تطرح التطورات المتسارعة في المنطقة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة التحركات العسكرية الأمريكية، وما إذا كانت تعبر عن توجهات شخصية للرئيس دونالد ترامب أم أنها استكمال لاستراتيجية عميقة وضعتها الدولة العميقة في واشنطن. إن انتشار 13 قاعدة حربية أمريكية بمهام مختلفة وتواجد حاملات الطائرات والمدمرات في بحار المنطقة يشير إلى أننا لسنا أمام ردود فعل آنية، بل أمام خطط تدرب عليها الجيش الأمريكي لسنوات طويلة.
لقد مهدت الإدارات السابقة، ومنها إدارة باراك أوباما، لهذه المرحلة حين صرح بأن الحرب على ما يسمى 'الإرهاب' ستستغرق عقوداً، وهو مصطلح غالباً ما يتم توظيفه لخدمة مصالح جيوسياسية محددة. الاختلاف الجوهري اليوم يكمن في رغبة ترامب في تحويل هذه الخطط إلى مجد شخصي، مدفوعاً بضغوط اللوبي الصهيوني الذي يجد نفسه في مأزق حقيقي بعد التغيرات الميدانية الكبيرة التي فرضتها أحداث طوفان الأقصى.
هذا اللوبي، الذي استثمر طويلاً في شخصية ترامب، يسابق الزمن الآن لتنفيذ أجنداته بعد أن استشعرت القوى الداعمة للكيان الصهيوني خطر التحلل والزوال الذي يهدد وجوده. إن الخطط الموضوعة تتطلب من أي رئيس أمريكي التخلي عن المبادئ التي نادت بها واشنطن لعقود، مثل العولمة والتجارة الحرة والقانون الدولي، لصالح فرض واقع جديد بالقوة العسكرية.
لقد شهدنا في عهد الإدارات المتعاقبة، وصولاً إلى بايدن وترامب، تجاهلاً تاماً لتقارير المنظمات الدولية وحقوق الإنسان، بما في ذلك صرخات وكالة الأونروا والمقررين الأمميين. الفيتو الأمريكي ظل السلاح الأبرز لمنح الحصانة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، مما يؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية تسير في خط ثابت يتجاوز أسماء الرؤساء وانتماءاتهم الحزبية.
وفي سياق التصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن إيران وحلفاءها أطلقوا ما لا يقل عن 388 صاروخاً وطائرة مسيرة باتجاه إقليم كردستان العراق منذ بدء النزاع الأخير. هذا التصعيد يعكس حجم التوتر في المناطق الحدودية، حيث تسعى القوى الإقليمية لتثبيت معادلات ردع جديدة في مواجهة التحركات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة في تلك المناطق.
المصادر الميدانية أكدت تنفيذ نحو 140 هجوماً مشتركاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت مواقع يسيطر عليها الأكراد في شمال غرب إيران، بهدف إضعاف قبضة الحرس الثوري. هذه الضربات الدقيقة أسفرت عن مقتل عدد من المقاتلين الأكراد داخل الأراضي العراقية، مما يفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة تتجاوز الحدود التقليدية للدول.
الحرس الثوري الإيراني لم يقف مكتوف الأيدي، بل وجه تهديدات مباشرة لحكومة إقليم كردستان بضرورة سحب القوات من الحدود، مستخدماً وسائل ضغط تكنولوجية ونفسية متطورة. تسيير سيارات مزودة بأجهزة مسح للاتصالات الفضائية وإرسال رسائل تهديد نصية للسكان يعكس حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها الأجهزة الأمنية الإيرانية في مواجهة الاختراقات.
إن حرب الإدارات الأمريكية ممتدة في عهد كل الرؤساء، ديمقراطيين وجمهوريين، وما يختلف هو أسلوب التنفيذ وتوقيته.
تركيا من جهتها دخلت على خط الأزمة بحذر، حيث حذر وزير خارجيتها هاكان فيدان واشنطن من مغبة إشراك الفصائل الكردية في عمليات عسكرية عابرة للحدود. أنقرة تخشى أن يؤدي هذا الدعم الأمريكي للأكراد، الذين يشكلون 10% من سكان إيران، إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها وإثارة نزعات انفصالية قد تنتقل عدواها إلى الداخل التركي.
إن الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فُرض على إيران ودول أخرى لسنوات لم يكن سوى تمهيد لهذه المرحلة من الاجتياح الشامل للمنطقة وثرواتها. الهدف النهائي يبدو أنه تأسيس مرحلة جديدة من الهيمنة الغربية الاستعمارية، تتجاوز حدود اتفاقيات سايكس بيكو القديمة لترسم حدوداً جديدة تتوافق مع المصالح الحيوية للقوى الكبرى.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين لفتح نافذة للمفاوضات، إلا أن المؤشرات على الأرض لا توحي بنهاية قريبة للصراع. الطموحات المسلحة للمعارضة الكردية، مدعومة بالغطاء الأمريكي، تظل قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، خاصة مع استمرار الضربات الجوية التي تستهدف المقرات والقواعد العسكرية.
إن ما يحدث اليوم هو انقلاب عسكري وسياسي على إرادة الشعوب، ليس فقط في الشرق الأوسط بل امتد ليشمل دولاً في أفريقيا وآسيا. أمريكا التي أسست للمنظمات الدولية هي نفسها التي تقود الآن عملية تفكيك هذه المنظومة عندما تتعارض مع أهدافها في حماية الكيان الصهيوني وتأمين تدفق الثروات.
ترامب، بما يمثله من أسلوب فج ومنحاز بشكل مطلق، قد يكون الواجهة الأكثر وضوحاً لهذا القبح السياسي، لكنه ليس المبتكر الوحيد لهذه السياسات. إن المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية هي المحرك الفعلي لهذه الحروب، بينما يقتصر دور الرئيس على اختيار التوقيت وطريقة الإخراج التي تناسب طموحاته السياسية.
إن طوفان الأقصى لم يغير فقط معادلة الميدان في فلسطين، بل أحدث زلزالاً في التفكير الاستراتيجي الغربي، مما دفعهم لتسريع خططهم بشكل قد يفتقر إلى التأني المطلوب. هذا التسرع قد يكون هو الثغرة التي تؤدي إلى تآكل الهيمنة الأمريكية، حيث تظهر التناقضات الصارخة بين الشعارات الديمقراطية والممارسات الإرهابية على الأرض.
في الختام، تظل الحرب الأمريكية ممتدة ومستمرة بغض النظر عن هوية الساكن في البيت الأبيض، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً. وما نراه اليوم من تصعيد في جبهات متعددة، من غزة إلى كردستان، هو فصل جديد من فصول محاولة إعادة صياغة المنطقة، وهي محاولة تواجه مقاومة غير مسبوقة قد تقلب الطاولة على المخططين ومنفذيهم.





شارك برأيك
بين استراتيجية الدولة ونزعات ترامب: هل تقود واشنطن حرباً مؤجلة في المنطقة؟