' الذي يهدف لإعادة بناء الأنظمة، إلى نمط أكثر تعقيداً يُعرف بـ 'هندسة الحسم المؤجَّل'. هذا النمط لا يسعى لإنهاء الحروب، بل يهدف إلى ضبط ديناميات التصعيد لمنع أي طرف من الوصول إلى لحظة الانتصار الحاسم، مما يحول الصراعات إلى حالة استنزاف مستدامة وقابلة للإدارة.
تعتمد هذه الاستراتيجية على فرضية مركزية مفادها أن غياب الحسم ليس دليلاً على فشل الوساطات أو العجز العسكري، بل هو نتيجة مقصودة بحد ذاتها. في هذا الإطار، تصبح استمرارية الصراع مؤشراً على نجاح النظام الإداري الدولي في الحفاظ على توازنات القوى، حيث تُدار الحروب المعاصرة لتبقى في حالة دائمة من 'اللا حسم المنضبط' الذي يخدم مصالح الأطراف المهيمنة.
ويحكم هذا النمط قانون 'عكسية الاقتراب من الحسم'، فكلما اقترب صراع ما من نهايته المنطقية بفوز أحد الأطراف، تتدخل القوى الخارجية لإعادة ضبط الموازين. هذه التدخلات لا تستهدف تحقيق السلام، بل تعمل على إعادة الصراع إلى نطاق الاستنزاف، مما يجعل 'الاقتراب من النهاية' لحظة خطر تستدعي الاحتواء الفوري بدلاً من الاستكمال.
تتحقق هذه الهندسة عبر آليات دقيقة تشمل التصعيد المحسوب الذي يضمن بقاء العنف ضمن مستويات لا تؤدي إلى انهيار شامل. كما تشمل فرض سقف ثابت للتصعيد يمنع تحول النزاعات المحلية إلى حروب إقليمية كبرى، مع استخدام الهدن المؤقتة كأداة لإعادة ضبط الإيقاع الزمني والميداني للأطراف المتصارعة دون إنهاء جذور المشكلة.
في قطاع غزة، تبرز هذه الهندسة بوضوح من خلال تتبع مسار الهدن المتكررة، مثل هدنة نوفمبر 2023 وهدنة يناير 2025. هذه المحطات لم تكن تهدف لإنهاء الحرب، بل أعادت ضبط مستويات التصعيد ومنعت الانهيار الشامل، مما أعاد الصراع في كل مرة إلى نطاق الاستنزاف المتبادل الذي يمنع الوصول إلى حسم نهائي.
أما في النموذج العراقي، فقد أنتج غزو عام 2003 تفكيكاً شاملاً للدولة دون بناء نظام مستقر بديل، وهو ما يمثل جوهر الحسم المؤجل. تحول العراق بفعل ذلك إلى ساحة استنزاف مفتوحة ومنخفضة الضبط، حيث تمنع التدخلات المستمرة نشوء قوة مركزية قادرة على فرض سيادتها الكاملة، مما يبقي البلاد في حالة سيولة سياسية وأمنية دائمة.
الملف النووي الإيراني يمثل بدوره نموذجاً لإدارة التوازن الإقليمي عبر 'التصعيد المنضبط'، حيث تُستخدم المفاوضات والهدن المؤقتة لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. هذا النمط يحافظ على حالة من التوتر القابل للإدارة، مما يتيح للقوى الدولية ممارسة نفوذها عبر ضبط إيقاع الطموحات النووية دون الحاجة إلى حسم عسكري مكلف.
الحرب لم تعد وسيلة لإنهاء الصراع، بل أداة لضبطه ضمن حدود يمكن التحكم بها، حيث يصبح استمرار النزاع دون انفلات هو التعريف الجديد للاستقرار.
وفي الساحة السورية، أدى التدخل الدولي منذ عام 2011 إلى حالة من التفكيك الجزئي والفوضى المستمرة التي فشلت في إنتاج نظام جديد. النتيجة كانت استنزافاً ممتداً للأطراف كافة، حيث يتم التدخل عسكرياً أو سياسياً كلما مالت الكفة لصالح طرف ما، لضمان بقاء سوريا في حالة 'لا حرب ولا سلم' تخدم التوازنات الإقليمية.
تعتمد هذه المنظومة على ما يمكن تسميته 'اقتصاديات الألم'، حيث يتم توفير وقود مالي وعسكري كافٍ لبقاء الأطراف المتصارعة على قيد الحياة دون منحها القدرة على التفوق الكاسح. يصبح الألم البشري والمادي في هذه الحالة مورداً لاستدامة المنظومة، حيث يتم معايرة الدعم الخارجي بدقة لضمان استمرار النزاع لأطول فترة ممكنة.
تلعب 'السيادة الزمنية' دوراً حاسماً في هذا السياق، إذ تُستخدم الهدن لمعايرة الإيقاع النفسي والزمني للشعوب المنخرطة في الحرب. تتحول الحرب بفعل التكرار والمد والجزر إلى نمط حياة اعتيادي، ويصبح الهدف الأقصى للمجتمعات هو 'تأجيل الألم' أو الحصول على هدنة قصيرة، بدلاً من السعي نحو التحرر أو الحسم الكامل.
يختلف هذا المفهوم جوهرياً عن 'الفوضى الخلّاقة'؛ فالأخيرة تفترض أن التفكيك هو مرحلة انتقالية تتبعها إعادة بناء نظام يخدم القوى المهيمنة. أما 'هندسة الحسم المؤجَّل' فهي تعمل ضمن دورة مغلقة من الاستنزاف والضبط، حيث الهدف هو تعطيل نشوء أي نظام مكتمل السيادة، والبقاء في حالة من السيولة الدائمة.
من الناحية النظرية، تمثل هذه الهندسة امتداداً لمنطق السلطة الذي ناقشه ميشيل فوكو، ولكن على مستوى العلاقات الدولية الكبرى. فهي تعيد تعريف الحرب لتصبح أداة لتعطيل الحسم، بخلاف رؤية كلاوزفيتز التقليدية التي ترى في الحسم غاية الحرب، وبخلاف استراتيجيات صن تزو التي تسعى لإنهاء النزاعات بأقل التكاليف.
تعد تجربة حرب فيتنام استثناءً يثبت القاعدة، حيث أظهرت أن هذا النمط ليس قدراً حتمياً بل هو نظام مشروط بقدرة الفاعل على تحمل كلفة الزمن. فإذا تجاوزت التكاليف البشرية والمادية حدود السيطرة، ينقلب نظام 'اللا حسم' إلى حسم اضطراري، وهو ما يمثل نقطة الضعف الوحيدة في هذه الهندسة المعقدة.
في الختام، يبرز السؤال الجوهري في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة: ما هي البُنى التي تضمن ألّا تنتهي الحروب؟ إن فهم 'هندسة الحسم المؤجَّل' يفتح الباب لتحليل أعمق لكيفية تحول النزاعات إلى نظم تشغيل مستدامة، حيث لم يعد الخطر يكمن في اندلاع الحرب فحسب، بل في استقرارها كحالة دائمة تمنع الشعوب من تقرير مصيرها.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 3:57 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب في مرمى نيران "TACO": كيف وحدت الحرب على إيران خصوم الرئيس؟
شهدت الساحة السياسية الرقمية في الولايات المتحدة تصاعداً حاداً في حدة الانتقادات الموجهة للرئيس دونالد ترمب، تزامناً مع اندلاع المواجهات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وبرز في هذا السياق مصطلح "Trump Always Chickens Out"، المعروف اختصاراً بـ "TACO"، والذي استخدمه الناشطون للسخرية مما وصفوه بتراجع ترمب المستمر بعد إطلاق التهديدات العنيفة.
وأظهرت بيانات تحليلية حديثة أن التفاعل مع هذا الوسم لم يكن عشوائياً، بل جاء في موجات منظمة تزامنت مع التطورات الميدانية، حيث سجلت الذروة الأولى في الثامن من مارس، بينما عادت الموجة الثانية للارتفاع في الثاني والعشرين من الشهر ذاته. وارتبط هذا التصاعد بتهديدات ترمب المباشرة باستهداف المنشآت الحيوية ومحطات الطاقة الإيرانية، مما أثار ردود فعل واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب الإحصائيات المرصودة، فقد شارك أكثر من 100 ألف حساب في هذه الحملة، حيث تم نشر ما يزيد على 170 ألف تغريدة خلال أقل من شهر واحد. وتعكس هذه الأرقام اتساع رقعة المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة تجاه السياسة الخارجية المتبعة، وقلق الشارع من الانزلاق نحو مواجهة شاملة غير محسومة النتائج.
وتركزت نقاشات المغردين حول ثلاثة محاور رئيسية، كان أبرزها السلوك المتقلب للرئيس ترمب وتناقض تصريحاته بشأن الحرب. كما أبدى المشاركون تخوفهم من التداعيات الاقتصادية الكارثية، خاصة فيما يتعلق بسلامة الملاحة في مضيق هرمز والارتفاع الجنوني المتوقع في أسعار النفط العالمية، مما قد ينعكس سلباً على مستوى المعيشة داخل أمريكا.
مصطلح TACO تحول من نكتة سياسية عابرة إلى مظلة رقمية تجمع أطيافاً متباينة من المجتمع الأمريكي ضد سياسات ترمب المتقلبة.
وكشف التحليل الجغرافي والسياسي للحسابات المشاركة عن مفاجأة تمثلت في تنوع الخلفيات الأيديولوجية للمنتقدين، حيث لم تقتصر الحملة على المعارضين التقليديين من الحزب الديمقراطي. فقد رصدت مصادر فنية مشاركة واسعة من حسابات تنتمي لليمين المحافظ، والتي رفعت رموزاً دينية مسيحية، جنباً إلى جنب مع تيارات يسارية وليبرالية، مما يشير إلى حالة نادرة من الإجماع ضد قرارات الإدارة الحالية.
وعلى صعيد التوزيع الجغرافي، استحوذت الولايات المتحدة على نصيب الأسد بنسبة بلغت 80% من إجمالي التفاعلات، تلتها كندا وبريطانيا. كما سيطرت اللغة الإنجليزية على نحو 89% من المحتوى المنشور، مع ظهور لغات أخرى مثل الإسبانية واليابانية، مما يعطي طابعاً دولياً للأزمة السياسية التي يواجهها ترمب في الداخل والخارج.
ومن بين أبرز الوجوه التي تصدرت المشهد، برز اسم جيمس فيشباك، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم فلوريدا، والذي عُرف بمواقفه المعارضة للتدخل العسكري وللسياسات الإسرائيلية. كما انضم للحملة ناشطون بارزون مثل المحامي رون فيليبكوفسكي وجيم ستيوارتسون، الذين عملوا على تحليل الحركات اليمينية ومكافحة ما وصفوه بالتضليل الإعلامي المرافق للعمليات العسكرية.
وخلصت التقارير التحليلية إلى أن مصطلح "TACO" بات يمثل رمزاً للفشل في الحفاظ على موقف استراتيجي ثابت، حيث يرى المعارضون أن كلفة التصعيد في المنطقة ستكون باهظة على المصالح الأمريكية العليا. وتؤكد هذه المعطيات أن الانقسام الداخلي الأمريكي قد وصل إلى مراحل متقدمة، حيث تلتقي الأضداد السياسية عند نقطة التحذير من مغبات الحرب المباشرة مع طهران.
اسرائيليات
الخميس 09 أبريل 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس
قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي في مهب الريح: رحلات شاقة ومطارات بديلة لتفادي الانهيار
تتزايد الضغوط الاقتصادية على قطاع التكنولوجيا في إسرائيل مع استمرار الحرب، حيث وجدت الشركات نفسها أمام معضلة حقيقية تتمثل في شلل حركة الطيران العالمي والمحلي. هذا الواقع دفع المدراء التنفيذيين إلى ابتكار طرق سفر غير تقليدية للحفاظ على صلاتهم بالأسواق الدولية وتجنب فقدان العملاء لصالح المنافسين.
أفادت مصادر صحفية بأن صالات المغادرة في مطار بن غوريون باتت شبه مهجورة، حيث تغيب الطوابير المعتادة والازدحام الذي ميز فترات الأعياد السابقة. ويضطر المسافرون القلائل إلى مواجهة مخاطر أمنية جمة، بما في ذلك الاحتماء في المناطق المحصنة عند انطلاق صفارات الإنذار أثناء انتظار رحلاتهم النادرة.
وصف غيل رون، أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة تكنولوجيا معلومات، رحلات العمل الحالية بأنها تشبه 'أفلام النجاة'، حيث يهرب الرواد من واقع الحرب للوصول إلى ملاذات آمنة في الخارج. وأكد أن العملاء حول العالم لن ينتظروا استقرار الأوضاع الأمنية للحصول على الخدمات، مما يجعل السفر ضرورة حتمية رغم الصعاب.
تواجه شركات 'الهاي تيك' خطر تفويت المؤتمرات الدولية الكبرى، وهو ما يعني خسارة فرص استثمارية وعملاء محتملين وتأخير خطط النمو لأشهر طويلة. ويرى خبراء أن توقف هذا القطاع عن العمل سيكلف الاقتصاد الإسرائيلي ثمناً باهظاً، كونه المحرك الأساسي الذي يعتمد عليه للخروج من الأزمات المالية.
يعتمد الأمل في التعافي الاقتصادي وتقليص الديون المتراكمة على قدرة قطاع التكنولوجيا على الحفاظ على زخمه العالمي والعودة لمسار النمو سريعاً. ومع ذلك، تسود حالة من القلق داخل هذه الشركات بسبب العجز عن تأمين تواصل مستمر وسلس مع الشركاء الدوليين في ظل الظروف الراهنة.
في الأسابيع الأخيرة، عاد مديرو الشركات إلى 'نمط الطوارئ' في التنقل، حيث يضطرون لاستخدام مطارات نائية في دول الجوار للوصول إلى وجهاتهم النهائية. وتشمل هذه المسارات التنقل براً عبر الحدود مع مصر والأردن، أو استخدام الرحلات البحرية المتجهة إلى قبرص واليونان في رحلات تستغرق أياماً.
كشفت مصادر من داخل شركات الذكاء الاصطناعي أن التحدي اللوجستي وصل إلى حد شراء عشر تذاكر طيران مختلفة للموظف الواحد مع شركات طيران متعددة. الهدف من هذا الإجراء هو خلق فرصة ولو ضئيلة لتمكن الموظف من الإقلاع في حال إلغاء الرحلات الأخرى بسبب التطورات الميدانية المتلاحقة.
المشكلة تكمن في أننا جميعًا سندفع ثمن توقف قاطرة التكنولوجيا الإسرائيلية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد.
يروي موظفون تجارب مريرة لرحلات استغرقت أكثر من 26 ساعة للوصول إلى مؤتمرات تقنية كانت تستغرق في السابق بضع ساعات فقط. هذه الرحلات تشمل التنقل بسيارات الأجرة إلى ميناء طابا المصري، ثم الطيران إلى أثينا وبودابست قبل الوصول إلى الوجهة النهائية في أوروبا أو الولايات المتحدة.
أشارت تقارير إلى لجوء بعض الشركات لاستئجار يخوت خاصة للإبحار نحو لارنكا في قبرص كبديل عن الطيران المتعطل، لكن حتى هذه المحاولات تواجه عوائق طبيعية وأمنية. وفي حالات عديدة، يضطر المدراء للنوم على مقاعد المطارات في محطات الترانزيت الطويلة، مما يعيد للأذهان نمط الرحلات البدائية.
لوحظ في المؤتمرات التكنولوجية العالمية الأخيرة أن الأجنحة المخصصة للشركات الإسرائيلية بدت فارغة أو تفتقر للتمثيل القوي المعتاد. هذا التناقض يظهر مرونة الشركات في محاولة البقاء، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن حجم الإحباط من غياب الدعم الحكومي الفعال لمواجهة هذه التحديات.
يشعر رواد الأعمال الإسرائيليون بأن دولتهم لا تقدم المساعدات الكافية لقطاع يعد العمود الفقري للاقتصاد، بل تفرض أحياناً صعوبات إضافية تزيد من تعقيد المشهد. ويؤكد هؤلاء أن 'محرك النمو' يحتاج إلى مسارات مفتوحة وسريعة لضمان عدم توقف عجلة الإنتاج والتصدير بشكل كامل.
تمثل التكنولوجيا المتقدمة نحو 18% من الناتج القومي الإجمالي وتساهم بأكثر من نصف إجمالي الصادرات، مما يجعلها القطاع الأكثر حيوية. ومع استمرار الحرب، يتحول الثمن الاقتصادي إلى عبء ثقيل يتجلى في تفاقم العجز المالي وتراجع التصنيف الائتماني للدولة في الأسواق العالمية.
تتزايد المخاوف من استغلال المنافسين الدوليين لهذه الفجوة التي خلفتها الحرب للسيطرة على حصص سوقية كانت تابعة للشركات الإسرائيلية. هذا التهديد الوجودي يدفع الكوادر البشرية في قطاع الهاي تيك للعمل على مدار الساعة بين رنين المنبهات ودخول الملاجئ لضمان استمرار العمليات.
ختاماً، فإن معاناة مهندسي التكنولوجيا في التنقل والنوم في المطارات تحمل مؤشرات تحذيرية خطيرة حول مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي. فإذا لم يتم تأمين ممرات آمنة ومستقرة لهذا القطاع، فإن قاطرة النمو قد تواجه تعطلاً طويل الأمد يصعب تداركه حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 3:27 صباحًا - بتوقيت القدس
اعتقال ضابطين بجيش الاحتلال بتهمة إدارة شبكة تهريب سرية إلى غزة
كشفت مصادر إعلامية، اليوم الثلاثاء، عن توجه النيابة العسكرية لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتقديم لائحة اتهام رسمية ضد ضابطين في الجيش ومواطن مدني، إثر تورطهم في قضية أمنية وجنائية تتعلق بإنشاء وإدارة شبكة لتهريب البضائع إلى قطاع غزة بعيداً عن أعين الرقابة الرسمية.
وذكرت المصادر أن المتهمين أداروا عمليات تهريب واسعة لمواد وبضائع متنوعة مقابل تقاضي مبالغ مالية طائلة من تجار محليين، مستغلين في ذلك حالة الحصار المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال على المعابر الحدودية، والتي تمنع دخول الكثير من الاحتياجات الأساسية والمواد الخام.
التحقيقات كشفت أن الضابطين استغلا مناصبهما العسكرية وصلاحياتهما في المناطق الحدودية لتسهيل مرور الشاحنات والبضائع المحظورة.
وبحسب ما أظهرته التحقيقات الأولية، فإن الضابطين المتورطين استخدما نفوذهما الميداني وصلاحياتهما الواسعة في تأمين حركة الشاحنات عبر المناطق الحدودية، مما سمح بمرور حمولات غير مرخصة أو مدرجة ضمن القوائم المحظورة، وهو ما اعتبر خرقاً للمنظومة الأمنية المتبعة على حدود القطاع.
أقلام وأراء
الخميس 09 أبريل 2026 2:58 صباحًا - بتوقيت القدس
هندسة الوعي: كيف استثمرت موسكو 'فوبيا الغموض' لإعادة صياغة العقل السياسي الأمريكي؟
تعد ظاهرة الرغبة في السيطرة على الغموض واحدة من أخطر الثغرات النفسية التي يستهدفها مهندسو الوعي لإعادة صياغة أنظمة التشغيل العقلية للبشر. فبينما يتحرك العقل في حالات المخاطرة ضمن احتمالات معلومة، يسقط في حالة من الشلل عند مواجهة الغموض المطلق، حيث تنتقل سلطة القرار من مراكز التفكير المنطقي إلى اللوزة الدماغية المسؤولية عن رصد الخطر.
هذا التحول البيولوجي يحول نقص المعلومات إلى ألم نفسي وعضوي لا يطاق، مما يولد رغبة جامحة لتصفير الغموض بأي ثمن. وهنا يبرز دور المهندس الذي لا يقدم الحقيقة، بل يقدم سردية بسيطة تعمل كمسكن للألم، مما يجعل الضحية تتمسك بها كطوق نجاة وحيد للخروج من حالة التيه المعرفي.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016 لم يكن مجرد تكتيك عابر، بل عملية انتقامية مدروسة رداً على ما اعتبرته موسكو إذلالاً أمريكياً لها في حقبة التسعينيات. فقد سعت المؤسسة الأمنية الروسية بقيادة بوتين إلى استعادة الكرامة الوطنية عبر كشف هشاشة الديمقراطية الأمريكية وزعزعة الثقة في مؤسساتها.
اعتمدت الاستراتيجية الروسية على ما يعرف بـ 'صناعة الإنسان الأداة' عبر وكالة أبحاث الإنترنت، من خلال ضخ مئات السرديات المتناقضة حول قضايا العرق والدين والهجرة. لم يكن الهدف إقناع الأمريكيين برواية معينة، بل إيصالهم إلى ذروة الارتباك المعرفي التي تعطل العقل المنطقي وتفعل الغرائز البدائية.
في لحظة الارتباك هذه، تم تقديم دونالد ترامب كبؤرة لليقين الحاد وسط ضبابية المؤسسة السياسية التقليدية. فبينما كانت اللغة الدبلوماسية معقدة ورمادية، قدم ترامب شعارات قطعية مثل 'ابنِ الجدار' و'أمريكا أولاً'، مما منحه جاذبية فائقة لدى العقول الهاربة من ألم الغموض.
انتقل المهندسون بعد ذلك إلى مرحلة 'صناعة العقل التابع'، مستغلين حاجة الدماغ المنهك لما يسمى 'الانغلاق المعرفي'. في هذه المرحلة، يصبح الإنسان جائعاً لأي معلومة قاطعة غير قابلة للتأويل، وهو ما وفره خطاب ترامب الذي عمل كمُسكن عصبي فائق المفعول ضد التعقيدات السياسية.
وبمجرد تبني هذا اليقين الزائف، يدخل العقل في حالة 'تجميد' إدراكي، حيث يرفض أي معلومات جديدة أو حقائق مادية قد تعيده إلى جحيم الحيرة. هنا تتحول الحقائق والتقارير الاستخباراتية إلى أعداء شخصيين، لأنها تهدد الاستقرار النفسي الذي وفره الزعيم أو السردية الجاهزة.
الإنسان في حالة الغموض يفضل قبول خسارة مؤكدة وواضحة على البقاء في حالة ربح محتمل لكنه غامض، وهذه هي الثغرة التي يمر منها مهندسو الوعي.
أما في مرحلة 'صناعة النفس الهشة'، فقد تم التلاعب بكيمياء الانتماء عبر تصوير الغموض كتهديد وجودي يمس الهوية والعرق والدين. تم ضخ رسائل تحذيرية حول المهاجرين والنخب الليبرالية، مما حول التنوع الاجتماعي من ميزة إلى ثغرة أمنية تثير الرعب في نفوس الناخبين المحافظين.
هذا الضغط الوجداني دفع الأفراد للمقايضة بالمبادئ الديمقراطية وقبول خطاب الكراهية مقابل الحصول على شعور زائف بالسيطرة. لقد تم إقناع 'النفس الهشة' بأن المنطق ترف لا يمكن امتلاكه في وقت الحرب الوجودية، وأن اليقين الفج هو الحصن الأخير ضد الفناء والضياع.
توجت هذه العملية بصناعة 'الكائن الوظيفي'، حيث تحول الناخب من ذات حرة إلى مجرد نقطة بيانات في خوارزمية استخباراتية. تم تشريح المجتمع إلى قطع صغيرة، وإرسال 'يقين معلب' لكل فرد يتناسب مع قلقه الشخصي، سواء كان اقتصادياً في الولايات الصناعية أو قيمياً في الولايات المحافظة.
العامل في المصانع المهددة بالإغلاق لم يعد يبحث عن حلول اقتصادية معقدة، بل استجاب ليقين جاهز يشير إلى 'الصين' كعدو وحيد. وبذلك تحول التصويت إلى فعل انتقامي مبرمج، ينفذ كوداً وضعه مهندس الوعي لتصفير منسوب القلق لدى المواطن الذي فقد بوصلته.
إن نجاح هذه الهندسة في عام 2016 لم يكن نتاج قوة عسكرية، بل نتيجة براعة في استخدام أدوات التواصل الحديثة كأسلحة فتاكة. لقد أثبتت التجربة أن السيطرة على العقول تبدأ من السيطرة على المساحات الرمادية، وتحويلها إلى خيارات ثنائية حادة تلغي القدرة على النقد.
الخلاصة المستفادة هي أن الوعي الحقيقي يتطلب شجاعة في مواجهة المجهول ورفضاً للسرديات التي تبيع اليقين مقابل الاستلاب. إن القدرة على الصبر أمام تعقيدات الواقع هي الحصن الوحيد ضد المهندسين الذين يستغلون العجلة البشرية للوصول إلى نتائج مريحة لكنها مضللة.
في نهاية المطاف، يظل التحرر من هندسة الوعي رهناً بامتلاك المناعة ضد 'الوجبات السريعة المعرفية' التي تسمم الإرادة. السيادة على النفس لا تتحقق بالهروب إلى أحضان التطرف، بل بالثبات في المناطق الرمادية والبحث عن بوصلة موثوقة وسط ضجيج الغموض المصطنع.
عربي ودولي
الخميس 09 أبريل 2026 2:13 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب يلوح بمعاقبة أعضاء في الناتو لتقاعسهم عن دعم واشنطن وتل أبيب ضد إيران
كشفت مصادر مطلعة في الإدارة الأمريكية عن توجه الرئيس دونالد ترمب لدراسة إجراءات عقابية بحق عدد من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك على خلفية ما وصفه بضعف الدعم المقدم للولايات المتحدة وإسرائيل خلال المواجهة العسكرية الأخيرة مع إيران. وتتضمن الخطة المقترحة إعادة تقييم شاملة لانتشار القوات الأمريكية في القارة الأوروبية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن في ظل المتغيرات الميدانية الجديدة.
وتشير التقارير إلى أن المقترح يتضمن بشكل أساسي سحب الوحدات العسكرية الأمريكية من الدول التي تعتبرها واشنطن غير متعاونة أو متخاذلة في مساندة الحملة العسكرية ضد طهران، ونقل تلك القوات والمعدات إلى دول أخرى أظهرت التزاماً أكبر ودعماً مباشراً للعمليات الأمريكية. ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه العلاقات العابرة للأطلسي توتراً غير مسبوق بسبب تباين المواقف من الصراع في الشرق الأوسط.
من جانبها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت أن الرئيس ترمب يرى أن حلف الناتو قد وُضع في اختبار حقيقي خلال الأزمة الإيرانية ولكنه فشل في إثبات فاعليته. وقد صعد الرئيس الجمهوري من لهجته تجاه الحلفاء الأوروبيين في الأسابيع الأخيرة، واصفاً الحلف بأنه بات 'نمراً من ورق' لا يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى التي تمس الأمن القومي الأمريكي وحلفاء واشنطن المقربين.
حلف شمال الأطلسي تعرض للاختبار وفشل خلال حرب إيران.
وفي سياق متصل، أعلن ترمب عن وقف مؤقت للهجمات العسكرية عقب التوصل إلى اتفاق لهدنة قصيرة الأمد تمتد لأسبوعين بين الأطراف المتصارعة. وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد إحصائيات تشير إلى حجم الدمار الواسع، حيث أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، مما أسفر عن تضرر آلاف المباني وسقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي منذ اندلاع المواجهة المباشرة في فبراير الماضي.
وعلى الصعيد الأوروبي، أعرب مسؤولون عن قلقهم البالغ من هذه التوجهات الأمريكية، حيث اعتبر وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس أن التهديدات الأمريكية المتكررة بالانسحاب من الحلف تدفع العواصم الأوروبية بشكل جدي للبحث عن ترتيبات أمنية ودفاعية بديلة. ويرى مراقبون أن هذه المرحلة تعد الأكثر حرجاً في تاريخ التحالف، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتأثيرها على أسعار الطاقة العالمية.
وتتزامن هذه الأزمة الدبلوماسية مع استمرار التحديات الاقتصادية العالمية، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن استمرار التوترات في الممرات المائية الحيوية يرفع معدلات التضخم العالمي بشكل ملحوظ. وفي ظل الانحياز الأمريكي الكامل للاحتلال الإسرائيلي، تراجعت مستويات التأييد للسياسات الخارجية لترمب في المنطقة العربية إلى أدنى مستوياتها، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري أمام الإدارة الأمريكية الحالية.
اسرائيليات
الخميس 09 أبريل 2026 1:42 صباحًا - بتوقيت القدس
مأزق نتنياهو: كيف باغت ترامب إسرائيل بوقف الحرب مع إيران؟
يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه اليوم في مواجهة واقع سياسي وعسكري معقد، عقب الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي عن تعليق الهجمات على إيران لمدة أسبوعين. هذا القرار الذي اتخذته واشنطن دون استشارة مسبقة مع تل أبيب، أثار موجة من القلق في الأوساط الإسرائيلية حول جدوى الأثمان الباهظة التي دُفعت خلال المواجهة الأخيرة.
وأفادت مصادر تحليلية بأن إسرائيل، رغم استخدامها للقوة العسكرية المفرطة، لم تنجح في تحقيق قرار حاسم يقضي على ما تصفه بـ 'التهديد الإيراني'. ويرى مراقبون أن إعلان ترامب عن الاتفاق الذي صيغ بعيداً عن الغرف المغلقة في تل أبيب، يعكس رغبة أمريكية واضحة في تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة لا تخدم مصالح واشنطن الحالية.
وفي هذا السياق، أشار المحلل السياسي عيدان كيفلار إلى أن ظهور جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، يمثل 'كابوساً جديداً' لنتنياهو وطموحاته. فالتوجهات الجديدة في البيت الأبيض تبدو أكثر ميلاً للتهدئة، وهو ما تجلى بوضوح في الانخفاض الحاد لأسعار النفط فور صدور الإعلان، مما يعزز الموقف السياسي لترامب داخلياً.
وتسود حالة من التشكك داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية تجاه بنود الاتفاق المسربة، خاصة وأنها ركزت على قضايا ثانوية مثل الملاحة في مضيق هرمز. ويرى منتقدون أن تجاهل القضايا الجوهرية، مثل تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية، يفرغ العمليات العسكرية الإسرائيلية من مضمونها الاستراتيجي الذي روج له نتنياهو.
وعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تحاول إظهار التنسيق الكامل بين الجانبين، إلا أن الكواليس تكشف عن فجوة عميقة في الرؤى بين إدارة ترامب وحكومة اليمين في إسرائيل. فقد كان نتنياهو يأمل في استمرار الضغط العسكري حتى الانهيار الكامل للنظام الإيراني، وهو ما لم يتحقق في الصيغة الحالية للاتفاق.
وأوضحت مصادر أن إيران رضخت لمطلب فتح مضيق هرمز بعد تعرض بنيتها التحتية لضربات موجعة، لكن هذا الإنجاز لا يعد كافياً بالنسبة لإسرائيل التي خاضت الحرب لأهداف أبعد من ذلك بكثير. فالمفاوضات الحالية لا تبدو واعدة فيما يخص تفكيك البرنامج النووي، وهو ما يضع نتنياهو في موقف محرج أمام جمهوره اليميني.
وتشير التقارير إلى أن نتنياهو أدرك في نهاية المطاف أن المصير السياسي لحروبه بات مرتبطاً بقرارات ترامب الذي يسعى لتحقيق مكاسب سريعة قبل انتخابات التجديد النصفي. هذا الإدراك قلص مساحة المناورة المتاحة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي يجد نفسه عاجزاً عن معارضة حليفه الأقوى في البيت الأبيض علانية.
إسرائيل وصلت مرة أخرى لنقطة وسطى: ليس نصرًا واضحًا، ولا هزيمة كاملة، بل جولة أخرى تنتهي دون تغيير جوهري في الواقع الاستراتيجي.
وفي الجانب العسكري، حققت إسرائيل نجاحات في تقليص قدرات الصواريخ الإيرانية وإلحاق أضرار بمنشآت حيوية، لكن الثمن كان كارثياً على الجبهة الداخلية. فقد تسببت الرشقات الصاروخية في تدمير واسع للمنازل وسقوط قتلى، فضلاً عن الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف الجنود خلال العمليات البرية في لبنان.
ويرى المحللون أن إسرائيل وصلت مجدداً إلى 'نقطة الصفر' أو الحالة الوسطى التي لا تمثل نصراً مؤزراً ولا هزيمة ساحقة. هذا الواقع الاستراتيجي يثير تساؤلات حول جدوى التضحيات التي قُدمت، طالما أن النظام الإيراني لا يزال قائماً ويمتلك مخزونه من اليورانيوم والقدرات الصاروخية.
علاوة على ذلك، يبرز التحدي المتمثل في جي دي فانس، الذي أظهرت الدراسات أن شعبيته تتصاعد بين جمهور لا يضع إسرائيل على رأس أولوياته. فالسخرية التي وجهها فانس لنتنياهو بشأن إمكانية الإطاحة بالنظام الإيراني تعكس تحولاً في المزاج السياسي داخل الحزب الجمهوري نفسه.
إن وقف إطلاق النار الذي شمل الجبهة اللبنانية أيضاً، يعني عودة الهدوء الحذر دون حل القضايا العالقة التي أدت لاندلاع المواجهة في المقام الأول. هذا الوضع يضع نتنياهو تحت ضغط مزدوج؛ من المعارضة الداخلية التي تتهمه بالفشل، ومن الحليف الأمريكي الذي يفرض إيقاعه الخاص.
ويحاول نتنياهو حالياً التستر على خيبات أمله عبر خطاب تعبوي يهدف لرفع معنويات معسكره اليميني، رغم إدراكه أن التهديدات الاستراتيجية لم تتبدد. فالجمهور الذي وُعد بـ 'النصر الساحق' يجد نفسه اليوم أمام اتفاق تهدئة يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل التصعيد الأخير.
وفي ظل اقتراب الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، تصبح الحسابات السياسية الضيقة هي المحرك الأساسي للقرارات الكبرى. فترامب يريد تقديم إنجاز دبلوماسي ينهي تكلفة الحرب الباهظة، بينما يخشى نتنياهو من أن يؤدي وقف الحرب إلى فتح ملفات المحاسبة الداخلية حول نتائجها.
ختاماً، يبدو أن المرحلة القادمة ستشهد صراعاً صامتاً بين تل أبيب وواشنطن حول تفاصيل الاتفاق النهائي مع إيران. فبينما تسعى واشنطن لإغلاق هذا الملف، تصر إسرائيل على أن أي اتفاق لا يضمن التفكيك الكامل للقدرات النووية الإيرانية هو مجرد تأجيل لصراع قادم وأكثر ضراوة.
فلسطين
الخميس 09 أبريل 2026 1:12 صباحًا - بتوقيت القدس
خلافات حادة بين واشنطن وطهران حول شمول لبنان بـ 'اتفاق الهدنة' وسط غارات إسرائيلية دامية
أكد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في لبنان يمثل ركيزة أساسية ضمن خطة طهران المكونة من عشر نقاط، والتي تعد الإطار المرجعي للهدنة الحالية مع الولايات المتحدة. وأوضح بيزشكيان خلال اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أن التزام بلاده بالهدنة يعكس رغبة حقيقية في إنهاء النزاعات عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية.
وشدد الرئيس الإيراني على أن المطلب المتعلق بلبنان ليس ثانوياً، بل هو شرط جوهري لضمان نجاح المسار الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سابقاً بأنه 'أساس قابل للتفاوض'. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس بعد إقرار هدنة لمدة أسبوعين تهدف إلى خفض التصعيد الإقليمي الذي أضر بحركة الملاحة الدولية.
من جانبه، دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الأزمة، مطالباً بضرورة توسيع نطاق اتفاق وقف إطلاق النار ليشمل الجبهة اللبنانية بشكل صريح. واعتبر ماكرون في تدوينة له أن شمول لبنان هو الضمانة الوحيدة لجعل الاتفاق مستداماً وقادراً على الصمود أمام التحديات الميدانية المتسارعة.
ودعا الإليزيه القوى الأوروبية إلى ممارسة دور أكثر فاعلية للضغط على واشنطن وتل أبيب لاحترام التزاماتهما الدولية. وأشار ماكرون إلى أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان يهدد بتقويض الجهود الدبلوماسية التي بُذلت للوصول إلى التهدئة المؤقتة بين واشنطن وطهران.
ميدانياً، شهد لبنان يوماً دامياً جراء غارات إسرائيلية مكثفة أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 182 شخصاً وإصابة نحو 890 آخرين. وتعد هذه الهجمات هي الأعنف منذ بدء المواجهات، مما وضع اتفاق الهدنة الوليد بين الولايات المتحدة وإيران على حافة الانهيار قبل أن يكمل أسبوعه الأول.
وفي رد فعل حاد، اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إسرائيل بانتهاك صريح للتفاهمات القائمة بين بلاده وواشنطن. وقال عراقجي إن 'الكرة الآن في الملعب الأمريكي'، مشيراً إلى أن استمرار المجازر في لبنان يضع صدقية الوعود الأمريكية على المحك أمام المجتمع الدولي.
وخاطب عراقجي الإدارة الأمريكية بلهجة حازمة، مؤكداً أنه لا يمكن لواشنطن أن تدعي الرغبة في السلام بينما تستمر في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية. وأضاف أن شروط الهدنة كانت واضحة، وأن أي محاولة لتجزئة المسارات الأمنية ستؤدي بالضرورة إلى عودة لغة السلاح.
على الولايات المتحدة أن تختار بين وقف إطلاق النار أو مواصلة الحرب عبر إسرائيل، ولا يمكنها اختيار الأمرين معاً.
في المقابل، جاء الرد الأمريكي مغايراً للتوقعات الإيرانية، حيث صرح نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس بأن الاتفاق الحالي لا يشمل لبنان. وأوضح فانس أن واشنطن لم تقدم أي وعود بوقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية كجزء من التفاهمات الثنائية مع طهران.
وحذر فانس الجانب الإيراني من السماح بانهيار المفاوضات بسبب ملف لبنان، معتبراً أن ذلك سيكون خياراً طهرانياً يتحملون عواقبه. وأشار إلى أن إسرائيل أبدت نوعاً من 'ضبط النفس' لإعطاء فرصة للمفاوضات، رغم كثافة الغارات الأخيرة التي وصفتها مصادر ميدانية بأنها غير مسبوقة.
وتربط واشنطن استمرار الهدنة بملفات استراتيجية أخرى، على رأسها ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي تمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية. وأكد فانس أن ترمب يتوقع التزاماً كاملاً من إيران بفتح المضيق، محذراً من 'عواقب خطيرة' في حال الإخلال بهذا البند الحيوي للاقتصاد العالمي.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن التوترات في مضيق هرمز أدت سابقاً لتراجع الملاحة بنسبة 90%، مما أثر على توقعات التضخم العالمي لعام 2026. وتسعى الإدارة الأمريكية لربط التهدئة العسكرية باستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يفسر الضغط الكبير على طهران في هذا الملف.
وعلى الصعيد العسكري، تكشف الإحصائيات عن حجم الخسائر الفادحة التي منيت بها الأطراف، حيث قُتل 936 عسكرياً إسرائيلياً منذ أكتوبر 2023. كما تضررت آلاف المباني داخل إسرائيل جراء الرشقات الصاروخية الإيرانية التي شملت مئات الصواريخ والطائرات المسيرة في جولات تصعيد سابقة.
ومن المقرر أن تنطلق جولة مفاوضات حاسمة في باكستان السبت المقبل، حيث سيقود فانس وفداً رفيعاً يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. وستبحث هذه اللقاءات إمكانية تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق دائم، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه المحادثات المباشرة المحتملة في إسلام آباد.
وتواجه الجهود الدبلوماسية تحديات كبرى في ظل الانحياز الأمريكي الواضح لإسرائيل، وهو ما تعكسه استطلاعات الرأي في المنطقة العربية. حيث يرى الغالبية العظمى من الفلسطينيين والعرب أن واشنطن ليست وسيطاً نزيهاً، مما يزيد من تعقيد الوصول إلى تسوية شاملة تنهي العدوان على غزة ولبنان.




