شهدت الجزائر لعقود حقبة كان فيها التلفزيون الرسمي هو الصانع الأول للنجومية والوجاهة الاجتماعية، حيث لم تكن الشاشة اليتيمة مجرد وسيلة إعلامية، بل كانت جسراً مباشراً نحو المناصب العليا في الدولة. ويروي التاريخ القريب قصصاً لمذيعين ومقدمي برامج تسلية تحولوا إلى نواب في البرلمان ووزراء وسفراء، مستفيدين من حالة الاحتكار التي جعلت وجوههم مألوفة في كل بيت جزائري، لدرجة أن الانتماء الجغرافي لبعض الشخصيات كان يُعرف بمدى قربهم من مسقط رأس مذيع 'نشرة الثامنة'.
هذه الهيمنة لم تكن مرتبطة دوماً بالاحترافية بقدر ارتباطها بغياب البديل؛ فالمشاهد كان مرغماً على المتابعة، مما حول المذيعين إلى أيقونات تفوق شهرتها كبار الرياضيين والفنانين. وكانت نشرة الثامنة مساءً هي الموعد المقدس الذي تلتف حوله العائلات، مما منح القائمين عليها سلطة رمزية جعلت الجامعات تستضيفهم كمحاضرين يتفوقون في حضورهم على الأساتذة الأكاديميين، وسط أساطير شعبية كانت تربطهم بدوائر صنع القرار في الرئاسة.
في زمن مضى، كان مذيع نشرة الأخبار أشهر من نجوم الكرة والفن، يحظى بمرتبة اجتماعية تجعل الوزراء يتوددون إليه.
ومع انفتاح الفضاء السمعي البصري وظهور القنوات الخاصة، تشتت انتباه المشاهد الجزائري ودخل في حالة من 'تخمة الأخبار'. لم يعد المواطن ينتظر ساعة محددة ليعرف ما يدور في بلاده، إذ تتدفق المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة. هذا التحول أدى إلى ذوبان نجومية المذيعين الذين باتوا وجوهًا عادية تتشابه في طرحها، وفقدت 'نشرة الثامنة' وهجها القديم، ولم يعد بإمكان الشاشة الرسمية اليوم صناعة نخب سياسية أو برلمانية كما كان يحدث في السابق.
الانهيار لم يتوقف عند قطاع الأخبار، بل امتد للتعليق الرياضي الذي فقد بريقه مع خسارة التلفزيون العمومي لحقوق بث الدوريات الكبرى، واقتصاره على الدوري المحلي. إن المشهد الحالي في الجزائر يعكس نهاية عصر 'الريموت كنترول' الواحد، حيث انتقلت السلطة من مبنى التلفزيون الرسمي إلى فضاءات رقمية وقنوات متعددة، مما جعل النجومية السريعة تسقط عن وجوه الشاشة الرسمية لصالح مؤثرين ومنصات بديلة.





شارك برأيك
أفول زمن 'نشرة الثامنة': كيف فقد التلفزيون الجزائري سطوته السياسية والاجتماعية؟