تحليل

الخميس 09 أبريل 2026 3:58 صباحًا - بتوقيت القدس

هندسة الحسم المؤجل: كيف تمنع القوى الكبرى نهاية الحروب في المنطقة؟

شهدت العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة القوى الكبرى للأزمات الدولية، حيث انتقلت من مفهوم 'الفوضى الخلّاقة' الذي يهدف لإعادة بناء الأنظمة، إلى نمط أكثر تعقيداً يُعرف بـ 'هندسة الحسم المؤجَّل'. هذا النمط لا يسعى لإنهاء الحروب، بل يهدف إلى ضبط ديناميات التصعيد لمنع أي طرف من الوصول إلى لحظة الانتصار الحاسم، مما يحول الصراعات إلى حالة استنزاف مستدامة وقابلة للإدارة.

تعتمد هذه الاستراتيجية على فرضية مركزية مفادها أن غياب الحسم ليس دليلاً على فشل الوساطات أو العجز العسكري، بل هو نتيجة مقصودة بحد ذاتها. في هذا الإطار، تصبح استمرارية الصراع مؤشراً على نجاح النظام الإداري الدولي في الحفاظ على توازنات القوى، حيث تُدار الحروب المعاصرة لتبقى في حالة دائمة من 'اللا حسم المنضبط' الذي يخدم مصالح الأطراف المهيمنة.

ويحكم هذا النمط قانون 'عكسية الاقتراب من الحسم'، فكلما اقترب صراع ما من نهايته المنطقية بفوز أحد الأطراف، تتدخل القوى الخارجية لإعادة ضبط الموازين. هذه التدخلات لا تستهدف تحقيق السلام، بل تعمل على إعادة الصراع إلى نطاق الاستنزاف، مما يجعل 'الاقتراب من النهاية' لحظة خطر تستدعي الاحتواء الفوري بدلاً من الاستكمال.

تتحقق هذه الهندسة عبر آليات دقيقة تشمل التصعيد المحسوب الذي يضمن بقاء العنف ضمن مستويات لا تؤدي إلى انهيار شامل. كما تشمل فرض سقف ثابت للتصعيد يمنع تحول النزاعات المحلية إلى حروب إقليمية كبرى، مع استخدام الهدن المؤقتة كأداة لإعادة ضبط الإيقاع الزمني والميداني للأطراف المتصارعة دون إنهاء جذور المشكلة.

في قطاع غزة، تبرز هذه الهندسة بوضوح من خلال تتبع مسار الهدن المتكررة، مثل هدنة نوفمبر 2023 وهدنة يناير 2025. هذه المحطات لم تكن تهدف لإنهاء الحرب، بل أعادت ضبط مستويات التصعيد ومنعت الانهيار الشامل، مما أعاد الصراع في كل مرة إلى نطاق الاستنزاف المتبادل الذي يمنع الوصول إلى حسم نهائي.

أما في النموذج العراقي، فقد أنتج غزو عام 2003 تفكيكاً شاملاً للدولة دون بناء نظام مستقر بديل، وهو ما يمثل جوهر الحسم المؤجل. تحول العراق بفعل ذلك إلى ساحة استنزاف مفتوحة ومنخفضة الضبط، حيث تمنع التدخلات المستمرة نشوء قوة مركزية قادرة على فرض سيادتها الكاملة، مما يبقي البلاد في حالة سيولة سياسية وأمنية دائمة.

الملف النووي الإيراني يمثل بدوره نموذجاً لإدارة التوازن الإقليمي عبر 'التصعيد المنضبط'، حيث تُستخدم المفاوضات والهدن المؤقتة لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. هذا النمط يحافظ على حالة من التوتر القابل للإدارة، مما يتيح للقوى الدولية ممارسة نفوذها عبر ضبط إيقاع الطموحات النووية دون الحاجة إلى حسم عسكري مكلف.

وفي الساحة السورية، أدى التدخل الدولي منذ عام 2011 إلى حالة من التفكيك الجزئي والفوضى المستمرة التي فشلت في إنتاج نظام جديد. النتيجة كانت استنزافاً ممتداً للأطراف كافة، حيث يتم التدخل عسكرياً أو سياسياً كلما مالت الكفة لصالح طرف ما، لضمان بقاء سوريا في حالة 'لا حرب ولا سلم' تخدم التوازنات الإقليمية.

تعتمد هذه المنظومة على ما يمكن تسميته 'اقتصاديات الألم'، حيث يتم توفير وقود مالي وعسكري كافٍ لبقاء الأطراف المتصارعة على قيد الحياة دون منحها القدرة على التفوق الكاسح. يصبح الألم البشري والمادي في هذه الحالة مورداً لاستدامة المنظومة، حيث يتم معايرة الدعم الخارجي بدقة لضمان استمرار النزاع لأطول فترة ممكنة.

تلعب 'السيادة الزمنية' دوراً حاسماً في هذا السياق، إذ تُستخدم الهدن لمعايرة الإيقاع النفسي والزمني للشعوب المنخرطة في الحرب. تتحول الحرب بفعل التكرار والمد والجزر إلى نمط حياة اعتيادي، ويصبح الهدف الأقصى للمجتمعات هو 'تأجيل الألم' أو الحصول على هدنة قصيرة، بدلاً من السعي نحو التحرر أو الحسم الكامل.

يختلف هذا المفهوم جوهرياً عن 'الفوضى الخلّاقة'؛ فالأخيرة تفترض أن التفكيك هو مرحلة انتقالية تتبعها إعادة بناء نظام يخدم القوى المهيمنة. أما 'هندسة الحسم المؤجَّل' فهي تعمل ضمن دورة مغلقة من الاستنزاف والضبط، حيث الهدف هو تعطيل نشوء أي نظام مكتمل السيادة، والبقاء في حالة من السيولة الدائمة.

من الناحية النظرية، تمثل هذه الهندسة امتداداً لمنطق السلطة الذي ناقشه ميشيل فوكو، ولكن على مستوى العلاقات الدولية الكبرى. فهي تعيد تعريف الحرب لتصبح أداة لتعطيل الحسم، بخلاف رؤية كلاوزفيتز التقليدية التي ترى في الحسم غاية الحرب، وبخلاف استراتيجيات صن تزو التي تسعى لإنهاء النزاعات بأقل التكاليف.

تعد تجربة حرب فيتنام استثناءً يثبت القاعدة، حيث أظهرت أن هذا النمط ليس قدراً حتمياً بل هو نظام مشروط بقدرة الفاعل على تحمل كلفة الزمن. فإذا تجاوزت التكاليف البشرية والمادية حدود السيطرة، ينقلب نظام 'اللا حسم' إلى حسم اضطراري، وهو ما يمثل نقطة الضعف الوحيدة في هذه الهندسة المعقدة.

في الختام، يبرز السؤال الجوهري في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة: ما هي البُنى التي تضمن ألّا تنتهي الحروب؟ إن فهم 'هندسة الحسم المؤجَّل' يفتح الباب لتحليل أعمق لكيفية تحول النزاعات إلى نظم تشغيل مستدامة، حيث لم يعد الخطر يكمن في اندلاع الحرب فحسب، بل في استقرارها كحالة دائمة تمنع الشعوب من تقرير مصيرها.

دلالات

شارك برأيك

هندسة الحسم المؤجل: كيف تمنع القوى الكبرى نهاية الحروب في المنطقة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.