تتجلى في الترسانة العسكرية الأمريكية مفارقة تاريخية وأخلاقية عميقة، حيث تعتمد واشنطن في تسمية أحدث طائراتها وصواريخها الفتاكة على أسماء قبائل وزعماء السكان الأصليين. هؤلاء الذين تعرضوا لحملات إبادة وتهجير تاريخية على يد القوات الأمريكية، باتت أسماؤهم اليوم تزين آلات الحرب التي تنفذ عمليات عسكرية في مختلف قارات العالم.
ومن أبرز الأمثلة على هذا النهج، صاروخ 'توماهوك' الجوال الذي يعد ركيزة أساسية في الهجمات الصاروخية الأمريكية، حيث استمد اسمه من فأس الحرب التقليدية التي استخدمها الهنود الأصليون. وقد سجلت تقارير حقوقية استخدام هذا السلاح في عمليات أدت لسقوط مدنيين، من بينها استهداف منشآت تعليمية، مما يعمق جراح الذاكرة المرتبطة بهذا الاسم.
وفي سماء المعارك، تبرز مروحية 'أباتشي' (AH-64) كواحدة من أقوى الطائرات الهجومية في العالم، وقد سُميت تيمناً بقبائل الأباتشي التي اشتهرت بضراوتها القتالية الفائقة. كما تبرز مروحية 'بلاك هوك' (UH-60) التي تحمل اسم الزعيم المحارب من قبيلة ساوك، والذي قاد مواجهات تاريخية ضد التوسع الأمريكي في أراضي أجداده.
ولا يتوقف الأمر عند الطائرات الهجومية، بل يمتد ليشمل طائرات النقل الثقيل مثل 'شينوك' (CH-47)، المنسوبة لشعوب قطنت شمال غرب المحيط الهادئ. وتستخدم مروحيات 'كايوا' (OH-58) و'لاكوتا' (UH-72) في مهام الاستطلاع والمهام المتعددة، وهي أسماء تعود لقبائل السهول الكبرى واتحاد قبائل السيوكس الشهير.
تعود جذور هذه السياسة إلى عام 1969، حين وضع الجيش الأمريكي لائحة رسمية لتنظيم تسمية المعدات العسكرية بمبادرة من الجنرال هاميلتون هاوز. ومنذ ذلك الحين، يتولى مكتب 'الشؤون الهندية' داخل المؤسسة العسكرية مهمة اختيار الأسماء التي يرى الجيش أنها تخليد لذكرى المقاتلين القدامى، بينما يراها آخرون استغلالاً رمزياً.
وتشمل القائمة أيضاً مروحيات 'إيروكوا' و'كايوس' و'كريك'، بالإضافة إلى طائرات الشحن من طراز 'هيرون' وطائرات المراقبة 'يوت'. كل هذه المسميات تعكس رغبة عسكرية في استحضار روح القتال والمناورة التي ميزت السكان الأصليين، وتوظيفها في سياق القوة الجوية الحديثة للولايات المتحدة.
لكن هذه التسميات لا تخلو من إهانات مبطنة، حيث أفادت مصادر بأن الجيش الأمريكي لا يزال يستخدم مصطلح 'بلدان الهنود' للإشارة إلى مناطق النزاع والعمليات الخارجية. هذا الربط بين أراضي 'العدو' الحالي وأراضي السكان الأصليين قديماً يثير استياءً واسعاً لدى المنظمات الممثلة للهنود الأمريكيين.
اختيار هذه الأسماء يذكرنا بسهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بأسماء ضحايا جرائمنا، فربما كنا سنتصرف بشكل مختلف لو أطلق النازيون أسماء ضحاياهم على طائراتهم.
وقد استنكر المؤتمر الوطني للهنود الأمريكيين تكرار هذه المصطلحات في حروب فيتنام وأفغانستان والعراق، معتبرين أنها تقلل من تضحياتهم وتضعهم في خانة 'العدو' الدائم. ويرى مراقبون أن هذه اللغة العسكرية تعكس عقلية استعمارية لم تتخلص تماماً من رواسب الصراعات الداخلية القديمة.
ولعل الواقعة الأكثر إثارة للجدل كانت استخدام اسم 'جيرونيمو' كرمز سري في العملية التي استهدفت أسامة بن لادن في باكستان. وجيرونيمو هو قائد أسطوري من قبائل الأباتشي قاوم القوات الأمريكية لسنوات طويلة قبل أن يتم اعتقاله كأسر حرب حتى وفاته في أوائل القرن العشرين.
أثار هذا الاستخدام غضباً عارماً بين السكان الأصليين، الذين اعتبروا مساواة زعيمهم الوطني بـ 'إرهابي' دولي إهانة لا تغتفر لتاريخهم. ورغم أن وزارة الدفاع لم تؤكد رسمياً تفاصيل كلمة السر، إلا أن التقارير المسربة أكدت استخدام عبارة 'جيرونيمو إيكيا' للإعلان عن مقتل الهدف.
الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي دخل على خط الأزمة، منتقداً بشدة هذه السياسة التحريرية والعسكرية في اختيار الأسماء. وأشار تشومسكي إلى أن البيت الأبيض، من حيث لا يدري، قد يكون مجد بن لادن عبر منحه اسم زعيم مقاومة شجاع قاد شعبه ضد الغزاة.
وأضاف تشومسكي في تعليقاته أن تسمية أسلحة القتل بأسماء الضحايا هي ظاهرة تستحق التأمل في السيكولوجية السياسية الأمريكية. وتساءل باستنكار عن رد فعل العالم لو أن القوات النازية أطلقت أسماء ضحاياها من الأقليات على طائراتها المقاتلة في الحرب العالمية الثانية.
إن استمرار استخدام هذه الأسماء يضع المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام تساؤلات أخلاقية مستمرة حول كيفية التوفيق بين 'التكريم' المزعوم والواقع العملي لهذه الأسلحة. فبينما يرى الجنرالات فيها فخراً، يراها أحفاد القبائل تذكيراً مستمراً بآلات الموت التي سحقت حضارتهم يوماً ما.
وفي الختام، تظل قصة 'أسماء الأسلحة' فصلاً مفتوحاً في نقاش أوسع حول الهوية والتاريخ في الولايات المتحدة، حيث تصطدم الرواية الرسمية للجيش مع مشاعر الضحايا التاريخيين. ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت واشنطن ستراجع هذه السياسة مستقبلاً أم ستستمر في التحليق بأسماء من طاردتهم في الماضي.





شارك برأيك
بأسماء ضحاياها.. كيف توظف واشنطن إرث 'السكان الأصليين' في ترسانتها العسكرية؟