نفت السلطات المصرية بشكل قاطع التقارير المتداولة التي تحدثت عن استعداد القاهرة لمنح إثيوبيا نفاذاً بحرياً إلى مياه البحر الأحمر، مقابل إبداء أديس أبابا مرونة في ملف سد النهضة الشائك. وتأتي هذه التأكيدات في ظل توترات متصاعدة بين البلدين، حيث تصر مصر على أن قضايا الأمن المائي والسيادة البحرية لا يمكن إخضاعها للمساومات السياسية أو الصفقات العابرة.
وتشهد المنطقة حالة من الترقب بعد تجديد رئيس الوزراء الإثيوبي، أبيي أحمد، تمسك بلاده الحبيسة بالوصول إلى منفذ بحري، وذلك خلال كلمته في افتتاح القمة الأفريقية بأديس أبابا في الرابع عشر من فبراير الجاري. هذا الإصرار قوبل برد حازم من وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الذي شدد على رفض بلاده لأي محاولات من أطراف غير شاطئية لفرض نفسها في منظومة حوكمة البحر الأحمر.
وتعتبر الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية ومصر أن أمن هذا الممر المائي الاستراتيجي هو مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له. وقد تجسد هذا الموقف في تأسيس 'مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن' عام 2020، والذي يهدف إلى تنسيق الجهود الأمنية والسياسية بعيداً عن تدخلات القوى الإقليمية غير المطلة.
من الناحية الجغرافية، تحاول إثيوبيا الربط بين خليج عدن والبحر الأحمر ككتلة واحدة لتبرير مساعيها، رغم التمايز الجغرافي الذي يفصلهما عند مضيق باب المندب. وترى أديس أبابا أن تأمين وصولها للمحيط الهندي عبر خليج عدن هو ضرورة استراتيجية واقتصادية لا يمكن التنازل عنها، خاصة مع تزايد عدد سكانها الذي جعلها ثاني أكبر دولة أفريقية ديموغرافياً.
وفي محاولة لكسر عزلتها الجغرافية، وقعت إثيوبيا في مطلع عام 2024 مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع إقليم 'أرض الصومال' الانفصالي، تمنحها حق استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً. هذه الخطوة أثارت غضباً واسعاً في مقديشو، واعتبرتها جامعة الدول العربية انتهاكاً صارخاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، مما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي في القرن الأفريقي.
جيبوتي من جانبها، دخلت على خط الأزمة عبر عرض قدمه وزير خارجيتها، محمود علي يوسف، يتضمن منح إثيوبيا إدارة كاملة واستخداماً حصرياً لميناء 'تاجوراء'. ويهدف هذا العرض إلى احتواء التوتر المتصاعد ومنع أديس أبابا من المضي قدماً في اتفاقها مع أرض الصومال، وهو ما قد يهدد المصالح الاقتصادية لجيبوتي التي تعتمد بشكل كبير على حركة التجارة الإثيوبية.
ولم تبدِ إثيوبيا حماساً كبيراً للعرض الجيبوتي، حيث تشير مصادر إلى أن طموحات أبيي أحمد تتجاوز مجرد الاستخدام التجاري للموانئ. تسعى أديس أبابا للحصول على 'سيادة بحرية' تتيح لها بناء قواعد عسكرية وتواجد دائم لقواتها البحرية، وهو ما يثير مخاوف جيرانها، خاصة إريتريا التي تمتلك موانئ استراتيجية مثل عصب ومصوع.
مهمة حوكمة البحر الأحمر تقتصر على الدول المطلة عليه حصراً، ونرفض أي محاولات لأطراف خارجية لفرض نفسها في هذه الترتيبات.
تاريخياً، لم تكن إثيوبيا دولة حبيسة، إذ كانت سواحل إريتريا جزءاً من أراضيها حتى نيل الأخيرة استقلالها عام 1993 بعد عقود من الصراع المسلح. ومنذ ذلك الحين، تحول الوصول إلى البحر الأحمر من حق سيادي سابق إلى معضلة جيوسياسية كبرى تسببت في حروب حدودية دامية أودت بحياة عشرات الآلاف من الجانبين.
وعلى الرغم من اتفاقية السلام الموقعة في الجزائر عام 2000، والتقارب المفاجئ الذي حدث في عام 2018 بين أبيي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، إلا أن العلاقات عادت للتدهور مجدداً. وتتهم أديس أبابا حالياً جارتها أسمرة بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم جماعات مسلحة في إقليم أمهرة، وهو ما تنفيه إريتريا جملة وتفصيلاً.
وفي ظل هذا الانسداد، طلب رئيس الوزراء الإثيوبي وساطة دولية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإيجاد 'حل سلمي' يضمن لبلاده منفذاً بحرياً عبر إريتريا. ويرى مراقبون أن هذا الطلب يعكس رغبة إثيوبية في ممارسة ضغوط دولية على أسمرة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اندلاع صراع عسكري جديد في المنطقة.
وتمثل الموانئ الإريترية، وتحديداً ميناء 'عصب' القريب من مضيق باب المندب، الهدف الأسمى للاستراتيجية الإثيوبية نظراً لموقعه الفريد على خطوط التجارة العالمية. وكان هذا الميناء يستخدم سابقاً لتصدير النفط الإثيوبي قبل الانفصال، مما يجعله في نظر صانع القرار في أديس أبابا مفتاحاً للنهضة الاقتصادية المنشودة.
أما ميناء 'مصوع' التاريخي، فيعد بوابة أخرى تثير اهتمام إثيوبيا، رغم تراجع دوره بسبب النزاعات الطويلة وتضرر بنيته التحتية. وتعتبر إريتريا أن أي حديث إثيوبي عن 'السيادة' على هذه الموانئ هو بمثابة إعلان حرب، مؤكدة أن التعاون الاقتصادي يجب أن يحترم الحدود الدولية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.
الموقف المصري يظل ثابتاً في دعم سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر، حيث ترى القاهرة أن أي تغيير في قواعد اللعبة البحرية قد يؤثر مباشرة على أمن قناة السويس. وأفادت مصادر بأن التنسيق المصري الصومالي قد شهد قفزة نوعية مؤخراً لمواجهة الطموحات الإثيوبية التي توصف بأنها 'توسعية' وتهدد استقرار القرن الأفريقي.
ختاماً، يبقى ملف المنفذ البحري الإثيوبي قنبلة موقوتة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وصراعات داخلية. وبينما تبحث أديس أبابا عن 'رئة بحرية' تتنفس من خلالها، تصر دول الجوار والقوى الإقليمية على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تمر عبر بوابة القانون الدولي واحترام سيادة الدول الوطنية.











