فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 5:11 مساءً - بتوقيت القدس

مركز حقوقي يحذر من طفرة غير مسبوقة في الاعتقالات الإدارية ضد فلسطينيي الداخل والقدس

أطلق مركز "عدالة" الحقوقي العربي في إسرائيل تحذيرات شديدة اللهجة من تصاعد خطير وغير مسبوق في لجوء السلطات الإسرائيلية لسياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين. وأوضح المركز أن هذه السياسة استهدفت بشكل مكثف المواطنين في القدس الشرقية وأراضي عام 1948، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تشهد توترات ميدانية واسعة.

وكشف التقرير الحقوقي عن وجود نحو 560 ملفاً للاعتقال الإداري تم تداولها في المحاكم المركزية الإسرائيلية، وهي أرقام تعكس حجم التوسع في استخدام هذه الأداة القانونية القمعية. وأشار المركز إلى أن هذه المعطيات تم استقاؤها رسمياً عبر طلبات حرية المعلومات التي قُدمت لوزارة العدل الإسرائيلية لمتابعة هذه القضايا.

وشددت المصادر الحقوقية على أن الفترة التي تلت أكتوبر 2023 شهدت قفزة نوعية في أعداد المعتقلين إدارياً، حيث سجلت المحاكم المركزية في الداخل 297 قضية خلال أشهر قليلة. ويرى المركز أن هذا التصاعد يرتبط بشكل مباشر بالمناخ السياسي والأمني العام، مما يحول هذه الأداة إلى وسيلة عقاب جماعي ضد الفلسطينيين.

وفي سياق متصل، أكد مركز عدالة أن الجهاز القضائي الإسرائيلي يوفر غطاءً لهذه الممارسات، حيث رفضت المحكمة العليا كافة الاستئنافات التي قُدمت إليها بخصوص هذه الاعتقالات. هذا الرفض الممنهج يعزز من مخاوف المؤسسات الحقوقية بشأن غياب الرقابة القضائية الحقيقية وتواطؤ المحاكم مع الأجهزة الأمنية.

ويُعرف الاعتقال الإداري بأنه إجراء استثنائي يسمح باحتجاز الأفراد لفترات طويلة دون توجيه تهم محددة أو إجراء محاكمات علنية تضمن حقوق الدفاع. وتعتمد السلطات في هذا الإجراء على ما يسمى بـ "الملفات السرية" التي لا يُسمح للمعتقل أو محاميه بالاطلاع عليها، مما يجعل من الصعب تفنيد الادعاءات.

وأوضح المركز أن فلسفة هذا النوع من الاعتقال تقوم على فرضية "الخطر المستقبلي" المحتمل، وليس على ارتكاب مخالفة فعلية يعاقب عليها القانون. هذا النهج يضع المواطنين الفلسطينيين في مواجهة اتهامات غامضة ومبهمة، ويحرمهم من أبسط قواعد العدالة الطبيعية والمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً.

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن إسرائيل ورثت قوانين الاعتقال الإداري من أنظمة الطوارئ التي وضعها الانتداب البريطاني، لكنها عملت على تطويرها وتوسيع نطاقها بشكل كبير. وقد باتت هذه القوانين تُستخدم اليوم بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين بمختلف تصنيفاتهم القانونية، سواء كانوا من سكان الضفة أو غزة أو الداخل.

ويلفت التقرير الانتباه إلى أن المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة، يجدون أنفسهم عرضة لهذه القوانين رغم حملهم للجنسية الإسرائيلية. ويعكس هذا التمييز في تطبيق القوانين الأمنية عمق الأزمة الحقوقية التي يواجهها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر وفي مدينة القدس المحتلة.

وتتزامن هذه الاعتقالات مع تقارير دولية ومحلية تتحدث عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها الأسرى والمعتقلون في السجون الإسرائيلية منذ بدء التصعيد الأخير. وتشمل هذه الانتهاكات ممارسات قاسية مثل التعذيب الجسدي، والإهمال الطبي المتعمد، بالإضافة إلى سياسات التجويع والحرمان من الزيارات القانونية.

وخلص مركز عدالة في تقريره إلى ضرورة التدخل الدولي لوقف هذه السياسات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان. وأكد أن استمرار العمل بالاعتقال الإداري بهذا الشكل الواسع يمثل تهديداً مباشراً للحريات الأساسية ويحول الإجراء الاستثنائي إلى قاعدة دائمة للتعامل مع الفلسطينيين.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 4:41 مساءً - بتوقيت القدس

طارق رحمن يؤدي اليمين الدستورية رئيساً لوزراء بنغلادش بعد فوز انتخابي حاسم

شهدت العاصمة دكا اليوم الثلاثاء مراسم رسمية لتنصيب طارق رحمن رئيساً لوزراء بنغلادش، حيث أدى اليمين الدستورية أمام الرئيس محمد شهاب الدين في مبنى البرلمان. وتأتي هذه الخطوة لتدشن أول حكومة منتخبة ديمقراطياً منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الشيخة حسينة في عام 2024، مما ينهي فترة انتقالية استمرت نحو عام ونصف.

تعهد رحمن، البالغ من العمر 60 عاماً، في كلمته الافتتاحية بالالتزام الكامل بالدستور والقانون، مشدداً على أن أولويات حكومته ستتركز على الملف الأمني والنهوض بالاقتصاد المتعثر. وتواجه الإدارة الجديدة مهمة شاقة في إعادة بناء المؤسسات الدستورية التي تضررت جراء الصراعات السياسية الحادة التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية.

ويقود رحمن الحزب الوطني البنغلادشي الذي حقق انتصاراً كبيراً في الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني عشر من فبراير الجاري. ويمثل هذا الصعود عودة قوية لرحمن إلى المشهد السياسي بعد سنوات طويلة قضاها في المعارضة والمنفى الاختياري في بريطانيا، حيث عاد إلى وطنه في ديسمبر الماضي فقط.

تسلّم رئيس الوزراء الجديد مهامه من الحكومة المؤقتة التي أدارت شؤون الدولة، البالغ عدد سكانها 170 مليون نسمة، لمدة 18 شهراً. وقد أهدى رحمن فوزه للشعب البنغلادشي وللمبادئ الديمقراطية، داعياً كافة القوى السياسية إلى التكاتف لتجاوز المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد، خاصة في ظل تراجع الوضع الأمني وضعف الثقة الاستثمارية.

على صعيد النتائج البرلمانية، حصد ائتلاف الحزب الوطني البنغلادشي 212 مقعداً، مما منحه أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة وإقرار التشريعات اللازمة. وفي المقابل، حصل الائتلاف الذي تقوده الجماعة الإسلامية على 77 مقعداً، معلنة أنها ستلعب دور المعارضة السلمية واليقظة داخل قبة البرلمان رغم طعنها في نتائج بعض الدوائر.

في المقابل، غاب حزب رابطة عوامي، الذي قادته الشيخة حسينة لعقود، عن المشهد الانتخابي تماماً بعد منعه من المشاركة بقرار قضائي وسياسي. ومن منفاها في الهند، وصفت حسينة البالغة من العمر 78 عاماً العملية الانتخابية بأنها غير شرعية، في وقت تواجه فيه أحكاماً غيابية بالإعدام تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وقعت خلال فترة حكمها.

أفادت مصادر دبلوماسية بأن الهند، التي كانت حليفاً وثيقاً للنظام السابق، أشادت بالفوز الحاسم للحزب الوطني البنغلادشي في خطوة تعكس رغبة في فتح صفحة جديدة. ويُنظر إلى هذا الموقف الهندي كإشارة إيجابية قد تسهم في تخفيف التوترات الحدودية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجارين في المرحلة المقبلة.

وفيما يخص تمثيل المرأة، كشفت النتائج عن فوز سبع نساء فقط عبر التنافس المباشر في الدوائر الانتخابية، وهو رقم يراه مراقبون متواضعاً بالنظر إلى دور المرأة في المجتمع. ومع ذلك، سيتم توزيع 50 مقعداً إضافياً مخصصاً للنساء على الأحزاب السياسية وفقاً لنسبة الأصوات التي حصل عليها كل حزب في الاقتراع العام.

كما شهد البرلمان الجديد تمثيلاً للأقليات الدينية، حيث فاز أربعة مرشحين بمقاعد برلمانية، من بينهم اثنان من الطائفة الهندوسية التي تشكل نحو 7% من السكان. ويعكس هذا التمثيل محاولة لتعزيز الشمولية السياسية في بلد ذي غالبية مسلمة يسعى لتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية التي ظهرت في فترات سابقة.

اتسم يوم الاقتراع بهدوء نسبي غير متوقع، حيث لم تُسجل حوادث عنف كبرى رغم الأسابيع المتوترة التي سبقت العملية الانتخابية. وأكدت مصادر محلية أن الشارع البنغلادشي استقبل النتائج بنوع من الاستقرار، وسط آمال شعبية بأن تنجح الحكومة الجديدة في كبح جماح التضخم وتحسين مستوى المعيشة.

تنتظر حكومة طارق رحمن ملفات ثقيلة تتعلق بقطاع صناعة الملابس، حيث تعد بنغلادش ثاني أكبر مصدر للملابس عالمياً، وهو قطاع حيوي يعتمد عليه الاقتصاد بشكل كلي. وسيكون على الإدارة الجديدة طمأنة المشترين الدوليين والمستثمرين بأن الاستقرار السياسي قد عاد فعلياً، لضمان تدفق العملة الصعبة وحماية الوظائف لملايين العمال.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 4:41 مساءً - بتوقيت القدس

خمسة عشر عاماً على فبراير الليبية: مراجعة في مآلات الحلم والانكسار

تمر اليوم خمسة عشر عاماً على تلك اللحظة الفارقة في تاريخ ليبيا، حين خرج الشباب في فبراير 2011 مدفوعين بغضب صادق وحماس مفرط. كان الاعتقاد السائد آنذاك أن إسقاط النظام يمثل نهاية القصة والانتصار الكامل، دون إدراك أن تفكيك بنية الاستبداد أعقد بكثير من إزاحة رأس السلطة.

ومع مرور السنوات، يتبين أن المشهد الليبي تغير في كثير من جوانبه نحو الأسوأ، حيث انفتح المجال العام لفترة وجيزة قبل أن يضيق مجدداً تحت سطوة السلاح. لقد سقط الطاغية، لكن البلاد شهدت بروز عشرات الطغاة الصغار الذين أعادوا ملء السجون التي فُتحت في بداية الحراك.

إن المراجعة الصادقة تقتضي الاعتراف بأن الثورة تحولت بمرور الوقت من مشروع للتغيير الجذري إلى مجرد منتج جاهز للاستهلاك السنوي. تُصرف الأموال الطائلة لإحياء الذكرى في الميادين، بينما تغيب الإرادة الحقيقية لبناء مؤسسات الدولة الحرة والقوية التي حلم بها الليبيون.

لقد ارتُكبت جرائم جسيمة باسم الثورة، وسُرقت مقدرات البلاد تحت رايتها في مفارقة مؤلمة تعكس حجم الانحراف عن المسار الأصلي. صارت 'فبراير' مظلة واسعة يدخل تحتها المتناقضون، ويستخدمها البعض كبضاعة موسمية لتحقيق مكاسب سياسية ومالية ضيقة.

أما مفهوم 'الثوار' فقد أضحى عبئاً ثقيلاً بعد أن كان صفة أخلاقية نبيلة، إذ تصدر المشهد من هم أقدر على المتاجرة باللحظة لا الأصدق إيماناً بها. كثيرون ممن تسلقوا المناصب باسم الثورة تحولوا إلى نسخ مكررة من النظام السابق، مع تغيير في الأسماء والمسميات فقط.

تقف ليبيا اليوم على أنقاض بلد منقسم ومتشظٍ، عالقة في برزخ بين ثورة لم تكتمل وثورات مضادة عجزت عن الحسم. يتنازع المشهد حلم الدولة المدنية من جهة، وبنادق العسكر وسكاكين المتطرفين وربطات عنق الفاسدين من جهة أخرى.

الأخطر في هذا الواقع ليس مجرد الفوضى الأمنية، بل حالة فقدان الأمل واليأس التي تملكت قلوب الناس تجاه العمل السياسي. صار الكثير ممن شاركوا في الحراك الأول يتحاشون الحديث عنه، ليس ندماً على الرغبة في التغيير، بل خيبة من النتائج التي آلت إليها الأمور.

ومع ذلك، فإن تحميل فبراير مسؤولية كل ما جرى يعد تبسيطاً مخلاً للأزمة الليبية العميقة التي تضرب جذورها في عقود من الظلم. ما نعيشه اليوم هو نتاج تراكمات طويلة من القمع الممنهج وهشاشة المؤسسات التي كشفت الثورة عورتها ولم تكن هي المسبب الوحيد لها.

إن تشخيص المرض هو الخطوة الأولى للعلاج، والثورة الليبية نجحت في كشف أمراض المجتمع والدولة لكنها فشلت في تقديم الترياق. الأزمة الحالية تعكس حالة المخاض الطويل بين قديم يحتضر وجديد يكافح لكي يولد من رحم المعاناة.

إذا كان هناك أمل في تغيير حقيقي مستقبلاً، فإنه لن يأتي بالصيغة العاطفية التي شهدها عام 2011، بل عبر جيل جديد نضج في كنف الفوضى. هذا الجيل سيكون أقل رومانسية وأكثر صرامة في محاسبة كل من تسبب في ضياع بوصلة البلاد خلال السنوات الماضية.

الاعتراف بالفشل ليس جلداً للذات، بل هو شرط أساسي للنضج السياسي والاجتماعي لأي أمة تسعى للنهوض من عثرتها. الثورة في نهاية المطاف هي أداة، وإن لم تقترن بمشروع وطني واضح لبناء القانون، فإنها تتحول لذكرى عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع.

ليبيا اليوم بحاجة إلى تجاوز لغة الخطابات والمهرجانات، والالتفات إلى بناء الإنسان والمؤسسات بعيداً عن لغة السلاح. إن استعادة الدولة تتطلب وعياً يتجاوز لحظة الغضب الثوري إلى مرحلة البناء الرصين الذي يحترم التعددية ويحقق العدالة.

يبقى السؤال المعلق في أذهان الليبيين: أين هي أهداف فبراير وأين هي ليبيا التي رسموها في مخيلتهم قبل خمسة عشر عاماً؟ الإجابات تتفاوت بتفاوت المصالح، لكن الحقيقة الثابتة هي أن الطريق نحو الدولة المدنية لا يزال طويلاً وشاقاً.

ختاماً إن قراءة التاريخ بوعي هي ما يمنع تكرار المآسي، والدروس المستفادة من العقد الماضي يجب أن تكون وقوداً للإصلاح الحقيقي. لا يمكن بناء المستقبل بإنكار إخفاقات الماضي، بل بمواجهتها بشجاعة لتصحيح المسار وضمان عدم ضياع تضحيات الشعب.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 4:11 مساءً - بتوقيت القدس

ترامب يعلن استعداده للوساطة بين السعودية والإمارات: خلاف يسهل حله

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات صحفية أدلى بها مؤخراً، أنه يعتزم التدخل بشكل مباشر لإنهاء حالة التوتر الدبلوماسي والسياسي القائمة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وأشار ترامب إلى أن هذا الملف بات على طاولة اهتماماته الإقليمية، معرباً عن تفاؤله بقدرة الإدارة الأمريكية على تقريب وجهات النظر بين الحليفين الخليجيين في وقت قريب.

وخلال حديثه لوسائل إعلام على متن الطائرة الرئاسية، أوضح ترامب أنه لم يبدأ بعد خطواته العملية في هذا المسار، لكنه شدد على أن الانخراط الأمريكي في الأزمة بات وشيكاً. وأضاف الرئيس الأمريكي أن طبيعة الخلاف بين البلدين لا تبدو مستعصية من وجهة نظره، بل يمكن التعامل معها وتسويتها عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة.

وشدد ترامب على خبرته في إدارة الأزمات الدولية الكبرى، مشيراً إلى أن إدارته تعمل حالياً على إيجاد حلول لعدة حروب ونزاعات معقدة حول العالم. واعتبر أن التباين في المواقف بين الرياض وأبوظبي يندرج تحت فئة النزاعات التي يسهل حلها إذا ما توفرت الإرادة والوساطة المناسبة، وهو ما يسعى لتوفيره في المرحلة المقبلة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تمر به المنطقة، حيث تمثل السعودية والإمارات أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم العربي، وأي اضطراب في علاقاتهما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الملفات الإقليمية. وقد رصدت مصادر مطلعة تصاعداً في حدة التباينات بين الدولتين خلال الأشهر الماضية، مما استدعى اهتماماً دولياً متزايداً.

وكانت العلاقات بين القطبين الخليجيين قد شهدت توتراً غير مسبوق في أواخر العام الماضي، برزت ملامحه بوضوح في الملف اليمني. وقد أدى هذا التوتر إلى اتخاذ خطوات ميدانية وسياسية عكست عمق الفجوة في الرؤى الاستراتيجية تجاه إدارة النزاعات المسلحة في المنطقة وتوزيع الأدوار العسكرية.

وفي تطور ميداني بارز، انسحبت القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية في وقت سابق، وهي الخطوة التي جاءت بناءً على طلب رسمي من الحكومة اليمنية الشرعية. هذا الانسحاب شكل نقطة تحول في مسار التحالف الذي تقوده السعودية، وأظهر للعلن وجود تباينات جوهرية في الأهداف والتكتيكات بين الشريكين الأساسيين.

من جانبه، كان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قد أقر بوجود اختلافات في وجهات النظر بين الرياض وأبوظبي خلال تصريحات أدلى بها في يناير الماضي. وأوضح بن فرحان أن قرار الإمارات بالانسحاب من اليمن كان قراراً سيادياً، مؤكداً أن السعودية ستواصل تحمل مسؤولياتها في هذا الملف لضمان استقرار المنطقة.

واعتبرت الدبلوماسية السعودية أن الاعتراف بوجود هذه الاختلافات يمثل الخطوة الأولى نحو بناء أسس متينة تضمن استمرار العلاقة الاستراتيجية بشكل قوي. وتهدف الرياض من خلال هذا النهج إلى الحفاظ على المصالح المشتركة لدول المنطقة، مع السعي لتجاوز العقبات التي تعترض التنسيق الأمني والسياسي.

ويرى مراقبون أن دخول ترامب على خط الأزمة قد يسرع من عملية المصالحة، نظراً للعلاقات الوثيقة التي تربط واشنطن بكلا العاصمتين. ومع ذلك، تظل التحديات قائمة في ظل تضارب المصالح الاقتصادية والجيوسياسية التي أفرزتها سنوات من التدخلات العسكرية والسياسية في دول الجوار.

وتشير التقارير إلى أن الخلاف لا يقتصر فقط على الملف اليمني، بل يمتد ليشمل قضايا تتعلق بالإنتاج النفطي والسياسات الاقتصادية التنافسية في المنطقة. هذه الملفات المعقدة تتطلب أكثر من مجرد وساطة شفهية، بل تستدعي اتفاقات شاملة تضمن عدم تكرار سيناريوهات التصادم في المستقبل.

وفي سياق متصل، تباينت ردود الأفعال الشعبية والسياسية حول تصريحات ترامب، حيث اعتبرها البعض دليلاً على استمرار الدور الأمريكي كشرطي للمنطقة. بينما رأى آخرون أن لغة ترامب تتسم بالثقة المفرطة التي قد لا تتماشى مع تعقيدات الواقع السياسي والقبلي والجيوسياسي في شبه الجزيرة العربية.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول الآلية التي سيتبعها ترامب لتحقيق هذا الوعد، وما إذا كانت الأطراف الخليجية مستعدة لتقديم تنازلات متبادلة. إن الأيام القادمة ستكشف مدى جدية واشنطن في تحويل هذه التصريحات إلى واقع ملموس ينهي واحدة من أبرز الأزمات الصامتة في البيت الخليجي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 3:41 مساءً - بتوقيت القدس

مفاوضات جنيف: جولة حاسمة لإنهاء الحرب في أوكرانيا وسط تعقيدات ميدانية وضغوط أمريكية

انطلقت في مدينة جنيف السويسرية، اليوم الثلاثاء، جولة جديدة من المباحثات الدبلوماسية المكثفة التي تجمع مفاوضين من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية. تهدف هذه الجولة إلى إيجاد مخرج سياسي ينهي الحرب التي دخلت عامها الرابع، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه هذه اللقاءات المباشرة في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية غير مسبوقة.

تتركز النقاشات الحالية حول العقدة الأبرز في الصراع، وهي مصير المناطق التي سيطرت عليها القوات الروسية منذ بدء الغزو في عام 2022، بما في ذلك الأقاليم التي أعلنت موسكو ضمها من جانب واحد. وتشمل هذه المناطق أجزاء واسعة في شرق وجنوب أوكرانيا، بالإضافة إلى وضع شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا منذ عام 2014، مما يجعل الوصول إلى حل وسط أمراً في غاية الصعوبة.

طالبت موسكو خلال الجلسات الافتتاحية بضرورة اعتراف كييف بالواقع الميداني الجديد، بما في ذلك التنازل عن الـ 20% المتبقية من منطقة دونيتسك التي لم تخضع بالكامل للسيطرة الروسية. وترى القيادة الروسية أن أي اتفاق يجب أن يكرس توازنات قوى جديدة في شرق أوروبا تضمن أمنها القومي على المدى الطويل وتمنع تمدد النفوذ الغربي.

في المقابل، أبدت الحكومة الأوكرانية تمسكاً صارماً بموقفها القائم على استعادة كافة الأراضي المعترف بها دولياً ورفض أي صيغة تشرعن الضم الروسي. وأكد المفاوضون الأوكرانيون أن الانسحاب الروسي الكامل هو شرط أساسي لأي تسوية، مشددين على ضرورة الحصول على ضمانات أمنية ملزمة تحمي البلاد من أي هجمات مستقبلية.

من جانبه، أشار الكرملين إلى أن محادثات جنيف لا تستهدف مجرد الوصول إلى هدنة مؤقتة أو وقف إطلاق نار عابر، بل تسعى لرسم إطار شامل لإنهاء الصراع بشكل دائم. وتسعى روسيا من خلال هذه الرؤية إلى الحصول على تعهدات تمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو ما تعتبره خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.

تتزامن هذه المفاوضات مع ضغوط متزايدة يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي دفع باتجاه تسريع الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإنهاء النزاع. ورغم تأكيده على دعم وحدة الأراضي الأوكرانية، إلا أن التوجه الأمريكي الحالي يبدو منفتحاً على منح موسكو بعض المكاسب غير الاستراتيجية مقابل إنهاء العمليات العسكرية وضمان استقرار المنطقة.

تطرح أروقة المفاوضات صيغاً دولية لترتيبات ما بعد الحرب، من بينها إمكانية وضع بعض المناطق تحت إدارة دولية مؤقتة أو تنظيم استفتاءات جديدة تحت إشراف الأمم المتحدة. ومع ذلك، تبدي كييف حذراً شديداً تجاه هذه المقترحات، خشية أن تمنح موسكو الوقت الكافي لترسيخ نفوذها العسكري والسياسي في المناطق المحتلة تحت غطاء دولي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز قضية العقوبات الغربية كأحد أهم أوراق الضغط في جولة جنيف، حيث تسعى روسيا جاهدة لتخفيف القيود المفروضة عليها مقابل تقديم تنازلات. وفي المقابل، يربط الجانب الأوكراني وحلفاؤه أي رفع تدريجي للعقوبات بمدى الالتزام الروسي بالانسحاب الميداني وتحقيق تقدم ملموس وقابل للتحقق على الأرض.

ولم يغب الملف الإنساني عن طاولة البحث، إذ تصر أوكرانيا على ضرورة حسم ملف تبادل الأسرى وإعادة المدنيين والأطفال الذين جرى ترحيلهم قسرياً إلى روسيا. وتعتبر هذه القضية مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الطرفين، حيث قد تستخدم موسكو هذا الملف كبادرة حسن نية لتعزيز موقفها التفاوضي في القضايا السياسية والأمنية الأكثر تعقيداً.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 3:28 مساءً - بتوقيت القدس

إسرائيل تضم الضفة الغربية بهدوء.. الخطأ الذي سيهدد الشرق الأوسط

كتبه: شيرا إيفرون

 هي رئيسة كرسي السياسة الإسرائيلية المتميزة وزميلة أولى في مؤسسة راند

لا يخلو الشرق الأوسط من التقلبات. ففي أعقاب الاحتجاجات في إيران، هددت واشنطن بشن ضربة عسكرية؛ ويستمر العنف في غزة رغم وقف إطلاق النار؛ ويعيد حزب الله تسليح نفسه في لبنان؛ وتُزعزع الصراعات الفصائلية استقرار سوريا. لكن الجبهة التالية التي قد تنفجر قد تكون تلك التي يُهملها صناع القرار باستمرار، ألا وهي الضفة الغربية.

فمنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة، شنت الحكومة الإسرائيلية حملة ضم فعلية، مُكثفة وجودها العسكري في الضفة الغربية، ومُمارسة ضغوطًا مُستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، ومُسرّعة الموافقة على المستوطنات اليهودية، ومُشرّعة البؤر الاستيطانية بأثر رجعي. وقد أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية.

ثم، يوم الأحد، وافق المجلس الوزاري الأمني برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مجموعة استثنائية من الإجراءات التي تحوّل ضمّ الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع إلى سياسة قانونية. وجاء توقيت هذه الخطوة جريئاً للغاية، إذ سبقت زيارة نتنياهو للبيت الأبيض. وستخفف إسرائيل القيود المفروضة على بيع الأراضي للمستوطنين، وستتولى سلطة تحديد كيفية استخدام الأراضي في المنطقتين (أ) و(ب)، اللتين كانتا رسمياً تحت حكم السلطة الفلسطينية. وصرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الهدف هو "القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية".

هذه الخطوة ليست سوى أحدث تطورات الوضع الذي أوصل الضفة الغربية إلى حافة أزمة حقيقية. قد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها في غضون أشهر، مما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين، وإجهاض جهود التعاون الأمنيمع إسرائيل التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق. يبدأ شهر رمضان الأسبوع المقبل، وهو حدث تاريخي يُؤجج التوترات حول المسجد الأقصى في القدس الشرقية، المعروف لدى المسلمين بالحرم الشريف ولدى اليهود بجبل الهيكل. إن التغييرات في أساليب الشرطة الإسرائيلية التي تُضعف القيود المفروضة على السلوك الاستفزازي، إلى جانب غياب قنوات وساطة خارجية فعّالة للمساعدة في تهدئة التوترات، تُشكل خطراً حقيقياً يتمثل في أن تؤدي حوادث في المواقع المقدسة إلى اندلاع اضطرابات أوسع.

إن وجود هذه البؤر المتوترة ليس من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية. فقد جادل وزراء إسرائيليون نافذون منذ زمن طويل بضرورة ضم الضفة الغربية إلى فلك إسرائيل السياسي والإداري. وقد وضع بيان صدر عام ٢٠١٧ عن سموتريتش بعنوان "الخطة الحاسمة" خارطة طريق لهذه الاستراتيجية: على إسرائيل أن تخلق واقعاً لا رجعة فيه على الأرض، يقضي على أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية، ويجبر الفلسطينيين على قبول وضع التبعية الدائمة أو مغادرة الضفة الغربية.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة. ورغم أن موقف نتنياهو أكثر غموضاً - إذ أصرّ مراراً وتكراراً على أن إسرائيل لا ترغب في تولي الحكم الكامل على الأراضي الفلسطينية - فإن بقاءه السياسي يعتمد على الناخبين القوميين المتدينين، مما يحدّ من قدرته وحافزه لكبح جماح القادة الذين يسعون إلى الضم. يتشبث العديد من المعتدلين الإسرائيليين والفاعلين الدوليين بالافتراض المطمئن بأن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في وقت لاحق من هذا العام قادرة على إعادة ضبط نهج البلاد تجاه الضفة الغربية. لكن الاعتماد على مثل هذه إعادة الضبط أمرٌ بالغ الخطورة. فالعديد من التغييرات التي طرأت خلال العامين الماضيين لا رجعة فيها، لا سيما وأن المعارضة الإسرائيلية لم تقدم بديلاً واضحاً لرؤية دعاة الضم.

  


ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27% بين عامي 2024 و2025. كما ارتفع عدد الحوادث الخطيرة المصنفة كإرهاب بأكثر من 50%،



إذا لم يتم كبح جماح دعاة الضم قريبًا، فإن أعمالهم المتراكمة ستزيد من احتمالات تجدد الاضطرابات، وتستلزم تعبئة مستمرة لجيش الدفاع الإسرائيلي، وتعمق عزلة إسرائيل الدبلوماسية، وتجبرها على تحمل أعباء الحكم المدني في الضفة الغربية، مهما ادعى نتنياهو رغبته بخلاف ذلك. كما سيقوض ذلك بشكلٍ خطير تنفيذ خطة السلام المكونة من 20 بندًا التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لغزة، والتي تعتمد على عودة السلطة الفلسطينية المُصلحة لإدارة تلك المنطقة. إن الأوضاع على الأرض تجعل استقرار القطاع مستحيلاً بالفعل، وتخلق الظروف اللازمة لتحويله إلى منطقة تمرد دائمة لا رجعة فيها.

بحسب مؤسسة "تمرور بوليتوغرافيا" البحثية، التي تجمع بيانات عن السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت هذه الحكومة الإسرائيلية طفرة هائلة في توسع المستوطنات في الضفة الغربية منذ عام 2023. ففي عام 2025 وحده، أصدرت ما يقرب من ضعف عدد الموافقات على بناء وحدات سكنية مقارنة بعامي 2019 و2020. وتتجاوز هذه الطفرة الأخيرة بكثير إجمالي السنوات المتعددة المعتادة في العقد السابق، وتشير إلى تسارع واضح في كل من الموافقات على المستوطنات الجديدة والتقنين بأثر رجعي للبؤر الاستيطانية غير الشرعية.

مشروع "E1"

لا تقتصر هذه التحركات على زيادة عدد الإسرائيليين المقيمين في الضفة الغربية فحسب، بل إنها تُضعف السلطة الفلسطينية يوماً بعد يوم وتُغير وجه المنطقة جذرياً. فقد بدأت الحكومة الإسرائيلية بإنشاء ممرات سيطرة استراتيجية عبر توسيع حدود المناطق الإدارية، وإنشاء طرق التفافية، وربط البنية التحتية بين المستوطنات، مما يُصعّب على قوات الأمن الفلسطينية وقادتها السياسيين ممارسة سلطتهم على المدى القريب، ويُقوّض أي فرصة طويلة الأمد لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

قلما نجد مثالاً واضحاً على هذه العملية مثل الجهود المبذولة لربط القدس الشرقية بمستوطنة معاليه أدوميم الكبيرة القائمة، والواقعة على بعد 4.5 ميل شرقاً، وذلك من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية، فضلاً عن البنية التحتية السياحية والصناعية. وقد امتنع رؤساء الوزراء السابقون، تحت ضغط دولي، عن المضي قدماً بشكل كبير في مشروع التطوير - الذي طُرح لأول مرة في أواخر الستينيات ويُعرف الآن باسم "E1" - إدراكاً منهم أنه سيؤدي فعلياً إلى فصل الضفة الغربية، ويقضي على أي فرصة للفلسطينيين لممارسة سلطتهم على منطقة متصلة جغرافياً هناك. إلا أن الحكومة، خلال العام الماضي، سارعت بتنفيذ مشروع E1؛ ففي أغسطس/آب، وافق سموتريتش رسمياً على بناء 3400 منزل في الممر، متفاخراً صراحةً بأن "الدولة الفلسطينية تُزال من على طاولة المفاوضات لا بالشعارات، بل بالأفعال. فكل مستوطنة، وكل حي، وكل وحدة سكنية، هي مسمار آخر في نعش" حل الدولتين.

لا يُعدّ مشروع E1 استثناءً، بل هو نموذجٌ مُعتمد. ويستند منطقٌ مماثلٌ إلى مشاريع البناء الجديدة وخطط تقسيم المناطق حول غوش عتصيون وأريئيل ومعاليه أدوميم: فهي تهدف إلى تعزيز مناطق السيطرة الإسرائيلية وتفتيت الأراضي الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، تنتشر البؤر الاستيطانية الصغيرة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بعضها يبدو ظاهريًا كمراعٍ، لكنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة من خلال الاستيلاء على الأراضي وجعل السلطة الفلسطينية على مساحاتٍ ذات قيمة أمرًا مستحيلاً.

بل إن الحكومة الإسرائيلية قد غيرت خطابها لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية التي كانت تُعتبر في السابق غير قانونية. وهي تُروج بشكل متزايد لضرورة إنشاء "مزارع أمنية"، في عملية إعادة تسمية تُحوّل البؤر غير المرخصة إلى أصول استراتيجية مزعومة. ففي الأسبوع الماضي فقط، وفي كلمة عبر الفيديو في "مؤتمر تقدير" للبؤر الزراعية غير القانونية، حضره سموتريتش ووزيرة المستوطنات أوريت ستروك، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه سيُقنن حوالي 140 بؤرة زراعية غير مرخصة في الضفة الغربية؛ وأشاد بالمستوطنين غير الشرعيين ووصفهم بأنهم "رواد عصرنا"، "مما يُضعف جهود الفلسطينيين في ترسيخ وجودهم في المنطقة". وقد أشار نتنياهو نفسه مؤخرًا إلى دعمه للاعتراف الرسمي بهذه المواقع. قد يكون هذا النوع من الاستيلاء على الأراضي أقل دراماتيكية من الضم، ولكنه لا يقل عنه فعالية.

إذن كتابي

يواجه الفلسطينيون أيضاً تصاعداً حاداً في العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون مباشرةً، وهو نوع من العنف تُقرّه الحكومة الإسرائيلية ضمنياً. ففي عامي 2024 و2025، ارتكب المستوطنون عدداً غير مسبوق من هجمات الحرق العمد وأعمال التخريب والاعتداءات الجسدية. ووفقاً لإحصاءات نشرها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) الشهر الماضي، ارتفعت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية بنسبة 27% بين عامي 2024 و2025. كما ارتفع عدد الحوادث الخطيرة المصنفة كإرهاب بأكثر من 50%، وتركز معظمها في مناطق ساخنة مثل نابلس والخليل ورام الله.

لكن السمة الأهم لهذه الهجمات ليست تكرارها، بل بالأحرى سماح الحكومة الإسرائيلية بها. فإنفاذ القوانين التي تحظر عنف المستوطنين كان متقطعاً، بل غائباً في كثير من الأحيان. وغالباً ما تكون التحقيقات ضئيلة أو معدومة تماماً. أما الملاحقات القضائية فنادرة، ونسبة الإدانة متدنية للغاية. ولا يعتقد الجيش الإسرائيلي أن مهمته هي اعتقال المتطرفين اليهود، والشرطة - التي يسيطر عليها إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي الذي كان مثيراً للجدل من اليمين المتطرف - تغض الطرف. وفي الشهر الماضي، ولأول مرة في تاريخ إسرائيل، أفادت المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية بوقوع أعمال إرهابية يهودية ضد فلسطينيين في الضفة الغربية أكثر من الأعمال الإرهابية الفلسطينية ضد اليهود هناك وداخل إسرائيل نفسها.

لقد منحت القرارات المتخذة على أعلى مستويات الحكومة الإسرائيلية هؤلاء الجناة سلطة أكبر. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن كاتس أن مكتبه سيتوقف عن استخدام الاعتقال الإداري، وهو إجراء وقائي يسمح بالاحتجاز دون توجيه تهمة، ويُستخدم غالبًا بحق الفلسطينيين، ضد المستوطنين اليهود، في إشارة إلى قبول الحكومة لعنف المستوطنين في الوقت الذي كانت إسرائيل في أمس الحاجة فيه إلى إظهار المزيد من الردع. وفي مقابلة أجرتها معه قناة فوكس نيوز أواخر ديسمبر/كانون الأول، ادعى نتنياهو أن الصحافة الدولية بالغت في تغطية ظاهرة عنف المستوطنين، وعزتها إلى سوء سلوك "نحو 70 شابًا" قدموا من "أسر مفككة" خارج الضفة الغربية. لم يوضح نتنياهو مصدر بياناته، لكن تلميحه بأن معظم المستوطنين لا يؤيدون هذا العنف خاطئ: ففي استطلاع رأي أجرته جامعة رايخمان في يونيو/حزيران 2025، وافق نحو نصف المستجيبين على أن "المقاومة العنيفة من جانب اليهود ضد الفلسطينيين قد تكون مبررة في الوقت الراهن"، بينما رأى ما يزيد قليلًا عن الثلث أن هذا العنف يجب أن يُعاقب عليه.

الاستيلاء العدائي

على الرغم من انتهازيته السياسية، تجنب نتنياهو تاريخياً دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام. فهو يدرك أن أي مكاسب أيديولوجية قصيرة الأجل قد يحققها مثل هذا التحرك، ستكون تكاليفه على المدى البعيد باهظة. فبدون السلطة الفلسطينية، ستضطر إسرائيل إلى تحمل مسؤولية توفير الخدمات المدنية - الرواتب، والصحة، والتعليم، والأمن - لملايين الفلسطينيين.

لكن مع إعطاء نتنياهو الأولوية لبقائه السياسي، لم يعد يسيطر سيطرة كاملة على ملف الضفة الغربية؛ إذ يديره سموتريتش وشركاؤه. وقد سعوا عمداً إلى خنق اقتصاد المنطقة وتقويض قدرة السلطة الفلسطينية على العمل بفعالية، ما أدى إلى إبطاء موافقتها على مشاريع البناء الفلسطينية وتقييد قدرة الفلسطينيين على كسب عيشهم في إسرائيل. ومنذ مايو/أيار 2025، أوقفت الحكومة الإسرائيلية تحويل عائدات الجمارك والضرائب إلى السلطة الفلسطينية؛ بعض هذه التحويلات -وليس كلها- مقيد قانونياً بسبب ممارسة السلطة الفلسطينية تقديم ما يُسمى بـ"مدفوعات الشهداء" للأسرى والمقاتلين وعائلاتهم.

لم يعد بإمكان هيئة الأشغال العامة سوى دفع رواتب جزئية لموظفيها البالغ عددهم 150 ألف موظف، بالإضافة إلى عدد أكبر من المتقاعدين والمتعاقدين. وقد تحولت المدارس إلى نظام الدراسة لأربعة أيام في الأسبوع، مما حدّ من قدرة أولياء الأمور على العمل. كما تم تقليص خدمات الرعاية الصحية وجمع النفايات، مما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة.

تقود السلطة التنفيذية الإسرائيلية جهود الضم، لكن البرلمان الإسرائيلي ساهم في محاولة خنق الضفة الغربية، مما يجعل التراجع عنها أكثر صعوبة. على مدى العامين الماضيين، سعى الكنيست إلى سنّ تشريعات تُحكم قبضته المالية والاقتصادية والقانونية على الضفة الغربية، وتُضعف السلطة الفلسطينية بشكل مباشر. إضافةً إلى ذلك، قدّم المشرّعون مؤخرًا مقترحات تسمح للضحايا الإسرائيليين برفع دعاوى مدنية بأثر رجعي ضد السلطة الفلسطينية عن هجمات إرهابية سابقة، وهو ما سيُرهق السلطة الفلسطينية إلى حدّ الانهيار في حال إقراره.

إصلاح السلطة الفلسطينية

السلطة الفلسطينية تعاني من عيوب جسيمة وهشاشة بالغة. سنوات من الفساد، والإخفاقات الإدارية، والعجز عن التفاوض مع إسرائيل على إقامة دولة، أدت إلى تآكل مصداقيتها لدى الفلسطينيين. لكن إسرائيل بحاجة إلى سلطة فلسطينية أكثر فاعلية، لا إلى سلطة أكثر هشاشة. وينطبق الأمر نفسه على ترامب: فخطته للسلام في غزة، المكونة من 20 بندًا، تنص على أن السلطة الفلسطينية المحسنة ستستعيد في نهاية المطاف سلطتها على غزة. لا يمكن لعملية السلام أن تستمر ما لم يكن للفلسطينيين تمثيل سياسي شرعي وكفؤ ومستقر، وهو ما يعتمد حاليًا على مؤسسات السلطة الفلسطينية، إن لم يكن على قيادتها الحالية. وقد طالب المانحون العرب والأوروبيون، الذين من المفترض أن يتحملوا مسؤولية إعادة إعمار غزة، بمسار نحو حل الدولتين، وهو مسار لا يمر إلا عبر السلطة الفلسطينية. لا يوجد حاليًا بديل موثوق يتمتع بالشرعية القانونية والقدرة التشغيلية. إن إحراق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية يقوض عملية تعافي غزة قبل أن تبدأ حتى.

لهذا السبب، يجب اتخاذ خطوات فورية لوقف النهج الإسرائيلي المدمر تجاه الضفة الغربية. إن تجنب انفجار في الضفة الغربية لا يتطلب حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني برمته، بل يتطلب اتخاذ خطوات فورية لمنع التدمير المتعمد للمؤسسات الفلسطينية.

الجهة الوحيدة التي لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية رفضها هي ترامب. إذا أرادت واشنطن منع فتح جبهة أخرى في الشرق الأوسط بينما تقف على حافة مواجهة مع إيران، فعليها أيضاً بذل المزيد من الجهود لضمان عدم تدمير إسرائيل للسلطة الفلسطينية. وهذا يعني العمل مع إسرائيل لاستعادة تحويلات الإيرادات، ومطالبتها بالتوقف عن سنّ تشريعات مناهضة للسلطة الفلسطينية، وإلزامها بتطبيق قوانينها ضد المستوطنين العنيفين. من شأن هذه الإجراءات الملموسة إزالة التهديدات المباشرة لوجود السلطة الفلسطينية.

يبدو أن اليمين المتطرف في إسرائيل يعتقد أن تدمير الحكم الفلسطيني سيمنح إسرائيل مزيدًا من القوة. على العكس تمامًا، إنه خطأ فادح سيُصبح مكلفًا ودمويًا ومدمرًا للذات، إذ يُسرّع من وتيرة الاستياء والعنف. كما أن واشنطن ستخسر الكثير بتجاهلها الوضع في الضفة الغربية: فانهيار السلطة الفلسطينية سيُزيل أي سبيل مُمكن نحو تحقيق الاستقرار الإقليمي والتسوية الفعّالة لما بعد الحرب، وهما السبيلان اللذان اعتمدت عليهما إدارة ترامب في جزء كبير من إرثها في السياسة الخارجية.


فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 3:26 مساءً - بتوقيت القدس

الاستيطان الاقتصادي: مخطط إسرائيلي يلتهم سلة غذاء الضفة الغربية ويعيد رسم جغرافيتها

تتسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية لإعادة تعريف مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى 'أملاك الدولة'، في مسار يتجاوز البعد القانوني التقليدي ليصل إلى إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية والزراعية للمنطقة. هذا الاستيلاء الممنهج لا يطال الأرض كحيز مكاني فحسب، بل يمتد ليضرب سلة الغذاء الفلسطينية ومصادر الرزق الريفي التي تعتمد عليها آلاف الأسر.

وتستهدف القرارات الأخيرة أراضي زراعية حيوية تشكل عماد الأمن الغذائي الفلسطيني، وتأتي في وقت يرزح فيه القطاع الزراعي تحت وطأة اعتداءات متكررة تشمل التجريف والتخريب ومنع الوصول إلى الحقول. هذه الممارسات تضاعف الخسائر الاقتصادية وتقوض القدرة الإنتاجية للفلاح الفلسطيني في مواجهة التوسع الاستيطاني الذي تحول إلى أداة ضغط مالي ومعيشي.

ووفقاً لبيانات رسمية، فقد تحول التوسع الاستيطاني من مجرد تمدد عمراني إلى استراتيجية اقتصادية تعيد تشكيل البنية التحتية للضفة، حيث رصدت مصادر مسؤولة تصاعداً كبيراً في الاعتداءات على مصادر المياه واقتلاع الأشجار. وخلال الأسبوع الأول من شهر فبراير الجاري وحده، تم اقتلاع نحو 777 شجرة زيتون، مما تسبب بخسائر مادية تجاوزت 600 ألف دولار تركزت في محافظتي الخليل ونابلس.

ويُصنف هذا التصعيد في الأوساط الفلسطينية باعتباره 'استيطاناً اقتصادياً' يسير بوتيرة أسرع من البناء السكني، حيث تتقلص المساحات الزراعية المتاحة للفلسطينيين خاصة في المناطق المصنفة 'ج'. هذه المناطق التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، باتت مسرحاً لإقامة عشرات البؤر الرعوية والمزارع الاستيطانية الجديدة التي تلتهم المراعي والحقول الخصبة.

وتركزت موجة المصادرات الأخيرة في مناطق الأغوار الشمالية والوسطى، بالإضافة إلى محيط محافظات سلفيت ورام الله وبيت لحم وجنوب الخليل. وتشير التقديرات إلى فقدان آلاف الدونمات من الأراضي المروية عالية الإنتاجية، مما يهدد استدامة القطاع الزراعي الذي يعد أحد أعمدة الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال.

ويتجلى الأثر الاقتصادي لهذه السياسات في تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، حيث انخفضت النسبة من 7% إلى نحو 5% فقط. كما وثقت تقارير فنية خسائر مباشرة بلغت قيمتها 103 ملايين دولار خلال العام المنصرم، فضلاً عن التداعيات العميقة على سلاسل التوريد والدخل في المناطق الريفية والمهمشة.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير ميدانية عن تصنيف أكثر من 26 ألف دونم كـ 'أراضي دولة' تمهيداً لانتزاع السيطرة الفلسطينية الكاملة عنها، بالتوازي مع مخططات لشرعنة 140 مزرعة استيطانية. هذه التحركات تأتي وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين، لا سيما في مناطق مسافر يطا ومحافظة الخليل، لتوفير غطاء قانوني لعمليات السيطرة على الأرض.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس أن توسيع تعريف 'أملاك الدولة' يمثل غطاءً قانونياً للجانب الإسرائيلي لفرض وقائع على الأرض دون اعتبار للشرعية الدولية. وأوضح أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات بدأت منذ عقود تهدف إلى عزل الفلسطينيين في كانتونات ضيقة وحرمانهم من مواردهم الطبيعية والاقتصادية.

وحذر أبو الروس من أن هذا العدوان الاقتصادي يهدف إلى إنهاك القاعدة الإنتاجية الفلسطينية وإضعاف قدرتها على الصمود، وربط بين ما يحدث في الضفة والعدوان المستمر على قطاع غزة كسياسة متكاملة لتدمير الثروة الحيوانية والزراعية. هذا التدمير الممنهج سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتفاقم معدلات البطالة بين العاملين في هذا القطاع.

كما توقع الخبير الاقتصادي زيادة تبعية السوق الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي نتيجة انكماش الإنتاج المحلي واضطرار التجار للتوجه نحو المصادر الإسرائيلية لتغطية العجز. وتتقاطع هذه التطورات مع مشاريع استيطانية كبرى مثل مشروع 'إي 1'، الذي يهدف لفصل شمال الضفة عن جنوبها، مما يكرس واقعاً جغرافياً يمنع إقامة كيان فلسطيني متصل.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 3:11 مساءً - بتوقيت القدس

مخططات الضم الإسرائيلي: كيف يُعاد تشكيل مستقبل الضفة الغربية؟

تمر الضفة الغربية اليوم بواحدة من أخطر مراحلها التاريخية منذ احتلالها عام 1967، حيث تتسارع السياسات الإسرائيلية الممنهجة لإعادة صياغة الجغرافيا والديمغرافيا. وتسعى حكومة بنيامين نتنياهو، مدعومة بتيار اليمين المتطرف، إلى فرض واقع ميداني جديد يهدف بالأساس إلى محو أي أفق مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.

تتخذ هذه السياسات أشكالاً متعددة تبدأ من العمليات العسكرية المكثفة في مخيمات شمال الضفة، وتحديداً في جنين وطولكرم، وصولاً إلى تشديد الحصار عبر آلاف الحواجز والبوابات الحديدية. وتعمل هذه الإجراءات على تحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى معازل مقطوعة الأوصال، بينما تتمدد المستوطنات وتُشرعن البؤر العشوائية لتصبح جزءاً أصيلاً من نسيج المنطقة.

تستخدم سلطات الاحتلال الغطاء الأمني كذريعة لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مواجهة المقاومة المسلحة، حيث تهدف العمليات العسكرية إلى تقسيم الضفة لمربعات إدارية محلية. هذا التوجه يسعى لإعادة فرض الحكم العسكري بطريقة مستترة، مما يقلص صلاحيات السلطة الفلسطينية ويحولها إلى أدوار رمزية تفتقر لأي محتوى سياسي أو سيادي حقيقي.

تشهد مخيمات اللاجئين تحولات بنيوية خطيرة، إذ تحاول إسرائيل التعامل معها كأحياء سكنية عادية تابعة للبلديات الفلسطينية المحيطة بها. تهدف هذه الخطوة لنزع الصفة السياسية والقانونية عن المخيمات كرموز لحق العودة، وتحويل قضية اللاجئين من ملف سياسي دولي إلى مجرد مسألة خدماتية وإدارة محلية بسيطة.

يتزامن هذا الاستهداف مع تهميش متعمد وممنهج لدور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) داخل مناطق الضفة الغربية والقدس. وتسعى إسرائيل من خلال هذه الضغوط إلى إخراج المخيمات من إطارها القانوني الدولي، مما يمهد الطريق لفرض سيادة إدارية إسرائيلية مباشرة عليها تحت مسميات تنظيمية مختلفة.

على صعيد القوانين، تعمل الحكومة الحالية بقيادة حزب الصهيونية الدينية على ترسيخ ما يُعرف بـ 'الضم الزاحف' عبر إجراءات إدارية وقانونية غير مسبوقة. شملت هذه الخطوات تعيين وزير إضافي في وزارة الدفاع لتولي شؤون المستوطنين، ونقل صلاحيات إصدار تصاريح البناء من الجيش إلى الإدارة المدنية مباشرة لتسهيل التوسع الاستيطاني.

أكد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في تصريحاته أن الضفة الغربية تُعد جزءاً لا يتجزأ من 'أرض إسرائيل'، مشدداً على العمل لإحباط أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية. وتهدف هذه الرؤية إلى مساواة المستوطنين في الحقوق مع سكان الداخل الإسرائيلي، مع إبقاء الفلسطينيين تحت نظام سيطرة أمني معقد وغير متكافئ.

أفادت مصادر مطلعة بأن الاحتلال كثف جهوده في القدس المحتلة بالتوازي مع العدوان المستمر على قطاع غزة، حيث تم تسريع عمليات التهويد بشكل غير مسبوق. ووفقاً لباحثين، فإن حملات 'درع أورشليم' التي انطلقت في نهاية عام 2025 أدت إلى هدم عشرات العقارات الفلسطينية في وقت قياسي، مما يعكس رغبة في حسم الصراع ديمغرافياً.

تتراوح السيناريوهات الإسرائيلية لمستقبل المنطقة بين ثلاثة خيارات أساسية، أولها ضم غور الأردن الذي يمثل نحو 22% من مساحة الضفة الغربية. هذا المخطط يضمن السيطرة على الحدود الشرقية والسفوح الجبلية المطلة عليها، مع تقليل الوجود السكاني الفلسطيني في تلك المناطق الاستراتيجية إلى أدنى مستوياته.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في تطبيق 'خطة ترمب' التي تقضي بضم حوالي 30% من مساحة الضفة، بما يشمل الكتل الاستيطانية الكبرى و17 مستوطنة معزولة. هذا المخطط يعتمد على ربط هذه المستوطنات بشبكة طرق متطورة تضمن التفوق الجغرافي الإسرائيلي وتخلق واقعاً يصعب التراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية.

الخيار الثالث المطروح هو الضم المحدود الذي يستهدف 10% من المساحة، مع التركيز على الكتل الاستيطانية القريبة من الخط الأخضر لضمان أقل عدد من السكان الفلسطينيين داخل حدود الضم. ورغم تباين هذه السيناريوهات، إلا أنها تشترك جميعاً في هدف تقليص مساحة الدولة الفلسطينية العتيدة وتحويلها إلى كيانات متناثرة.

في نهاية المطاف، تشير الوقائع الميدانية إلى أن الضفة الغربية تتحول تدريجياً إلى نظام يشبه الفصل العنصري، حيث تُحاصر التجمعات الفلسطينية بالبوابات الإلكترونية. ومع استمرار تعديل سجلات الأراضي وتسهيل شراء العقارات للمستوطنين، يبدو أن الاحتلال يسابق الزمن لفرض واقع نهائي يجعل من حل الدولتين مجرد ذكرى تاريخية غير قابلة للتطبيق.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 3:11 مساءً - بتوقيت القدس

ستارمر في مأزق سياسي: بين إرث المحافظين وغياب الهوية القيادية

يرى مراقبون أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يواجه مأزقاً سياسياً معقداً يصعب الفكاك منه، رغم التحسن الطفيف الذي طرأ على شعبيته مؤخراً عقب مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن. وقد ساهمت دعواته لإعادة صياغة التحالفات الدفاعية الأوروبية في منح حكومته متنفساً مؤقتاً، إلا أن هذا الهدوء لا يخفي حالة الاستياء العام التي تحيط بأدائه السياسي والاجتماعي.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن مواقف ستارمر تجاه القضية الفلسطينية ساهمت في ترسيخ صورة سلبية عنه كسياسي يفتقر للتعاطف والمبادئ الثابتة. فقد استذكرت مصادر إعلامية تصريحاته المبكرة التي أيدت حق الاحتلال في قطع الإمدادات الأساسية عن غزة، بالإضافة إلى إصراره الطويل على رفض الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار، وصولاً إلى إجراءات قمع الاحتجاجات التي اعتبرتها المحكمة العليا غير قانونية.

وعلى الصعيد الداخلي، أثارت سياسات التقشف وتخفيض إعانات ذوي الإعاقة موجة من الغضب، حيث اعتبرها منتقدون استمراراً لنهج القسوة الذي ميز سنوات حكم المحافظين. وتعكس هذه التوجهات عقلية إدارية تميل إلى تكريس الأعراف التقليدية في الاقتصاد والسياسة الخارجية، دون مراعاة للأثر الاجتماعي المباشر على الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع البريطاني.

وفي ملف الهجرة، انتهجت حكومة ستارمر خطاباً متشدداً تضمن تكثيف صور الاعتقالات والترحيل تحت شعار حماية الحدود، وهو ما وصفه البعض بسياسة 'جزيرة الغرباء'. وشملت هذه الإجراءات تشديد شروط الإقامة وإنهاء برامج لم شمل الأسر للاجئين، مما أدى إلى تآكل الفوارق الجوهرية التي كان يتوقعها الناخبون بين حزب العمال ومنافسيه من اليمين.

أما عن شخصية ستارمر القيادية، فتوصف بأنها تتسم بالغموض والافتقار إلى رؤية ملهمة أو أحلام واضحة للمستقبل، حيث يكتفي بترديد عبارات عامة حول 'التغيير'. ويظهر رئيس الوزراء في خطاباته أقرب إلى مدير تنفيذي أو موظف حكومي متشدد منه إلى قائد يمتلك إرادة سياسية وقناعات راسخة، مما جعله يفقد دعم الجناح اليساري في حزبه دون أن يكسب ثقة اليمين أو الوسط.

وزاد من تعقيد المشهد التعيينات الأخيرة في مناصب عليا، والتي شملت شخصيات مرتبطة بسجلات جنائية مثيرة للجدل، ما أدى إلى استقالات داخلية واضطراب في صفوف الموظفين. وتكشف هذه الخطوات عن خضوع الحكومة لشبكات النخبة السياسية التقليدية، مما يعزز الانطباع بأن الإدارة الحالية هي مزيج من 'العمال الجديد' وسياسات التقشف المترددة التي لا تلبي طموحات الشارع.

وختاماً، يبدو أن النفور من ستارمر قد تحول إلى تعبير أوسع عن خيبة الأمل في الطبقة السياسية البريطانية برمتها، خاصة في ظل تداعيات 'بريكست' وجائحة كورونا. ورغم تقديمه لنفسه كشخصية نزيهة ومستقيمة، إلا أن عجزه عن إحداث قطيعة جريئة مع الماضي جعل منه تجسيداً للمأزق الذي تعيشه بريطانيا بين نظام منعزل وشعبوية متصاعدة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

فيضانات المغرب: خسائر واسعة وآمال بإحياء القطاع الزراعي بعد سنوات الجفاف

طوى المغرب صفحة سبع سنوات عجاف من الجفاف الحاد الذي هدد أمنه المائي والغذائي، ليستقبل موجة فيضانات غير مسبوقة منذ نحو عقدين من الزمن. ورغم ما خلفته هذه السيول من أضرار مادية واسعة في البنية التحتية والممتلكات، إلا أنها حملت في طياتها بشائر خير لقطاع الزراعة الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ويشغل نحو ثلث القوى العاملة في البلاد.

بدأت التحولات المناخية الدراماتيكية في المملكة منذ نوفمبر الماضي، وتصاعدت حدتها بشكل كبير خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري. وقد تركزت قوة الفيضانات في أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة، حيث أدت الأمطار الغزيرة إلى ارتفاع قياسي في منسوب الوديان وتجاوز السدود لطاقتها الاستيعابية القصوى.

سجلت المعطيات الرسمية وصول سد 'واد المخازن' إلى 156% من سعته الإجمالية للمرة الأولى في تاريخه، مما تسبب في فيضان 'وادي اللوكوس' وغمر مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة. وتعتبر هذه الفترة المطرية هي الثالثة من حيث الغزارة في تاريخ المغرب الحديث، بعد موسمي 1996 و2010، مما يعكس حجم التغير المناخي الذي شهدته المنطقة.

ميدانياً، غمرت المياه أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة، خاصة في ضواحي مدينة سيدي علال التازي التي تشتهر بإنتاج الخضراوات والفواكه. وأفادت مصادر محلية بأن المحاصيل المعيشية مثل القمح والشعير والفول كانت الأكثر تضرراً، حيث جرفت السيول مساحات واسعة من الحقول وأتلفت مخزونات المزارعين ومواشيهم.

أكد مزارعون في المناطق المنكوبة أن الفيضانات أتت على الأخضر واليابس في القرى الزراعية، مما جعل الحياة اليومية للسكان غاية في الصعوبة نظراً لاعتمادهم الكلي على الفلاحة. وطالب المتضررون بضرورة تدخل الدولة العاجل لإصلاح البنية التحتية المتهالكة ووضع حلول جذرية تمنع تكرار هذه الكوارث في المواسم المطرية المقبلة.

على الصعيد الإنساني، اضطرت السلطات المغربية إلى إجلاء أكثر من 188 ألف شخص من المناطق المهددة بين أواخر يناير ومنتصف فبراير. وقد لجأ آلاف النازحين إلى المدارس والمراكز العامة للإقامة المؤقتة بعد أن غمرت المياه منازلهم، في حين سجلت السلطات وفاة أربعة أشخاص وفقدان آخر جراء قوة السيول الجارفة.

استجابة للأزمة، أعلنت الحكومة المغربية عن تخصيص ميزانية ضخمة بلغت 300 مليون دولار لدعم المناطق المتضررة وإعادة تأهيلها. ويشمل هذا البرنامج الحكومي تقديم مساعدات عينية ومباشرة للمزارعين، بالإضافة إلى إعادة بناء المساكن المنهارة وتطوير البنية الأساسية في الأقاليم الأربعة الأكثر تأثراً بالفيضانات.

أوضحت رئاسة الحكومة في بيان رسمي أنها ستقدم تعويضات مالية تصل إلى 140 ألف درهم لأصحاب المنازل التي انهارت بشكل كامل، بالإضافة إلى منحة مالية فورية بقيمة 6 آلاف درهم لكل عائلة متضررة. وتهدف هذه الخطوات إلى تخفيف العبء الاجتماعي والاقتصادي عن كاهل السكان الذين فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم خلال الأسابيع الماضية.

رغم القسوة التي بدت عليها الفيضانات، يرى خبراء ومزارعون أنها 'نعمة بعد نقمة' الجفاف الذي أنهك البلاد لسنوات طويلة. فقد ساهمت هذه الأمطار في إنعاش الفرشة المائية الجوفية التي وصلت إلى مستويات حرجة، كما ملأت السدود التي كانت تعاني من نضوب حاد هدد تزويد المدن بمياه الشرب.

أشار وزير الفلاحة المغربي، أحمد البواري، إلى أن الأثر الإيجابي لهذه التساقطات سيكون ملموساً على المدى المتوسط والبعيد، خاصة فيما يتعلق بزراعة الأشجار المثمرة والمراعي. وأكد الوزير أن تحسن حالة المراعي سيسهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الإنتاج الحيواني وضمان استقرار أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق المحلية.

بلغ المعدل التراكمي لتساقط الأمطار هذا الموسم نحو 360 ملم، وهو رقم يتجاوز المعدل السنوي المعتاد بنسبة 54%. هذا الفائض المائي يمثل احتياطياً استراتيجياً للمملكة، حيث سيؤمن احتياجات الري للمواسم القادمة ويقلل من فاتورة استيراد الحبوب التي أثقلت كاهل الميزانية العامة خلال سنوات الجفاف.

بدأت ملامح العودة إلى الحياة الطبيعية تظهر في الأقاليم المتضررة مع تحسن الأحوال الجوية، حيث باشر آلاف المواطنين العودة إلى منازلهم تحت إشراف السلطات المحلية. وتعمل اللجان التقنية حالياً على حصر الأضرار النهائية وتقديم الدعم اللوجستي للأسر لضمان عودة آمنة وتدريجية للمناطق التي انحسرت عنها المياه.

شدد مزارعون على أن الأراضي الزراعية تحتاج الآن إلى عمليات تهيئة وتطوير كبرى لاستغلال وفرة المياه الحالية بشكل أمثل. ويرى مراقبون أن هذه الفيضانات قد تكون نقطة تحول لإعادة صياغة السياسات الزراعية في المغرب، بما يضمن التوازن بين استغلال الموارد المائية الوفيرة والحماية من مخاطر الكوارث الطبيعية.

يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المغربية هو سرعة تنفيذ وعود التعويضات وإعادة الإعمار قبل حلول مواسم زراعية جديدة. فالرهان اليوم هو تحويل هذه الأزمة إلى فرصة حقيقية لتحقيق قفزة في الإنتاج الزراعي الوطني، بما يعزز السيادة الغذائية للمملكة ويحمي الفئات الهشة في الأرياف من تقلبات المناخ.

منوعات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

سباق رمضان الدرامي: عودة قوية للنجوم وأعمال سورية تقتحم ملفات السياسة والحريات

يستعد جمهور الدراما العربية لموسم رمضاني استثنائي يشهد عودة قوية لعدد من كبار النجوم والنجمات في مصر وسوريا. وتتسم الخريطة الدرامية لهذا العام بتنوع ملحوظ بين القضايا الاجتماعية المعقدة في الأعمال المصرية، والمقاربات السياسية الجريئة في المسلسلات السورية التي بدأت تستكشف ملفات الحريات العامة.

في صدارة المشهد السوري، يبرز مسلسل 'الخروج إلى البئر' من إخراج محمد لطفي وسيناريو سامر رضوان، وبطولة الفنان جمال سليمان. ويعد هذا العمل الأول من نوعه الذي يتناول ملف سجن صيدنايا استناداً إلى شهادات حقيقية لمعتقلين سابقين، مما يجعله وثيقة درامية هامة عن مرحلة سياسية مفصلية.

وإلى جانب 'الخروج إلى البئر'، تعزز الدراما السورية حضورها بمسلسلات أخرى مثل 'عيلة الملك' للمخرج محمد عبد العزيز وبطولة سلوم حداد. كما يبرز مسلسل 'سجون الشيطان' الذي يجمع نخبة من النجوم السوريين منهم غسان مسعود وفايز قزق، في محاولة لتقديم قراءات درامية معمقة للواقع الاجتماعي والسياسي.

أما في الساحة المصرية، فتعود النجمة هند صبري إلى الشاشة الرمضانية بعد غياب دام خمس سنوات بمسلسل 'منّاعة'. وتجسد صبري في هذا العمل دور 'غرام'، وهي أرملة تضطر للعمل في تجارة المخدرات بحي الباطنية خلال فترة الثمانينيات لتأمين حياة أطفالها الثلاثة.

وقد أثار مسلسل 'منّاعة' جدلاً واسعاً خلال مراحل تصويره بسبب مشكلات إنتاجية، إلا أنه يظل من أكثر الأعمال ترقباً نظراً للاختلاف الجذري في طبيعة الدور الذي تقدمه هند صبري. ويشارك في بطولة العمل خالد سليم وأحمد خالد صالح، تحت قيادة المخرج حسين المنباوي.

وتسجل الفنانة منة شلبي حضوراً لافتاً في مسلسل 'صحاب أرض' الذي يشاركها بطولته إياد نصار ومن إخراج بيتر ميمي. وتؤدي شلبي دور طبيبة مصرية تقرر الدخول إلى قطاع غزة خلال العدوان الأخير، في عمل يمزج بين الإنسانية والواقع السياسي الراهن.

من جانبها، تواصل النجمة نيللي كريم تميزها في الأدوار النفسية والاجتماعية من خلال مسلسل 'على قد الحب'. وتلعب كريم دور سيدة أعمال ناجحة تطاردها أشباح الماضي، في عمل يغوص في تعقيدات المشاعر الإنسانية والاضطرابات التي تعصف بحياة الأفراد الناجحين.

وفي إطار المعالجات الدرامية للأعمال العالمية، تقدم ياسمين عبد العزيز مسلسل 'وننسى اللي كان' بمشاركة كريم فهمي. ويعد المسلسل رؤية مصرية معاصرة لفيلم 'الحارس الشخصي' الشهير، حيث تدور أحداثه حول نجمة مشهورة تقع في حب حارسها الخاص بعد تعرضها لتهديدات مستمرة.

وتدخل الفنانة مي عمر السباق بمسلسل 'الست موناليزا'، الذي يتناول معاناة النساء المطلقات في المجتمع المصري ومحاولاتهن لاستعادة حياتهن. ويشارك في بطولة هذا العمل وفاء عامر وسوسن بدر، وهو من إخراج محمد علي الذي يسعى لتقديم رؤية بصرية مختلفة.

ويشهد الموسم أيضاً مشاركة ثنائيات ناجحة، حيث تجتمع دينا الشربيني مع آسر ياسين في مسلسل 'اثنين غيرنا'. بينما تتقاسم رانيا يوسف ولقاء الخميسي ومي سليم بطولة مسلسل 'روج أسود'، الذي يتوقع أن يحظى بمتابعة واسعة نظراً لطبيعة قصته الاجتماعية.

وعلى صعيد البطولات الرجالية، يقدم أحمد العوضي مسلسل 'علي كلاي' الذي يجسد فيه دور ملاكم، فيما يطل محمد إمام بمسلسل 'الكينج'. كما يشارك ماجد الكدواني في مسلسل 'كان ياما كان' إلى جانب يسرا اللوزي، في تجربة درامية تراهن على جودة النص والأداء.

ورغم الزخم الاجتماعي، سجلت الأعمال التي تتناول الجماعات المتطرفة تراجعاً ملحوظاً هذا العام مقارنة بالمواسم الماضية. ومع ذلك، يحضر الفنان أمير كرارة وشريف منير بمسلسل 'رأس الأفعى' الذي يقارب هذا الملف بأسلوب تشويقي يركز على الجوانب الأمنية والفكرية.

وتعود الفنانة القديرة ميرفت أمين إلى الشاشة من خلال مسلسل 'كلهم بيحبوا مودي' مع ياسر جلال، في حين تشارك حنان مطاوع بمسلسل 'المصيدة'. وتؤكد هذه المشاركات المتنوعة أن الموسم الرمضاني الحالي يهدف إلى استقطاب كافة الشرائح العمرية والاهتمامات الفنية المختلفة.

ختاماً، يبدو أن المنافسة هذا العام لن تقتصر على نسب المشاهدة فقط، بل ستمتد إلى جودة الطرح وجرأة المواضيع المختارة. فبين توثيق آلام المعتقلين في سوريا وتجسيد معاناة الأطباء في غزة، تبرز الدراما كمرآة عاكسة للتحولات الكبرى في المنطقة العربية.

صحة

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

سمنة الأطفال.. تحديات صحية متصاعدة وحلول تبدأ من الوعي الأسري

تتصدر السمنة لدى الأطفال قائمة التحديات الصحية الأكثر تعقيداً في العصر الراهن، حيث لم تعد مجرد مشكلة مظهر خارجي بل تحولت إلى مهدد حقيقي للنمو الجسدي والنفسي. وتكشف التقارير الدولية عن تسارع مقلق في أنماط الحياة غير الصحية التي أدت إلى تفاقم هذه الظاهرة عالمياً، مما يستدعي استنفاراً مجتمعياً وأسرياً شاملاً للحد من تداعياتها المستقبلية على الأجيال الناشئة.

وبحسب أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، فإن أرقام الإصابة بلغت مستويات قياسية، حيث يعاني أكثر من 390 مليون طفل ومراهق تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاماً من زيادة مفرطة في الوزن. وتشير الإحصائيات إلى أن هذه المعدلات لم تعد تقتصر على المجتمعات المرفهة أو الدول المتقدمة، بل امتدت لتشمل الدول النامية بوتيرة متصاعدة خلال العقود الأخيرة.

وتحذر الدراسات الطبية من أن إهمال علاج السمنة في سن مبكرة يفتح الباب أمام مضاعفات صحية خطيرة قد تلازم الطفل طوال حياته. ومن أبرز هذه المخاطر ارتفاع احتمالية الإصابة بمرض السكري من النمط الثاني بنسبة تصل إلى 40%، بالإضافة إلى ظهور علامات مبكرة لارتفاع ضغط الدم واضطرابات القلب التي كانت تُصنف سابقاً كأمراض مرتبطة بكبار السن فقط.

وإلى جانب الأضرار الجسدية، تترك السمنة ندوباً نفسية عميقة في شخصية الطفل، حيث غالباً ما يعاني هؤلاء الأطفال من ضعف الثقة بالنفس والعزلة الاجتماعية. وتؤكد الأبحاث أن الاكتئاب والقلق يرتفعان بشكل ملحوظ بين الأطفال الذين يعانون من التنمر أو عدم الرضا عن شكل أجسادهم، مما يؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي وجودة حياتهم بشكل عام.

وفي سياق تحليل الأسباب، أوضحت مصادر متخصصة في العلوم الصحية أن السمنة ليست دائماً نتيجة للإفراط في الطعام، بل قد تعود لجذور وراثية وجينية معقدة. وفي هذه الحالات، يتطلب الأمر إجراء فحوصات مخبرية دقيقة لتحديد الجينات المسؤولة عن اختلال عملية التمثيل الغذائي، ومن ثم وصف بروتوكولات علاجية تستهدف الخلل الجيني بشكل مباشر لضمان فاعلية النتائج.

أما النوع الآخر من السمنة، فهو المرتبط بنمط الحياة اليومي، والذي يبرز بوضوح عند انتقال الطفل إلى المرحلة المدرسية وتغير عاداته الغذائية. فقلة النشاط البدني والاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية، تزامناً مع استهلاك الأطعمة المصنعة والمشروبات السكرية، يشكلان بيئة خصبة لتراكم الدهون في الجسم وفقدان التوازن الحركي المطلوب للنمو السليم.

وشددت المصادر الطبية على أن الحل الجذري يبدأ من تعديل السلوك اليومي داخل المنزل عبر تشجيع الأطفال على ممارسة الرياضة بانتظام واختيار البدائل الغذائية الصحية. وأكدت أن دور الأهل محوري في هذه العملية، ليس فقط في مراقبة الوجبات، بل في خلق بيئة تحفيزية تجعل من النشاط البدني جزءاً ممتعاً من الروتين اليومي للطفل بدلاً من كونه واجباً ثقيلاً.

وختاماً، تبرز أهمية الوعي الأسري في المتابعة الدورية لوزن الطفل والتمييز الدقيق بين الزيادة الطبيعية الناتجة عن النمو والزيادة المرضية المفرطة. إن مراجعة الأطباء المختصين عند ملاحظة أي تغيرات غير طبيعية تضمن التدخل المبكر، سواء كان السبب عضوياً يحتاج لعلاج دوائي أو سلوكياً يتطلب إعادة صياغة لنمط العيش، لحماية الأبناء من مخاطر صحية قد تكون دائمة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني في غزة: شهيد في جباليا وعرقلة إسرائيلية مستمرة لعمليات الإغاثة

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تصعيدها الميداني في مناطق متفرقة من قطاع غزة، حيث أفادت مصادر باستشهاد طفل فلسطيني اليوم الثلاثاء إثر استهدافه بغارة من طائرة مسيرة في بلدة جباليا شمالي القطاع. وتزامن هذا الهجوم مع سلسلة غارات جوية وعمليات تفجير استهدفت أحياء سكنية، مما يعكس استمرار الخروقات لاتفاقات التهدئة القائمة.

وفي عرض البحر غرب مدينة غزة، هاجمت قوات الاحتلال مركب صيادين فلسطينيين بالرصاص الحي قبل أن تعتقل عدداً منهم وتقتادهم إلى جهة مجهولة. كما أصيب مواطن آخر بجروح متفاوتة في منطقة المغراقة وسط القطاع، جراء إلقاء طائرة مسيرة قنبلة تجاه تجمع للمدنيين، في ظل تحليق مكثف للطيران الإسرائيلي في الأجواء.

المناطق الشمالية والجنوبية لم تكن بمنأى عن التصعيد، إذ نفذ جيش الاحتلال عمليات تفجير واسعة داخل المربعات السكنية التي يتوغل فيها بمحيط بلدة بيت لاهيا. وفي خانيونس، شنت الطائرات الحربية سلسلة غارات ترافقت مع عمليات نسف للمباني، بينما استهدفت المدفعية الإسرائيلية مناطق مأهولة في مدينة رفح أقصى جنوب القطاع.

وعلى الصعيد الإنساني، كشف المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، عن استمرار العراقيل الإسرائيلية التي تحول دون وصول المساعدات. وأوضح دوجاريك أن الاحتلال لم يسمح إلا بمرور نصف القوافل الإغاثية المنسقة خلال الفترة ما بين 6 و11 فبراير الجاري، مما يفاقم الأزمة المعيشية للسكان المحاصرين.

وفيما يخص حركة السفر عبر معبر رفح، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي عن إحصائيات محدودة للمغادرين والعائدين، حيث لم يتجاوز إجمالي المسافرين 925 شخصاً خلال أسبوعين. وتأتي هذه الأرقام الهزيلة مقارنة بالعدد المستهدف البالغ 3 آلاف مسافر، وذلك بسبب القيود المشددة التي تفرضها سلطات الاحتلال على حركة المعبر.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ أكتوبر الماضي بلغت 603 شهداء وأكثر من 1600 جريح. وتؤكد الوزارة أن هذه الأرقام في تصاعد مستمر نتيجة الاستهداف المباشر للمدنيين وانتهاك البروتوكولات الإنسانية المتعلقة بإدخال الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية.

وفي ظل تدهور المنظومة الصحية، تبرز حاجة ملحة لمغادرة نحو 22 ألف جريح ومريض لتلقي العلاج في الخارج لإنقاذ حياتهم. ويواجه هؤلاء المرضى خطراً حقيقياً نتيجة خروج معظم المستشفيات عن الخدمة واستمرار حرب الإبادة التي دمرت البنية التحتية الطبية بشكل شبه كامل في مختلف محافظات غزة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

خامنئي يصف التنبؤ بنتائج المفاوضات بـ'الحماقة' ويهدد بإغراق حاملات طائرات أمريكية

وجّه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي، انتقادات حادة للمحاولات الرامية لاستباق نتائج المفاوضات بين طهران وواشنطن، واصفاً تلك التقديرات بـ 'الحماقة' السياسية. وأوضح خامنئي خلال لقاء جماهيري مع وفد من محافظة آذربيجان الشرقية أن رسم مسارات دبلوماسية قبل بدئها يعبر عن فهم قاصر للواقع الدولي، مشدداً على أن القرار الإيراني ينبع حصراً من المصالح القومية العليا.

وفي رد مباشر على التصريحات التصعيدية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أكد خامنئي أن الكيان السياسي للجمهورية الإسلامية عصي على الانكسار أو الإزالة من قبل أي قوة خارجية. وأشار إلى أن الخطاب الأمريكي الذي يرتكز على استعراض العضلات العسكرية لا يمكنه تبديل موازين القوى القائمة على الأرض، معتبراً أن الثبات الإيراني هو الرد الأمثل على سياسات الترهيب.

وتطرق المرشد الإيراني إلى التباهي الأمريكي بالقوة العسكرية، لافتاً إلى أن امتلاك الجيش الأقوى عالمياً لا يحميه من تلقي ضربات قاصمة قد تشل قدرته على الحركة والنهوض مجدداً. واعتبر أن لغة التهديد التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية تعكس رغبة في فرض إرادة سياسية عبر الضغط العسكري، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً في تعاملاتها الدولية.

ورفع خامنئي من سقف التهديد العسكري بالحديث عن القدرات الردعية لبلاده، حيث لوّح بإمكانية إغراق حاملات الطائرات الأمريكية في حال تعرضت إيران لأي عدوان مباشر. وقال إن هذه البوارج الضخمة رغم كونها أدوات تدميرية متطورة، إلا أنها تظل أهدافاً للسلاح الإيراني الذي يمتلك القدرة على إرسالها إلى قاع البحر، في إشارة واضحة لامتلاك طهران صواريخ أو تقنيات بحرية نوعية.

تأتي هذه المواقف المتشددة في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تبادلاً للرسائل السياسية والعسكرية العنيفة بين الجانبين، وسط تقارير تتحدث عن إمكانية فتح قنوات اتصال دبلوماسية. وتعكس تصريحات خامنئي الأخيرة هشاشة المسار التفاوضي وصعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة في ظل التباعد الكبير في الرؤى والتهديدات المتبادلة التي تسيطر على المشهد.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:11 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع بالضفة: تهجير عائلات بالأغوار وهدم منازل ومنشآت في القدس وجنين

تصاعدت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس المحتلتين بشكل ملحوظ، حيث أفادت مصادر محلية بإجبار نحو 15 عائلة فلسطينية على النزوح القسري من منازلها في منطقة الأغوار. وجاءت هذه الخطوة بعد تزايد هجمات المستوطنين وضغوطهم المستمرة لتفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، في سياق سياسة ممنهجة للسيطرة على الأراضي.

وفي مدينة القدس المحتلة، شرعت جرافات الاحتلال بهدم عدد من المنشآت الزراعية في تجمع عرب الجهالين، ما أدى إلى تكبد المزارعين خسائر مادية فادحة. وتزامن ذلك مع اقتحام قوات الاحتلال لمقر جمعية برج اللقلق في البلدة القديمة، حيث قررت إغلاقها لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد، بعد استدعاء نحو 20 موظفاً للتحقيق.

وتعتبر جمعية برج اللقلق من أهم المؤسسات المجتمعية والرياضية داخل أسوار القدس، حيث تقدم خدماتها لآلاف المقدسيين بشكل مجاني. ويأتي استهدافها ضمن محاولات الاحتلال المستمرة للتضييق على المؤسسات الوطنية والخدماتية في المدينة المقدسة وعرقلة نشاطها الاجتماعي والتربوي.

ميدانياً أيضاً، اعتقلت قوات الاحتلال فتى يبلغ من العمر 15 عاماً من بلدة العيساوية عقب مداهمة منزله والعبث بمحتوياته، فيما نفذت وحدات راجلة عمليات دهم وتفتيش في مخيم شعفاط. وفي المسجد الأقصى المبارك، اقتحم عشرات المستعمرين الباحات تحت حماية مشددة، مؤدين طقوساً تلمودية ورقصات استفزازية بمناسبة ما يسمى 'رأس الشهر العبري'.

وفي محافظة جنين، أقدمت قوات الاحتلال صباح اليوم الثلاثاء على هدم منزل الشهيد رأفت دواسة في بلدة السيلة الحارثية. وتكون المبنى المستهدف من ثلاثة طوابق، حيث قامت الجرافات بتسويته بالأرض بعد إخلاء المنازل المجاورة وإغلاق المداخل المؤدية للبلدة بشكل كامل.

وشهدت عملية الاقتحام في السيلة الحارثية مواجهات أطلقت خلالها قوات الاحتلال الرصاص الحي تجاه طلبة المدارس، تزامناً مع دخول آليات عسكرية ومدرعات من طراز 'إيتان'. كما امتدت المداهمات إلى بلدة اليامون المجاورة، حيث نُفذت حملة اعتقالات واسعة طالت عدداً من المواطنين بعد تفتيش منازلهم.

أما في منطقة الأغوار، فقد اضطرت العائلات الـ15 إلى تفكيك مساكنها استعداداً للرحيل القسري، وفق ما أكده مجلس قرية المالح. وتأتي هذه الموجة الجديدة من التهجير بعد أيام قليلة من طرد 7 عائلات أخرى من تجمع الميتة، مما يشير إلى تصعيد خطير يهدف إلى إخلاء المنطقة بالكامل.

وفي مدينة نابلس، هدمت قوات الاحتلال منزلاً مكوناً من طابقين في منطقة التعاون العلوي، متذرعة بوقوع البناء في المناطق المصنفة 'ج'. كما طالت الاعتقالات شاباً من بلدة بيتا جنوب المدينة، في حين شهدت مدينة أريحا ومخيم عين السلطان اقتحامات مماثلة أسفرت عن اعتقال أحد المواطنين.

محافظة سلفيت لم تكن بمنأى عن هذا التصعيد، حيث واصلت قوات الاحتلال اقتحام المدينة منذ مساء أمس، وحولت عدداً من المنازل إلى ثكنات عسكرية ونقاط مراقبة. وقامت القوات بإغلاق كافة مداخل المدينة بالسواتر الترابية، بما في ذلك الطرق الحيوية مثل جسر إسكاكا وطريق المستشفى، مع إجراء تحقيقات ميدانية مع السكان.

وفي رام الله والبيرة، اعتقلت قوات الاحتلال 5 مواطنين فجر اليوم خلال عمليات اقتحام شملت مخيم الجلزون وقرية برقا. كما نصبت القوات حواجز عسكرية على مداخل بلدة ترمسعيا وأعاقت حركة التنقل في قرية المغير، مما تسبب في تعطيل مصالح المواطنين وحياتهم اليومية.

وبالانتقال إلى بيت لحم، هدمت آليات الاحتلال بناية سكنية مأهولة في بلدة الخضر بحجة عدم الترخيص، وسط إطلاق كثيف لقنابل الغاز والصوت لتفريق الأهالي. كما داهمت القوات عدة منازل في بلدة تقوع وفتشتها بدقة، في إطار حملة الترهيب المستمرة التي تستهدف القرى والبلدات الفلسطينية.

وتشير التقارير إلى أن الاحتلال كثف من سياساته القمعية في الضفة الغربية منذ بدء العدوان على قطاع غزة، مستخدماً القتل والاعتقال والهدم كأدوات لفرض وقائع استيطانية جديدة. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

ووفقاً للبيانات الرسمية الفلسطينية، فقد بلغت حصيلة الشهداء في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 1114 شهيداً، من بينهم 230 طفلاً. كما أصيب نحو 11 ألفاً و500 فلسطيني بجروح متفاوتة، في حين تجاوز عدد المعتقلين حاجز 22 ألف شخص في حملات اعتقال غير مسبوقة.

تأتي هذه التطورات في ظل صمت دولي وتسهيلات تمنحها شرطة الاحتلال للمستوطنين لتنفيذ اعتداءاتهم، مقابل فرض قيود مشددة على دخول المصلين للمسجد الأقصى. ويؤكد الفلسطينيون أن هذه الهجمة الشرسة لن تثنيهم عن الصمود في أرضهم ومواجهة مخططات التهجير والتهويد المستمرة.

اقتصاد

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:11 مساءً - بتوقيت القدس

دبي تتحول إلى الملاذ الآمن لأثرياء الصين هرباً من الرقابة والعقوبات الدولية

أفادت تقارير اقتصادية دولية بأن مدينة دبي باتت الوجهة المفضلة لرجال الأعمال وأصحاب الثروات الصينيين، الذين يبحثون عن ملاذات آمنة لأموالهم بعيداً عن الرقابة الصارمة في بكين والتدقيق المالي الغربي. وتأتي هذه الهجرة الجماعية لرؤوس الأموال في وقت يشهد فيه الاقتصاد الصيني حالة من الركود، تزامناً مع توسع الولايات المتحدة في استخدام العقوبات المالية كأداة سياسية.

وتشير التقديرات إلى أن الإمارات تحتضن حالياً نحو 370 ألف مواطن صيني، فيما تضاعف عدد الشركات الصينية العاملة هناك ليصل إلى أكثر من 15 ألف شركة منذ عام 2019. ويعكس هذا النمو المتسارع تحولاً في بوصلة الاستثمارات الآسيوية التي كانت تفضل سابقاً مراكز مثل سنغافورة وهونغ كونغ، لكنها باتت ترى في دبي خياراً أكثر مرونة وانفتاحاً.

وبحسب بيانات متخصصة في تتبع الثروات، استقطبت الإمارات تدفقاً صافياً يقدر بنحو 10 آلاف مليونير خلال عام 2025، متفوقة بشكل كبير على سنغافورة التي تراجع عدد الوافدين الأثرياء إليها إلى نحو 1,600 شخص فقط. ويرجع محللون هذا التراجع في سنغافورة إلى تشديد الرقابة المالية بعد سلسلة من الفضائح، بالإضافة إلى القيود المفروضة على تداولات العملات الرقمية.

وتلعب البنية التحتية والخدمات اللوجستية في دبي دوراً محورياً في جذب الجالية الصينية، حيث باتت المدينة تضم مدرسة صينية حكومية ومستشفيات متخصصة وسلاسل توريد غذائية متكاملة مثل 'وي مارت'. هذه البيئة المكتفية ذاتياً تسمح للمهاجرين الجدد بالعيش بنمط حياة يقاكي بلادهم مع التمتع بحرية اقتصادية أوسع لا تتوفر في الداخل الصيني.

وعلى الصعيد المالي، شهد مركز دبي المالي العالمي قفزة في عدد صناديق الاستثمار الخاصة لتصل إلى 1,250 صندوقاً، مقارنة بنحو 800 صندوق في نهاية العام الماضي. وتؤكد مصادر استشارية أن رأس المال الصيني يمثل المحرك الأساسي لهذا النمو، حيث يسعى المستثمرون لتنويع محافظهم بعيداً عن الأسواق التقليدية في أمريكا وأوروبا.

وفي سياق متصل، سجل مركز دبي للسلع المتعددة انضمام أكثر من ألف شركة صينية، وهو ما يمثل نحو 4% من إجمالي الشركات المسجلة فيه. وتتنوع هذه الكيانات بين بنوك حكومية كبرى وشركات طاقة عملاقة، بالإضافة إلى شركات التكنولوجيا الناشئة التي تجد في دبي بيئة خصبة للنمو بعيداً عن التجاذبات السياسية الدولية.

ويرى مراقبون أن الحياد السياسي الذي تتبعه دولة الإمارات عزز من جاذبيتها كمركز مالي عالمي، خاصة بعد عام 2022 عندما دفعت العقوبات الغربية أثرياء من جنسيات مختلفة للبحث عن بدائل لسويسرا ولندن. ويقول مستثمرون صينيون إن استبعاد بعض الكيانات من النظام المصرفي الأوروبي جعل من دبي الخيار الأكثر أماناً واستقراراً لاستثماراتهم طويلة الأجل.

وتسهل القوانين الإماراتية إقامة المستثمرين الأجانب عبر برامج 'الإقامة الذهبية'، حيث يمنح الاستثمار العقاري بقيمة مليوني درهم تأشيرة طويلة الأمد. وقد أصدرت السلطات في دبي نحو 158 ألف تصريح إقامة من هذا النوع خلال عام 2023 وحده، وهو ضعف الرقم المسجل في العام الذي سبقه، مما يعكس حجم الإقبال المتزايد.

اجتماعياً، توفر دبي مساحة من الحرية الشخصية والتباهي بالثروة التي باتت تثير حفيظة السلطات في الصين وسنغافورة على حد سواء. فبينما يُنصح الأثرياء في سنغافورة بالتخفيف من مظاهر الترف، يجد الصينيون في دبي بيئة ترحب باقتناء السيارات الفاخرة والساعات النادرة دون خوف من الملاحقة أو الاستياء المجتمعي.

وفي قطاع العقارات، تدفقت السيولة الصينية بشكل مكثف لتعويض الركود العقاري في الصين، حيث سجل سوق دبي نمواً بنسبة 12% في عام 2025. ويشير وسطاء عقاريون إلى أن المستثمر الصيني بات يركز بشكل أكبر على عوائد الإيجار المرتفعة والاستقرار الرأسمالي، مما جعل العقارات في دبي أصلاً استراتيجياً في محافظهم المالية.

ورغم هذه الجاذبية، تبرز تحديات مستقبلية قد تؤثر على هذا التدفق، منها احتمال تشديد بكين لقيود تحويل الأموال إلى الخارج ومراقبة حركة سفر المواطنين. كما تلوح في الأفق مخاوف من فرض عقوبات أمريكية ثانوية على بعض الكيانات التي تتخذ من دبي مقراً لها إذا ما ثبت تورطها في تسهيل معاملات محظورة دولياً.

وتشير تقارير إلى أن بعض الأنشطة غير القانونية، مثل مراكز الاحتيال عبر الإنترنت، حاولت الانتقال إلى المنطقة بعد حملات أمنية في جنوب شرق آسيا، وهو ما قد يستدعي تدقيقاً أكبر من السلطات الإماراتية. ومع ذلك، لا تزال دبي تتبع نهجاً عملياً يوازن بين الانفتاح الاقتصادي والالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال.

ويؤكد خبراء أن سهولة إدخال الأموال إلى دبي، مقارنة بالتعقيدات البيروقراطية في العواصم المالية الأخرى، تظل الميزة التنافسية الأبرز. فبينما تضيق سنغافورة الخناق على العملات المشفرة، تتبنى دبي تشريعات واضحة ومنظمة تجذب شركات التقنية المالية والجيل الجديد من المستثمرين الرقميين الصينيين.

ختاماً، يبدو أن دبي نجحت في ترسيخ مكانتها كعاصمة مالية بديلة في نظام عالمي متعدد الأقطاب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسياساتها المرنة. وطالما استمرت الفجوة بين الرقابة الصارمة في الشرق والتدقيق المسيس في الغرب، فإن تدفق الثروات الصينية نحو الإمارة مرشح للاستمرار والنمو في السنوات القادمة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:11 مساءً - بتوقيت القدس

شبح البطالة ينهش غزة: 80% بلا عمل واقتصاد منهار يصارع البقاء

تفاقمت أزمة البطالة في قطاع غزة لتصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة، في ظل انكماش اقتصادي حاد ودمار واسع طال كافة مقومات الحياة والبنية التحتية. وأجبر هذا الواقع مئات الآلاف من المواطنين على خوض كفاح يومي مرير لتأمين أدنى متطلبات المعيشة لأسرهم، وسط غياب تام لفرص العمل المستقرة.

وأفادت مصادر صحفية بأن الأسواق في غزة بدأت تشهد توفراً نسبياً للفاكهة والسلع التجارية، إلا أن أسعارها بقيت باهظة جداً ولا تتناسب مع واقع السكان الذين يعيش 80% منهم بلا دخل. ويعكس هذا التناقض فجوة عميقة بين توفر المواد في الأسواق وقدرة المواطن الشرائية التي سحقتها سنوات الحرب والحصار المتواصل.

ويروي الشاب منصور بكر، وهو صياد سابق يبلغ من العمر 23 عاماً، مأساته اليومية في البحث عن عمل لإعالة زوجته الحامل وطفلتيه. فقد دمرت الحرب معدات الصيد التي كان يمتلكها مع عائلته، كما فقد إخوته في القصف، ليجد نفسه اليوم عاجزاً عن العودة إلى البحر الذي كان مصدر رزقه الوحيد.

ويؤكد بكر أن المساعدات الإغاثية التي تصل إلى القطاع، رغم أهميتها، لا يمكن أن تسد مسد المال اللازم لشراء الاحتياجات الخاصة والضرورية. فالحياة في غزة باتت تتطلب سيولة نقدية لتغطية تكاليف لا تغطيها الطرود الغذائية، مثل الأدوية والملابس ومصاريف التنقل اليومية.

من جانبها، كثفت المنظمات الإنسانية الدولية جهودها منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، محاولةً تخفيف حدة الجوع. ووفقاً لبيانات أممية، فقد وصلت المساعدات الغذائية إلى نحو 1.6 مليون شخص خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي عبر وكالات الأمم المتحدة وشركائها.

وتساهم منظمة 'وورلد سنترال كيتشن' بتقديم نحو مليون وجبة ساخنة يومياً للنازحين والمتضررين في مختلف مناطق القطاع. ومع ذلك، يشدد عمال إغاثة على أن هذه الجهود تظل قاصرة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، خاصة مع اعتماد السكان الكلي على المعونات في ظل توقف العجلة الاقتصادية.

وفي السياق ذاته، تشير كيت تشارلتون، المنسقة الطبية لمنظمة أطباء بلا حدود، إلى وجود زيادة ملحوظة في الإمدادات التجارية التي تدخل الأسواق المحلية. لكنها استدركت بالقول إن هذه السلع تظل بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من السكان بسبب ارتفاع أثمانها بشكل يفوق طاقة الأسر النازحة.

ويعبر التاجر الخمسيني 'الفار'، النازح في منطقة المواصي، عن خيبة أمله من عدم القدرة على إيجاد فرصة عمل رغم استعداده للقيام بأي مهنة. ويقول إن أصحاب العمل يفضلون العمال الأصغر سناً، مما يترك كبار السن في مواجهة ديون متراكمة وعجز عن توفير الفاكهة أو الخضراوات لأبنائهم.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد الغزي انكمش ليصل إلى 13% فقط من حجمه الذي كان عليه قبل اندلاع المواجهات الأخيرة. ووصف مسؤولون دوليون هذا الانهيار بأنه الأسرع والأشد في التاريخ الحديث، حيث قضى على عقود من التنمية والتقدم الاقتصادي في القطاع.

وبحسب البيانات الصادرة عن الوكالات الدولية، فقد هوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة إلى 161 دولاراً سنوياً فقط خلال عام 2024. ويعد هذا الرقم من أدنى المعدلات المسجلة عالمياً، مما يضع القطاع في مصاف المناطق الأكثر فقراً وعوزاً على مستوى العالم.

ولم يسلم قطاع الصيد، الذي كان يعيل آلاف الأسر، من الاستهداف المباشر الذي دمر القوارب والمرافئ وحرم الصيادين من الوصول إلى أعماق البحر. وحتى في حال توفر القوارب، فإن القيود البحرية المشددة التي يفرضها الاحتلال تمنع الصيادين من ممارسة مهنتهم التاريخية التي ورثوها عن أجدادهم.

وعلى صعيد الخريجين، تواجه بيسان محمد، الحاصلة على شهادة في المختبرات الطبية، واقعاً مظلماً حيث تعيش في خيمة مع طفلتها ووالديها. وتقول بيسان إن الحصول على وظيفة في تخصصها بات حلماً بعيد المنال وسط الركام، مؤكدة أن 'حتى التنفس في غزة بات يحتاج إلى مال'.

ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، إلا أن التقارير الميدانية تؤكد استمرار العنف وسقوط ضحايا بشكل يومي جراء الغارات والقصف المتقطع. ووثقت منظمات مراقبة النزاعات مقتل مئات الفلسطينيين منذ بدء الهدنة المفترضة، مما يزيد من حالة اليأس وعدم الاستقرار لدى السكان.

ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن مستقبل إعادة الإعمار والخطط الدولية لإنشاء قوة استقرار، في ظل تعنت سياسي وقيود ميدانية على المعابر. ويخشى سكان غزة من أن يتحول 'وقف إطلاق النار' إلى حالة استنزاف دائم، تتبخر معها آمالهم في استعادة حياتهم الطبيعية والعودة إلى أعمالهم.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:11 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يواصل خروقاته في غزة: غارات مكثفة واعتقال صيادين وعرقلة السفر عبر معبر رفح

جددت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، اعتداءاتها العسكرية على مناطق متفرقة في قطاع غزة، حيث نفذت طائرات حربية سلسلة من الغارات الجوية تزامنت مع عمليات تفجير واسعة في المناطق التي تتوغل فيها. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف استهدف بشكل مباشر مدينتي خان يونس ورفح جنوبي القطاع، مما أدى إلى حالة من الذعر بين المواطنين في تلك المناطق المكتظة بالنازحين.

وفي تصعيد ميداني آخر، استهدفت مدفعية الاحتلال المناطق الغربية لمدينة رفح، فيما أطلقت الزوارق الحربية نيران رشاشاتها وقذائفها تجاه ساحل مدينة غزة. وأسفرت هذه الاعتداءات البحرية عن ملاحقة مركب صيد واعتقال الصيادين أحمد صبحي سعد الله ومحمد خميس سعد الله، واقتيادهما إلى جهة مجهولة بعد مصادرة معداتهما.

وعلى صعيد الإصابات البشرية، أكدت مصادر طبية في الإسعاف والطوارئ إصابة مواطن فلسطيني برصاص قوات الاحتلال في منطقة مواصي رفح التي تصنف ضمن المناطق الإنسانية. كما استقبل مستشفى العودة جريحاً آخر أصيب بنيران طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت بلدة المغراقة وسط القطاع، في ظل استمرار التحليق المكثف للطيران المسير في الأجواء.

وفي شمال القطاع، أفادت مصادر محلية بأن جيش الاحتلال نفذ عمليات تفجير لمبانٍ سكنية ومنشآت داخل المناطق التي يحتلها في محيط بلدة بيت لاهيا. وتأتي هذه التفجيرات في إطار سياسة التدمير الممنهج التي يتبعها الاحتلال لتغيير المعالم الجغرافية وفرض مناطق عازلة تمنع عودة السكان إلى منازلهم التي دمرها القصف.

ووثقت وزارة الصحة الفلسطينية مئات الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات أسفرت عن استشهاد 603 فلسطينيين وإصابة 1618 آخرين. وأوضحت الوزارة أن الاحتلال يتعمد خرق البروتوكولات الإنسانية المتعلقة بإدخال الوقود والمساعدات الطبية الضرورية للمستشفيات التي تعاني من انهيار شبه كامل.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي منذ أكتوبر 2023، خلفت دماراً هائلاً طال 90% من البنية التحتية في غزة. وقد ارتفعت حصيلة الضحايا لتتجاوز 72 ألف شهيد وأكثر من 171 ألف جريح، في حين تقدر الجهات الدولية تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الآلة العسكرية بنحو 70 مليار دولار.

وفيما يخص حركة التنقل، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن مغادرة 65 فلسطينياً وعودة 48 آخرين عبر معبر رفح البري خلال الساعات الماضية. وأوضح المكتب أن هذه الحركة تأتي في ظل قيود إسرائيلية مشددة للغاية تمنع آلاف الحالات الإنسانية من السفر لتلقي العلاج الضروري في الخارج.

وبحسب التقرير الصادر عن المكتب الحكومي، فإن إجمالي عدد الذين تمكنوا من عبور المعبر خلال الأسبوعين الماضيين بلغ 925 شخصاً فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بالاحتياجات الفعلية. وأشار البيان إلى أن نسبة الالتزام بجدول السفر المفترض لم تتجاوز 31%، حيث كان من المتوقع سفر وعودة نحو 3 آلاف شخص في هذه الفترة.

وتفصيلاً، تمكن 520 مسافراً من المغادرة بينما وصل 405 آخرون إلى القطاع، في حين رفضت سلطات الاحتلال عبور 26 شخصاً دون إبداء أسباب واضحة. يذكر أن الاحتلال أعاد فتح الجانب الفلسطيني من المعبر في مطلع فبراير الجاري بشكل محدود جداً، بعد أن ظل مغلقاً منذ السيطرة عليه في مايو 2024.

وتواجه المنظومة الصحية في غزة تحديات كارثية، حيث تشير التقديرات إلى وجود 22 ألف جريح ومريض بحاجة ماسة لمغادرة القطاع بشكل عاجل. ويحذر مسؤولون صحيون من أن التأخير في فتح المعابر بشكل كامل ودائم يهدد حياة المئات من أصحاب الأمراض المزمنة والجروح الخطيرة التي لا يتوفر لها علاج محلي.

ويبقى الوضع الإنساني في قطاع غزة رهيناً بالسياسات الإسرائيلية التي تواصل استخدام المعابر والمساعدات كأدوات للضغط السياسي والعسكري. ورغم المناشدات الدولية المتكررة، لا يزال الاحتلال يفرض حصاراً خانقاً يعيق وصول الإمدادات الأساسية ويمنع حرية الحركة، مما يفاقم معاناة مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف غير مسبوقة.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 1:41 مساءً - بتوقيت القدس

تغلغل اقتصادي أم هيمنة سيادية؟ قراءة في أبعاد الاستحواذات الإماراتية بمصر

تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية في موازين القوى، حيث انتقلت الاستراتيجيات الإقليمية من مرحلة إدارة الأزمات التقليدية إلى سياسات كسر العظام وفرض الأمر الواقع. وفي هذا السياق، تبرز التساؤلات حول الدور الإماراتي المتنامي الذي يتجاوز حدود الاستثمار الاقتصادي التقليدي ليمس جوهر السيادة في دول كبرى مثل مصر.

نقلت تقارير عن السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام تصريحات لافتة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أبدى فيها دهشته من مستوى التعاون الإماراتي. وأشار غراهام إلى أن القيادة الإماراتية قدمت أكثر مما كان مطلوباً منها، مما يضع التحركات الاقتصادية في إطار سياسي أوسع يرتبط بترتيبات إقليمية جديدة.

لا يمكن قراءة المشهد المصري الحالي بمعزل عن التدخل المنهجي الذي أفضى إلى الإمساك بمفاصل استراتيجية وحيوية على امتداد الجغرافيا المصرية. فبينما تُتهم الإمارات بإثارة الانقسام في ليبيا واليمن والسودان، يتخذ دورها في القاهرة منحى التغلغل الهادئ في البنية الاقتصادية للدولة عبر سياسة استحواذ ممنهجة.

تعتبر صفقة 'رأس الحكمة' النموذج الأبرز لهذا التوجه، حيث حصلت أبو ظبي على حقوق تطوير مساحة شاسعة تصل إلى 170.8 كيلومتر مربع على الساحل الشمالي. وتعد هذه الصفقة الأضخم في تاريخ البلاد، وتثير مخاوف جدية حول تحويل أجزاء من الأرض المصرية إلى مناطق ذات طبيعة خاصة تُدار بعيداً عن الأطر التقليدية.

يمتد النفوذ الإماراتي ليشمل قطاع الأسمدة والصناعات الكيماوية، حيث استحوذت شركات إماراتية على حصص مؤثرة في شركة أبو قير للأسمدة وشركة 'إيثيدكو'. هذه الاستحواذات تمنح جهات خارجية القدرة على التحكم في مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، مما يؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاقتصادي.

في قطاع الطاقة والخدمات البترولية، بسطت شركة ADQ الإماراتية سيطرتها على حصص حاكمة في شركة الحفر الوطنية والشركة المصرية للحفر. وتعكس هذه الخطوات رغبة واضحة في التواجد بقلب قطاع الطاقة المصري، وهو القطاع الذي يمثل عصب الاقتصاد الوطني ومصدر الرهان على المستقبل.

أما في الموانئ والمنافذ البحرية، فقد أحكمت الشركات الإماراتية قبضتها على بوابات مصر التجارية، حيث تدير موانئ دبي العالمية ميناء العين السخنة. كما حصلت مجموعة موانئ أبو ظبي على حق تشغيل ميناء سفاجا لثلاثة عقود، مما يمنحها نفوذاً هائلاً على حركة التجارة في البحرين الأحمر والمتوسط.

القطاع الصحي لم يكن بمنأى عن هذا التغلغل، حيث قادت شركة 'أبراج كابيتال' عمليات استحواذ واسعة طالت مستشفيات كبرى مثل النيل بدراوي والشروق. والأخطر من ذلك هو السيطرة على أكبر سلسلتين لمعامل التحاليل في مصر، وهما 'البرج' و'المختبر'، مما يضع بيانات المواطنين الصحية تحت تصرف جهات خارجية.

يرى مراقبون أن هذا التوسع يهدف إلى تفكيك الاستقلالية الاقتصادية المصرية وإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة. فالحاجة الملحة للسيولة النقدية دفعت الحكومة المصرية لفتح الأبواب أمام شراء مفاصل الدولة قطعة بعد قطعة، تحت غطاء الاستثمار والتطوير العمراني.

تتزايد المخاوف الأمنية من تحول هذه الأصول إلى 'جزر استثمارية معزولة' تخدم أجندات إقليمية تهدف لزعزعة استقرار القوى العربية الكبرى من الداخل. إن السيطرة على الموانئ وقواعد البيانات الصحية والمواقع الاستراتيجية تمنح القوى الخارجية قدرة فائقة على رصد وتحليل 'نبض الدولة' بمفهومه الأمني الواسع.

لقد وجدت الإمارات في ظل القبضة الأمنية الحالية وغياب المعارضة الفاعلة فرصة سانحة للانتقال من منطق النفوذ السياسي إلى منطق الهيمنة الاقتصادية الشاملة. ويصف محللون هذا التوجه بأنه 'استعمار ناعم' لا يستخدم الدبابات بل العقود والصفقات، مستغلاً هشاشة الاقتصاد وضيق الخيارات المتاحة.

الارتباك المؤسسي والهطول الإداري في التعامل مع الأصول الوطنية فتح المجال أمام تغلغل متدرج بدأ كاستثمارات عقارية وانتهى بالسيطرة على قطاعات سيادية. ولعل ما حدث في جزيرة الوراق يمثل نموذجاً كاشفاً لكيفية تحول هذه الاستثمارات إلى مصدر للاضطراب الاجتماعي والأمني الذي يهدد تماسك المجتمع.

إن تحويل الدولة من منتج ومتحكم في مقدراتها إلى مجرد ساحة استثمارية تدار من الخارج يمثل تهديداً وجودياً للدور المصري التاريخي في المنطقة. فالتبعية المالية للممولين الإقليميين تضع قيوداً ثقيلة على صانع القرار، مما يجعله رهيناً لسياسات قد تتعارض مع المصالح الوطنية العليا.

في الختام، يبقى التساؤل قائماً حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التغلغل الإماراتي في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية المصرية. إن استعادة التوازن تتطلب مراجعة شاملة لسياسات البيع والاستحواذ، وضمان بقاء المفاصل الاستراتيجية للدولة تحت سيادة وطنية حقيقية بعيداً عن ضغوط المال السياسي.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

غزة تحت الإدارة المصرية (1957-1967): كتاب جديد يوثق مرحلة بناء الكيان السياسي والدفاع القومي

صدر حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، كتاب جديد للباحث محمود عبد الحي الديب بعنوان 'قطاع غزة تحت الإدارة المصرية (1957-1967)'. ويعد هذا العمل استكمالاً لمشروع بحثي بدأه المؤلف لتوثيق الحقبة التي تلت نكبة عام 1948، حيث يركز في هذا الجزء على العقد الذي سبق نكسة حزيران، مبرزاً التحولات السياسية والاجتماعية التي صاغت ملامح القضية الفلسطينية في تلك الفترة.

يرى المؤلف أن الفترة الثانية من الحكم المصري للقطاع كانت من أكثر المراحل تأثيراً، إذ شهدت صعود القومية العربية وتنامي الدور المصري في حماية الهوية الفلسطينية. وقد سعت القاهرة خلالها لجمع شتات الفلسطينيين على أرض القطاع، في مواجهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لتهويد المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وهو ما أفشله صمود الأهالي وتكاتف الإدارة المصرية معهم.

اتسمت السياسة المصرية بعد عدوان 1956 بالتوجه نحو تقوية مؤسسات القطاع ليكون نواة لدولة فلسطينية مستقبلية. وفي هذا السياق، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القرار رقم 253 لعام 1957 بتعيين محمد حسن عبد اللطيف حاكماً إدارياً للقطاع، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم الإداري الذي اعتبر غزة خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري والجبهة الشرقية.

يكشف الكتاب عن كواليس الخلافات السياسية التي رافقت إعداد مسودة الدستور، حيث نشب نزاع بين الحاكم الإداري وحيدر عبد الشافي، رئيس المجلس التشريعي آنذاك. وكان جوهر الخلاف يدور حول رؤية عبد الشافي بجعل غزة وطناً لكل الفلسطينيين ومركزاً لجمع الشتات من دول اللجوء، وهي الرؤية التي استطاع إقناع الرئيس عبد الناصر بها لاحقاً لتعزيز رمزية القطاع كأرض فلسطينية محررة.

على الصعيد التنظيمي، دعمت الإدارة المصرية تشكيل 'الاتحاد القومي العربي الفلسطيني' في مارس 1959. وهدف هذا الكيان إلى تعبئة طاقات الشعب الفلسطيني لتحرير الأرض ومقاومة الصهيونية العالمية، مع تبني مبادئ المجتمع الاشتراكي الديمقراطي، مما ساهم في انخراط القوى الوطنية في العمل السياسي المنظم تحت مظلة العروبة.

يشير الديب إلى أن التحولات السياسية أثرت بشكل مباشر على التركيبة الاجتماعية، حيث ارتبط أهالي غزة عاطفياً وسياسياً بالقيادة المصرية. وقد ساهم حصول مصر على أسلحة حديثة ومشروعات الوحدة في تعزيز شعبية التيار القومي، مما دفع حركات أخرى مثل الإخوان المسلمين إلى الانتقال للعمل السري في تلك الحقبة نتيجة التغير في موازين القوى الشعبية.

في عام 1962، وجد القائد الراحل ياسر عرفات في سياسات عبد الناصر بيئة خصبة لإعلان النظام الدستوري للقطاع. وانطلق عرفات من مبدأ ضرورة اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم في تحرير وطنهم، وهو ما اعتبره المؤلف عاملاً رئيساً في دفع الأمة العربية نحو مواجهة مباشرة وأكثر جدية مع الاحتلال الإسرائيلي لحسم مصير القضية.

اقتصادياً، شهد قطاع غزة في الستينيات 'عصراً ذهبياً' من الازدهار التجاري، مستفيداً من تسهيلات واسعة في قيود التجارة الخارجية. وتحول القطاع إلى مركز تسويقي جاذب للمصريين، كما ساهمت القوة الشرائية لقوات الطوارئ الدولية المتمركزة هناك في تنشيط الحركة المالية، رغم التحديات التي واجهت قطاعي الصناعة والثروة السمكية بسبب نقص التمويل والقيود الإسرائيلية.

اعتمد اقتصاد غزة حينها بشكل أساسي على 'السلعة الواحدة'، حيث شكلت الحمضيات نحو 90% من إجمالي الصادرات. ويوثق الكتاب قفزة نوعية في الإنتاج، إذ ارتفعت الصادرات من 500 ألف صندوق عام 1960 إلى مليون ونصف المليون عام 1966، وهو واقع يتناقض بشكل مأساوي مع ما يشهده القطاع اليوم من تجريف للأراضي الزراعية وسياسة تجويع ممنهجة.

في قطاع التعليم، تقاسمت الإدارة المصرية المسؤولية مع وكالة 'الأونروا'، حيث تولت الحكومة المصرية تأمين التعليم بكافة مراحله للمواطنين، بالإضافة إلى التدريب المهني وإعداد المعلمين. ويذكر المؤلف أن مصر كانت تدفع مبالغ لدعم تعليم أبناء اللاجئين في المدارس الثانوية، مما ساهم في بناء جيل متعلم ومثقف رغم ظروف اللجوء الصعبة.

لم يغفل الكتاب الجانب الديني والثقافي، حيث تم افتتاح المعهد الأزهري في غزة عام 1958 بناءً على طلب وجهاء القطاع وبتوجيه من الرئيس عبد الناصر. وجاءت هذه الخطوة للتصدي لحملات التبشير والأفكار الغربية التي كانت تحاول التغلغل عبر بعض المؤسسات الدولية، وليكون المعهد منارة للتعليم الديني التابع للأزهر الشريف في قلب فلسطين.

صحياً، كان للإدارة المصرية دور ريادي في تأسيس البنية التحتية الطبية التي ما زالت قائمة حتى اليوم. فقد تم افتتاح مستشفى ناصر في خانيونس عام 1959، وتبعه مستشفى الشفاء في غزة، وتم تزويدهما بأحدث التجهيزات الطبية آنذاك، وهي المؤسسات التي تتعرض اليوم للقصف والحصار المستمر خلال حرب الإبادة الجارية.

يتناول الكتاب أيضاً قضية اللاجئين داخل الأراضي المصرية، مسلطاً الضوء على مأساة قبيلة 'العزازمة' التي طردها الاحتلال عام 1959. ورغم اعتراف الجهات الدولية بصفة اللجوء عليهم، إلا أن 'الأونروا' رفضت إعالتهم بحجج ميزانية، مما دفع الحكومة المصرية لتجميعهم وإسكانهم في معسكرات تابعة للقوات المسلحة وتوفير احتياجاتهم الأساسية.

ختاماً، يستعرض المؤلف الأيام الأخيرة للإدارة المصرية قبيل حرب 1967، موضحاً دور قوات الطوارئ الدولية وتوزيعها الجغرافي. ويؤكد أن انسحاب هذه القوات مهد الطريق للعدوان الإسرائيلي، حيث صمدت المقاومة الفلسطينية والمصرية في خانيونس ورفح ببسالة أمام 'خطة تال' العسكرية، قبل أن يتمكن الاحتلال من السيطرة على القطاع وعزله عن العمق المصري.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 1:26 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة السيولة تخنق غزة: الاحتلال يمنع دخول النقد والمواطنون يرممون عملاتهم الممزقة

يستقبل سكان قطاع غزة شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل أزمة سيولة نقدية غير مسبوقة، حيث بات الحصول على ورقة نقدية صالحة للتداول معضلة يومية تفوق في صعوبتها البحث عن السلع الأساسية. ويستمر الاحتلال الإسرائيلي في سياسة منع إدخال الأوراق النقدية الجديدة إلى القطاع منذ بدء العدوان، مما أدى إلى شلل شبه تام في المنظومة المصرفية وتحول الأرصدة البنكية إلى أرقام رقمية لا يمكن صرفها.

أفادت مصادر ميدانية في مدينة خان يونس أن المصارف المحلية توقفت بشكل كامل عن تنفيذ عمليات السحب والإيداع النقدي، واقتصر نشاطها على تقديم خدمات إدارية وورقية محدودة للمراجعين. هذا الواقع دفع المواطنين للاعتماد القسري على التطبيقات البنكية والتحويلات الرقمية، إلا أن هذه الوسائل لم تنجح في حل الأزمة نظراً لاعتماد الأسواق الشعبية والبسطات بشكل أساسي على الدفع النقدي المباشر.

وفي ظل غياب العملات الجديدة، انتشرت في أسواق غزة ظاهرة 'بسطات ترميم العملات'، حيث يعمل فتية وشبان على إعادة لصق الأوراق النقدية المهترئة والممزقة باستخدام مواد لاصقة بدائية. وتحولت هذه المهنة إلى مشهد يومي يهدف لإطالة العمر التداولي للعملات التي يرفض التجار تسلمها بسبب حالتها المتردية، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من قدرة شرائية لدى العائلات.

أكدت مصادر محلية من مدينة غزة أن الأزمة تتفاقم للعام الثالث على التوالي، حيث أدى منع دخول النقد إلى ضغط هائل على الكتلة النقدية المتهالكة المتداولة داخل القطاع. ويصطف المواطنون يومياً أمام فروع بنك فلسطين في طوابير طويلة، رغم إدراكهم المسبق بعدم توفر السيولة، أملاً في حدوث انفراجة تمكنهم من سحب مخصصاتهم المالية لتأمين احتياجات عائلاتهم.

المفارقة المؤلمة تكمن في أن العديد من الغزيين يمتلكون حوالات مالية مرسلة من أقاربهم في الخارج، لكنهم يواجهون صعوبات بالغة في تحويلها إلى نقد فعلي. ويضطر المواطنون لدفع نسب مئوية مرتفعة جداً لوسطاء أو تجار في السوق السوداء مقابل الحصول على 'الكاش'، مما يعني خسارة جزء كبير من قيمة الحوالة قبل وصولها ليد المستفيد.

من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن القطاع المصرفي في غزة يعد من أكثر القطاعات تضرراً جراء الحرب المستمرة، مشيراً إلى أن تكلفة إعادة إعمار البنية التحتية المالية تتجاوز 42 مليون دولار. وأضاف أن القيود المفروضة على الحوالات البنكية اشتدت بشكل ملحوظ، حيث يتم رفض العديد من التحويلات أو تجميد الحسابات تحت ذرائع مختلفة تتعلق بمصادر الأموال.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن خسائر الأصول الائتمانية والنقدية في القطاع تجاوزت حاجز 325 مليون دولار خلال العامين الماضيين، وهو رقم يعكس حجم الانهيار في الدورة المالية. هذا الانكماش الحاد أدى إلى تآكل رأس المال الوطني وزيادة معدلات الفقر، في ظل غياب أي تدخلات دولية فاعلة لإلزام الاحتلال بضخ السيولة النقدية اللازمة.

وشدد أبو قمر على أن سياسة منع إدخال السيولة تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية باريس الاقتصادية، التي تنظم العلاقة المالية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال. وتنص الاتفاقية بوضوح على ضرورة إدخال الكميات اللازمة من النقد للأراضي الفلسطينية وإدارة الفائض منها، وهو ما يتجاهله الاحتلال تماماً في إطار سياسة التضييق الاقتصادي الشامل على سكان القطاع.

وأدى ترك السوق الغزية دون ضخ نقدي رسمي إلى نشوء سوق سوداء منظمة تتحكم بأسعار صرف العملات والسيولة، مما يرفع تكلفة المعيشة على المستهلكين ويزيد الأعباء على التجار. هذه السوق الموازية تستغل حاجة الناس الماسة للنقد لتوفير احتياجاتهم اليومية، مما يخلق طبقة من المستفيدين من الأزمة على حساب معاناة المواطنين العامة.

علاوة على ذلك، يفرض الاحتلال قيوداً مشددة على المبالغ النقدية التي يمكن للمسافرين العائدين إدخالها عبر المعابر، حيث لا يسمح بتجاوز سقف الألف دولار للشخص الواحد. هذه السياسة تهدف عملياً إلى منع أي تدفقات نقدية فردية يمكن أن تساهم في تخفيف حدة الأزمة، وتعمل على سحب الكتلة النقدية المتبقية من السوق بشكل تدريجي ومنظم.

ختاماً، يبقى المواطن الغزي هو الحلقة الأضعف في هذه الحرب الاقتصادية، حيث يجد نفسه محاصراً بين أرصدة بنكية مجمدة وعملات ورقية تالفة لا تسمن ولا تغني من جوع. ومع اقتراب المناسبات الدينية والاجتماعية، تزداد المطالبات بضرورة الضغط الدولي لفتح القنوات المالية وإدخال النقد، لضمان استمرار الحد الأدنى من الحياة الاقتصادية في القطاع المنكوب.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 1:17 مساءً - بتوقيت القدس

مؤتمر "التعليم من منظور تنموي: مسارات في الصمود والبقاء" ،، حين يتحول التعليم إلى شرط وجود.

حضوري مؤتمر "التعليم من منظور تنموي: مسارات في الصمود والبقاء"، الذي عُقد في رام الله يوم 16 شباط 2026، بدعوة من الائتلاف التربوي الفلسطيني وبمشاركة وزارة التربية والتعليم العالي ومؤسسات أكاديمية وتربوية وطنية، لم يكن مجرد مشاركة في فعالية أكاديمية، بل كان مواجهة مباشرة مع سؤال وجودي يتعلق بمصير المجتمع نفسه.

 لقد جاء هذا المؤتمر، كما ورد في رسالة الدعوة الرسمية، في إطار السعي إلى "المضي قدما نحو منظومة تعليمية داعمة لتنمية مستدامة تدعم الصمود والبقاء في فلسطين"، وهو ما يعكس بوضوح أن التعليم لم يعد يُنظر إليه كقطاع خدمي فقط، بل كأحد الأعمدة الأساسية لحماية المجتمع وإعادة إنتاج قدرته على الاستمرار. 

ما سمعناه خلال المؤتمر، من مداخلات فكرية ومؤسسية وتنفيذية، كشف بوضوح أن التعليم الفلسطيني لم يعد يعمل ضمن تعريفه التقليدي كنظام يهدف إلى نقل المعرفة، بل تحول إلى بنية استراتيجية لإعادة إنتاج المجتمع نفسه تحت ظروف الاستهداف وعدم الاستقرار. لم يعد الحديث عن مدارس ومناهج فقط، بل عن قدرة شعب بأكمله على إعادة تنظيم علاقته بالمعرفة، وعلى تحويل الانقطاع إلى استمرارية، والتهديد إلى فرصة لإعادة البناء. لقد طُرح التعليم بوصفه أداة لحماية الوعي، وصيانة الهوية، وإعادة بناء الإمكانية المجتمعية، في مواجهة محاولات التعطيل والتفكيك.

في مداخلته الافتتاحية، أكد رئيس المؤتمر د.رفعت الصباح أن التعليم في فلسطين لم يعد شأنا قطاعيا، بل مشروعا وطنيا تنمويا متكاملًا، وأن الحفاظ عليه هو جزء من معركة الحفاظ على المجتمع نفسه. هذا الطرح لم يكن خطابا تعبويا، بل رؤية استراتيجية ترى التعليم كركيزة للصمود الوطني، وكأداة لإعادة إنتاج القدرة المجتمعية على الفعل، محذرًا من خطر تحويل التعليم إلى عملية شكلية تستمر إداريا لكنها تفقد قدرتها على التأثير الحقيقي.

وفي السياق التنفيذي، عكست مداخلة أ.د.أمجد برهم وزير التربية والتعليم العالي إدراكًا مؤسسيا عميقا بأن التعليم يجب أن يستمر رغم الظروف، وليس بعدها. ما عُرض من إجراءات، مثل إطلاق نماذج تعليمية مرنة، واستمرار العملية التعليمية رغم القيود الجغرافية، وتطوير أدوات جديدة لضمان وصول الطلبة إلى التعليم، كشف أن النظام التعليمي الفلسطيني بدأ يتحول من نموذج يعتمد على البنية التقليدية فقط، إلى نموذج أكثر مرونة وقدرة على التكيف. هذا التحول لم يكن خيارًا نظريا، بل استجابة استراتيجية لواقع يفرض إعادة التفكير في طبيعة التعليم نفسه.

ومن زاوية الدور الأكاديمي، أكدت مداخلات القيادات الجامعية أن الجامعات الفلسطينية لم تعد مجرد مؤسسات تمنح شهادات، بل أصبحت منصات لإنتاج المعرفة وتطوير الحلول. جرى التأكيد على أهمية ربط التعليم بالبحث العلمي التطبيقي، وتعزيز الابتكار، وبناء شراكات أكاديمية قادرة على تطوير المعرفة في سياق يخدم التنمية الوطنية. كما برز إدراك واضح بأن التعليم في السياق الفلسطيني لم يعد منفصلًا عن الاقتصاد، بل أصبح أحد شروطه الأساسية، خاصة في ظل محدودية السيطرة على الموارد، حيث تصبح المعرفة أحد أهم مصادر القوة الممكنة.

أما الطرح الذي تناول العلاقة بين التعليم والتنمية، فقد أعاد تعريف التعليم التنموي باعتباره عملية لا تُقاس بعدد الصفوف أو الشهادات، بل بقدرته على إحداث تحول حقيقي في قدرة الإنسان على التفكير والفعل والمبادرة.

 التعليم، وفق هذا الفهم، ليس مجرد نقل معرفة، بل بناء قدرة. وهو لا يكتسب قيمته من شكله المؤسسي فقط، بل من أثره في تمكين الإنسان وتعزيز قدرته على المشاركة في بناء مجتمعه.

ولم يقتصر المؤتمر على المداخلات الخطابية، بل تضمن عرض عدد من الأبحاث والدراسات العلمية التي تناولت قضايا محورية، من بينها التعليم في حالات الطوارئ، والتعليم المرن، ودور التكنولوجيا في ضمان استمرارية التعلم، والعلاقة بين التعليم والتنمية الاقتصادية، وآليات تطوير السياسات التعليمية في ظل الأزمات. هذه الأبحاث عكست انتقال النقاش من مستوى التوصيف إلى مستوى التحليل، ومن مستوى رد الفعل إلى مستوى بناء الرؤية. لقد قدمت نماذج عملية ومقاربات علمية تسهم في إعادة تصميم النظام التعليمي ليكون أكثر قدرة على الاستمرار، وأكثر ارتباطًا بحاجات المجتمع.

ما كشفه هذا المؤتمر بوضوح هو أن التعليم الفلسطيني يدخل مرحلة إعادة تعريف عميقة لوظيفته. 

لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أصبح أداة لإعادة إنتاج القدرة المجتمعية، وآلية لتعويض اختلالات بنيوية في الاقتصاد والسيادة، ومنصة للحفاظ على الاستمرارية المجتمعية. نحن نشهد انتقالًا من نموذج تعليمي قائم على الاستقرار، إلى نموذج تعليمي تكيفي مرن، قادر على إعادة تنظيم ذاته تحت ظروف عدم الاستقرار. هذا النموذج لا يهدف فقط إلى النجاة، بل إلى إعادة تعريف التعليم نفسه ليصبح أداة لبناء القدرة، وليس فقط للحفاظ على الاستمرارية.

ما خرجت به من هذا المؤتمر ليس فقط تقديرًا للجهود التي تبذلها المؤسسات التعليمية، بل إدراكًا أعمق لطبيعة اللحظة التي نعيشها. في الحالة الفلسطينية، لم يعد التعليم مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل أصبح أحد الشروط الأساسية لقدرة المجتمع على الاستمرار. حين يُستهدف التعليم، يُستهدف المستقبل نفسه. وحين يستمر التعليم رغم ذلك، فإنه لا يحافظ فقط على المعرفة، بل يحافظ على إمكانية وجود المجتمع ذاته.

لقد نجح هذا المؤتمر في نقل النقاش حول التعليم من مستوى إدارة الأزمة إلى مستوى إعادة تعريف الدور. وأجدد شكري العميق للقائمين عليه، الذين أسهموا في فتح نقاش وطني مسؤول حول مستقبل التعليم، ليس بوصفه قضية تربوية فقط، بل بوصفه قضية وجود، ورافعة تنمية، وأحد أهم شروط البقاء الفلسطيني.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 12:57 مساءً - بتوقيت القدس

خناق أمريكي مشدد على كوبا: استهداف العملة الصعبة والخدمات الطبية

تواجه كوبا مرحلة حرجة من التضييق الاقتصادي مع تزايد الضغوط الأمريكية الرامية إلى تجفيف منابع العملات الأجنبية التي تغذي خزينة الدولة. وتأتي هذه التحركات في وقت تعيد فيه عدة دول النظر في اتفاقياتها مع هافانا، خاصة فيما يتعلق باستقدام البعثات الطبية الكوبية، وذلك تحت وطأة التهديدات والضغوط المباشرة من واشنطن.

تعتبر الخدمات الطبية المصدر الأول والأساسي للعملة الصعبة في الجزيرة، حيث كشفت الأرقام الرسمية أن الدخل المحول من هذه البعثات وصل إلى نحو سبعة مليارات دولار خلال عام 2025. وتنتشر هذه الكوادر في أكثر من 56 دولة حول العالم، حيث يمارس نحو 24 ألف متخصص مهامهم، يتركز أكثر من نصفهم في فنزويلا التي لا تزال تحافظ على وضعهم رغم التغيرات السياسية.

بدأت استراتيجية الضغط الأمريكية تؤتي ثمارها في دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث أنهت غواتيمالا مؤخراً اتفاقية تعاون طبي استمرت لأكثر من عقدين ونصف. كما شهد شهر ديسمبر الماضي قطع أنتيغوا وبربودا لتحالفها التاريخي مع هافانا، مما يشير إلى تراجع نفوذ الدبلوماسية الطبية الكوبية في المنطقة تحت وطأة العقوبات.

في سياق متصل، أعلنت غويانا عن توجه جديد يقضي بدفع رواتب الأطباء الكوبيين بشكل مباشر بعيداً عن الاتفاقيات الموقعة مع الحكومة الكوبية. وصرح وزير الصحة في غويانا بأن هذه الخطوة تهدف لضمان تقاضي الأطباء مستحقاتهم مباشرة، وهو ما يمثل ضربة لآلية تحصيل الحكومة الكوبية لجزء من هذه الرواتب كعائدات دولية.

يمثل الحظر النفطي الذي فرضته واشنطن منذ التاسع من يناير الماضي تهديداً وجودياً لقطاع السياحة، الذي يعد المحرك الثاني للاقتصاد الكوبي. ويمنع هذا الحظر دخول ناقلات النفط إلى الموانئ الكوبية، مما أدى إلى أزمة وقود حادة شلت حركة النقل وأثرت بشكل مباشر على المرافق السياحية التي توظف مئات الآلاف.

تضرر قطاع السياحة بشكل تراكمي منذ جائحة كوفيد-19، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض الإيرادات بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2019. وقد أدى النقص الحاد في وقود الطائرات 'الكيروسين' إلى دفع شركات طيران كبرى من كندا وروسيا وأمريكا اللاتينية إلى تعليق رحلاتها الجوية نحو الجزيرة بشكل كامل.

أصدرت خمس دول على الأقل تحذيرات لمواطنيها تنصحهم بعدم السفر إلى كوبا في ظل الأوضاع الراهنة ونقص الخدمات الأساسية. ويصف أصحاب المنشآت السياحية في مدن تاريخية مثل ترينيداد الوضع بالهادئ والمقلق، حيث توقفت الحركة السياحية المعتادة وشهدت الحجوزات المستقبلية موجة إلغاءات واسعة.

على صعيد الحوالات المالية، تلاشت القنوات الرسمية التي كان يعتمد عليها الكوبيون في الخارج لإرسال الدعم المالي لعائلاتهم داخل الجزيرة. ومنذ تعليق شركة ويسترن يونيون لخدماتها، بات الاعتماد كلياً على وسطاء غير رسميين ينقلون الأموال والبضائع يدوياً عبر رحلات جوية من ميامي، وهي رحلات مهددة بالإلغاء أيضاً.

تتصاعد المطالبات داخل الولايات المتحدة، خاصة من قبل نواب جمهوريين، لإغلاق كافة المسارات الجوية المتبقية مع كوبا. ويهدف هؤلاء من خلال هذه المطالب إلى تشديد الحصار على ما يصفونه بالنظام القمعي، ومنع وصول أي سيولة نقدية قد تساهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد.

لم تقتصر الأزمة على الخدمات والسياحة، بل امتدت لتطال قطاع التبغ الشهير الذي يعد رمزاً اقتصادياً لكوبا ومصدراً مهماً للسيولة. ففي عام 2024، حققت مبيعات السيجار أكثر من 800 مليون دولار، لكن النقص الحاد في الوقود بات يهدد عمليات الحصاد والري في المناطق الزراعية الرئيسية غرب البلاد.

يعاني مزارعو التبغ من صعوبات بالغة في تشغيل معدات الري وجمع المحاصيل بسبب انعدام البنزين والديزل في الأسواق المحلية. ورغم محاولات الدولة توفير حلول بديلة مثل الألواح الشمسية لعمليات الري، إلا أن الحاجة للوقود التقليدي تظل قائمة لإتمام الدورة الإنتاجية والتصديرية لهذا المنتج الحيوي.

تلقى الاقتصاد الكوبي ضربة إضافية بإلغاء مهرجان السيجار السنوي الذي كان مقرراً في نهاية فبراير، وهو حدث يدر ملايين الدولارات عبر المزادات العالمية. وكانت عائدات هذا المزاد في العام الماضي قد تجاوزت 19 مليون دولار، وهي مبالغ تخصصها الحكومة عادة لدعم قطاع الرعاية الصحية المتهالك.

أفادت مصادر محلية بأن القطاع الصحي اضطر بالفعل إلى تقليص العديد من أنشطته غير الأساسية نتيجة نقص التمويل والموارد الطبية. ويأتي هذا التراجع في وقت تشتد فيه الحاجة للسيولة النقدية لتوفير الأدوية والمستلزمات الأساسية التي تعاني الجزيرة من نقص حاد فيها منذ أشهر طويلة.

تستمر واشنطن في مراقبة كافة المداخل المالية لكوبا بدقة متناهية، محاولة سد أي ثغرات قد تسمح للنظام بالبقاء اقتصادياً. ومع تداخل أزمات الوقود والعملة وتراجع الصادرات التقليدية، تجد هافانا نفسها أمام خيارات ضيقة جداً لمواجهة واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 12:57 مساءً - بتوقيت القدس

إحباط تهريب كميات كبيرة من التبغ لغزة عبر معبر كرم أبو سالم

كشفت مصادر إعلامية، اليوم الاثنين، عن إحباط محاولة تهريب كميات ضخمة من مادة التبغ كانت في طريقها إلى قطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، في عملية وُصفت بأنها غير اعتيادية من حيث طريقة التنفيذ.

وأوضحت المصادر أن الشحنة التي قدرت بمئات الكيلوغرامات، كانت مخبأة بأسلوب احترافي داخل صفائح مخصصة لمعلبات 'ورق العنب'، حيث تم ضبطها على متن شاحنة تعود لشركة إسرائيلية كانت تورد بضائع لصالح أحد التجار في القطاع.

وعلى إثر ذلك، اتخذت سلطات الاحتلال إجراءات فورية شملت مصادرة الشاحنة وحمولتها بالكامل، فيما أصدر ما يسمى بـ'منسق أعمال الحكومة' قراراً بمنع الشركة الإسرائيلية المسؤولة عن الشحنة من ممارسة أي نشاط تجاري أو إدخال بضائع لغزة لأجل غير مسمى.

عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 12:26 مساءً - بتوقيت القدس

مباحثات هاتفية بين بن زايد وميتسوتاكيس وتأجيل زيارة رئيس وزراء اليونان للإمارات

أفادت مصادر رسمية بأن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أجرى اتصالاً هاتفياً يوم الإثنين مع رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس. وتركزت المحادثات على استعراض مسارات التعاون الثنائي وسبل تطوير الشراكة الاستراتيجية القائمة بين أبوظبي وأثينا في مختلف المجالات الحيوية.

وذكرت المصادر أن الزعيمين شددا خلال الاتصال على الالتزام المشترك بتعزيز التنسيق لتحقيق تطلعات البلدين، كما تبادلا وجهات النظر حول جملة من الملفات الإقليمية والدولية. وأكد الطرفان على ضرورة اعتماد الحوار والحلول الدبلوماسية كركيزة أساسية لفض النزاعات وضمان الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

وفي سياق متصل، أعلن مكتب رئيس الوزراء اليوناني عن قرار مفاجئ بتأجيل الزيارة الرسمية التي كان من المفترض أن يقوم بها ميتسوتاكيس إلى دولة الإمارات يوم الثلاثاء. وأشارت تقارير إعلامية يونانية إلى أن السفر قد أُلغي في الوقت الراهن دون تحديد موعد بديل، مما أثار تساؤلات حول أسباب هذا التأجيل المفاجئ.

وتأتي هذه التطورات بعد يوم واحد من اتصال هاتفي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الإماراتي للاطمئنان على وضعه الصحي. وكانت مصادر تركية قد أشارت في البداية إلى أن الحالة الصحية للشيخ محمد بن زايد كانت السبب وراء إرجاء زيارة مقررة للرئيس التركي، قبل أن تقوم الرئاسة في أنقرة بحذف تلك الإشارات من بياناتها الرسمية لاحقاً.

وتراقب الأوساط الدبلوماسية هذه التحركات المكثفة في ظل الحديث عن الحالة الصحية للرئيس الإماراتي، رغم استمرار الأنشطة البروتوكولية والاتصالات الهاتفية الرسمية. ويسعى البلدان، الإمارات واليونان، من خلال هذه الاتصالات إلى التأكيد على متانة الروابط الاقتصادية والسياسية التي تجمعهما بعيداً عن أي عوائق طارئة قد تؤثر على جدول الزيارات المتبادلة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 12:26 مساءً - بتوقيت القدس

تقنيات سيبرانية إسرائيلية تحول السيارات الحديثة إلى أدوات للتجسس والملاحقة

كشفت مصادر إعلامية عبرية عن توجه متصاعد لدى شركات التكنولوجيا في دولة الاحتلال لتطوير وبيع أدوات سيبرانية متقدمة مخصصة لاختراق الأنظمة الإلكترونية داخل المركبات الحديثة. وتهدف هذه التقنيات، التي باتت تُعرف بمصطلح 'CARINT' أو استخبارات المركبات، إلى تحويل السيارات إلى منصات جمع معلومات استخبارية دقيقة تخدم أجهزة أمنية وجهات استخباراتية دولية.

وأوضح التقرير أن هذا التحول التقني يأتي بالتوازي مع الطفرة في مجالات الذكاء الاصطناعي وربط المركبات بشبكات التخزين السحابي، مما جعل السيارات الحديثة بمثابة حواسيب متنقلة. هذا الارتباط الدائم بالإنترنت خلق ثغرات أمنية واسعة تتيح للمخترقين الوصول إلى بيانات حساسة تتعلق بخصوصية السائقين وتحركاتهم اليومية دون علمهم.

ومن أبرز الشركات التي ورد ذكرها في هذا السياق شركة 'توكا'، التي نجحت في تطوير منتج استخباري تم تسويقه بالفعل لعدة جهات، حيث يمتلك القدرة على اختراق نظام الوسائط المتعددة 'المالتيميديا'. وتسمح هذه الأداة بتحديد الموقع الجغرافي الدقيق للمركبة وتتبع مساراتها، بالإضافة إلى إمكانية تفعيل الكاميرات المدمجة والميكروفونات للتنصت المباشر على ما يدور داخل المقصورة.

في سياق متصل، برز اسم شركة 'ريزون' كواحدة من الجهات التي تمتلك تكنولوجيا قادرة على اختراق سماعات الرأس المرتبطة بالمركبة واستخدامها كأدوات تنصت. والمثير للاهتمام أن هذه التقنية تعتمد على بيانات غير تقليدية للملاحقة، مثل مراقبة أنظمة ضغط الإطارات، مما يعكس مستوى التعقيد الذي وصلت إليه أدوات التجسس الإسرائيلية في هذا المجال.

ولم تقتصر هذه الأنشطة على الشركات الناشئة فحسب، بل امتدت لتشمل مؤسسات كبرى مثل شركة 'أتيروس' التي طورت أدوات متخصصة في استخبارات السيارات. كما دخلت شركة 'إلتا'، التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، على خط المنافسة عبر تطوير منتجات مماثلة تهدف إلى تعزيز قدرات الاختراق والوصول إلى البيانات المخزنة في الأنظمة السحابية للمركبات.

ويرى خبراء أمنيون أن هذه التطورات تفرض تحديات جسيمة على مفهوم الأمن الشخصي وخصوصية البيانات في العصر الرقمي، خاصة مع تزايد اعتماد المستهلكين على السيارات الذكية. إن قدرة هذه الأدوات على العمل في الخلفية دون إظهار أي علامات نشاط تجعل من الصعب على المستخدمين العاديين اكتشاف تعرضهم للاختراق أو المراقبة المستمرة.

وتشير المعطيات إلى أن سوق الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلي بدأ يركز بشكل مكثف على قطاع النقل كونه يمثل منجماً للمعلومات السلوكية والمكانية. ومع استمرار تطوير هذه الأدوات، تزداد المخاوف من استخدامها في عمليات ملاحقة سياسية أو تجسس صناعي، مما يتطلب مراجعة شاملة لمعايير الأمان في صناعة السيارات العالمية.

فلسطين

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 12:12 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال يمدد اعتقال صحفية مقدسية بتهمة التعاون مع شبكة إعلامية

أصدرت محكمة الصلح التابعة للاحتلال في مدينة القدس المحتلة قراراً يقضي بتمديد اعتقال الصحفية الفلسطينية المستقلة شيرين العبيد لمدة ثلاثة أيام إضافية. وجاء هذا القرار بعد أن وجهت شرطة الاحتلال للصحفية تهمة تقديم خدمات لمنظمة توصف بأنها 'إرهابية' وفق التصنيفات الإسرائيلية، وذلك على خلفية نشاطها المهني في توثيق الأحداث الميدانية.

وتعود تفاصيل القضية إلى يوم الأحد الماضي، عندما أقدمت قوات الاحتلال على توقيف العبيد أثناء سيرها في أحد شوارع القدس الشرقية. وزعمت مصادر عبرية أن الصحفية كانت ترسل مقاطع فيديو إخبارية لشبكة 'القسطل' الإعلامية، وهي المنصة التي وضعها وزير أمن الاحتلال السابق يوآف غالانت على قوائم الحظر في أواخر عام 2023.

وأفادت تقارير صحفية بأن المواد المصورة التي استندت إليها لائحة الاتهام لا تتضمن أي محتوى تحريضي أو دعوات للعنف، بل هي مجرد توثيق لأحداث عامة. ومع ذلك، تصر سلطات الاحتلال على ملاحقة الصحفيين المقدسيين الذين يزودون المنصات المحلية بالمحتوى الإخباري، في محاولة للتضييق على الرواية الفلسطينية في المدينة المقدسة.

وخلال جلسة المحكمة، طالبت شرطة الاحتلال بتمديد توقيف العبيد لمدة سبعة أيام لاستكمال التحقيقات، مدعية وجود خطورة أمنية في نشاطها. إلا أن القاضي 'غد أرنبرغ' قرر الاكتفاء بثلاثة أيام فقط، مشيراً إلى أن الرواية التي قدمتها الصحفية تحتاج إلى فحص وتدقيق قانوني قبل اتخاذ إجراءات أطول أمداً.

من جانبه، انتقد المحامي محمد محمود، الموكل بالدفاع عن العبيد، سلوك النيابة والشرطة، مؤكداً أن ممثل الادعاء حاول تضليل المحكمة عبر الإيحاء بأن المواد المنشورة حديثة جداً. وأوضح محمود أن المقاطع موضوع التحقيق تعود إلى نهاية العام الماضي وبداية شهر يناير، مما ينفي صفة الاستعجال أو الخطورة المزعومة.

وتساءل الدفاع عن سبب لجوء الاحتلال إلى الاعتقال الميداني المباشر بدلاً من الاستدعاء الرسمي للتحقيق، خاصة وأن هناك أمر اعتقال غيابي صدر بحقها منذ شهر كامل دون تنفيذه. واعتبر المحامي أن هذا التراخي في التنفيذ يثبت أن الأجهزة الأمنية لم تكن ترى في الصحفية أي تهديد حقيقي طوال الأسابيع الماضية.

وأشار المحامي محمود إلى أنه كان من الأجدى إبلاغ الصحفية رسمياً بحظر التعامل مع تلك الشبكة الإعلامية إذا كان الهدف هو تطبيق القانون، وليس مباغتتها بالاعتقال. وشدد على أن موكلته تعمل بشكل مستقل ولم تكن بالضرورة على دراية كاملة بالتصنيفات القانونية المعقدة التي يفرضها الاحتلال على المؤسسات الإعلامية.

وفي سياق متصل، ذكرت مصادر مطلعة أن شبكة 'القسطل' المستهدفة تواصل عملها الصحفي بالاعتماد على مواد مفتوحة المصدر وتقارير ميدانية من القدس والضفة الغربية. ويأتي استهداف المتعاونين معها في إطار حملة أوسع تشنها سلطات الاحتلال ضد المؤسسات الإعلامية التي تنقل انتهاكات المستوطنين واقتحامات المسجد الأقصى.

وعلى الرغم من تقديم طعن ضد قرار التمديد، إلا أن المحكمة المركزية في القدس رفضت الاستئناف المقدم من هيئة الدفاع، وأيدت قرار محكمة الصلح. ويعني هذا القرار بقاء الصحفية العبيد في مراكز التوقيف تحت وطأة التحقيق المستمر، مما يثير مخاوف حقوقية بشأن ظروف احتجازها وحرمانها من ممارسة عملها.

وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال بات يستخدم تهمة 'تقديم خدمات لمنظمات إرهابية' كذريعة قانونية لملاحقة كل من يساهم في نقل الخبر من داخل القدس. وتستهدف هذه السياسة بشكل مباشر الصحفيين المستقلين الذين لا يتمتعون بحماية مؤسساتية كبرى، مما يجعلهم عرضة للاعتقال والتنكيل المستمر.

وتؤكد مراكز حقوقية أن ملاحقة شيرين العبيد تندرج ضمن سياسة 'تكميم الأفواه' الممنهجة في المدينة المقدسة، حيث يتم تجريم العمل الصحفي المهني. وتعتبر هذه المراكز أن تصنيف المؤسسات الإعلامية كمنظمات إرهابية هو أداة سياسية تهدف إلى عزل القدس عن محيطها العربي والدولي إعلامياً.

يُذكر أن الصحفية العبيد كانت قد وثقت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الأحداث الهامة في القدس، بما في ذلك التضييقات على المصلين وهدم المنازل. ويبدو أن هذا النشاط الميداني المكثف هو السبب الحقيقي وراء ملاحقتها، بعيداً عن التبريرات الأمنية التي تسوقها أجهزة المخابرات في قاعات المحاكم.

وفي ختام الجلسة، أكد القاضي أن الصحفية لم تنكر إرسال المقاطع المصورة، لكنه أقر بأن هذا الاعتراف لا يكفي وحده لإثبات القصد الجنائي المرتبط بدعم الإرهاب. ومع ذلك، أبقى على قرار التوقيف بدعوى 'الاشتباه المعقول'، وهو مصطلح قانوني فضفاض يستخدمه الاحتلال لتبرير الاعتقالات الإدارية والمؤقتة.

وتنتظر الأوساط الصحفية في القدس ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وسط دعوات لتوفير حماية دولية للصحفيين الفلسطينيين الذين يواجهون خطر الاعتقال اليومي. وتبقى قضية العبيد نموذجاً صارخاً للتحديات التي يواجهها الإعلاميون في ظل قوانين الطوارئ والتصنيفات الأمنية الجائرة التي يفرضها الاحتلال.

تحليل

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

أفول زمن 'نشرة الثامنة': كيف فقد التلفزيون الجزائري سطوته السياسية والاجتماعية؟

شهدت الجزائر لعقود حقبة كان فيها التلفزيون الرسمي هو الصانع الأول للنجومية والوجاهة الاجتماعية، حيث لم تكن الشاشة اليتيمة مجرد وسيلة إعلامية، بل كانت جسراً مباشراً نحو المناصب العليا في الدولة. ويروي التاريخ القريب قصصاً لمذيعين ومقدمي برامج تسلية تحولوا إلى نواب في البرلمان ووزراء وسفراء، مستفيدين من حالة الاحتكار التي جعلت وجوههم مألوفة في كل بيت جزائري، لدرجة أن الانتماء الجغرافي لبعض الشخصيات كان يُعرف بمدى قربهم من مسقط رأس مذيع 'نشرة الثامنة'.

هذه الهيمنة لم تكن مرتبطة دوماً بالاحترافية بقدر ارتباطها بغياب البديل؛ فالمشاهد كان مرغماً على المتابعة، مما حول المذيعين إلى أيقونات تفوق شهرتها كبار الرياضيين والفنانين. وكانت نشرة الثامنة مساءً هي الموعد المقدس الذي تلتف حوله العائلات، مما منح القائمين عليها سلطة رمزية جعلت الجامعات تستضيفهم كمحاضرين يتفوقون في حضورهم على الأساتذة الأكاديميين، وسط أساطير شعبية كانت تربطهم بدوائر صنع القرار في الرئاسة.

ومع انفتاح الفضاء السمعي البصري وظهور القنوات الخاصة، تشتت انتباه المشاهد الجزائري ودخل في حالة من 'تخمة الأخبار'. لم يعد المواطن ينتظر ساعة محددة ليعرف ما يدور في بلاده، إذ تتدفق المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة. هذا التحول أدى إلى ذوبان نجومية المذيعين الذين باتوا وجوهًا عادية تتشابه في طرحها، وفقدت 'نشرة الثامنة' وهجها القديم، ولم يعد بإمكان الشاشة الرسمية اليوم صناعة نخب سياسية أو برلمانية كما كان يحدث في السابق.

الانهيار لم يتوقف عند قطاع الأخبار، بل امتد للتعليق الرياضي الذي فقد بريقه مع خسارة التلفزيون العمومي لحقوق بث الدوريات الكبرى، واقتصاره على الدوري المحلي. إن المشهد الحالي في الجزائر يعكس نهاية عصر 'الريموت كنترول' الواحد، حيث انتقلت السلطة من مبنى التلفزيون الرسمي إلى فضاءات رقمية وقنوات متعددة، مما جعل النجومية السريعة تسقط عن وجوه الشاشة الرسمية لصالح مؤثرين ومنصات بديلة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:59 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة: جعل فلسطين يهودية بمثل ما هي إنجلترا إنجليزية

ملفت للنظر الفكري العلمي التحليلي، تصريح لأحد زعماء الصهيونية، حاييم وايزمان، عام 1919 بأن هدف الصهيونية هو جعل فلسطين يهودية بمثل ما هي إنجلترا إنجليزية، كان ذلك قبل أكثر من مئة سنة، لم تكن آنذاك دولة إسرائيل ولا نكبة فلسطين ولا نكسة الأمة واحتلال بقية فلسطين والجولان وسيناء، لم تكن منظمة التحرير ولا فصائلها المختلفة، لم تكن انتفاضة الحجارة، ولم تكن اتفاقية أوسلو والسلطة الفلسطينية قابلة الدولة المستقلة بعد خمس سنوات .

 اليوم يتركز الحديث والنقاش حول ضرب إيران، وهل ستنفذ أمريكا ومعها إسرائيل التي يناهز عمرها ثمانين سنة، تهديداتهما، أم ان إيران سترضخ كي تتجنب هذا المصير الأسود الذي بات على أبوابها يطل من فوهات أساطيل الموت الرابضة في الجوار .

  عودة سريعة من قبل صناع القرار العربي والإسلامي والإقليمي لهذا الشرق "الأوسط" كفيلة لأن تعطي الجواب، ليس بالضرورة لقرن من الزمان، بل لنصفه فقط اوأقل. إذ بعد رحيل الزعيم العروبي الكبير جمال عبد الناصر، "جنحت" مصره للسلام مع إسرائيل، وتشكلت جبهة الصمود والتصدي، والتي نجحت في نقل مقر الجامعة العربية من القاهرة الى تونس، قوامها سوريا حافظ الأسد، ليبيا معمر القذافي، العراق صدام حسين، الجزائر خليفة الهواري بومدين ومنظمة التحرير ياسر عرفات . لقد قتل معظم هؤلاء الزعماء قتلا، وأسقطت دولهم في براثن إسرائيل وأمريكا كما لوانها لم تكن، واحتلت عواصمها التاريخية، وديست حضارتها التي يمتد بعضها الى ما قبل التاريخ المكتوب، وانتهت هذه الجبهة وانتهى معها الصمود وكذلك التصدي، كل ذلك خلال اقل من خمسين سنة، ولن يعرف "العارفون" وبالطبع الجاهلون، متى ستقوم قيامة مثل هذه الجبهة مرة أخرى .

 مهم، ونحن نقرأ هذا التاريخ الحديث والجديد جدا جدا، لأن الكثيرين منا عايشناه وكنا شهودا عليه، اوفي الأقل على بعضه، من المهم النظر الى تطور لافت، انتقال الاستهداف من العربي الى من هو غير العربي، فإيران ليست عربية، بل إقليمية تساند قضية فلسطين كما ساندتها جبهة الصمود والتصدي العربية من قبل، وإذا كانت إيران إسلامية، فإن فنزويلا التي استهدفت باعتقال رئيسها مطلع العام الجديد، ليست عربية ولا إسلامية، هذا بدوره يفتح المجال الفكري: هل تكون إيران آخر من سيتم استهدافه؟

 في عام 1938، أي بعد 19 سنة من تصريح وايزمان، وقبل قيام الدولة بعشر سنين، كان هناك تصريح لبن غوريون قال فيه: "إني أؤيد الترانسفير الاجباري، ولا أرى أي شيء غير أخلاقي فيه" . فلماذا نبدو متفاجئين فاغري الأفواه، إزاء ما يحدث من "مستجدات" هي في الأصل مُسَلّمات قديمة؟. 

 سئل الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل عن سبب معارضته حسني مبارك، فقال انه على مدار 30 سنة من حكمه لم يقرأ كتابا.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

الديمقراطية الفلسطينية: بين الصندوق والصفقة


حين يعلن عن الانتخابات تحت لافتة الاصلاح، ففي ذلك رسالة سياسية للخارج قبل الداخل، عن القدرة على تجديد الشرعيات وتحسين الأداء، لكن ما يحدث عبر القوائم التوافقية، لا يفرغ الانتخابات من معناها فقط، بل يحولها الى لائحة اتهام، فحين تحسم النتائج في المقاهي، يصبح صندوق الاقتراع اكسسوارا، والديمقراطية معاملة خاصة لا حق عام، وهنا لا نتحدث عن ترتيبات ادارية، بل عن اعادة تعريف شاملة، فالمواطن لا يختار، بل يبارك ما قررته شبكات المصالح والنفوذ.

 خطورة ذلك تمتد من الشرعية والمجتمع الى الصورة العامة لفلسطين، فالانتخابات ليست مجرد اجراء، بل عقد اجتماعي يعيد انتاج الثقة، ويقيس حجم التمثيل، وحين تستبدل المنافسة بالتزكية المشروطة، تتحول الشرعية الى ديكور. قانون الانتخابات شدد على الحرية والسرية والشخصية، وترك نافذة للتزكية في حالات محددة جدا، هذه النافذة تحولت الى بوابة، والاستثناء بات قاعدة، فدفع البعض نحو قائمة واحدة عبر ضغوط حزبية وعائلية، او توازنات مصالح، وقدم ما لم يكن اجماعا على انه اجماع.

 حتى لو نظر الى التوافق كمخرج من الانقسامات المحلية في الظروف الطبيعية، الا انه يصبح اشكالا في ظروف ما تحت الاحتلال، فالحكم المحلي يشكل خط الدفاع الاول، من الامن الغذائي والمائي، الى الصمود والإغاثة، ومن حماية الاراض الى ادارة الازمات اليومية، خاصة في ظل الازمة المالية الخانقة، او ما يشبه الشلل الحكومي، ما يجعل من البلدية اكثر من مجرد مقدمة خدمة، بل رافعة صمود، وحين تصل قيادتها عبر وسطاء، لا عبر الصندوق، تصبح ضعيفة، بعيدة عن الشارع، واقرب الى شبكات النفوذ، فتعيد انتاج ثقافة التبعية، ما يجعل قادتها مدينين للوسطاء، لا للناخبين، فيميلون للمهادنة بدل الاشتباك مع مشاكل الناس الحقيقة، ويسعون لإرضاء الوسطاء، لا لبناء شرعيتهم عبر الشفافية وحسن الاداء، او تكريس ثقافة المساءلة.

 الحقيقة التي يدركها من يتابع المشهد، ان هذه التوافقات ليست سوى اداة للتهرب من الاختبار الحقيقي، فهناك من يستعيض عن المنافسة بترتيبات جانبية، تحفظ له حضوره ونفوذه، وتؤجل مواجهة سؤال التمثيل، في ظل ادراك متزايد بان المزاج الشعبي لم يعد مضمون النتائج. التوافق بهذه الصيغة يتحول الى وباء اجتماعي فتاك، يجعل من الخبرات والكفاءات فائضة عن الحاجة، لا لشيء، الا لان معيار الاختيار يقوم على الولاء لا الكفاءة، والقرابة لا القدرة، والتعيين لا الانتخاب، ومع الوقت يتحول الاحباط الى عزوف عن العمل العام، ثم لاحقا عداء له، ما يفتح الباب امام امراض اجتماعية اخطر، فيصبح من السهل تفكيك هذه المجتمعات، او جعلها قابلة للانفجار الداخلي، واقل قدرة على التنظيم ومواجهة صدمات الاحتلال المتوالية.

 ولا يقف الامر عند ذلك، بل يطال صورة فلسطين عالميا، فالخطاب الفلسطيني قدمها كمشروع دوله تحت احتلال، وطالب بالحماية والاعتراف والدعم، لكن العالم عموما، ومنهم المانحون او المؤسسات الدولية خصوصا، ما عادوا ينظرون الى عدالة القضية فقط، بل والى الحوكمة ايضا، فحين تؤجل الانتخابات مرارا وتكرارا، او تتحول الى ترتيبات مسبقة، فتلك ليست مجرد دعاية مضادة، بل وصفة جاهزة لخلط الاوراق، وربط الدعم بشروط اشد، وربما تبرير الالتفاف على المؤسسات الفلسطينية، وبالتالي تحويل القضية من تحرر وطني الى ملف اداري.

 الاكثر مرارة ان هذا يحدث بينما الهجمة على الضفة تتصاعد، والسكوت الرسمي بات سياسة، او جزءا من المشهد، وبالتالي فان تدمير مناعة الحكم المحلي ليس خطأ اداريا فحسب، بل وخطرا على الامن المجتمعي، فحين تضعف المؤسسات، تضعف القدرة على الصمود، ويصبح الخلاص خيارا فرديا، لا فعلا جماعيا، وهو بالضبط ما يسعى له الاحتلال، مجتمع مجزأ، وقيادات بلا تفويض حقيقي، ونزاعات داخليه تستنزف الطاقات والموارد، بدل ان تصهرها في بوتقة واحدة لمواجهة الاخطار الداهمة.