تحليل

الثّلاثاء 09 يونيو 2026 2:28 مساءً - بتوقيت القدس

قرن على غياب الخلافة: كيف حاولت جماعة الإخوان ملء الفراغ الجيوسياسي؟

شكل قرار إلغاء الخلافة العثمانية في مارس من عام 1924 نقطة تحول جذرية في التاريخ الإسلامي المعاصر، حيث انتهت مؤسسة سياسية ورمزية استمرت لأكثر من ثلاثة عشر قرناً. هذا الانهيار أدى إلى تفكك الرابطة المؤسسية التي كانت تجمع جغرافيا واسعة، ليحل محلها نظام الدول الوطنية الذي رسمت حدوده القوى الاستعمارية الغربية وفرضت عليه سيادتها.

في ظل هذا الفراغ المعنوي والسياسي الكبير، برزت تساؤلات جوهرية حول الهوية والبديل القادر على لم شتات الأمة المبعثرة. ومع تعدد المشاريع المطروحة من قومية واشتراكية وليبرالية، قدمت جماعة الإخوان المسلمين نفسها منذ تأسيسها عام 1928 كأكثر المشاريع التصاقاً بالفكرة الإسلامية الجامعة الساعية لترميم ما هدمه سقوط السلطنة.

اعتمدت الجماعة في رؤيتها التأسيسية على استراتيجية 'شمولية الفكرة'، حيث اعتبر حسن البنا أن الإسلام نظام متكامل لا ينفصل فيه الدين عن السياسة أو الاقتصاد. كان هذا الطرح رداً مباشراً على النماذج العلمانية الصاعدة التي حاولت حصر الدين في النطاق الفردي والشعائري، مما جعل الجماعة قبلة لشرائح اجتماعية رأت في الدولة الوطنية كياناً مصطنعاً.

لم تكتفِ الجماعة بالتنظير الفكري، بل سعت إلى 'عولمة التنظيم' عبر بناء كيانات عابرة للحدود في بلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا والجزيرة العربية. ورغم أن هذه الفروع استلهمت فكر المركز في مصر، إلا أنها طورت أدواتها الخاصة بناءً على السياقات السياسية المحلية، فتباينت تجاربها بين المشاركة البرلمانية والمواجهة الصدامية.

في الأردن، انخرطت الجماعة في اللعبة السياسية تحت سقف النظام الملكي، بينما واجهت في سوريا موجات قمع دموية بلغت ذروتها في أحداث حماة عام 1982. وفي المقابل، قدمت حركة النهضة في تونس نموذجاً مختلفاً قام على المصالحة مع مفهوم الدولة وقبول التداول السلمي على السلطة، مما يعكس مرونة التنظيم وتعدده.

بنت الجماعة قوتها الجماهيرية من خلال إنشاء 'شبكات أمان اجتماعي' موازية لمؤسسات الدولة، شملت المستوصفات والمدارس والجمعيات الخيرية. هذه البنية التحتية الاجتماعية مكنتها من الوصول إلى الفئات المهمشة التي عجزت الدولة الوطنية الناشئة عن تلبية احتياجاتها، مما خلق ولاءات شعبية عميقة وراسخة.

تحولت هذه الخدمات الاجتماعية بمرور الوقت إلى ما يشبه 'دولة داخل الدولة'، وهو ما أثار حفيظة الأنظمة الحاكمة التي رأت في هذا الوجود تهديداً لشرعيتها واحتكارها للموارد. هذا التمدد الخدمي كان سبباً رئيساً في وضع الجماعة في مرمى النيران الأمنية والسياسية لعقود طويلة.

واجه مشروع الإخوان عقبة هيكلية تمثلت في الصدام المباشر مع شرعية الدولة القطرية والحدود الموروثة عن اتفاقية سايكس بيكو. فبينما استمدت الأنظمة شرعيتها من السيادة الوطنية، اعتبر خطاب الجماعة هذه الحدود عوائق مصطنعة تمزق وحدة الأمة، مما حول الخلاف من سياسي إلى صراع وجودي.

أنتج هذا التناقض البنيوي موجات متلاحقة من القمع، بدأت بقرار حل الجماعة في مصر عام 1948 وتصاعدت بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر عام 1954. وفي كل مرة كانت الجماعة تقترب فيها من التأثير السياسي، كانت آلة الدولة تتحرك لاستئصالها أو تحجيم دورها في الفضاء العام.

على الصعيد الدولي، واجه المشروع الإسلامي العابر للحدود بيئة معادية من القوى الكبرى التي خشيت من إعادة رسم توازنات القوة في المنطقة. واشنطن وموسكو ولندن وباريس، رغم تناقضاتها، اتفقت على دعم الأنظمة المركزية العلمانية والقومية كضمانة لاستقرار مصالحها الاستراتيجية ومنع قيام كتلة جيوسياسية مستقلة.

ساهم هذا الاصطفاف الدولي في توفير غطاء سياسي للأنظمة المحلية لتصفية خصومها من التيارات الإسلامية، خاصة في اللحظات المفصلية من تاريخ المنطقة. هذا الحصار المزدوج، داخلياً ودولياً، أغلق الأبواب أمام تحول الجماعة إلى بديل مؤسسي مستقر وقادر على قيادة التحولات الكبرى.

أدى طول أمد الملاحقة الأمنية إلى تشكل وعي جمعي داخل الجماعة يرتكز على 'المظلومية' وفكرة الضحية الأبدية. ورغم أن هذا الشعور ساعد في الحفاظ على تماسك التنظيم داخلياً، إلا أنه استنزف طاقاته في معارك البقاء والدفاع عن النفس بدلاً من التطوير الفكري والمؤسسي.

تحولت أولويات الجماعة تدريجياً من بناء المشروع الحضاري إلى حماية الهيكل التنظيمي وتأمين المعتقلين وعائلاتهم. هذا الاستنزاف المستمر أضعف القدرة على إجراء مراجعات فكرية جادة تواكب المتغيرات العصرية، وجعل الجماعة أسيرة لردود الأفعال تجاه سياسات الأنظمة القمعية.

بعد مرور قرن على سقوط الخلافة، يبقى سؤال الفراغ الجيوسياسي قائماً في العالم الإسلامي، بينما لا تزال تجربة الإخوان المسلمين تخضع للتقييم. فبين النجاح في الحفاظ على الهوية الإسلامية والفشل في تقديم نموذج حكم مستقر، تظل الجماعة فاعلاً مثيراً للجدل في تاريخ المنطقة الحديث.

دلالات

شارك برأيك

قرن على غياب الخلافة: كيف حاولت جماعة الإخوان ملء الفراغ الجيوسياسي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.