عربي ودولي

الأربعاء 25 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

صراع المنافذ البحرية: مصر تجدد رفضها للطموحات الإثيوبية في البحر الأحمر

نفت السلطات المصرية بشكل قاطع التقارير المتداولة التي تحدثت عن استعداد القاهرة لمنح إثيوبيا نفاذاً بحرياً إلى مياه البحر الأحمر، مقابل إبداء أديس أبابا مرونة في ملف سد النهضة الشائك. وتأتي هذه التأكيدات في ظل توترات متصاعدة بين البلدين، حيث تصر مصر على أن قضايا الأمن المائي والسيادة البحرية لا يمكن إخضاعها للمساومات السياسية أو الصفقات العابرة.

وتشهد المنطقة حالة من الترقب بعد تجديد رئيس الوزراء الإثيوبي، أبيي أحمد، تمسك بلاده الحبيسة بالوصول إلى منفذ بحري، وذلك خلال كلمته في افتتاح القمة الأفريقية بأديس أبابا في الرابع عشر من فبراير الجاري. هذا الإصرار قوبل برد حازم من وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الذي شدد على رفض بلاده لأي محاولات من أطراف غير شاطئية لفرض نفسها في منظومة حوكمة البحر الأحمر.

وتعتبر الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية ومصر أن أمن هذا الممر المائي الاستراتيجي هو مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له. وقد تجسد هذا الموقف في تأسيس 'مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن' عام 2020، والذي يهدف إلى تنسيق الجهود الأمنية والسياسية بعيداً عن تدخلات القوى الإقليمية غير المطلة.

من الناحية الجغرافية، تحاول إثيوبيا الربط بين خليج عدن والبحر الأحمر ككتلة واحدة لتبرير مساعيها، رغم التمايز الجغرافي الذي يفصلهما عند مضيق باب المندب. وترى أديس أبابا أن تأمين وصولها للمحيط الهندي عبر خليج عدن هو ضرورة استراتيجية واقتصادية لا يمكن التنازل عنها، خاصة مع تزايد عدد سكانها الذي جعلها ثاني أكبر دولة أفريقية ديموغرافياً.

وفي محاولة لكسر عزلتها الجغرافية، وقعت إثيوبيا في مطلع عام 2024 مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع إقليم 'أرض الصومال' الانفصالي، تمنحها حق استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً. هذه الخطوة أثارت غضباً واسعاً في مقديشو، واعتبرتها جامعة الدول العربية انتهاكاً صارخاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، مما زاد من تعقيد المشهد الإقليمي في القرن الأفريقي.

جيبوتي من جانبها، دخلت على خط الأزمة عبر عرض قدمه وزير خارجيتها، محمود علي يوسف، يتضمن منح إثيوبيا إدارة كاملة واستخداماً حصرياً لميناء 'تاجوراء'. ويهدف هذا العرض إلى احتواء التوتر المتصاعد ومنع أديس أبابا من المضي قدماً في اتفاقها مع أرض الصومال، وهو ما قد يهدد المصالح الاقتصادية لجيبوتي التي تعتمد بشكل كبير على حركة التجارة الإثيوبية.

ولم تبدِ إثيوبيا حماساً كبيراً للعرض الجيبوتي، حيث تشير مصادر إلى أن طموحات أبيي أحمد تتجاوز مجرد الاستخدام التجاري للموانئ. تسعى أديس أبابا للحصول على 'سيادة بحرية' تتيح لها بناء قواعد عسكرية وتواجد دائم لقواتها البحرية، وهو ما يثير مخاوف جيرانها، خاصة إريتريا التي تمتلك موانئ استراتيجية مثل عصب ومصوع.

تاريخياً، لم تكن إثيوبيا دولة حبيسة، إذ كانت سواحل إريتريا جزءاً من أراضيها حتى نيل الأخيرة استقلالها عام 1993 بعد عقود من الصراع المسلح. ومنذ ذلك الحين، تحول الوصول إلى البحر الأحمر من حق سيادي سابق إلى معضلة جيوسياسية كبرى تسببت في حروب حدودية دامية أودت بحياة عشرات الآلاف من الجانبين.

وعلى الرغم من اتفاقية السلام الموقعة في الجزائر عام 2000، والتقارب المفاجئ الذي حدث في عام 2018 بين أبيي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، إلا أن العلاقات عادت للتدهور مجدداً. وتتهم أديس أبابا حالياً جارتها أسمرة بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم جماعات مسلحة في إقليم أمهرة، وهو ما تنفيه إريتريا جملة وتفصيلاً.

وفي ظل هذا الانسداد، طلب رئيس الوزراء الإثيوبي وساطة دولية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإيجاد 'حل سلمي' يضمن لبلاده منفذاً بحرياً عبر إريتريا. ويرى مراقبون أن هذا الطلب يعكس رغبة إثيوبية في ممارسة ضغوط دولية على أسمرة، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من اندلاع صراع عسكري جديد في المنطقة.

وتمثل الموانئ الإريترية، وتحديداً ميناء 'عصب' القريب من مضيق باب المندب، الهدف الأسمى للاستراتيجية الإثيوبية نظراً لموقعه الفريد على خطوط التجارة العالمية. وكان هذا الميناء يستخدم سابقاً لتصدير النفط الإثيوبي قبل الانفصال، مما يجعله في نظر صانع القرار في أديس أبابا مفتاحاً للنهضة الاقتصادية المنشودة.

أما ميناء 'مصوع' التاريخي، فيعد بوابة أخرى تثير اهتمام إثيوبيا، رغم تراجع دوره بسبب النزاعات الطويلة وتضرر بنيته التحتية. وتعتبر إريتريا أن أي حديث إثيوبي عن 'السيادة' على هذه الموانئ هو بمثابة إعلان حرب، مؤكدة أن التعاون الاقتصادي يجب أن يحترم الحدود الدولية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة.

الموقف المصري يظل ثابتاً في دعم سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر، حيث ترى القاهرة أن أي تغيير في قواعد اللعبة البحرية قد يؤثر مباشرة على أمن قناة السويس. وأفادت مصادر بأن التنسيق المصري الصومالي قد شهد قفزة نوعية مؤخراً لمواجهة الطموحات الإثيوبية التي توصف بأنها 'توسعية' وتهدد استقرار القرن الأفريقي.

ختاماً، يبقى ملف المنفذ البحري الإثيوبي قنبلة موقوتة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وصراعات داخلية. وبينما تبحث أديس أبابا عن 'رئة بحرية' تتنفس من خلالها، تصر دول الجوار والقوى الإقليمية على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تمر عبر بوابة القانون الدولي واحترام سيادة الدول الوطنية.

عربي ودولي

الأربعاء 25 فبراير 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

مقتل طيار تركي إثر تحطم مقاتلة 'إف-16' غربي البلاد

شهدت ولاية باليكسير الواقعة غربي تركيا حادثاً جوياً أليماً فجر اليوم الأربعاء، أسفر عن مقتل طيار عسكري تركي. ووقع الحادث جراء تحطم مقاتلة من طراز 'إف-16' كانت قد انطلقت من قيادة القاعدة الجوية التاسعة لتنفيذ مهمة مجدولة في المنطقة.

وأكدت مصادر رسمية أن الطائرة المنكوبة سقطت بعد فترة وجيزة من إقلاعها، حيث هوت في منطقة نايبلي المحاذية للطريق الدولي السريع الذي يربط بين مدينتي إزمير وإسطنبول. وقد هرعت فرق الإنقاذ والإسعاف إلى موقع الحادث فور تلقي البلاغات الأولية عن سقوط الجسم الطائر.

من جانبه، تفاعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الحادثة خلال خطاب ألقاه في البرلمان، معلناً عن البدء الفوري في إجراءات التحقيق الفني والعسكري. وشدد أردوغان على ضرورة كشف كافة الملابسات والدوافع التقنية التي أدت إلى تحطم المقاتلة في هذه الولاية الغربية.

وفي سياق متصل، قام والي باليكسير، إسماعيل أوستا أوغلو، بزيارة ميدانية لموقع الحطام في منطقة نايبلي للاطلاع على سير العمليات. وأعرب الوالي في تصريحات صحفية عن حزنه العميق لفقدان أحد كوادر القوات الجوية، مؤكداً أن الطائرة فقدت توازنها وسقطت بعد وقت قصير جداً من مغادرتها المدرج.

ونعت السلطات المحلية والقيادات العسكرية الطيار الراحل، حيث قدم أوستا أوغلو تعازيه الحارة لعائلة الشهيد وللشعب التركي عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأشار الوالي إلى أن الجهات المختصة قامت بتطويق منطقة الحادث لجمع الأجزاء المتناثرة من حطام الطائرة وفحص الصندوق الأسود.

وتعد هذه الحادثة من الحوادث الجوية البارزة التي تستنفر الأجهزة العسكرية التركية، نظراً لمكانة المقاتلة 'إف-16' في سلاح الجو. وتواصل اللجان الفنية المختصة عملها في الموقع لتحديد ما إذا كان السبب يعود لخلل فني طارئ أو ظروف جوية أثرت على مسار الرحلة القصير.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:52 مساءً - بتوقيت القدس

تزامناً مع شهر رمضان، وصول قوافل إماراتية محملة بالطرود الغذائية والكسوة الشتوية لغزة بدعم من وكالة الإمارات للمساعدات الدولية

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر عملية "الفارس الشهم 3"، مد يد العون إلى أهالي قطاع غزة بقوافل المساعدات الإنسانية، محاولةً تخفيف آلامهم وتقديم الأمل وسط الظروف الإنسانية القاسية التي يواجهونها، لتؤكد مرة أخرى وقوفها الثابت إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين في أوقات الشدة.

أكد المتحدث باسم عملية "الفارس الشهم 3"، محمد الشريف : بأن العمل الإنساني مستمر  عبر عملية "الفارس الشهم 3"، منذ عامين دون انقطاع، وهذا الجهد يشكل علامة فارقة في دولة الإمارات، فهو عمل منظم تتكاتف به المؤسسات المختلفة لتحقيق الغاية الإنسانية. 

وأضاف الشريف أن العمل جارٍ حالياً لتجهيز السفينة رقم (13) بالمستلزمات الضرورية لأهل قطاع غزة، مع مواصلة تقييم الاحتياجات بشكل دائم، مؤكدًا أن استمرار إيصال الإغاثة يعكس نهج الإمارات الثابت في العطاء والوقوف إلى جانب الأشقاء في أوقات محنتهم.

خلال هذا الأسبوع، وصلت قوافل المساعدات إلى قطاع غزة محمّلة بطرود غذائية أساسية تزامنًا مع حلول شهر رمضان المبارك، إلى جانب كسوة شتوية شملت الملابس ووسائل التدفئة، لتضيء بصيص أمل في حياة الأسر المتضررة وتخفف من معاناتهم أمام قسوة البرد، مؤكدة وقوف الإنسانية معهم في أصعب الظروف.

وبالتوازي مع الدعم الإغاثي، دخلت قافلة مساعدات طبية تزيد حمولتها على 30 طناً، تضم أدوية ومستلزمات طبية مخصّصة لتغطية احتياجات المختبرات الطبية والعمليات الجراحية، دعماً لـ المستشفى الإماراتي الميداني في رفح والمركز الطبي الإماراتي في خان يونس، ضمن منظومة الرعاية الطبية التي توفرها دولة الإمارات لتعزيز قدرات الاستجابة الصحية في المناطق الأكثر احتياجاً.

من الجدير بالذكر ، أن فريق المساعدات الطبية الإماراتي في مدينة العريش يعمل على مدار الساعة بكل تفانٍ، لتجهيز قوافل الدعم الطبي وتنظيم شحناتها بما يلبي الاحتياجات الفعلية للمستشفى الميداني والمركز الطبي. من خلال إجراءات دقيقة للفرز والتعبئة والترتيب، يضمن الفريق وصول كل صنف ضروري مباشرةً إلى المحتاجين، مسرّعًا إيصال المساعدات ومخففًا من معاناتهم، ليؤكد مرة أخرى أن الإنسانية والاهتمام بالآخرين هي قلب كل جهود الإمارات في دعم الأشقاء.

 

اقتصاد

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:37 مساءً - بتوقيت القدس

حصاد عام 2025 : أبرز ما أنجزته الحكومة في القطاع الاقتصادي

🔴حصاد عام 2025 (الجزء الثاني): أبرز ما أنجزته الحكومة في القطاع الاقتصادي

رام الله – نشر مركز الاتصال الحكومي تقريرًا يستعرض أبرز ما أنجزته الحكومية في القطاع الاقتصادي خلال عام 2025، رغم كل التحديات الكبيرة التي تواجهها ومختلف الظروف الاقتصادية والميدانية ومعيقات الاحتلال المتصاعدة.

⭕️إذ يركز التقرير على الجهود الحكومية المبذولة لحماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز صمود القطاعات الإنتاجية، ودعم بيئة الأعمال وخلق فرص العمل، واضعةً الإصلاح المالي وتحفيز النمو في صدارة أولوياتها، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويدعم مسار التعافي التدريجي.

⭕️أوضح مركز الاتصال الحكومي أن هذا التقرير سيتبعه تقارير متخصصة تتناول ما أنجزته الحكومة خلال العام الماضي في القطاعات الخدمية والتشريعية.

⭕️تشريعات ومحفزات لدعم بيئة الأعمال

على صعيد تحفيز الاقتصاد، شهد عام 2025 مصادقة السيد الرئيس على قانون المنافسة وقانون التجارة الإلكترونية، فيما أُقر قانون الاستثمار بالقراءة الأخيرة، بما يعزز ثقة المستثمرين بالسوق الفلسطيني.

واعتمدت الحكومة الاستراتيجية الوطنية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ورفعت كوتا إعفاء التمور الفلسطينية المصدّرة إلى تركيا إلى 7000 طن سنويًا، كما قامت وزارة الاقتصاد الوطني بتوريد 30 ألف طن من منحة القمح الروسي.

وفي دعم مباشر للقدس، موّلت الوزارة 8 مشاريع بقيمة 1.6 مليون دولار، وأطلقت خطة “بروسبير” لدعم 450 منشأة صغيرة ومتوسطة.

وفي إطار حماية السوق، أحالت وزارة الاقتصاد الوطني 145 مخالفًا إلى النيابة العامة، وضبطت أكثر من 1000 طن من المواد منتهية الصلاحية، وتعاملت مع نحو 1000 شكوى، وحررت 1174 إخطارًا وتعهدًا قانونيًا بحق مخالفين.



⭕️تمكين الصناعة الوطنية والتحول الرقمي

أقرت وزارة الصناعة نظام إلزامية المنتج الوطني في العطاءات الحكومية وبدأت تطبيقه دعمًا للصناعات المحلية، وانضمت إلى منصة E-SADAD لتعزيز الأمان الرقمي.

كما أطلقت مشاريع استراتيجية، أبرزها قرية الأحذية والجلود في الخليل، ومشروع Green Forward للتحول الأخضر، ووقعت مشاريع صناعية بقيمة تجاوزت 3.5 مليون يورو.

وشهد القطاع تقدمًا في تفعيل فريق مكافحة الإغراق وتعزيز سياسات إحلال المنتج الوطني محل الواردات، إلى جانب خطوات ملموسة في التحول الرقمي لخدمات الترخيص الصناعي، وإعداد آليات لحصر أضرار القطاع الصناعي في قطاع غزة.

⭕️دعم الزراعة وتعزيز صمود المزارعين

واصلت وزارة الزراعة دعمها للقطاع الزراعي، حيث عملت مع شركائها على استصلاح 923 دونمًا، وشق وتأهيل 130 كيلومترًا من الطرق الزراعية، وتوفير 2.5 مليون متر مكعب من مياه الري.

كما دعمت أكثر من 6600 مزارع متضرر، ووثقت أضرارًا تجاوزت 103 ملايين دولار، وأصدرت أكثر من 2000 شهادة صحة نباتية لتعزيز الصادرات الزراعية.

⭕️تشغيل وتمكين للعمال

في قطاع العمل، تخرج نحو 6000 متدرب ومتدربة من برامج التدريب المهني التي نفذتها وزارة العمل، فيما صرفت الوزارة 19 دفعة نقدية لعمال غزة العالقين في الضفة الغربية منذ عام 2023 بقيمة بلغت 42.7 مليون شيكل.

كما نفذت الوزارة برامج تشغيل مؤقت، ومنحت 7000 عامل متعطل شهادة تأمين صحي مجاني، ومولت 631 مشروعًا بقروض حسنة بقيمة 33.7 مليون شيكل ضمن برنامج بادر، منها 24 مشروعًا للنساء.

⭕️إصلاحات مالية لتعزيز الاستقرار

باشرت وزارة المالية والتخطيط تنفيذ خطوات إصلاحية، تمثلت في إدخال نظام تسجيل الالتزامات (CCS) حيّز التنفيذ بعد تدريب 41 مركز مسؤولية وتعميمه على الوزارات والدوائر الحكومية، إلى جانب تطوير تدفقات العمل وربطها بمؤشرات الامتثال الشهرية.

كما توسع استخدام بوابة صافي الإقراض، وتمت تسوية ديون 112 هيئة محلية، فيما أنهت الوزارة التسويات المالية مع شركات توزيع الكهرباء الخمس، في خطوة عززت الاستقرار المالي وحماية المال العام.

وفي إطار التحول الرقمي، أطلقت الوزارة 55 خدمة ضريبية عبر منصة "حكومتي"، وأصدرت النسخة الأولى من تطبيق التخمين على الهاتف المحمول، واستكملت تطوير نظام Oracle في هيئة البترول شملت ربط المستودعات والمبيعات، إلى جانب إنشاء لوحات معلومات لمعالجة بيانات الدين العام والإيرادات وإعدادا متطلبات الربط بين الأنظمة المالية الحكومية.

⭕️تعافٍ تدريجي في السياحة

بدأت السياحة الفلسطينية تستعيد عافيتها تدريجيًا خلال عام 2025، حيث سجلت وزارة السياحة والآثار تحسن النشاط السياحي بنسبة تقارب 20% مقارنة بعام 2023.

وشهدت مدينة بيت لحم إنشاء 15 فندقًا جديدًا باستثمار بلغ 78 مليون دولار، فيما وصلت نسبة الإشغال الفندقي إلى 80% خلال أعياد الميلاد.

كما أطلقت الوزارة منصة ترويج سياحي عالمية، وأدرجت 14 موقعًا فلسطينيًا على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، ونفذت أعمال ترميم عاجلة بعد حصر تضرر 226 موقعًا أثريًا، خاصة في قطاع غزة.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

إندونيسيا تستعد لإرسال أول قوة أجنبية إلى قطاع غزة خلال أسبوعين

كشفت مصادر إعلامية عن تطورات متسارعة في ملف إدارة قطاع غزة، حيث من المقرر أن تبدأ القوات الإندونيسية عملياتها الميدانية داخل القطاع خلال الأسبوعين المقبلين. وتعد هذه الخطوة سابقة دولية، إذ ستكون إندونيسيا أول دولة أجنبية تدفع بقواتها إلى غزة ضمن ما يعرف بقوة الاستقرار متعددة الجنسيات.

ومن المتوقع أن يصل وفد رفيع المستوى من الممثلين الإندونيسيين إلى المنطقة في الأسبوع الثاني من شهر مارس المقبل. وتهدف هذه الزيارة إلى إجراء تنسيقات لوجستية وميدانية مع أطراف دولية وإقليمية لتخطيط عملية نشر القوات وضمان سلاسة انتقالها إلى المواقع المحددة لها.

وتشير التقارير إلى أن أعضاء الوفد سيعقدون اجتماعات مكثفة مع مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين لبحث الترتيبات الأمنية. كما ستشمل الزيارة دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة لأول مرة، في خطوة تعكس جدية المساعي الدولية لتثبيت هياكل الإدارة الجديدة في القطاع المحاصر.

وفي سياق التحضيرات العسكرية، أعلنت جاكرتا أنها بدأت بالفعل في تجهيز نحو 8 آلاف جندي ليكونوا ضمن القوة الدولية المقترحة. وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لبنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بمستقبل غزة، والتي تهدف إلى إيجاد بدائل أمنية مستدامة.

وصرح المتحدث باسم القوات المسلحة الإندونيسية، دوني برامونو، بأن الجاهزية الكاملة للقوات ستتحقق بحلول نهاية شهر يونيو المقبل. وأوضح أن الدفعة الأولى التي تضم نحو ألف جندي ستكون مستعدة تماماً للانتشار الفعلي في نيسان من العام 2026 وفق الجداول الزمنية الموضوعة.

ورغم هذه التحضيرات الميدانية الواسعة، أكدت السلطات الإندونيسية أن القرار النهائي بشأن النشر الفعلي لم يُتخذ بعد بشكل قطعي. وأشارت المصادر إلى أن النقاشات السياسية لا تزال مستمرة داخل أروقة الحكومة لضمان توافق الخطوة مع الثوابت الوطنية والدولية.

وبينت وزارة الخارجية الإندونيسية أن مهام القوات في حال وصولها إلى غزة ستكون محددة بدقة وذات طابع إنساني بحت. ولن تنخرط هذه الوحدات في أي مواجهات عسكرية أو أعمال قتالية، حيث يتركز دورها على دعم الاستقرار وتقديم المساعدات للسكان المحليين.

ومع ذلك، لم يستبعد البيان الرسمي لجوء القوات إلى استخدام القوة في حالات الدفاع عن النفس كملاذ أخير. وشددت جاكرتا على أن أي تحرك عسكري سيكون محكوماً بالقانون الدولي وبما يضمن حماية أفراد المهمة واستمرارية دورهم الإغاثي في المنطقة.

وستقتصر منطقة عمليات القوة الإندونيسية على حدود قطاع غزة، الذي تعتبره جاكرتا جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المنشودة. وجددت إندونيسيا، وهي أكبر دولة إسلامية سكاناً، التزامها بحل الدولتين ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة نظراً لعدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين إندونيسيا والاحتلال الإسرائيلي. ويمثل هذا التنسيق غير المباشر تحولاً في التعاطي مع الأزمات الإقليمية، حيث تسعى جاكرتا للعب دور محوري في تأمين المساعدات وإعادة الإعمار.

وكان البيت الأبيض قد اعتمد في وقت سابق هياكل إدارية للمرحلة الانتقالية في غزة تشمل مجالس تنفيذية ولجاناً وطنية. وتعتبر "قوة الاستقرار الدولية" الركيزة الأمنية لهذه الهياكل، حيث ستتولى مهام نزع السلاح وتأمين قوافل الإغاثة ومواد البناء الحيوية.

وتندرج هذه الترتيبات ضمن المرحلة الثانية من خطة السلام المدعومة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803. ويهدف هذا المسار الدولي إلى إنهاء تداعيات الحرب الطويلة وضمان عدم عودة الصراع المسلح من خلال رقابة دولية صارمة على الأرض.

يأتي هذا التحرك في ظل هدوء حذر يشهده القطاع منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي. وقد خلفت الحرب التي استمرت لعامين دماراً هائلاً طال معظم المرافق الحيوية والمنازل، مما جعل الحاجة لقوات دولية تؤمن الإعمار أمراً ملحاً.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الحرب أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد عن 171 ألفاً آخرين. وتقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الآلة العسكرية بنحو 70 مليار دولار، في ظل تضرر 90% من البنية التحتية المدنية.

عربي ودولي

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:19 مساءً - بتوقيت القدس

تحولات في ملف الصحراء: مفاوضات مدريد تبحث 'الحكم الذاتي' تحت إشراف أمريكي

كشفت تقارير صحفية دولية عن كواليس اجتماع رفيع المستوى احتضنته العاصمة الإسبانية مدريد خلال الشهر الجاري، ضم مسؤولين من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو. الاجتماع الذي جرى تحت إشراف مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، ركز بشكل أساسي على مناقشة تفاصيل خطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل نهائي لنزاع الصحراء الغربية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن العملية التفاوضية الحالية تشهد تحولاً جذرياً في المسارات السياسية المعتادة، حيث بدأ التوجه نحو التخلي الضمني عن خيار استفتاء تقرير المصير الذي طالما تمسك به خصوم الوحدة الترابية للمغرب. هذا التحول يأتي في سياق دولي جديد فرضته قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وتحديداً القرار رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.

وتشير المعطيات المسربة إلى أن المقترح الحالي يتجاوز الطروحات القديمة التي باتت تعتبر 'متجاوزة' في أروقة الدبلوماسية الدولية. وبدلاً من ذلك، يتم التركيز على صياغة إطار قانوني ومؤسساتي يضمن حكماً ذاتياً موسعاً تحت السيادة المغربية، وهو ما يمثل جوهر المبادرة التي تحظى بدعم واشنطن وعواصم أوروبية فاعلة.

تعتمد المسودة المقترحة، والتي تداولتها أوساط إعلامية، على مبدأ توزيع السلطات بين المركز والجهة، بحيث تمتلك المنطقة صلاحيات واسعة في إدارة الشؤون المحلية والاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، تظل السلطات السيادية المتعلقة بالدفاع والأمن والسياسة الخارجية والعملة بيد الدولة المركزية في الرباط، وفقاً للنموذج الكلاسيكي للحكم الذاتي.

وتتضمن الخطة الجديدة بنوداً مؤسسية تهدف إلى بناء ثقة متبادلة، من بينها إنشاء جمعية تشريعية منتخبة تمثل سكان المنطقة وتتولى سن القوانين المحلية. كما تشمل المبادرة جانباً إنسانياً وسياسياً يتعلق بالمصالحة الوطنية، يفتح الباب أمام عودة اللاجئين من مخيمات تندوف بالجزائر إلى مدنهم وقراهم في الصحراء.

ومن بين النقاط الأكثر إثارة للجدل في المقترح، بند ينص على إصدار عفو شامل عن قادة جبهة البوليساريو، مما يمهد الطريق لاندماجهم في الحياة السياسية والمدنية داخل المغرب. ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء حالة النزاع المسلح والسياسي المستمرة منذ عقود، وتحويل الجبهة إلى كيان سياسي يشارك في تدبير شؤون الإقليم.

ورغم التقدم المحرز في بعض الملفات، إلا أن المفاوضات لا تزال تصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بآلية تعيين رئيس السلطة التنفيذية المحلية في الإقليم. فبينما ينص المقترح على أن يتم التعيين من قبل العاهل المغربي، تطالب الجزائر والبوليساريو بأن يكون المنصب نتاج عملية انتخابية مباشرة من قبل السكان المحليين.

كما تبرز نقطة خلافية أخرى تتعلق بالهيئة الناخبة التي يحق لها التصويت في أي استفتاء تأكيدي مستقبلي على خطة الحكم الذاتي. ففي حين يقترح النص مشاركة جميع الناخبين المغاربة في الاستفتاء باعتباره شأناً وطنياً، يصر الطرف الآخر على قصر المشاركة على الناخبين المنتمين للأصول الصحراوية فقط.

وترى مصادر دبلوماسية أن قبول الجزائر للمشاركة في مفاوضات مدريد والجلوس على طاولة تناقش الخطة المغربية يعد مؤشراً على ضغوط دولية كبيرة. ويبدو أن صانع القرار في الجزائر يجد نفسه مضطراً للانخراط في هذا المسار لتفادي العزلة الدبلوماسية المتزايدة، خاصة بعد اعتراف قوى كبرى بمغربية الصحراء.

وتشير التحليلات إلى أن القيادة الجزائرية قد تواجه تحديات داخلية في تسويق هذا التحول المفاجئ في موقفها التاريخي تجاه القضية. فبعد عقود من الدعم المطلق لخيار الاستقلال، يمثل الانخراط في نقاشات 'الحكم الذاتي' تغيراً جوهرياً يتطلب صياغة خطاب سياسي جديد يبرر هذا التوجه للرأي العام المحلي.

من جانبها، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تسريع وتيرة الاجتماعات للوصول إلى 'اتفاق إطار' قبل حلول الصيف المقبل. ومن المقرر عقد جلسات تقنية ومكثفة خلال الأسابيع القادمة لتذليل العقبات القانونية والسياسية التي لا تزال تعترض التوصل إلى صيغة نهائية ترضي جميع الأطراف المنخرطة.

ويعول الوسطاء الدوليون على اجتماع مايو المقبل ليكون محطة حاسمة في إنهاء هذا النزاع الإقليمي الطويل الذي عطل التكامل الاقتصادي في المغرب العربي. وتأمل واشنطن أن يؤدي الاتفاق المرتقب إلى تعزيز الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، وفتح آفاق جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي بين دول المنطقة.

وفي ظل هذه التطورات، يراقب المجتمع الدولي مدى قدرة الأطراف على تقديم تنازلات مؤلمة للوصول إلى حل 'لا غالب ولا مغلوب'. فالمغرب يرى في الحكم الذاتي أقصى ما يمكن تقديمه، بينما تبحث الأطراف الأخرى عن ضمانات سياسية وقانونية تحفظ ماء وجهها بعد سنوات من الصراع المرير.

يبقى التساؤل قائماً حول مدى صمود هذه التفاهمات أمام التوازنات الإقليمية المعقدة، خاصة في ظل التوترات الحدودية المستمرة. ومع ذلك، فإن زخم مفاوضات مدريد يشير إلى أن قطار التسوية قد انطلق بالفعل، وأن الخيارات القديمة لم تعد تمتلك ذات القوة التي كانت عليها في العقود الماضية.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 12:18 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد في الضفة: إحراق منازل بالخليل وهدم منشآت بجنين وحملة اعتقالات واسعة

شهدت قرية سوسيا بمسافر يطا جنوب الخليل ليلة قاسية، حيث أقدمت مجموعات من المستوطنين على إحراق خمسة مساكن وعدة مركبات تعود لمواطنين فلسطينيين. وأفادت مصادر محلية بأن الهجوم وقع أثناء تأدية الأهالي لصلاة التراويح، مما تسبب في حالة من الذعر الشديد بين النساء والأطفال وأضرار مادية جسيمة في الممتلكات.

وأكد جهاد النواجعة، رئيس مجلس قرية سوسيا أن أكثر من 50 مستوطناً شاركوا في الاعتداء الممنهج، حيث تعمدوا إشعال النيران في المنازل قبل الانسحاب من المكان. كما أطلق المهاجمون قنابل الغاز المسيل للدموع داخل البيوت المأهولة، ما أدى إلى إصابة أربعة مواطنين على الأقل بحالات اختناق عولجت ميدانياً.

من جانبها، وثقت منظمة "البيدر" الحقوقية الهجوم، مشيرة إلى أن اعتداءات المستوطنين في منطقة مسافر يطا تأتي ضمن سياسة تهدف إلى تهجير السكان قسرياً. وأوضحت المنظمة أن النيران التهمت محتويات المنازل والسيارات، في ظل تصاعد وتيرة العنف الاستيطاني الذي سجل مئات الاعتداءات منذ مطلع العام الجاري.

وفي سياق متصل، اقتحمت قوة إسرائيلية خاصة مخيم بلاطة للاجئين شرقي مدينة نابلس، حيث حاصرت منزلاً في حي السوق وسط إطلاق نار كثيف. ودفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية إضافية من جهة حاجز حوارة وشارع القدس لتأمين عملية الانسحاب بعد اعتقال أحد الشبان من داخل المخيم.

وتزامنت العملية العسكرية في بلاطة مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع المسيّرة في أجواء المنطقة، وسماع دوي انفجارات ناتجة عن استهداف القوات المقتحمة بعبوات محلية الصنع. وأفادت مصادر بأن الجيش انسحب لاحقاً بعد تنفيذ مهمته التي تخللها تفتيش وتخريب في ممتلكات المواطنين القريبة من المنزل المحاصر.

وفي مدينة نابلس أيضاً، اعتقل الجيش الإسرائيلي شاباً فلسطينياً من شارع الاتحاد، ووثقت مقاطع فيديو متداولة لحظة اقتياد الشاب الذي كان يسير على عكازات. وتبين أن المعتقل كان يعاني من إصابات سابقة بكسور، إلا أن ذلك لم يمنع القوات المقتحمة من اعتقاله ونقله إلى جهة مجهولة فجر اليوم.

وعلى صعيد حملات المداهمة الواسعة، أعلن مكتب إعلام الأسرى أن قوات الاحتلال نفذت سلسلة اقتحامات في مختلف محافظات الضفة الغربية طالت 18 مواطناً. وشملت الاعتقالات عدداً من الفتية، حيث تعمدت القوات المقتحمة تخريب محتويات المنازل وترويع العائلات خلال عمليات التفتيش الليلية.

وفي محافظة جنين، نفذت جرافات الاحتلال عمليات هدم استهدفت منشآت تجارية ومباني عند مدخل قرية عنزا. وطال الهدم مبنى ومحال تجارية تعود للمواطن ناصر العواد، بالإضافة إلى مقهى العادل، وذلك في إطار التضييق الاقتصادي المستمر على القرى والبلدات المحاذية للطرق الرئيسية.

وتشير الإحصائيات الحقوقية إلى تصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين، حيث تم تسجيل 468 اعتداءً خلال شهر يناير الماضي وحده، شملت العنف الجسدي وحرق الحقول واقتلاع الأشجار. ويقطن الضفة الغربية نحو 770 ألف مستوطن يتوزعون على مئات المستوطنات والبؤر الرعوية التي تشكل منطلقاً لهذه الهجمات.

وفي مناطق أخرى من الخليل، طارد مستوطنون مسلحون رعاة الأغنام من عائلة النعامين في خربة اقواويس بمسافر يطا، ومنعوهم من الوصول إلى المراعي. كما قام مستوطنون بقطع الطريق في واد سعير شمال الخليل، مما أعاق حركة مرور المركبات الفلسطينية عبر الشوارع الالتفافية الحيوية.

يُذكر أن الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان منذ أكتوبر 2023، حيث ارتفعت حصيلة الشهداء إلى 1117 فلسطينياً، بالإضافة إلى أكثر من 11,500 جريح. وتأتي هذه التطورات في ظل تشديد القيود العسكرية على المدن والقرى الفلسطينية تزامناً مع حلول شهر رمضان المبارك.

اسرائيليات

الأربعاء 25 فبراير 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يعلن عن محور إقليمي جديد يمتد «من الهند إلى كوش»

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ملامح رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى صياغة محور إقليمي ممتد، مستخدماً تعبيراً توراتياً يصف النطاق الجغرافي لهذا التحالف بعبارة «من الهند إلى كوش». وأوضح نتنياهو أن هذا المسار يسعى لربط القارة الهندية بمنطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، في خطوة تعكس تطلعات تل أبيب لتعزيز نفوذها الجيوسياسي.

جاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها نتنياهو في مؤتمر خاص نظمه جهاز الأمن العام (الشاباك)، حيث أشار إلى أن تل أبيب تعمل بجدية على بناء تحالفات تتجاوز الاصطفافات التقليدية. وأكد أن الهدف من هذا المحور هو خلق ثقل موازن لما وصفه بـ «محوري الإسلام المتطرف» بشقيهما، مشدداً على أن هناك دولاً عديدة تشارك إسرائيل هذه الرؤية وتتبادل معها الزيارات الرسمية.

واستحضر نتنياهو الدلالات التاريخية لمصطلح «كوش»، وهي المملكة النوبية القديمة التي ازدهرت في شمال السودان وعاصرت الحضارات الكبرى في العصور القديمة. ويرمز هذا الاستخدام إلى رغبة إسرائيل في مد جسور التعاون لتشمل مناطق القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر، مما يمنح المحور الجديد عمقاً استراتيجياً يربط التجارة والأمن بين قارتي آسيا وأفريقيا.

وتتزامن هذه الإعلانات مع وصول رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في زيارة رسمية تستغرق يومين، تهدف إلى تعميق الشراكة الاستراتيجية بين نيودلهي وتل أبيب. ومن المتوقع أن تشهد الزيارة توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة، مما يعزز من مكانة الهند كشريك أساسي في المحور الذي يسعى نتنياهو لتثبيت أركانه.

من جانبه، صرح مودي قبيل وصوله بأن العلاقة بين البلدين انتقلت إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية متعددة الأوجه، مؤكداً على متانة الروابط التي تجمع الجانبين. وتأتي هذه الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية نمواً مطرداً منذ عام 2014، حيث توسع التعاون ليشمل قطاعات حيوية مثل الزراعة والأمن السيبراني وتطوير الأنظمة الدفاعية المتطورة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز الاستثمارات الهندية كركيزة أساسية في هذا المحور، حيث تدير شركة «أداني» الهندية العملاقة ميناء حيفا الاستراتيجي على البحر المتوسط. ويمثل هذا التواجد الاقتصادي ترجمة عملية لفكرة الربط الجغرافي التي تحدث عنها نتنياهو، إذ يتحول الميناء إلى نقطة ارتكاز للتجارة القادمة من الشرق نحو الأسواق الأوروبية.

وفي الشق العسكري، أثبتت التقنيات الإسرائيلية حضورها القوي في العقيدة الدفاعية الهندية، خاصة بعد الاعتماد الواسع على الطائرات المسيرة إسرائيلية الصنع. وقد كشفت تقارير ميدانية أن الجيش الهندي استخدم هذه التقنيات بشكل مكثف خلال المواجهات العسكرية التي شهدتها الحدود مع باكستان في عام 2025، مما عزز الثقة في التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية.

ويرى مراقبون أن حديث نتنياهو عن «دائرة كاملة» في الشرق الأوسط يعكس رغبة في تجاوز العقبات السياسية التقليدية من خلال بناء شبكة مصالح اقتصادية وأمنية عابرة للحدود. ويشير استخدام التوقيت المرتبط بـ «عيد المساخر» إلى محاولة إضفاء طابع رمزي على التحولات السياسية التي يأمل في تحقيقها عبر هذا المحور الجديد الذي يربط القوى الصاعدة في آسيا بالمنطقة.

ورغم الانتقادات الداخلية التي يواجهها مودي في الهند بسبب هذا التقارب الوثيق، إلا أن المصالح المشتركة في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية تبدو هي المحرك الأساسي لهذه السياسة. وتسعى نيودلهي من خلال هذا التحالف إلى تأمين خطوط إمدادها وضمان موطئ قدم في الترتيبات الأمنية الجديدة التي تتشكل في منطقة الشرق الأوسط.

ختاماً، يمثل إعلان نتنياهو عن محور «من الهند إلى كوش» محاولة لإعادة تعريف الخارطة السياسية للمنطقة، بعيداً عن التقسيمات المعتادة. ويبدو أن التحالف الإسرائيلي الهندي سيكون حجر الزاوية في هذا المشروع، الذي يطمح لدمج القدرات التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية مع الثقل الاقتصادي والبشري للهند في إطار استراتيجي واحد.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير دولي: 2025 العام الأكثر دموية للصحافة وإسرائيل مسؤولة عن ثلثي الضحايا

أصدرت لجنة حماية الصحفيين من مقرها في نيويورك تقريراً صادماً يوثق مقتل 129 صحفياً وعاملاً في قطاع الإعلام حول العالم خلال عام 2025. وأكد التقرير أن هذا الرقم يمثل أعلى حصيلة سنوية يتم تسجيلها منذ أن بدأت اللجنة عمليات التوثيق المنهجي لانتهاكات حرية الصحافة في عام 1992.

وحملت المنظمة الدولية جيش الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن مقتل ثلثي إجمالي الضحايا المسجلين عالمياً خلال العام الماضي. وأوضحت المصادر أن القوات الإسرائيلية نفذت عدداً غير مسبوق من عمليات القتل المستهدف التي طالت الصحفيين، وهو ما يتجاوز جرائم أي قوة عسكرية حكومية أخرى جرى رصدها تاريخياً.

وتركزت غالبية الجرائم الموثقة في قطاع غزة، حيث كان معظم الضحايا من الصحفيين الفلسطينيين الذين استُهدفوا أثناء أداء واجبهم المهني. وشدد التقرير على أن هذه الاستهدافات تأتي في سياق محاولات طمس الحقيقة ومنع نقل صورة الأوضاع الإنسانية والميدانية المتدهورة داخل القطاع المحاصر.

وفي سياق المقارنة الدولية، أشار التقرير إلى أن أعداد الضحايا في مناطق النزاع الأخرى بدت ضئيلة جداً مقارنة بما ارتكبته إسرائيل. فقد سجل السودان مقتل 9 صحفيين، بينما قُتل 4 آخرون في أوكرانيا، وهي أرقام وصفها التقرير بالمتدنية للغاية عند وضعها في كفة المقارنة مع حصيلة القتلى في فلسطين.

وكشف التقرير عن تطور خطير في أساليب الاستهداف، حيث برزت الطائرات المسيرة كأداة رئيسية في عمليات الاغتيال. ورصدت اللجنة 39 حالة قتل عبر المسيرات، نفذ الجيش الإسرائيلي 28 حالة منها في غزة، بينما توزعت الحالات الأخرى بين السودان وأوكرانيا والعراق.

من جانبه، حذرت جودي جينسبيرغ، الرئيسة التنفيذية للجنة، من أن غياب المحاسبة الدولية يشجع على استمرار هذه الجرائم. وقالت إن استهداف الكوادر الإعلامية يعد مؤشراً خطيراً على اعتداءات أوسع تطال الحريات العامة، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يعرض المجتمع الدولي بأسره للخطر.

وانتقدت اللجنة بشدة ثقافة الإفلات من العقاب التي تهيمن على المشهد الدولي، حيث لم تُجرَ تحقيقات شفافة إلا في حالات نادرة جداً. ومن بين 47 حالة قتل متعمد واغتيال مباشر وثقتها اللجنة في 2025، لم يتم تسجيل أي عملية مساءلة قانونية أو ملاحقة قضائية للجناة حتى الآن.

ولم تقتصر الانتهاكات على مناطق النزاعات المسلحة فقط، بل امتدت لتشمل دولاً تعاني من تغول الجريمة المنظمة والفساد. فقد سجلت المكسيك مقتل 6 صحفيين على الأقل، وسط فشل ذريع للآليات الفدرالية في توفير الحماية اللازمة للإعلاميين الذين يواجهون تهديدات مستمرة منذ سنوات.

وفي الفلبين، رصد التقرير مقتل 3 صحفيين رمياً بالرصاص خلال العام الماضي، مع بقاء معظم هذه القضايا قيد التقييد ضد مجهول. وتعكس هذه الأرقام تراجعاً حاداً في مستويات الأمان المهني في دول آسيا وأمريكا اللاتينية، خاصة للصحفيين العاملين في ملفات الفساد السياسي.

وخلصت لجنة حماية الصحفيين، التي تأسست في عام 1981، إلى أن تقاعس الحكومات عن حماية الصحفيين يفتح الباب لمزيد من الانتهاكات. ودعت المنظمة المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حازمة لضمان سلامة الطواقم الإعلامية ومحاسبة القوى العسكرية التي تستهدفهم بشكل ممنهج.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

شهيد وجرحى في غارات فجرية وتفاقم معاناة النازحين مع غرق مئات الخيام بغزة

استشهد مواطن فلسطيني وأصيب عدد آخر بجروح متفاوتة، فجر اليوم الأربعاء، إثر استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لمجموعة من المواطنين في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة. وأكدت مصادر طبية أن القصف وقع في مناطق تقع خارج نطاق انتشار قوات الاحتلال، مما أدى إلى وقوع ضحايا بين المدنيين الذين يحاولون البقاء في المناطق التي صُنفت سابقاً كآمنة.

وفي سياق التصعيد الميداني، أفادت مصادر ميدانية بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ ثلاث غارات جوية مكثفة استهدفت مناطق متفرقة في مدينتي رفح وخان يونس. وتزامنت هذه الغارات مع قصف مدفعي عنيف طال الأحياء الشرقية لمدينة غزة، مما أثار حالة من الذعر في صفوف السكان الذين يعانون من استمرار العمليات العسكرية.

وفي مدينة غزة، استقبل المستشفى المعمداني جريحين سقطا برصاص قوات الاحتلال في حي الشجاعية، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية النار صوب المواطنين خارج مناطق توغلها. وتأتي هذه الحوادث في ظل استمرار الخروقات اليومية التي تشنها قوات الاحتلال رغم التفاهمات الدولية المعلنة بشأن وقف إطلاق النار.

ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا حرب الإبادة الجماعية منذ أكتوبر 2023 لتصل إلى 72 ألفاً و73 شهيداً. كما سجلت الطواقم الطبية إصابة نحو 171 ألفاً و756 شخصاً، في إحصائية تعكس حجم الكارثة الإنسانية والصحية التي يعيشها سكان القطاع المحاصر.

وعلى الصعيد الإنساني، واجه آلاف النازحين ليلة قاسية مع بدء منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة أدت إلى غرق مئات الخيام في مناطق مختلفة من القطاع. وتسببت الرياح القوية وهطول الأمطار في انهيار الخيام المهترئة، مما ترك العائلات، وبينهم أطفال وكبار سن، في العراء خلال الساعات الأولى من شهر رمضان.

وناشدت مئات العائلات المنكوبة طواقم الدفاع المدني والمؤسسات الإغاثية الدولية للتدخل الفوري لإنقاذهم وتوفير بدائل إيوائية عاجلة. وأكد الدفاع المدني في خان يونس أنه تلقى عشرات نداءات الاستغاثة، حيث تمكنت طواقمه من إجلاء عدة عائلات حاصرت مياه الأمطار خيامها المتهالكة.

وتتزايد التحذيرات من مخاطر انهيار المنازل المتضررة جزئياً بفعل القصف، حيث تزيد مياه الأمطار المتراكمة من ثقل الأحمال على الأبنية الآيلة للسقوط. كما تجمعت برك كبيرة من المياه داخل مراكز الإيواء والمدارس، مما يعيق حركة النازحين ويزيد من احتمالية انتشار الأمراض والأوبئة بين المقيمين في هذه المراكز المكتظة.

من جانبها، حذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن ثلثي سكان غزة يعيشون حالياً في خيام لا توفر أدنى مقومات الحماية من التقلبات الجوية. وأوضحت الوكالة أن استمرار موجات النزوح القسري يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المحدودة، في ظل انعدام الأمن الغذائي والمائي الحاد.

وشددت الأونروا على أن الأوضاع الإنسانية بلغت مستويات من القسوة لا يمكن تحملها، مع استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات الأساسية. وطالبت الوكالة الدولية بضرورة فتح المعابر وضمان تدفق مستدام للمواد الطبية والإغاثية ومواد الإيواء لمواجهة الاحتياجات المتفاقمة للسكان المحاصرين.

وفيما يخص ملف الإعمار والإيواء، أكد أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أن الاحتلال لا يزال يمنع دخول البيوت المتنقلة "الكرفانات" إلى القطاع. وأشار الشوا إلى أن آلاف العائلات لا تزال تقيم في العراء أو في خيام بالية، رغم أن التفاهمات الإنسانية الأخيرة نصت بوضوح على ضرورة إدخال هذه المواد الإيوائية.

وتشير التقارير الرسمية إلى أن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ منتصف أكتوبر الماضي بلغت نحو 615 شهيداً. وتطالب القوى الوطنية والفلسطينية المجتمع الدولي بإلزام إسرائيل ببنود الاتفاق، والضغط عليها للسماح بدخول الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والطبية.

ويبقى سكان قطاع غزة بين مطرقة القصف الإسرائيلي المتواصل وسندان الظروف الجوية القاسية، في ظل عجز دولي عن وقف الانتهاكات المستمرة. ومع دخول شهر رمضان، تتضاعف المعاناة الإنسانية وسط نقص حاد في الغذاء والكساء، وغياب الحلول الحقيقية لإنهاء مأساة النزوح التي طال أمدها.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

رحيل 'ريتا'.. ملهمة محمود درويش تغادر عالمنا في برلين تاركة وصية أدبية للعالم

غيب الموت في العاصمة الألمانية برلين، السيدة تمار بن عامي عن عمر ناهز 79 عاماً، وهي المرأة التي اشتهرت في الوجدان العربي والفلسطيني باسم 'ريتا'، الملهمة الأولى للشاعر الراحل محمود درويش. وقد جاء رحيلها بعد صراع طويل مع المرض، لتطوي بذلك صفحة من الحكايات التي امتزج فيها الحب بالسياسة والشعر بالواقع المرير.

كانت الراحلة قد قضت سنواتها الأخيرة في إدارة مشاريع فنية وثقافية، متنقلة بين مدينتي برلين وحيفا. وقد ارتبط اسمها للأبد بواحدة من أشهر قصائد الغزل المقاوم في الأدب الفلسطيني الحديث، حيث كتب فيها درويش 'بين ريتا وعيوني بندقية'، معبراً عن صراع القلب مع الهوية والوطن في بدايات مسيرته الشعرية.

تعود جذور القصة إلى عام 1963 في مدينة حيفا، حين التقى الشاب محمود درويش بالفتاة اليهودية تمار بن عامي التي كانت حينها في الثانية والعشرين من عمرها. وصفت الراحلة في لقاءات سابقة ذلك اللقاء بأنه كان 'تياراً كهربائياً' أشعل الحب من النظرة الأولى، حين كان درويش يلقي قصائده في عرض فني شاركت فيه بفرقة للرقص الشعبي.

تركت بن عامي وصية ثقافية لافتة، حيث دعت في أواخر ظهورها العلني إلى ترجمة قصيدة درويش 'فكر بغيرك' إلى كافة لغات العالم. واعتبرت أن هذه القصيدة تمثل بياناً إنسانياً عالمياً وبطاقة هوية لدرويش كشاعر كوني، مؤكدة على ضرورة تدريسها في المدارس كمادة للتربية والقيم الاجتماعية.

في ندوة ثقافية استضافتها بلدة إكسال عام 2018، استعادت 'ريتا' ذكرياتها مع شاعر فلسطين بشغف كبير، موضحة أن درويش كان بالنسبة لها 'مرساة الحياة' ومصدر إلهامها الدائم. ورغم أن العلاقة لم تكلل بالزواج بسبب الظروف السياسية والتحاقها بالجيش لاحقاً، إلا أنها ظلت تحتفظ بمكانة خاصة له في ذاكرتها.

كشف الفنان التشكيلي عبد عابدي، الصديق المقرب للراحلة، عن جوانب غير معروفة من حياتها، مشيراً إلى أنها طلبت مساعدته في أواخر التسعينيات لترتيب لقاء مع درويش في فرنسا. وبالفعل تمكنت من تحقيق أمنيتها ولقائه هناك عام 1998، في محاولة لاستعادة خيوط ذكرى قديمة لم يمحها الزمن.

ونعى عابدي صديقته بكلمات مؤثرة، مؤكداً أن قصة الحب بين درويش وتمار كانت معروفة فقط في الدوائر الضيقة جداً للمقربين من الشاعر. وأوضح أن الراحلة كانت ناشطة في المجال الاجتماعي والثقافي، وحافظت على صلاتها بالوسط الثقافي الفلسطيني حتى أيامها الأخيرة.

من جانبه، قدم الناقد مرزوق الحلبي قراءة مغايرة للانشغال برحيل 'ريتا'، معتبراً أن درويش الشاعر قد تجاوز تلك المرحلة المبكرة من حياته منذ زمن بعيد. وأشار الحلبي إلى أن درويش كان يشعر بالألم أحياناً لأن الجمهور والنقاد يحاولون دائماً إعادته إلى بداياته وقصائده الأولى مثل 'ريتا' و'أحن إلى خبز أمي'.

وأضاف الحلبي أن درويش في سنواته الأخيرة، وخاصة في أمسيته الشهيرة بحيفا عام 2007، حاول التحرر من سطوة القصائد القديمة ليقدم نتاجه الفكري والشعري الناضج. ومع ذلك، يظل الجمهور متعلقاً بتلك الرموز التي شكلت وعيه الأول بالقضية والحب تحت ظلال الاحتلال.

تعتبر قصيدة 'ريتا والبندقية' نموذجاً أدبياً فريداً جسد استحالة الحب في ظل الصراع القومي، حيث تقف البندقية حاجزاً بين العيون العسلية والشاعر. وقد تحولت هذه القصيدة إلى أيقونة غنائية بصوت الفنان مارسيل خليفة، مما ساهم في تخليد اسم 'ريتا' في الذاكرة الجمعية.

الراحلة تمار بن عامي كانت قد صرحت لوسائل إعلام بأن قراءة رسائل درويش القديمة كانت عملية 'موجعة وقاسية'، خاصة بعد إدراك الطرفين أنهما عالقان في واقع معقد. ورأت أن درويش نجح في أن يبقى في الذاكرة العامة للبشرية كشمعة تضيء الظلام رغم كل الانكسارات.

توزعت حياة 'ريتا' في سنواتها الأخيرة بين العمل الفني والرسائل الإنسانية، حيث كانت تطوف العالم حاملة رسالة تدعو للسلام وفهم الآخر، مستمدة ذلك من تجربتها الشخصية مع الشاعر الذي علمها 'عالم الكلمات والإبداع' كما كانت تصف دائماً.

رحيل تمار بن عامي يفتح الباب مجدداً للنقاش حول سيرة محمود درويش الشخصية وتأثيرها على شعره، وكيف استطاع تحويل تجربة حب شخصية إلى قضية إنسانية كبرى تتجاوز الحدود والأعراق، لتصبح 'ريتا' رمزاً أدبياً أكثر منها شخصية واقعية.

بوفاة 'ريتا' في برلين، يسدل الستار على فصل واقعي من فصول الإلهام الدرويشي، لكن القصيدة ستبقى حية تروي قصة 'العيون العسلية' التي حاصرتها البنادق، وستظل وصيتها بترجمة 'فكر بغيرك' نداءً أخيراً من امرأة عاشت في قلب الشعر الفلسطيني.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تطلق الموقع الرسمي لـ 'مجلس السلام' الخاص بغزة وتكشف عن حزمة تمويل بمليارات الدولارات

أعلن ديلان جونسون، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون العامة العالمية، عن التدشين الرسمي للموقع الإلكتروني لـ 'مجلس السلام'. وتأتي هذه الخطوة كجزء من المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف وضع حد للعمليات العسكرية المستمرة في قطاع غزة وتحديد ملامح المستقبل السياسي للمنطقة.

يتوفر الموقع الجديد باللغتين العربية والإنجليزية، ليكون منصة مرجعية للوثائق التأسيسية التي قام عليها المجلس منذ لحظة انطلاقه. ويشمل المحتوى الرقمي تفاصيل دقيقة حول خطة التسوية المقترحة، بالإضافة إلى الهيكل التنظيمي للمجلس وأسماء أعضاء الهيئات القيادية المشرفة على تنفيذ بنوده.

يتضمن الموقع قسماً إخبارياً متخصصاً يهدف إلى رصد وتوثيق كافة الأنشطة والتحركات التي يقوم بها المجلس على الصعيدين الإقليمي والدولي. ويأتي هذا الإطلاق بعد سلسلة من الخطوات الدبلوماسية، كان أبرزها توقيع ممثلي 19 دولة على ميثاق المجلس في مدينة دافوس السويسرية خلال شهر يناير الماضي.

وفي سياق الدعم المالي للمشروع، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نجاحه في جمع تعهدات مالية ضخمة تجاوزت قيمتها 7 مليارات دولار. وأوضح ترامب أن هذه المبالغ ستخصص كحزمة إنقاذ عاجلة لإعادة إعمار قطاع غزة وتثبيت دعائم الاستقرار في المرحلة المقبلة.

وحدد ترامب قائمة الدول المساهمة في هذا التمويل، والتي شملت دولاً من وسط آسيا مثل كازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان، إلى جانب حضور قوي لدول عربية. وضمت القائمة العربية كلاً من الإمارات والمغرب والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية ودولة الكويت.

إلى جانب التعهدات الدولية، أعلن الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة ستساهم بشكل مباشر بمبلغ 10 مليارات دولار لدعم ميزانية المجلس الذي يتولى رئاسته بنفسه. ولم تتضح بعد التفاصيل الدقيقة لأوجه إنفاق هذه المبالغ الضخمة، إلا أنها تندرج ضمن ميزانية الإدارة الانتقالية المقترحة.

يُذكر أن 'مجلس السلام' قد أُعلن عن تأسيسه رسمياً في منتصف شهر يناير الماضي، في وقت كانت فيه الأنظار تتجه نحو الأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة. ورغم الارتباط الوثيق بين تأسيس المجلس والحرب في القطاع، إلا أن مراقبين أشاروا إلى خلو ميثاقه الرسمي من ذكر اسم غزة بشكل صريح.

يمثل المجلس واحداً من أربعة هياكل تنظيمية صممتها إدارة ترامب لإدارة ما يعرف بـ 'المرحلة الانتقالية' في قطاع غزة. وتعمل هذه الهياكل بالتوازي، حيث تشمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ومجلس غزة التنفيذي، بالإضافة إلى قوة الاستقرار الدولية التي ستتولى المهام الأمنية.

تسعى واشنطن من خلال هذه المنصة إلى إضفاء طابع من الشفافية والمؤسساتية على خطتها المثيرة للجدل، عبر إتاحة الوصول للتقارير الدورية والقرارات الصادرة عن المجلس. وتظل التحديات الميدانية والسياسية هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة هذه الهياكل على إحداث تغيير ملموس على أرض الواقع في الأراضي الفلسطينية.

عربي ودولي

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

خطاب الاتحاد لترمب: الأطول تاريخياً ومواجهات ساخنة تحت قبة الكونغرس

ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خطاب حالة الاتحاد السنوي أمام جلسة مشتركة للكونغرس، في مناسبة طغى عليها طابع التمجيد الذاتي واستعراض ما وصفها بالإنجازات الكبرى. ولم يخلُ الخطاب من نبرة حادة تجاه الخصوم السياسيين في الداخل والخارج، مما أضفى أجواءً من التوتر المشحون داخل القاعة التي شهدت لافتات منددة وهتافات احتجاجية.

استمر خطاب ترمب لمدة ساعة و48 دقيقة، ليصبح بذلك أطول خطاب رئاسي أمام الكونغرس منذ ستة عقود على الأقل. وبحسب بيانات مشروع الرئاسة الأمريكية بجامعة كاليفورنيا، فقد تجاوز ترمب بهذا الوقت الرقم القياسي السابق الذي سجله هو نفسه في مارس الماضي، كما كسر رقم الرئيس الأسبق بيل كلينتون المسجل في عام 2000.

شهدت الجلسة مواجهة مباشرة عندما قاطعت النائبتان الديمقراطيتان إلهان عمر ورشيدة طليب حديث الرئيس حول ملف المهاجرين. ورد ترمب عليهما بمطالبتهما بالخجل لعدم وقوفهما احتراماً للخطاب، إلا أن الرد جاء سريعاً من إلهان عمر التي اتهمته بقتل أمريكيين وطالبته بأن يخجل هو من سياساته.

تصاعدت حدة التوتر مع إخراج النائب الديمقراطي آل غرين من القاعة قسراً بعد رفعه لافتة كتب عليها 'السود ليسوا قروداً'. وجاء هذا الاحتجاج رداً على مقطع فيديو نشره ترمب سابقاً يصور فيه باراك وميشيل أوباما بشكل مسيء، مما دفع أمن الكونغرس للتدخل الفوري وسط هتافات متباينة بين الحضور.

لم يتردد ترمب في وصف خصومه من الحزب الديمقراطي بـ'المجانين'، منتقداً بشدة رفضهم الوقوف أو التصفيق خلال فقرات خطابه المطول. واعتبر الرئيس أن هذا السلوك يعكس حالة من الانقسام العميق، في حين استمر في استعراض أجندته السياسية وسط مقاطعات متكررة من المعارضة.

على الجانب الآخر من المشهد، رصدت كاميرات الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي حالات من النعاس بين أعضاء الكونغرس بسبب طول مدة الخطاب. ونشر النائب الديمقراطي توم سوزي صورة لنفسه وهو نائم، معلقاً بسخرية على صعوبة البقاء مستيقظاً خلال الخطابات الطويلة التي تشبه الإعادات المملة.

كما ظهر النائب عن ولاية جورجيا ديفيد سكوت في مقاطع فيديو وهو يغالب النوم وعيناه مغمضتان لفترات وجيزة قبل أن يستفيق مجدداً. وتعكس هذه اللقطات حالة الإرهاق التي سادت القاعة نتيجة استمرار الخطاب لما يقارب الساعتين، تخللتها فترات توقف طويلة للتصفيق والمراسم البروتوكولية.

تضمن الخطاب فقرة تكريمية استضاف خلالها ترمب فريق الهوكي الأمريكي الفائز بالميدالية الذهبية الأولمبية، حيث أعلن منحهم وسام الحرية. واستخدم الرئيس هذه اللفتة لتعزيز رسائل النجاح والتميز الأمريكي التي حاول ترسيخها طوال كلمته أمام المشرعين والشعب الأمريكي.

أفادت مصادر بأن الأجواء داخل الكابيتول كانت الأكثر انقساماً منذ سنوات، حيث بدت الفجوة واسعة بين الجمهوريين المصفقين والديمقراطيين المحتجين. ولم يقتصر الاحتجاج على الكلمات، بل شمل حركات رمزية ورفضاً تاماً للمشاركة في التقاليد المعتادة لمثل هذه المناسبات الوطنية.

يرى مراقبون أن تعمد ترمب إطالة أمد الخطاب يهدف إلى الهيمنة على المشهد الإعلامي لأطول فترة ممكنة، رغم ما يسببه ذلك من تململ. وقد ركزت التحليلات اللاحقة على أن الخطاب لم يقدم مبادرات سياسية جديدة بقدر ما كان منصة للهجوم على المعارضين واستقطاب القواعد الشعبية.

ختم ترمب خطابه وسط مزيج من التصفيق الحاد من أنصاره وصيحات الاستهجان من معارضيه، تاركاً خلفه جدلاً واسعاً حول لغة الخطاب. وتؤكد هذه الواقعة أن حالة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة وصلت إلى ذروتها، متمثلة في مشادات كلامية مباشرة تحت قبة البرلمان.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

حملة وكالة بيت مال القدس لشهر رمضان تدعم المؤسسات الاستشفائية والاجتماعية وتوزيع "كوبونات"

 واصلت وكالة بيت مال القدس الشريف، التابعة للجنة القدس برئاسة الملك محمد السادس، تنفيذ حملتها السنوية للمساعدة الاجتماعية، لمناسبة شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، عبر برنامج ميداني يشمل مختلف أحياء المدينة المقدسة ومؤسساتها الاجتماعية والصحية.

وفي إطار الخطة المعتمدة لهذا العام، شرعت فرق الوكالة في تسليم حصص غذائية مخصصة للمراكز الاجتماعية والمؤسسات الاستشفائية التي تؤوي المرضى، وفي مقدمتها مستشفى المقاصد الخيرية، بما يضمن توفير وجبات الطعام للمرضى ومرافقيهم خلال الشهر الفضيل.

بالتوازي مع ذلك، تواصل الفرق الميدانية، يوميًا قبيل موعد الإفطار، توزيع وجبات الإفطار على مرتادي المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب استمرار التوزيع في التكايا، وتجمعات البدو، وقرى محافظة القدس، في تجسيد لنهج تكافلي يراعي مختلف الفئات المستفيدة.

وفي سياق دعم المؤسسات الصحية، وجّه نائب المدير العام لمستشفى المقاصد، الدكتور عدنان فرهود، شكره لوكالة بيت مال القدس الشريف، وعلى رأسها جلالة الملك محمد السادس، تقديرًا للمساعدات المتواصلة التي تقدمها الوكالة، لا سيما خلال شهر رمضان المبارك.

وأوضح فرهود أن المساعدات التي تسلمها المستشفى ستسهم بشكل مباشر في توفير وجبات الطعام للمرضى ومرافقيهم والموظفين، مشيرًا إلى أن الحصة الأكبر منها ستخصص للمرضى ومرافقيهم، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المدينة. كما أعرب عن تقديره للمملكة المغربية، ملكًا وحكومةً وشعبًا، على دعمها المتواصل لمؤسسات القدس وقطاعاتها الحيوية.

من جهته، أكد نائب المدير الإداري للمستشفى عمر ادعيس أن مبادرة الوكالة تعكس التزامًا ثابتًا تجاه القدس ومؤسساتها، مشيرًا إلى أن هذه المبادرة أصبحت تقليدًا سنويًا راسخًا يترجم حضورًا إنسانيًا مستمرًا في المدينة. وأضاف أن هذه الجهود تعكس روحًا صادقة من العطاء والمسؤولية، متمنيًا استمرارها لما تحمله من أثر إيجابي مباشر على الفئات المحتاجة.

وفي البلدة القديمة من القدس، تواصل الوكالة توزيع "كوبونات" قفة رمضان على المؤسسات واللجان الاجتماعية، بما يتيح للأسر المستفيدة الحصول على احتياجاتها الأساسية بمرونة تحفظ كرامتها وتراعي خصوصيتها.

وأكد عضو لجنة اجتماعية في البلدة القديمة، عاهد الرشق، أن أهالي المدينة يثمّنون الجهود المتواصلة التي تبذلها الوكالة في دعم صمود المقدسيين، مشيدًا بحملة هذا العام التي تستهدف الأسر المتعففة، لا سيما داخل أسوار البلدة القديمة، معتبرًا أن هذا الدعم امتداد لسنوات من العطاء المنتظم.

بدورها، أعربت مديرة الجمعية العربية للمكفوفين داخل البلدة القديمة، نادرة بزبز، عن شكرها وتقديرها للوكالة على إدراج شريحة المكفوفين ضمن قوائم المستفيدين من الطرود الغذائية والمساعدات.

وأوضحت أن غالبية المكفوفين يعانون من البطالة أو غياب المعيل، ما يجعلهم يعتمدون على ما تقدمه الجمعية من دعم مادي وعيني، مؤكدة أن هذه المبادرة تسهم في التخفيف من أعبائهم وتعزيز استقرارهم المعيشي.

كما أعربت حياة الزغير، من جمعية سيدات أم ليسون في القدس، عن تقديرها لدعم الوكالة المتواصل للأسر المتعففة والأيتام، مؤكدة أن تدخلاتها تشكل رافعة حقيقية لتعزيز صمود العائلات المقدسية، خاصة في الأحياء الطرفية. وأشادت بتواصل الوكالة الدائم وتفاعلها المستمر مع المؤسسات المحلية واحتياجاتها المتجددة.

وفي السياق ذاته، أكد رئيس جمعية نور العلم للمكفوفين، محمد الصياد، أهمية هذه المساعدات في ظل الأوضاع الراهنة، مشيرًا إلى أن فئات واسعة من المجتمع المقدسي باتت بحاجة ماسة إلى هذا النوع من الدعم الذي يخفف الأعباء المعيشية ويعزز القدرة على الصمود.

وكانت وكالة بيت مال القدس الشريف، قد أطلقت الأسبوع الماضي حملتها السنوية للمساعدة الاجتماعية بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك لعام 1447هـ، بإشراف المدير المكلف بتسيير الوكالة محمد سالم الشرقاوي.

ويتضمن برنامج الحملة لهذا العام توزيع خمسة آلاف قفة غذائية تحتوي على 22 صنفًا من المواد الأساسية، وتوفير مؤونة لإعداد نحو 20 ألف وجبة إفطار يوميًا، إضافة إلى كسوة عيد الفطر لفائدة 500 يتيم، وتنظيم برامج دينية وثقافية وتدريبية، في إطار رؤية شمولية ترسخ قيم التكافل وتدعم صمود المقدسيين في مدينتهم.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

مهدي حسن يفند مغالطات السفير الأمريكي لدى إسرائيل: تصريحات هاكابي أشعلت أزمة دبلوماسية عالمية

أكد الصحفي البريطاني مهدي حسن، مؤسس شركة «زيتيو» الإعلامية أن المقابلة الأخيرة التي أجراها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي لم تكن مجرد مادة إعلامية عابرة، بل تحولت إلى شرارة لأزمة دبلوماسية عالمية. المقابلة التي تجاوزت مشاهداتها الملايين على منصتي «إكس» و«يوتيوب»، أثارت ردود فعل غاضبة من أكثر من اثنتي عشرة دولة ذات أغلبية مسلمة، وصفت تصريحات السفير بالتحريضية والخطيرة.

وأوضح حسن في قراءته التحليلية أن جوهر الأزمة يكمن في دفاع هاكابي عن ما أسماه «الحق التوراتي» لإسرائيل في السيطرة على مناطق واسعة في الشرق الأوسط. هذا الطرح الديني والسياسي المتطرف دفع دولاً عديدة لإصدار بيان مشترك يحذر من تداعيات هذه التصريحات على الاستقرار الإقليمي، معتبرين أنها تعكس توجهاً يتجاوز الأعراف الدبلوماسية الدولية.

ورغم إشادة حسن بجرأة كارلسون في طرح بعض الأسئلة التي تتجنبها وسائل الإعلام التقليدية، إلا أنه انتقد بشدة فشل المذيع في تفنيد سلسلة من الادعاءات الكاذبة التي ساقها هاكابي خلال اللقاء الذي استمر لساعتين ونصف. واعتبر حسن أن السفير الأمريكي قدم إحصاءات مزيفة وجداول زمنية مضللة تخدم الرواية الصهيونية بالكامل دون مراجعة دقيقة.

ومن أبرز المغالطات التي رصدها حسن، ادعاء هاكابي بأنه لم يُسأل قط عن جوناثان بولارد، المحلل الاستخباراتي المدان بالتجسس لصالح إسرائيل. ووصف حسن هذا التصريح بأنه «كذبة صارخة»، مذكراً بأن المراسلة نيريا كراوس كانت قد واجهت هاكابي بهذا الملف في يناير الماضي، مما يعكس محاولة السفير تزييف الواقع الإعلامي المحيط به.

وفي الجانب التاريخي، فند حسن مزاعم هاكابي بأن إسرائيل كانت في حالة دفاع عن النفس خلال حروب 1956 و1967. وأوضح أن أزمة السويس بدأت بهجوم إسرائيلي مخطط له مسبقاً على سيناء، بينما بدأت حرب الأيام الستة بضربة جوية إسرائيلية مباغتة للمطارات المصرية، وهو ما أكده قادة إسرائيليون سابقون مثل مناحيم بيغن في تصريحات لاحقة.

وتطرق التحليل أيضاً إلى الخلط التاريخي الذي وقع فيه السفير بشأن «إعلان بلفور»، حيث أوضح حسن أن الإعلان صدر عام 1917 حين كانت فلسطين تحت الحكم العثماني، وليس خلال الانتداب البريطاني كما لمّح هاكابي. كما شدد حسن على أن الإعلان نفسه تضمن نصاً يحمي الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، وهو ما يتجاهله الخطاب اليميني المتطرف عادة.

وعلى صعيد الأرقام، كشف مهدي حسن عن عدم دقة معلومات هاكابي بشأن الوجود المسيحي في المنطقة، حيث زعم السفير أن عدد المسيحيين في إسرائيل يفوق عددهم في قطر. وبالعودة إلى البيانات الرسمية، تبين أن عدد المسيحيين في قطر يتجاوز 340 ألفاً، وهو ما يمثل ضعف عددهم تقريباً في إسرائيل البالغ نحو 182 ألفاً وفقاً لإحصاءات عام 2022.

واعتبر حسن أن أداء هاكابي في المقابلة يجعله يبدو «سفيراً لإسرائيل في واشنطن» بدلاً من كونه ممثلاً للمصالح الأمريكية في تل أبيب. هذا الانحياز الكامل، بحسب المقال، يضعف من مصداقية الدور الدبلوماسي الأمريكي ويؤجج المشاعر المناهضة للسياسات المنحازة في العالم الإسلامي، خاصة في ظل حساسية ملف القدس والأراضي المحتلة.

كما انتقد حسن صمت وسائل الإعلام السائدة تجاه الادعاءات «الخيالية» التي يطلقها المسؤولون المؤيدون لإسرائيل، متسائلاً عن غياب أسئلة المتابعة الجادة التي تضع هؤلاء المسؤولين أمام مسؤولياتهم القانونية والتاريخية. ورأى أن تجربة كارلسون، رغم ثغراتها، كشفت عن فجوة كبيرة في كيفية تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إعلامياً.

وخلص الصحفي البريطاني إلى أن تصريحات هاكابي تجاوزت حدود الجدل السياسي الداخلي لتصبح عبئاً دبلوماسياً حقيقياً، حيث تعكس هذه التصريحات رؤية أيديولوجية تصادمية لا تعترف بالحقوق الفلسطينية المشروعة. وأشار إلى أن مثل هذه المواقف تعزز حالة الاحتقان الدولي وتصعب من فرص الوصول إلى تسويات سياسية عادلة في المنطقة.

وفي ختام مقاله، شدد مهدي حسن على ضرورة توخي الدقة في نقل الحقائق التاريخية المتعلقة بالصراع، محذراً من خطورة تبني الروايات الدينية لتبرير التوسع السياسي. وأكد أن الأزمة الدبلوماسية التي تسببت فيها المقابلة هي نتيجة طبيعية لتجاهل الحقائق الميدانية والقانونية لصالح أيديولوجيات متطرفة تجد طريقها الآن إلى أروقة الدبلوماسية الرسمية.

عربي ودولي

الأربعاء 25 فبراير 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

مودي في تل أبيب لترسيخ التحالف الإستراتيجي وتوسيع التعاون الدفاعي

بدأ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، اليوم الأربعاء، زيارة رسمية إلى إسرائيل تعد الثانية له منذ وصوله إلى سدة الحكم في عام 2014. وتأتي هذه الخطوة لترسيخ مسار العلاقات التي شهدت قفزة نوعية منذ زيارته التاريخية الأولى في صيف عام 2017، والتي دشنت مرحلة جديدة من التعاون العلني بين نيودلهي وتل أبيب.

وأكد مودي عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الزيارة التي تستمر ليومين تهدف إلى تعزيز الشراكة الإستراتيجية المتعددة الأوجه التي تربط البلدين. وأشار إلى أن العلاقات الثنائية شهدت نمواً مضطرداً خلال السنوات الماضية، مما استوجب هذا اللقاء رفيع المستوى لمناقشة ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.

ويتضمن جدول أعمال الزيارة محادثات موسعة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى لقاء مع الرئيس إسحاق هرتسوغ. ومن المقرر أن يلقي مودي خطاباً أمام الكنيست الإسرائيلي، كما سيلتقي بممثلين عن الجالية الهندية التي تلعب دوراً محورياً في جسر العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الجانبين.

وتشير تقارير فنية إلى أن المحور الأساسي لهذه الزيارة يتركز على تحديث الاتفاقيات الأمنية وتوسيع آفاق التعاون في الصناعات الدفاعية. وتسعى إسرائيل من خلال هذه التفاهمات إلى تعزيز مكانتها كمورد رئيسي للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة للهند، التي تعد من أكبر المستوردين لهذا النوع من العتاد في العالم.

من جانبه، رحب بنيامين نتنياهو بهذه الزيارة واصفاً مودي بالصديق الحميم، ومعتبراً أن هذا اللقاء يمثل فرصة جوهرية لبناء تحالفات جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وتوقع نتنياهو أن تسفر المباحثات عن توقيع بروتوكولات أمنية تتيح تعاوناً أعمق في مجالات التصنيع العسكري المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

وتمثل هذه الزيارة ذروة التحول الإستراتيجي في السياسة الخارجية الهندية، التي انتقلت من الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية إلى بناء تحالف وثيق مع إسرائيل. فمنذ عام 1992، تاريخ بدء العلاقات الدبلوماسية، تسارع وتيرة التقارب بشكل غير مسبوق في عهد حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة مودي.

وقد تجلى هذا التحول بوضوح في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث سارعت الهند لإبداء تضامنها الكامل مع إسرائيل. كما انعكس هذا الموقف في المحافل الدولية، حيث امتنعت نيودلهي عن التصويت على قرارات أممية تطالب بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، مبررة ذلك بغياب الإدانة الصريحة للهجمات التي تعرضت لها إسرائيل.

أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

أبعد من عملة!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

في الأخبار المتداولة، فإن "مجلس السلام" بصدد إعداد دراسةٍ لإطلاق عملةٍ رقميةٍ في قطاع غزة، وقد أوعز المجلس للبنك الدولي لتقديم رؤيته إزاءها، فيما تفيد الأنباء بأن البنك يدفع بأن يكون لسلطة النقد الفلسطينية حضور فاعل في كل مراحل التخطيط.
ليست المشكلة في "العملة الرقمية" بحد ذاتها، فالاقتصاد في القطاع يعمل بهذه الآلية اضطراراً منذ أكثر من عامين، في ضوء تآكل العملة الورقية وخروج السيولة المعدنية عن الخدمة، كما أن التوجه العالمي يسير نحو الرقمنة الشاملة. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في "النوايا والأهداف" المتوخاة من إطلاقها في قطاع غزة حصراً، ما يُكرّس "الانفصال الاقتصادي" بين شطري الوطن، ويُحوّل غزة إلى "جزيرة مالية" معزولة جغرافياً وسياسياً.
إن هذه العملة المقترحة ليست أداة للتنمية، بقدر ما هي "قيد رقمي"، ففي عالم الأرقام المشفرة، يمكن بضغطة زر واحدة تحويل المليارات الموعودة إلى أرقام وهمية على الشاشات، طالما أن إسرائيل هي من تتحكم فيها كما تتحكم في المقاصة، سيما أن القرار الأخير في هذه الرؤية يعود لها، إذ لن تقدم على أي خطوةٍ من شأنها أن تسهم في نقل الاقتصاد الوطني لمرحلة التعافي، وهي التي لم تتوقف يوماً عن الحفر تحت السلطة والتضييق عليها، خاصة في عام انتخاباتٍ يتبارى فيه اليمين على البطش بالشعب الفلسطيني وإفقاده الأمل.
هنا تنهض العديد من الأسئلة أمام اللجنة الإدارية التي ستضطلع بإدارة القطاع: ما هو موقفها إذا ما تقرر حصر العملة في غزة؟ وكيف ستتمكن من تقديم خدماتها للمنكوبين وهي لا تملك "مفتاح الخزنة"؟ فالتحكم بالمليارات وأوجه صرفها وتوقيت ضخها يقع بيد "مجلس السلام" وحده لا شريك له، ما يضع اللجنة والمواطن تحت رحمة "برمجة سياسية" مسبقة الدفع.
إن القبول بعملة تُصنع في مختبرات "السلام الاقتصادي" وأحلام "الريفييرا"، وبخطاب معماري لا يشبه غزة وتاريخها، بعيداً عن السيادة الوطنية، هو توقيع على صك تحويل غزة إلى "شركة خاصة" يديرها سماسرة الصفقات، فالهوية الوطنية لا يمكن مقايضتها بـ"رصيد رقمي" ممنوع من الصرف.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى مجزرة الحرم الإبراهيمي.. هوية إسلامية راسخة في قلب الخليل

 بحجارته العتيقة، يطل الحرم الإبراهيمي الشريف شامخًا، متوسّطًا أزقةً ومباني قديمة ومساجد ومآذن تحمل تاريخ الأنبياء وتراث مدينة مقدسة. ورغم تغلغل الاحتلال في محيطه وداخله، وصعوبة الواقع، إلا أن روح المكان شاهدة على ثبات هويته الإسلامية العربية، مهما تغيرت الظروف في مدينة الخليل التي تحفظ تاريخها بصمود سكانها الذين يحافظون على الصلاة والحضور تمسكًا بجذورهم. ويبقى الحرم الإبراهيمي درة المدينة وقلبها النابض الذي لا ينطفئ نوره، واحدًا من أهم الرموز الدينية والتاريخية الفلسطينية.
وقال الشيخ معتز أبو اسنينة، مدير الحرم الإبراهيمي، إن الحرم الذي يجمع بين قداسة المكان وأهمية التراث، جعله محط أطماع الاحتلال الإسرائيلي. ويواجه الحرم منذ عقود تحديات جسيمة نتيجة هذه الأطماع الاستيطانية التي تسعى إلى تهويده وفرض السيطرة عليه كاملة. وأشار إلى أن مخططات الاحتلال للاستيلاء على الحرم الإبراهيمي والسيطرة عليه وتهويده بالكامل تحت سيادته، تظهر بشكل واضح وجلي في ظل قرار حكومة الاحتلال نقل إدارة الحرم الإبراهيمي من الأوقاف الإسلامية إلى إدارة مستوطنة "كريات أربع".
وأضاف أبو اسنينة أن الأمر لا يقتصر على إجراء إداري فحسب، بل يحمل أبعادًا سياسية ودينية خطيرة، إذ يُخشى أن يفتح الباب أمام تعميق السيطرة الاستيطانية على الحرم ومحيطه، ويمنح غطاءً قانونيًا لتوسيع نفوذ المستوطنين داخل البلدة القديمة، على حساب الوجود الفلسطيني. وأشار إلى أنه على مدار عقود، سعى الاحتلال والمستوطنون إلى فرض واقع جديد داخل الحرم الإبراهيمي، عبر التقسيم الزماني والمكاني، وتشديد القيود على المصلين المسلمين، وصولًا إلى محاولات متكررة لتحويله إلى كنيس يهودي. وأوضح أن نقل الإدارة قد يؤدي إلى تسريع عمليات الاستيلاء على مبانٍ فلسطينية محيطة بالحرم، بذريعة التنظيم والإدارة.
وبين أبو اسنينة أن أي تغيير في إدارة الحرم الإبراهيمي – الذي لا يعد موقعًا دينيًا فحسب، بل شاهدًا تاريخيًا على الهوية العربية والإسلامية للخليل – يُعتبر مساسًا مباشرًا بالسيادة والحق التاريخي، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تؤكد على حماية المقدسات الدينية في الأراضي المحتلة. وأكد أن المرحلة الراهنة هي مرحلة حساسة وخطيرة في تاريخ الحرم الإبراهيمي ومدينة الخليل، حيث تتقاطع القرارات الإدارية مع مشروع استيطاني أوسع، يهدد المكان والإنسان معًا. وشدد على أن الحرم الإبراهيمي يبقى عنوانًا للصمود في وجه محاولات الطمس والتهويد.
من جهته، قال أمجد كراجة، مدير عام أوقاف الخليل، إن الاحتلال يسعى إلى الاستيلاء على ما تبقى من الحرم الإبراهيمي عبر تغيير معالمه التاريخية. وأشار إلى أن الإجراءات والممارسات المفروضة على هذا المكان المقدس إسلاميًا تمت مترًا تلو الآخر، بهدف إفراغ الحرم ومحيطه والبلدة القديمة، وبالتالي السيطرة عليه. وأوضح أنه لم يتبقَّ سوى جزء بسيط بعد أن اغتصب الاحتلال 63% منه، ولم تتوقف الانتهاكات عند التقسيم، بل تتواصل الاعتداءات من قبل المستوطنين بحماية الجيش الإسرائيلي، الذين يقتحمونه بالآلاف ويقيمون حفلات صاخبة وصلوات تلمودية داخله، في انتهاك صارخ لحرمة المكان وقدسيته.
واعتبر كراجة أن إجراءات الاحتلال المتزايدة بحق الحرم الإبراهيمي – والتي تشمل إغلاق مداخل الحرم عدا مدخل واحد، والتنكيل بالزوار والمصلين في محاولة لتقليل أعدادهم، ومنع الأذان من مآذن الحرم، بالإضافة إلى الاعتداءات المتكررة على شبكة كهرباء الحرم ومحاولة فصل التيار الكهربائي عن القسم الواقع تحت إدارة الأوقاف الإسلامية، وصولًا إلى رفض تسليم قاعاته وساحاته وأقسامه ومرافقه كما هو متعارف عليه في أيام الجمع من شهر رمضان في كل عام، في خطوة غير مسبوقة – تهدف إلى تكريس هذا الواقع الجديد وتمهيد السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي.
وطالب كراجة منظمة اليونسكو، التي وضعت الحرم الإبراهيمي ضمن لائحتها للتراث العالمي، بالعمل على كف يد الاحتلال عن اعتداءاته وانتهاكاته بحق الحرم، معتبرًا أن هذه الانتهاكات تشكل ضربًا للأنظمة والقوانين التي تتبناها المنظمة.



فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد خطير وممنهج في القدس: إبعاد المقدسيين واستهداف مصلى باب الرحمة ومقبرته في معركة الوجود والهوية

 في تصعيد خطير وممنهج خلال شهر رمضان المبارك، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة "التطهير السكاني" و"التهويد" في مدينة القدس المحتلة، مستهدفة المسجد الأقصى المبارك في هويته ورواده ومحيطه. تتزامن موجة قرارات الإبعاد الجماعية بحق المقدسيين مع اعتداءات غير مسبوقة على مصلى باب الرحمة ومقبرته الملاصقة، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض تكرس الهيمنة على المدينة العتيقة ومقدساتها.
أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الثلاثاء، قرارات جديدة تقضي بإبعاد عدد من المقدسيين عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس المحتلة لفترات متفاوتة. وشملت القرارات إبعاد الشابين بلال سرحان وحاتم جبر العباسي من بلدة سلوان عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر.
لكن الأرقام الأكثر دلالة تأتي من كشف محافظة القدس، التي أكدت أن سلطات الاحتلال أصدرت خلال الأيام الأخيرة أكثر من 300 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى بحق مواطنين مقدسيين. هذا الرقم الكبير في فترة وجيزة يعكس حملة ممنهجة لتجريد المسجد من المصلين والمرابطين قبل حلول الشهر الفضيل.

إحصاءات شاملة: 2630 قرار إبعاد

بحسب إحصاءات محافظة القدس، فإن عدد قرارات الإبعاد خلال السنوات الخمس الماضية بلغ نحو 2630 قرارًا، في حين سُجل خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي وحده قرابة 300 حالة إبعاد، وُصفت معظمها بأنها "احترازية تمهيدًا لشهر رمضان".
وطالت قرارات الإبعاد فئات متعددة من النخبة المقدسية، بما في ذلك، أئمة وخطباء في المسجد الأقصى المبارك، في مقدمتهم القاضي محمد سرندح والأمام محمد علي العباسي وغيرهم، وحراس المسجد وموظفو لجنة الإعمار ونشطاء ومرابطون في البلدة القديمة وصحفيون ووجهاء مقدسيون.

استهداف النخب المقدسية

ووثق مركز معلومات وادي حلوة الحقوقي إصدار سلطات الاحتلال قرارات بإبعاد 8 مقدسيين عن المسجد الأقصى لمدة تصل إلى ستة أشهر، من بينهم حسام سدر (موظف بلجنة إعمار الأقصى)، وأحمد أبو عليا (حارس بالأقصى)، وفادي عليان (حارس).
ووفق معطيات نشرتها مؤسسة القدس الدولية إن قرارات الإبعاد عن الأقصى شملت أكثر من ألف فلسطيني، أغلبهم مدة ستة أشهر. وأكدت أن إبعاد غالبيتهم دون محاكمة وتشير المصادر الحقوقية إلى أن قرارات الإبعاد تُصدر عبر أوامر إدارية عسكرية دون محاكمة، ويتم تبليغها أحياناً عبر الهاتف أو تطبيقات إلكترونية دون تسليم قرارات خطية رسمية، مما يصعّب عملية الطعن فيها أو حصرها بدقة.
ويرى مسؤول مكتب شؤون القدس هارون ناصر الدين أن إصدار سلطات الاحتلال قرارات إبعاد بحق أئمة وخطباء المسجد الأقصى يشكل "جريمة متجددة وتعديًا سافرًا على قدسية المسجد ودوره الإسلامي والحضاري"، معتبرًا أن هذه القرارات تسعى إلى "تفريغ المسجد من قياداته الدينية والمجتمعية لتسهيل مشاريع التهويد والتقسيم الزماني والمكاني، وصولًا إلى هدمه وبناء الهيكل المزعوم".
وفي تطور خطير، أقدمت قوات الاحتلال، قبيل حلول شهر رمضان، في ليلة الثلاثاء والأربعاء 3 و4 شباط/الجاري، على كسر قفل دار الحديث الشريف الواقعة بين مصلى باب الرحمة وباب الأسباط في الجهة الشرقية من الأقصى، واقتحامها. ولم يتوقف الأمر عند كسر القفل، بل امتد ليشمل عدداً من القباب والخلوات التاريخية داخل ساحات المسجد الأقصى. والأخطر من ذلك، أن سلطات الاحتلال فرضت واقعاً جديداً بـرفضها القاطع السماح بإعادة تركيب قفل جديد للمبنى، ما يجعله مستباحاً ومكشوفاً أمام الاقتحامات المستمرة.

ثلاثة أبعاد خطيرة لتجديد معركة باب الرحمة
أكدت مؤسسة القدس الدولية في تقريرها أن هذا العدوان الجديد على دار الحديث تحديداً يحمل في طياته مخاطر حددتها في ثلاثة أبعاد رئيسية، منها تجديد المعركة على مصلى باب الرحمة يؤكد هذا التحرك نية الاحتلال تجديد المعركة على مصلى باب الرحمة، وتجديد محاولة إغلاقه، إذ إن دار الحديث الشريف تجاور باب الرحمة من جهة الشمال، وهو الذي سبق لجماهير المرابطين أن فرضت فتحه في 22 شباط/فبراير 2019، أي قبل سبع سنوات من هذا العدوان، بعد محاولة شرطة الاحتلال السيطرة عليه. كذلك إذا ما قُورِن هذا الاستهداف لدار الحديث الشريف باستهداف مصلى باب الرحمة الواقع جنوبها، واستفراد المقتحمين من المستوطنين بالساحة الشرقية إلى الجنوب وأداء الطقوس التوراتية فيها ومنع الحراس والمصلين من دخولها خلال الاقتحامات، فإن هذه العناصر تضع الجهة الشرقية من الأقصى بأسرها في عين الخطر باعتبارها هدفاً للتقسيم المكاني.
ولفتت الى أن تكرار اقتحام دار الحديث الشريف في المسجد الأقصى قد يمهد لتحويلها إلى مقر إضافي لشرطة الاحتلال، إضافة إلى الخلوة الجنبلاطية التي تم الاستيلاء عليها عام 1982 وحولتها إلى مركز للشرطة، وهذا يتماشى تماماً مع حالة التغول الأمني المستمر على المسجد الأقصى، حيث باتت تنتشر فيه 9 دوريات راجلة على مدار الساعة وذلك منذ 13 آذار/مارس 2024 .
وجددت النداء إلى الأمة العربية والإسلامية ونخبها وعلمائها بضرورة أن "تجعل الأقصى وحماية هويته عنوان تحركها الشعبي الجماهيري، وعنوان دعائها واعتكافها، وعنوان الوعي والاهتمام خلال شهر رمضان المبارك" .

اقتحامات المستوطنين.. تصعيد يومي تحت حماية الجيش

وفي مشهد يتكرر يومياً، اقتحم عشرات المستوطنين، أمس، المسجد الأقصى المبارك من باب المغاربة، بحماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي. وذكرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة أن 162 مستوطناً اقتحموا المسجد الأقصى، ونظموا جولات استفزازية في باحاته، وأدوا طقوساً تلمودية في المنطقة الشرقية من المسجد المبارك. وفرضت قوات الاحتلال قيوداً مشددة على وصول المصلين والمقدسيين للمسجد، واحتجزت هوياتهم عند بواباته الخارجية.
تأتي هذه الاقتحامات المتكررة في إطار محاولات الاحتلال لـفرض واقع تغييري في المسجد والمدينة المحتلة، خاصة في منطقة البلدة القديمة والمناطق المحيطة بالأقصى، وتهدف إلى ممارسة طقوس تلمودية داخل ساحات المسجد.

مقبرة باب الرحمة.. استهداف الموتى قبل الأحياء

لا تقتصر الانتهاكات على المسجد الأقصى ومصلياته، بل تمتد إلى مقبرة باب الرحمة الإسلامية الملاصقة للسور الشرقي للمسجد الأقصى. فالاقتحامات للمقبرة لا تتوقف واقتحم عشرات المستوطنين مقبرة باب الرحمة، وأدوا طقوساً تلمودية عند بوابة الرحمة في منتصف المقبرة، كما أدوا رقصات استفزازية فوق القبور.
وتتعرض المقبرة لأعمال حفريات من قبل الاحتلال من أجل إنشاء قاعدة للتلفريك التهويدي المحيط بالبلدة القديمة، بهدف الاستيلاء عليها لاحقاً.
تكتسب مقبرة باب الرحمة أهمية خاصة لدى المسلمين؛ إذ يعود تاريخها إلى ما قبل 1400 عام، كما تحتضن قبور عدد من الصحابة والتابعين، أبرزهم: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، فضلاً عمّن شاركوا في فتح القدس في العهدين العمري والأيوبي.

مخطط التهويد: حديقة توراتية بديلاً عن المقبرة

تبلغ مساحة مقبرة باب الرحمة نحو 23 دونماً، وتنوي حكومة الاحتلال تحويل جزء منها لحديقة توراتية ضمن مشروعها لتهويد المدينة. وأكد مجلس الإفتاء أن محاولات سلطات الاحتلال تهدف إلى طمس المعالم العربية والإسلامية وتحويل أجزاء من المقبرة إلى "حديقة توراتية" ضمن مخطط تهويد المدينة المقدسة.
يرى مراقبون أن الحملة المتزامنة على عدة جبهات -الإبعاد الجماعي، وكسر أقفال المصليات، واقتحامات المستوطنين، وتدنيس المقابر- تشكل استراتيجية شاملة لتهويد القدس وطمس هويتها العربية والإسلامية.
وقد أدان الأردن استمرار الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، مؤكداً أنه "لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية".
كما طالب مجلس الإفتاء المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية بـ"تحمل مسؤولياتها ووضع حد حازم" لاستمرار الاعتداءات على الأماكن الدينية الإسلامية، وللانتهاكات التي تطال الإنسان الفلسطيني "حياً وميتاً".

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

إغلاق برج اللقلق: استهداف للوجود ومحاولة لمحو الهوية

الشيخ د. عكرمة صبري: قرار إغلاق الجمعية تعسفي وغير إنساني وجاء دون ذكر أسباب واضحة وله تداعيات سلبية ويفتقر للأساس القانوني
منتصر ادكيدك: خطوة تركت آثاراً مباشرة على مئات الأطفال وعائلاتهم وفتحت تساؤلات جدية حول مستقبل العمل الرياضي والاجتماعي بالمدينة
سامر نسيبة: فصل جديد وأكثر فداحة ضمن سياسة ممنهجة بدأت منذ سنوات تستهدف الوجود المؤسسي الفلسطيني في مدينة القدس
المطران عطا الله حنا: إغلاق برج اللقلق يندرج في إطار استهداف شامل للقدس بمقدساتها وأهلها الذين يراد لهم أن يكونوا غرباء في مدينتهم
جودت مناع: قرار الإغلاق من شأنه رفع حدة التوتر المخيم على القدس وعلى الجهات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان متابعة ذلك قانونياً
مازن الجعبري: إغلاق برج اللقلق ليس مجرد إجراء أمني عابر بل مؤشر سياسي يعكس طبيعة المرحلة التي تُدار بها القدس في الوقت الحالي
د. طلال أبو عفيفة: أي قرارات أو تعديلات أو تغيير معالم في المدينة المقدسة غير قانونية استناداً إلى مقررات الأمم المتحدة والشرعية الدولية


خاص بـ "القدس" دوت كوم

أغلقت سلطات الاحتلال مقر جمعية برج اللقلق المجتمعية داخل البلدة القديمة في القدس لمدة ستة أشهر، بناء على أصدره وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، استناداً إلى ما يسمى "قانون التطبيق" الذي يمنع أي نشاط سيادي للسلطة الفلسطينية في القدس، فيما يكمن الهدف الحقيقي من وراء الإغلاق في تقويض العمل المجتمعي الفلسطيني في المدينة المحتلة.
وقد تأسست جمعية برج اللقلق في عام 1991، وتقدم منذ تأسيسها خدمات للأطفال والشباب بالبلدة القديمة، لكنها توسعت منذ ذلك الحين، لتصبح من كبرى الجمعيات في القدس.
واعتبرت شخصيات مقدسية وكُتّاب في أحاديث لـ"ے" قرار الإغلاق تعسفياً ولا يستند إلى أي أساس قانوني، وله تداعيات سلبية، لا سيما على فئة الشباب الذين كانوا يستفيدون من خدمات الجمعية وأنشطتها، محذرين في الوقت ذاته من أن ذلك القرار فصل جديد وأكثر فداحة ضمن سياسة ممنهجة بدأت منذ سنوات تستهدف الوجود المؤسسي الفلسطيني في مدينة القدس.
 


 


أكد رئيس الهيئة الإسلامية العليا الشيخ الدكتور عكرمة صبري أن جمعية برج اللقلق هي جمعية خيرية اجتماعية إنسانية، تقدم خدمات جليلة ومتعددة لأهالي مدينة القدس.
وأشار الشيخ صبري إلى أهمية موقع جمعية برج اللقلق في البلدة القديمة الذي يعد موقعاً مهماً وحساساً.
وأوضح الشيخ صبري أن قرار إغلاق الجمعية لمدة 6 أشهر جاء دون ذكر أسباب واضحة، معتبراً أن هذا الإغلاق تعسفي وغير إنساني، بل ويفتقر إلى الأساس القانوني.
وأضاف الشيخ صبري أن لهذا القرار تداعيات سلبية، لا سيما على فئة الشباب الذين كانوا يستفيدون من خدمات الجمعية وأنشطتها.
وأكد الشيخ صبري أن غياب هذه الخدمات سيؤثر سلباً على فئة الشباب، خاصة في ظل الدور الذي كانت تقوم به في احتضانهم ودعمهم اجتماعياً وإنسانياً.

ليس مجرد إجراء إداري عابر

وأكد مدير جمعية برج اللقلق المجتمعي في البلدة القديمة منتصر ادكيدك أن إغلاق المركز لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل خطوة تركت آثاراً مباشرة على مئات الأطفال وعائلاتهم، وفتحت تساؤلات جدية حول مستقبل العمل الرياضي والاجتماعي في المدينة.
وأوضح أن إغلاق مؤسسة مجتمعية لا يُقاس بحجم المبنى أو عدد الغرف، وإنما بمدى حضورها في حياة الناس، مشيراً إلى أن البرج شكّل على مدار سنوات مساحة يومية آمنة ومنتظمة للأطفال واليافعين بعد انتهاء الدوام المدرسي، حيث كانت تُقام تدريبات للفئات العمرية المختلفة، ومباريات ودية، وبرامج صيفية، إلى جانب أنشطة تربوية مرافقة.
وأضاف ادكيدك: إن الرياضة في البرج لم تكن مجرد منافسة على الألقاب، بل منظومة قيم وانضباط، حيث كان المدرب موجهاً ومربياً، واللاعب مشروع شاب يبحث عن فرصة ومساحة آمنة للتطور.
وبيّن أن أول ما لمسه الأهالي بعد الإغلاق هو حالة الفراغ، إذ اختفت ساعات التدريب من الروتين اليومي للأطفال، وأغلق المكان الذي اعتادوا التوجه إليه، في وقت تعاني فيه البلدة القديمة من شحّ المساحات العامة وغياب البدائل القريبة، الأمر الذي يزيد من القلق بشأن الآثار النفسية والسلوكية المحتملة على الأطفال.
وأشار ادكيدك إلى أن البرج لم يكن يخدم اللاعبين فقط، بل شكّل نقطة التقاء اجتماعية للعائلات، حيث كانت المباريات والبطولات الصغيرة مناسبة لتعزيز التعارف والتطوع والشراكات المحلية، لافتاً إلى أن إغلاق المركز ترك فجوة في النسيج الاجتماعي وأضعف مساحة كانت تسهم في تعزيز التماسك داخل الحي، في ظل نقص واضح في الخدمات المجتمعية.
وأكد أن توقف البرامج المنتظمة ينعكس سلباً على مسار اكتشاف المواهب وتنميتها، كما أن حرمان الأطفال من مساحة آمنة ومنظمة قد يترك آثاراً بعيدة المدى، مشدداً على أن الحفاظ على الأطر الشبابية في القدس ضرورة لتعزيز الاستقرار المجتمعي، وأن الاستثمار في الطفل هو استثمار في توازن المجتمع وهدوئه.
وختم ادكيدك بالقول: إن إغلاق برج اللقلق المجتمعي ليس خبراً عابراً، بل محطة مؤثرة في حياة مجتمع كامل داخل البلدة القديمة، مؤكداً أن الرياضة في القدس ليست ترفاً، بل حاجة اجتماعية وإنسانية ومساحة أمل ينبغي الحفاظ عليها.

 فصل جديد ضمن سياسة ممنهجة

وقال رئيس الاتحاد الفلسطيني للثقافة الرياضية سامر نسيبة: إنه لا يمكن النظر إلى قرار إغلاق جمعية برج اللقلق المجتمعي كحادثٍ معزول أو إجراء أمني عابر، بل هو فصل جديد وأكثر فداحة ضمن سياسة ممنهجة بدأت منذ سنوات تستهدف الوجود المؤسسي الفلسطيني في مدينة القدس.
ويرى نسيبة أن ما يحدث هو تصعيد نوعي في استراتيجية الاحتلال؛ فبعد أن كان الاستهداف في الماضي  يتركز على المؤسسات ذات الرمزية السياسية والتاريخية (مثل بيت الشرق والغرفة التجارية) لضرب التمثيل الوطني، انتقل العمل اليوم في ظل غياب المحاسبة الدولية و  غياب فعالية القانون الدولي إلى استهداف  بنية المجتمع نفسه عبر إغلاق أي مؤسسة فلسطينية مستقلة لا ترتبط بمنظومة الاحتلال، حتى لو كان نشاطها خدماتياً أو رياضياً صرفاً.
وأكد نسيبة: إننا أمام معركة حسم السيادة في القدس، حيث تسعى السلطات الإسرائيلية لإنهاء أي وجود مؤسسي فلسطيني يمتلك استقلالية وطنية. وتتعاظم خطورة هذه الضربة في حالة "برج اللقلق" لثلاثة اعتبارات استراتيجية:
أولاً: الموقع والمساحة: يتربع المركز على موقع استراتيجي وحساس للغاية داخل أسوار البلدة القديمة، وتعد مساحته ثاني أكبر مساحة  مفتوحة في البلدة القديمة بعد المسجد الأقصى . هذا الثقل الجغرافي يجعله مطمعاً دائماً للمشاريع الاستيطانية التي تسعى لتغيير الطابع الديموغرافي والجغرافي للمنطقة ، كما كان الحال  قبل اكثر من ثلاثين عاما   حيث  يومها  تم تأسيس برج اللقلق   بعد معركة صمود و ثبات.
ثانياً: سيناريو "وضع اليد": الخطر الحقيقي لا ينتهي عند قرار الإغلاق لعدة أشهر بل ما قد يليه.
وتساءل نسيبة: هل سيبقى المكان مغلقاً لسنوات حتى يتحول إلى فراغ مهجور؟ أم يجري فرض واقع جديد عبر وضع اليد أو تغيير طبيعة استخدامه؟
وقال: علينا الانتباه أنه في قضايا كهذه، غالباً لا تكون الخطوة الأولى هي النهاية، بل بداية مسار طويل. مع خطورة أن ذلك يعني خسارة جغرافية في قلب القدس لا قدر الله لا تعوض.
ثالثاً: ضرب الحاضنة الشبابية: الخسارة كذلك تكمن في حرمان المئات، بل آلاف من أعضاء هذه المؤسسة الناجحة و سكان المدينة من خدماتها. فاستهداف قطاع الشباب وهو القطاع الأهم في معادلة الصمود يهدف إلى تفريغ المدينة من أطرها المجتمعية التي تحمي و تحصن الجيل  الناشئ و تشكل لهم فضاءً اجتماعياً وتربوياً  ورياضياً مهماً.
ويرى نسيبة أن تفريغ الحيّز العام من مؤسساته المجتمعية لا يخلق فراغاً محايداً، بل يعيد تشكيله سياسياً واجتماعياً. وقال يمكن فهم ما يجري في إطار أوسع يتعلق بمحاولة إعادة هندسة الحيّز العام الفلسطيني داخل البلدة القديمة، حيث تصبح السيطرة على المكان وإدارته أداة مركزية في تثبيت السيادة على الأرض.
وختم نسيبه بالتاكيد على أن القضية ليست إغلاق مؤسسة شبابية مجتمعية مهمة، بل هي جزء من سياسة  فرض السيادة التامة على كل أنحاء القدس العربية وتغيير ملامح الحيز العام ضمن فرض سياسة الأمر الواقع.  
وأوضح أن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط ماذا حدث لبرج اللقلق، بل ماذا سيحدث لهذه المساحة الحيوية بعد عام أو عامين، ومن سيملأ الفراغ الذي  قد يتركه غياب مؤسسة وطنية فاعلة تخدم أحد أهم قطاعات المجتمع:  سكان البلدة القديمة بشكل عام و قطاع الشباب بشكل خاص.

استهداف شامل لمدينة القدس

وأكد رئيس أساقفة الروم الأرثوذكس في القدس المطران عطا الله حنا أن إغلاق مؤسسة برج اللقلق يندرج في إطار استهداف شامل لمدينة القدس، مشيراً إلى أن المدينة المقدسة مستهدفة في مختلف تفاصيلها، بما في ذلك المقدسات والأوقاف، إلى جانب الإنسان الفلسطيني الذي يُراد له أن يبدو في مدينته كأنه غريب أو دخيل.
وشدد على أن الفلسطيني في القدس ليس غريبا ولا دخيلا، بل هو صاحب هذه المدينة، ومرتبط بمقدساته ارتباطاً عميقا، وجذوره ضاربة في ترابها.
وأعرب المطران حنا عن تضامنه مع القائمين على مؤسسة برج اللقلق، متمنياً أن تنجح الجهود المبذولة لإعادة افتتاح هذه المؤسسة المقدسية العريقة، التي احتضنت المقدسيين، وخاصة فئة الشباب، من خلال أنشطة ثقافية ورياضية متعددة.
واعتبر المطران حنا أن إغلاق المؤسسة خطوة خطيرة للغاية، داعياً إلى إعادة فتحها في أقرب وقت ممكن حتى تواصل رسالتها وخدماتها تجاه المجتمع المقدسي.

 حرمان المقدسيين من ممارسة حقهم الطبيعي

وندد منسق الحملة الدولية للدفاع عن القدس جودت مناع بقرار إسرائيل إغلاق جمعية برج اللقلق في البلدة القديمة من القدس المحتلة لمدة ستة أشهر.
وقال مناع: "إن إسرائيل تسعى لتقويض نشاطات الجمعية الاجتماعية في القدس، ومن شأن ذلك حرمان أطفال ونساء وشبان من ممارسة حقهم الطبيعي في الانتفاع من خدمات الجمعية".
ورأى أن القرار الإسرائيلي من شأنه رفع حدة التوتر المخيم على القدس، سيما أن القرار تزامن مع بدء شهر رمضان المبارك، مشيراً إلى أن دور الجمعية اجتماعي وإنساني يسهم في مساعدة وتقديم مساحة ونشاطات للمستفيدين من الجمعية وفقا لغاياتها.
وحض مناع الجهات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان على وضع عملية الإغلاق التعسفية لبرج اللقلق في صدارة جدول متابعتها والرد على القرار بملاحقة قانونية، سيما أن الجمعية مرخصة وتعمل في إطار القانون.
كما دعا مناع شركاء الحملة الدولية للدفاع عن القدس حول العالم لتنظيم احتجاجات ضد القرار باعتباره مساً بحقوق الإنسان وحرمانها لآلاف المواطنين المقدسيين من حقهم المشروع في ممارسة نشاطاتهم الاجتماعية والرياضية دون مضايقات متعمدة تمارسها إسرائيل على المؤسسات المقدسية ومنها جمعية برج اللقلق.

مؤشر سياسي

ويرى الكاتب المقدسي مازن الجعبري أن إغلاق جمعية برج اللقلق المجتمعي ليس مجرد حادثة منفردة أو إجراء أمني عابر، بل هو مؤشر سياسي يعكس طبيعة المرحلة التي تُدار بها القدس حالياً.
وأشار إلى إن استهداف مؤسسة مجتمعية تنشط في قلب البلدة القديمة، وتخدم الأطفال والشباب من خلال برامج رياضية وتعليمية واجتماعية، يوضح أن الهدف لا يقتصر على إغلاق مقر فحسب، بل يمتد ليشمل استهداف المساحات الفلسطينية الحيوية التي تحافظ على تماسك المجتمع المقدسي.
وأشار الجعبري إلى إن الذرائع المستخدمة في مثل هذه القرارات، سواء كانت تحت مسمى "السيادة" أو "الارتباط بجهات فلسطينية"، تأتي في سياق أوسع من الإجراءات البوليسية المتزايدة في البلدة القديمة وحول المسجد الأقصى، بالتزامن مع تسارع وتيرة الهدم والتهجير في سلوان، واستمرار التوسع الاستيطاني في شرق القدس وشمالها.
وأضاف: يُفهم توقيت إغلاق برج اللقلق في إطار سياسة تدريجية تهدف إلى تضييق المجال العام الفلسطيني، وإضعاف المؤسسات التي تلعب دوراً وطنياً واجتماعياً في تثبيت السكان في مدينتهم.
وأكد الجعبري أنه من أهمية التذكير بأن سياسة إغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس ليست وليدة اللحظة، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ بعد اتفاق أوسلو. فبدلاً من أن يكون الاتفاق مدخلاً لحماية الوجود المؤسسي الفلسطيني في المدينة، تم استغلاله سياسياً وقانونياً في الاتجاه المعاكس.
وتابع: على الرغم من التعهدات الإسرائيلية المبكرة، بما في ذلك ما ورد في رسالة شمعون بيرس إلى وزير الخارجية النرويجي قبل توقيع اتفاق أوسلو بشأن عدم المساس بعمل المؤسسات الفلسطينية في القدس، إلا أن الواقع سار في اتجاه مختلف تماماً، مشيراً إلى أن إسرائيل استغلت  تأجيل حسم ملف القدس في أوسلو، وبدأت في بناء منظومة قانونية وإدارية تسمح لها بإغلاق المؤسسات الفلسطينية أو تقييد عملها بحجة ارتباطها بالسلطة الفلسطينية، وهكذا تحول المسار السياسي، الذي كان من المفترض أن يفتح آفاقاً للقدس، إلى أداة إضافية لمحاصرتها وعزلها عن محيطها الفلسطيني، وخاصة عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
وأكد الجعبري أن إسرائيل تنظر إلى المؤسسات الفلسطينية في القدس باعتبارها حاضنة للهوية الوطنية، وليست مجرد أطر خدمية، ولذلك تستهدفها ضمن مشروع شامل لإعادة تشكيل المدينة سياسياً وثقافياً، لافتاً إلى أن هذا المشروع لا يقتصر على الإغلاق الأمني، بل يشمل أيضاً إخضاع المؤسسات للقانون الإسرائيلي، وقطع علاقاتها المؤسسية والمالية والمجتمعية مع الضفة، وتوسيع نطاق استخدام قوانين "مكافحة الإرهاب" لتجريم العمل الأهلي الفلسطيني. ويتداخل ذلك مع مسار أسرلة التعليم ومحاولات فرض رواية وهوية رسميتين على الأجيال الجديدة.
وأشار الجعبري إلى أن الهدف النهائي هو إنتاج مدينة بهوية سياسية إسرائيلية خالصة، وإضعاف أي تعبير فلسطيني منظم فيها. لافتا إن وجود المؤسسات المقدسية والدفاع عنها هو دفاع عن القدس نفسها، وعن حق أهلها في البقاء والتنظيم والحفاظ على هويتهم الوطنية.

منارة مشعة في القدس

وقال الكاتب المقدسي د. طلال أبو عفيفة: إنه عبر عشرات السنوات كانت مؤسسة برج اللقلق في القدس منارة مشعة في أولى القبلتين، تقوم بنشاطات متنوعة وشاملة داخل المدينة وخارجها، وقد استحقت الشكر والثناء والتقدير من العديد من الجهات الدولية  والعربية والفلسطينية، ونالت جوائز عدة، منها جائزة أفضل وأنشط مؤسسة  مقدسية في مهرجان زهرة المدائن المقام سنوياً من قبل ملتقى المثقفين المقدسي.
وأشار أبو عفيفة إلى أن الاحتلال لا يروق له وجود هذه المؤسسة النشيطة، خاصة ما تقوم به من نشاطات في شهر رمضان المبارك كل عام، بالرغم من أن هذه النشاطات هي اجتماعية وثقافة وترفيهية بعيداً عن السياسة ودهاليزها، فأصدر الاحتلال قراره الجائر بإغلاق هذه المؤسسة كعشرات القرارات الجائرة الأخرى التي صدرت سابقاً ضد المؤسسات الثقافية والاجتماعية والرياضية في القدس، واصفاً هذه القرارات بغير القانونية، باعتبار أن القدس الشرقية محتلة منذ عام ١٩٦٧، وأي قرارات أو تعديلات أو تغيير معالم في المدينة المقدسة هي غير قانونية استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية.
وأكد أبو عفيفة أن الاحتلال منزعج كثيراً من مؤسسة برج اللقلق، ليس لنشاطاتها الثقافية والاجتماعية والترفيهية في هذا الشهر الفضيل، بل لموقع هذه المؤسسة الجميل في الجزء الشمالي الشرقي، وعلى سور القدس المطل على جبل الزيتون، ووجود مئات الشبان والشابات والأطفال في هذا المكان ليلياً يشاركون في نشاطات المؤسسة الرمضانية حتى منتصف الليل.
وختم ابو عفيفة حديثه لـ"ے" بالقول: لا أعوّل كثيراً على المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال لإلغاء قرار الإغلاق، فقد ثبت أنه مجتمع أقوال لا أفعال، والدليل الصمت الدولي لما جرى ويجري في غزة من قتل وتدمير للإنسان والشجر والحجر، مضيفاً: أعوّل فقط على الإنسان الفلسطيني وصموده وتحديه دون كلل أو ملل في المدينة المقدسة وحبه للحياة والمستقبل الأفضل.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس أمناء مركز "قرار" يشكل مكتب رئاسته ويعين المدير العام في اجتماعه الأول

 عقد مجلس أمناء "مركز قرار لأبحاث الشأن العام" اجتماعه الأول، على جلستين في 15 و23 من الشهر الجاري، الأولى وجاهياً في مقر المركز بمدينة البيرة، وبمشاركة أعضائه المقيمين في الخارج وقطاع غزة عبر الفضاء الإلكتروني، والثانية عبر الفضاء الإلكتروني لجميع الأعضاء.
انعقد المجلس بكامل هيئته التي تضم كلاً من: الدكتور ممدوح العكر، التربوي سالم أبو صلاح، الدكتور باسم الزبيدي، الدكتور خالد الحروب، الدكتور سعيد يقين، الدكتور إبراهيم فريحات، الدكتور أحمد عزم، الدكتور ياسر العموري، الدكتور بسام عورتاني، الدكتورة نداء يونس، المحامية مي بركات، والدكتور رشاد توام.
وأقر المجلس في هذا الاجتماع النظام الأساسي للمركز، إلى جانب نظاميه الإداري والمالي. كما ناقش مسودة خطة المركز الاستراتيجية  (2026-2028)، وشكل مكتب رئاسته لدورة مدتها ثلاث سنوات وفقاً نظام المركز الأساسي، حيث جرت تزكية الدكتور باسم الزبيدي رئيساً للمجلس، والدكتور أحمد عزم نائباً للرئيس، والدكتورة نداء يونس أميناً للسر. هذا وقد عين المجلس الدكتور رشاد توام مديراً عاماً للمركز. إلى جانب ذلك اتخذ المجلس قرارات في جملة من المسائل التنظيمية بعد مناقشتها.
يشار إلى أن مركز " قرار" مؤسسة فلسطينية مستقلة غير ربحية، تأسست في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025، بوصفها مركز بحث علمي مرخص من وزارة التربية والتعليم العالي، استناداً إلى القرار بقانون رقم (6) لسنة 2018 بشأن التعليم العالي، ليكون بذلك سادس مركز بحث علمي مرخص بهذه الصفة، من غير مراكز الأبحاث التابعة لبعض الجامعات الفلسطينية.

فلسطين

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

توقيع اتفاقية تعاون بين المؤتمر الوطني الشعبي للقدس وجامعة بيرزيت لدعم الطلبة المقدسيين

 وقع الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس اللواء بلال النتشة، أمس، مع رئيس جامعة بيرزيت الدكتور طلال شهوان، اتفاقية تعاون لدعم الطلبة المقدسيين الدارسين في الجامعة وذلك بالشراكة مع وكالة بيت مال القدس الشريف.
وبموجب الاتفاقية التي تم توقيعها في حرم الجامعة، بحضور نائب رئيسها الدكتور ياسر العموري وكادر متقدم من كلا المؤسستين، اتفق الطرفان على التعاون والشراكة في تقديم الدعم المالي للطلبة المقدسيين الملتحقين في الجامعة وذلك من خلال منح مالية توزع على 100 طالب وطالبة كمساهمة جزئية في تغطية الرسوم الدراسية.
وتهدف وكالة بيت مال القدس الشريف من هذا الدعم إلى تخفيف العبء المالي عن الطلبة الفلسطينيين في القدس.
وتنص الاتفاقية على أن تلتزم جامعة بيرزيت بتزويد المؤتمر الوطني الشعبي للقدس بتنفيذ توزيع المساعدات على الطلبة المستفيدين وفق انظمة وتعليمات الجامعة وبناء على قوائم الطلبة التي يتم اعتمادها بالتنسيق والاتفاق مع المؤتمر.
من جانبه، شكر اللواء النتشة جامعة بيرزيت على تعاونها الدائم مع المؤتمر بما يعزز وضع الطلبة المقدسيين الدارسين لديها، وأكد أن "سياسة المؤسسة تقوم على دعم أبنائنا الطلبة المقدسيين في الجامعة وتخفيف الأعباء المالية عن ذويهم، في حين ينسحب هذا التعاون على مختلف الجامعات لتقديم العون والمساعدة للطلبة المحتاجين"، مثمناً جهود وكالة بيت مال القدس الشريف في تعزيز صمود الطلبة المقدسيين والدفع نحو تمكينهم من استكمال تحصيلهم العلمي عبر تقديم المساعدات المالية لهم بما يؤدي إلى رفع المعاناة عن كاهل عائلاتهم التي تئن تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة.
كما شكر اللواء النتشة العاهل المغربي الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، على ما يوليه من اهتمام كبير بتوجيه الدعم للمقدسيين في شتى المجالات لتعزيز صمودهم وتثبيتهم في مدينتهم التي يحاول الاحتلال اقتلاعهم منها.
ووجه التحية أيضاً للدكتور محمد سالم الشرقاوي، القائم بأعمال مدير وكالة بيت مال القدس الشريف، والذي يبذل قصارى جهده للنهوض بأوضاع أهالي المدينة المقدسة وتعزيز ثباتهم في مدينتهم، وكذلك الاهتمام منقطع النظير بالطلبة الدارسين في الجامعات الفلسطينية، إيماناً منه بأهمية سلاح العلم في مواجهة سياسة التجهيل الإسرائيلية، داعياً إلى استمرار التعاون بين جميع الأطراف لضمان المستقبل التعليمي للطلبة المقدسيين.

أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب .. عودة لخيار " كل شيء أو لا شيء"


يبدو بأن ترمب خضع للضغوط الإسرائيلية، بالعودة إلى معادلة " كل شيء أو لا شيء"، بأن لا يقتصر التفاوض مع إيران على ملفها النووي، بل يشمل بالإضافة إلى ذلك، البرنامج الصاروخي الإيراني، ودور إيران الإقليمي ودعمها لحلفائها في المنطقة، وخاصة ان مستقبل ترمب السياسي، باتت تتحكم فيه ملفات ابستين، التي فيها الكثير من الفضائح،  التي سيعمل "الموساد" على نشرها، وبالتالي تطيح بزعامة ترمب، وخسارة الجمهوريين للانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين ثاني القادم.
 واضح بأن الكارتيلات الكبرى الاحتكارية عسكرية ومالية ونفطية مع المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية واللوبيات الصهيونية "ايباك" وغيرها مع البنتاغون، يدعمون الخيار العسكري ضد إيران. ولذلك لا أعتقد بأن أمريكا بعد كل هذه الحشود العسكرية، التي قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق تامير هايمان: الحشد الجوي الأميركي في المنطقة أكبر من سلاح الجو الفرنسي كله لكن هذا لا يكفي لإسقاط النظام الإيراني.
 أمريكا لا تمتلك ترف التراجع عن الخيار العسكري، بعد كل هذه الحشود العسكرية الضخمة، وخاصة بأن هناك ضغوطا كبيرة تمارس عليها من تل أبيب، لتغليب المصالح الإسرائيلية على المصالح الأمريكية، فنتنياهو قال لشريكه ترمب، عن الحرب العدوانية المستمرة والمتواصلة على قطاع غزة،  "نصرنا نصركم، وهزيمتنا هزيمتكم".
 رغم أن هناك أسباب وجيهة تعرقل خيار الحرب، تتمثل في الخوف بأن هذه الحرب، قد لا تدفع إيران إلى الاستسلام، وقد لا تقود إلى إسقاط النظام وعلى رأسه المرشد الأعلى الإمام علي خامينائي، وكذلك الضربة الأمريكية - الإسرائيلية، المشتركة، اذا لم تتمكن من القضاء على النظام بشكل خاطف وسريع، فهذا يعني إطالة أمد الحرب الاستنزافية، والتي ستغلق فيها إيران مضيق هرمز، ليس لأيام، بل لشهور، وما لذلك من تداعيات على خطوط الطاقة وسلاسل التوريد وأسعار النفط والغاز، وعلى الملاحة البحرية والتجارة العالمية.
 وهناك أخطار أخرى، تتمثل في قدرة الصواريخ البالستية والفرط صوتية الإيرانية من طراز "خرمشهر، فتاح،  وسجيل"  وكذلك قدرة البحرية الإيرانية على إغراق حاملات الطائرات والمدمرات الأمريكية، وهذا سيطيح بهيبة أمريكا وفخر صناعاتها العسكرية، وتسيّدها للعالم. والخطر الأخر أيضاً، هو سقوط عدد كبير من الصواريخ في عمق اسرائيل، بما "يخلخل" قدرتها على الصمود، وإحداث تصدعات في جبهتها الداخلية، وتجربة حرب الإثني عشر يوماً من حزيران /2025، خير مثال وشاهد.
 إيران هي الأخرى أعدت نفسها جيداً للمواجهة والحرب، سواء بقيامها بشراء أنظمة دفاع جوي صينية وروسية متطورة، او على صعيد تطوير منظوماتها الصاروخية البالستية والفرط صوتية والانشطارية، قوتها التفجيرية ومداياتها ودقتها، وكذلك حصنت جبهتها الداخلية جيداً،  بعد ان تمكنت من تفكيك وقتل واعتقال أكبر عدد من المجموعات والخلايا، التي جندتها امريكا واسرائيل في الداخل الإيراني، والتي سيجري تفعيلها للقيام بأعمال التخريب والفوضى والسيطرة على مقرات ومدن ومحافظات إيرانية، وتنفيذ عمليات اغتيال بحق قيادات إيرانية،  بالتزامن مع الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي- على إيران.
 أمريكا لا تقيم وزناً لحلفائها من العرب والمسلمين، ولا تلتفت إلى نصائحهم وآرائهم، ولا يوجد لهم وزن في القرار الأمريكي، وهذا ثابت من العدوان الإسرائيلي المستمر والمتواصل على قطاع غزة، وعلى ما يعرف بتشكيل مجلس السلام، مجلس الوصاية الأمريكي، فقط دور العرب فيه "الاستحلاب" المالي، والتماهي مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، فما يعرف باللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، لم يتمكنوا من إدخالها إلى قطاع غزة، خارج القرار الأمريكي– الإسرائيلي، ومن هذا المنطلق، في احتمالية للتراجع الأمريكي عن الخيار العسكري، ليس لها علاقة بمراعاة أمريكا لـ”خواطر" أو نصائح وضغوط حلفائها من العرب والمسلمين، فهؤلاء فقط دورهم ينحصر، في استخدام اراضيهم لشن العدوان على إيران، عبر قواعدها المنتشرة على أراضيهم، وكذلك "استحلابهم" مالياً للمشاركة الكبرى في دفع تكاليف هذه الحرب.
 ترمب يقول بأنه منح إيران فرصة من 10 – 15 يوماً، لكي تستجيب للشروط الأمريكية، فيما يتعلق ببرنامجها النووي،  وقف عمليات التخصيب كلياً، أو تخفيضها إلى أدنى حد من 60% إلى 3%، ونقل كمية اليورانيوم المخصبة والمخفي الـ450 كليوغراما إلى خارج إيران، وفرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني، ولكن كل ذلك، ربما بات "كادوك"، في ظل تغليب المصالح الإسرائيلية في القرار الأمريكي على المصالح الإمريكية.
 ترمب يتحدث عن ضربة محدودة لإيران من أجل إعادتها للتفاوض، ولكن من خلال قيام أمريكا بسحب قواتها من  العديد من دول الخليج، قطر والبحرين، ومواصلة عمليات التحشيد العسكري والحربي، ووصول حاملة الطائرات الأمريكية الأضخم جيرالد فورد، ورسوها قبالة السواحل "الإسرائيلية"، من أجل الدفاع عن إسرائيل، والصفعة التي وجهتها محكمة العدل العليا الأمريكية لترمب، باعتبار الرسوم الجمركية التي فرضتها عالمياً غير قانونية وغير دستورية، وهي من صلاحيات الكونغرس وليست من صلاحياته.
كل هذه المعطيات تقول بأن القضية ليست ضغوطا سياسية وإعلامية، لكي تثمر استسلام إيران او تراجعها عن مواقفها، بل هي ضربة عسكرية واسعة، يراد به أن تصبح إسرائيل منفردة في قيادة المنطقة والإقليم، والحليف الموثوق لأمريكا،  الذي يعمل على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها في المنطقة والإقليم.
 أمريكا تعود إلى معادلة "كل شيء أو لا شيء"، وإيران ترد "فليكن لا شيء"، والعالم يقترب من منازلة كبرى ستترك نتائجها وتداعياتها على البشرية جمعاء، فهي ستنتقل من حرب على إيران، إلى حرب اقليمية، وربما تتطور إلى حرب عالمية.

أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

محمد الدرهللي "أبو نائل"


أبو نائل (محمد الدرهللي) لمن لا يعرفه هو أحد أعمدة الإعلام الفلسطيني المجهولين.. ومن أمهر محرري الأخبار على ماكينة الطباعة القديمة ومن أسرعهم، سواء عندما كان يعمل في إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية أو إذاعة "صوت العاصفة".
تعرفت عليه هناك في صوت العاصفة في شارع الشريفين في القاهرة.. صاحب الابتسامة الهادئة والعمل المتقن والسريع، وهو نهج اذاعتنا "صوت العاصفة" في تلك الفترة.
عندما غادرت صنعاء بعد تأسيس وتشغيل إذاعة الثورة الفلسطينية هناك، تولى أبو نائل بصحبة الإذاعي المرحوم عصام عنان مسؤولية الإذاعة هناك.
وفي بيروت أصبح بالإضافة إلى عمله كمحرر أخبار أحد مذيعي صوت الثورة الفلسطينية حيث التقينا هناك للمرة الثالثة.
أصيب بالكورونا وشُفي منها.. وبقينا على اتصال دائم من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي وخاصة على الواتس اب حتى يوم أمس ولكنني لم أعرف بمرضه في الفترة الأخيرة إلى أن أخبرني مساء اليوم ٢٣ / ٢ / ٢٠٢٦ الخامس من رمضان الأخ المناضل اللواء عرابي كلوب بصعود روح صديقنا وزميلنا محمد الدرهللي إلى بارئها راضية مرضية بعد نضال طويل بالكلمة الأمينة المعبرة عن الطلقة الشجاعة التي تعلمناها على يد أستاذنا ومعلمنا فؤاد ياسين (أبو صخر).
وهكذا نودع اليوم قامة إعلامية أخرى من إعلاميي الثورة الفلسطينية الأوائل ليلتحق بزملائنا الإذاعيين: الطيب عبد الرحيم - أحمد عبد الرحمن - عبدالله حجازي - عبد الشكور التوتنجي.. ناهيك عن قيادات الإعلام الفلسطيني الكبار الذين سبقونا وغادروا هذه الدنيا الفانية.
وسنبقى على العهد.. عهد الثوار.. الذي قطعناه على أنفسنا عندما التحقنا بحركة فتح رائدة الثورة الفلسطينية المعاصرة وقائدة النضال حتى قيام دولتنا الفلسطينية بعاصمتها القدس طال الزمن أم قصر.
رحمك الله يا أبا نائل رحمة واسعة وأسكنك فسيح جنانه.
فأنتم السابقون ونحن اللاحقون


أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

معركة الجمعية بين بيان المئة دولة وحضور بلا فلسطين


لم يكن صدور بيان مشترك عن نحو مئة دولة رفضاً لإعلانات حكومة الاحتلال بشأن ضم مناطق في الضفة الغربية حدثاً دبلوماسياً عابراً، كما لم يكن ظهورا فلسطينيا في جلسة ما يُسمّى «مجلس السلام» بلا اسم فلسطين وبلا عَلمها تفصيلاً بروتوكولياً. الحدثان معاً يعكسان صراعاً أعمق على المرجعية، الأولى مرجعية القانون الدولي والأمم المتحدة، والثانية محاولات خلق أطر بديلة تُدار بمنطق الهيمنة والقوة وإنشاء حلف جديد يبدأ من غزة من جهة اخرى.
فالضم الاستعماري الجاري بقرار حكومة الاحتلال بصمت امريكي ليس إجراءً إدارياً، بل إعلان صريح بأن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وبأن مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة قابل للتجاوز وبأن الاستعمار يمكن ان يُعاد تدويره. إنه اختبار للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا جرى تمرير الضم دون تبعات، فسيكون ذلك سابقة تفتح الباب أمام إعادة تعريف السيادة والحقوق وفق موازين القوة لا وفق القواعد الملزمة.
غير أن الأخطر من الضم ذاته هو الإطار السياسي الذي يُراد له أن يحتضنه، فالمحاولات الأمريكية لتهميش المرجعية الأممية المتمثلة في هيئة الأمم المتحدة، وإحياء ما يُسمّى «مجلس السلام» برئاسة ترامب لمدى الحياة وعضوية نتنياهو في محاولاتهم انشاء حلف جديد، تعكس توجهاً لإعادة هندسة الصراع خارج إطار القانون الدولي، واستبداله بترتيبات انتقائية، خاصة بما صدر عن السفير الأمريكي هاكابي من دعوة الى حق اسرائيل بالسيطرة على كل المنطقة.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين قرار الموافقة على إنشاء "مكتب ارتباط" بين السلطة الوطنية ومكتب نيكولاي ميلادينوف بصفته مندوباً سامياً مُذكراً بالانتداب البريطاني ومسؤولاً عن اللجنة التنفيذية، وبين أي إيحاء بوجود ارتباط سياسي فلسطيني مع مكتب رئيس «مجلس السلام». فالأول، في حال وُجد، يبقى في إطار تنسيق تقني ضمن مهام محددة، بينما الثاني يحمل دلالة سياسية تمسّ جوهر المرجعية والتمثيل، فالخلط بين المستويين يُربك الصورة ويُفتح الباب لتأويلات تمسّ الموقع الوطني.
هنا يتقاطع البعد الدولي مع البعد الفلسطيني الداخلي، فحين يُختزل التمثيل في «لجنة إدارة غزة»، ويغيب اسم فلسطين وعلمها واسم المنظمة، أو مِن ذكر الشعب الفلسطيني أو الإشارة لحق تقرير المصير والدولة في كلمة لجنة إدارة غزة أمام المجلس المذكور حين انعقاده في نيويورك قبل ايام، نكون أمام تحول في تعريف القضية نفسها. أن المسألة هنا ليست شخصية، بل سياسية. فهل تتحول القضية من مشروع تحرر وطني شامل تقوده منظمة التحرير الفلسطينية بمكانتها التمثيلية والدولية والتي دفع شعبنا تضحيات هائلة في سبيلها، إلى ملف إنساني وإداري محدود؟ وهل يُفصل القطاع عن الضفة والقدس تحت عنوان «المعالجة الواقعية»؟
إن اختزال الصراع في إدارة الأزمة الإنسانية يخدم اتجاهاً يسعى لفصل الجغرافيا الفلسطينية، وتحويل الحقوق الثابتة إلى ملفات تفاوضية مؤقتة. والوصاية التي لا تنتهي بإنهاء الاحتلال ضمن جدول زمني واضح، تتحول إلى صيغة أخرى من السيطرة، حتى لو حملت عنوان «الاستقرار» أو عنوان “إزالة تداعيات الكارثة" التي صنعتها اسرائيل بمساندة أمريكية، والتي نريد لإهلنا في غزة تجاوزها والخروج منها.
بيان المئة دولة قبل أيام، بما فيها الصين وروسيا ودول أوروبية يمثل رفضاً مزدوجاً، للضم ولمحاولة تجاوز المرجعية الدولية. لكنه لن يكون كافياً إذا بقي في حدود اللغة الدبلوماسية، فالدفاع عن النظام الدولي يقتضي إجراءات عملية، من دعم المساءلة القانونية إلى رفض أي أطر بديلة تنتقص من قرارات الأمم المتحدة أو تفرغها من مضمونها وحتى من جوهر القرار الأممي الأخير بشأن غزة.
أما فلسطينياً، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الإطار الذي تُدار فيه القضية، فهل تبقى ضمن منظومة القانون الدولي، أم تُنقل إلى فضاء الصفقات وإعادة توزيع النفوذ؟ أي قبول بمرجعيات بديلة تحت عناوين "الإدارة المؤقتة" أو "لجان إدارة السكان" يحمل خطر تثبيت الاحتلال لا إنهائه. إنها معركة تعريف بقدر ما هي معركة حدود، فإما أن يعلو القانون والحقوق على القوة، أو يُعاد تعريفه على صورتها.
وبين حضور بلا فلسطين، وصمت فلسطيني رسمي لا يُطمئن، يبرز سؤال لا يمكن تأجيله :
هل نحن أمام معالجة ظرفية لمرحلة صعبة، أم أمام إعادة هندسة هادئة للنظام السياسي الفلسطيني تحت عنوان "إدارة غزة" ؟ تمهيدا لنسخ ذلك بالضفة تحت عناوين "لجان أدارة السكان" ؟ وبالحالتين فان مِن حق شعبنا ان يعلم ذلك.
ولعل السؤال الذي يجب أن يُستعاد اليوم، هو كما طُرح في الأنتفاضة الأولى الكبرى، ليس كيف ندير حياتنا تحت الاحتلال، بل متى ينتهي الاحتلال ؟ وكيف نُعيد تعريف فعلنا الوطني بعيداً عن المعايير التي صاغها من يَحتل أرضنا ؟
ففي زمن التحولات الكبرى، يبقى الدفاع عن الاسم والعَلم ليس رمزية فارغة، بل دفاع عن الوطن والشعب والقضية.

أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الدستور بوصفه تعبيرا عن الكينونة الفلسطينية


حين تكتب أمة دستورها، فهي لا ترتب مؤسسات الحكم فحسب، بل تعلن تصورها عن ذاتها: كيف ترى نفسها في التاريخ، وكيف تريد أن تُرى في المستقبل. فالنص الدستوري، في جوهره، ليس مجموعة قواعد عليا، بل هو لحظة وعي جمعي تُصاغ فيها صورة الجماعة عن وجودها السياسي والأخلاقي. من هنا، فإن أي حديث عن دستور في فلسطين يبدأ من سؤال أعمق من توزيع السلطات أو تعداد الحقوق: ما الذي يشكّل جوهر هذه الجماعة؟ وما الذي ينبغي أن يبقى ثابتا في خضم التحولات السياسية؟
الدساتير الكبرى في التاريخ لم تكن محايدة تجاه سؤال الكينونة. الدستور الأميركي، في خلفيته الفلسفية، انبثق من أفكار جون لوك حول الحقوق الطبيعية، بينما صاغت الثورة الفرنسية إعلانها متأثرة بروح جان جاك روسو وفكرة الإرادة العامة. لم تكن تلك النصوص محض تقنيات حكم، بل ترجمة لرؤية عن الإنسان والمجتمع والسلطة. الفكرة السابقة على المادة القانونية هي التي منحتها مشروعيتها.
في السياق الفلسطيني، تتخذ المسألة بعدا أكثر تعقيدا. فالجماعة السياسية هنا لم تتشكل في ظل سيادة مستقرة، بل في سياق اقتلاع وصراع واستمرار في المطالبة بالاعتراف. لذلك فإن النص الأعلى المرتقب لا يواجه فقط مهمة تنظيم الدولة، بل مهمة تثبيت الوجود ذاته في صيغة قانونية. إن الكينونة الفلسطينية ليست نتاج حدود مرسومة فحسب، بل حصيلة ذاكرة مشتركة وتجربة تاريخية عميقة، ما يجعل الدستور إطارا لحماية هذه التجربة من الذوبان أو التشويه.
الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري؛ إنها شكل من أشكال الوعي المنظم. عند  هيغل، الدولة هي تجلّي الروح الموضوعية، أي التعبير الأعلى عن أخلاق الجماعة في صورة مؤسسات. وإذا أخذنا هذا التصور بجدية، فإن النص الدستوري الفلسطيني ينبغي أن يكون مرآة لتلك الأخلاق الجماعية: تقديس الكرامة، مركزية الحرية، والإيمان بعدالة القضية. من دون هذا البعد القيمي، يصبح الدستور شكلاً فارغا، حتى لو كان متقن الصياغة.
ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية: العلاقة بين الذاكرة والالتزام. النص الأعلى لا يحفظ الماضي بوصفه حنينا، بل بوصفه عنصرا مكوّنا للشرعية. إدراج عناصر التاريخ والنضال لا يعني تحويل الوثيقة إلى بيان عاطفي، بل تأكيد أن الشرعية السياسية مستمدة من سردية جماعية متماسكة. فالجماعة التي لا تعترف بجذورها في نصها المؤسس، تخاطر بأن تفقد قدرتها على إنتاج معنى مشترك للمستقبل.
غير أن التحدي يكمن في الموازنة بين الخصوصية والانفتاح. فالتشبث بالذات لا ينبغي أن يتحول إلى انغلاق، بل إلى قاعدة للانخراط في العالم. الدستور، حين يعبر عن الكينونة الفلسطينية، مطالب بأن يصوغها بصيغة إنسانية عامة: كرامة الفرد، مساواة المواطنين، احترام التعدد، وضمان الحرية. هنا يتحقق التوازن بين الخاص والعالمي، بين التفرد التاريخي والانتماء إلى الأسرة الإنسانية.
إن النص المؤسس ليس إعلانا أدبيا، بل التزام قانوني ملزم. لذلك فإن التعبير عن الذات الجمعية يجب أن يتحول إلى مبادئ قابلة للتفعيل: صون الحقوق، تحديد طبيعة الدولة، رسم علاقتها بأبنائها في الداخل والشتات، وترسيخ سيادة القانون بوصفها التعبير الأسمى عن إرادة الجماعة. فالمعنى لا يكتمل إلا حين يتحول إلى مؤسسة، وحين تصبح القيم قواعد حاكمة لا شعارات معلّقة.
غير أن التعبير عن الكينونة الجماعية في النص الأعلى لا يكتمل إلا إذا تَحوَّل من إعلان رمزي إلى مبدأ مُنظِّم لبنية الشرعية الدستورية. في فقه القانون الدستوري، لا تُستمد الشرعية فقط من الشعب مصدر السلطات بوصفها صيغة تقريرية، بل من قدرتها على التحول إلى ما يسميه الفقهاء القوة التأسيسية الأصلية أي تلك الإرادة التي تنشئ النظام القانوني ولا تستمد مشروعيتها منه. هنا يصبح السؤال الفلسطيني مركزيا: هل يُراد للنص أن يكون تعبيرا عن قوة تأسيسية حقيقية تُنتج نظاما سياديا مكتمل الأركان، أم مجرد ترتيب مؤسسي داخل إطار غير مكتمل السيادة؟ إن الفرق بين الدستور بوصفه تعبيرا عن سيادة أصلية، وبين ما يسميه الفقه المقارن الدساتير الانتقالية أو الدساتير المقيدة خارجيا، هو فرق في طبيعة الكينونة السياسية ذاتها. فالسيادة، في معناها الدستوري العميق، ليست مجرد اعتراف دولي، بل قدرة ذاتية على تحديد المجال العام وتقييد السلطة بقواعد نابعة من الإرادة الجماعية الحرة.
وفي المقارنة الدستورية، نلحظ أن دستور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم يكتفِ بتنظيم السلطات، بل جعل الكرامة الإنسانية مبدأ فوق دستوري غير قابل للتعديل، مؤسسا لما يُعرف بـ المبادئ فوق الدستورية. كما أن دستور جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تأسيس أخلاقي للدولة على قاعدة المصالحة والعدالة الدستورية. في كلا المثالين، لم تكن الوثيقة نصا تقنيا، بل لحظة تأسيس أعادت تعريف الجماعة السياسية ذاتها. هذا هو التحدي العميق أمام أي نص تأسيسي فلسطيني: أن ينتقل من مستوى التقرير إلى مستوى التأسيس، من صياغة الهوية إلى دسترتها في صورة مبادئ عليا تحوز صفة الثبات، ومن إعلان الإرادة إلى تحويلها إلى نظام معياري متماسك يعلو على السلطة ويقيدها. عندها فقط يصبح الدستور ليس وصفا لواقع قائم، بل أداة لخلق واقع جديد، ووعاءً قانونيا لإرادة شعب يُعرّف نفسه بذاته.
في النهاية، ليست القضية في تكرار المصطلحات أو الاكتفاء بالشعارات، بل في القدرة على تحويل التجربة التاريخية إلى بناء دستوري متماسك. إن أي دستور لا يعكس الكينونة العميقة للشعب الذي يضعه سيظل غريبا عنه، مهما بلغت دقته الفنية. أما إذا نجح في التقاط روح الجماعة وصوغها في مبادئ عليا، فإنه يصبح أكثر من قانون: يصبح وعدا بالمستقبل.

أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

قهر الحواجز اليومي


يقطع الجنود الطريق بالحواجز العسكرية، وعن قصد يغلقونها ليعمّ الازدحام وتنتشر الفوضى، وتتوقف لساعات في انتظار مجهول، عسى أن يُفتح الحاجز فتصل في موعد الإفطار، هذا إن حالفك الحظ، وغالبًا يتعمد الجنود إغلاق الحاجز إلى ما بعد موعد الإفطار.
هذه معاناة لا يعرفها إلا الفلسطيني الذي يسكن الضفة الفلسطينية بمدنها وقراها ومخيماتها، ففي رحلة العودة من العمل إلى البيت مشقة وعذاب وترهيب وإذلال، حيث الحواجز العسكرية المنتشرة بين كل قرية ومدينة، وكل مدينة وقرية، وهذا ما يمعن الاحتلال في فرضه لتزداد معاناة الناس في طريق الذهاب والعودة، فرحلة السفر مثلًا من رام الله إلى بيت لحم عادةً تقطعها خلال ساعة، وفي حال إغلاق الحاجز قد تصل بعد ساعتين أو ثلاث ساعات وربما خمس ساعات وأكثر، فالأمر مرتبط بمزاج الجندي الذي يقف متلذذًا بمنظر معاناة الناس أمامه.
الحاجز لعنة، فهو يخضع لمزاج الجندي الواقف بعتاده وسلاحه، والناس لا حول لهم إلا الانتظار والاستغفار في ساعات الصيام التي تمر عليهم وهم ينتظرون إذن المرور ليعود المرء إلى عائلته وأبنائه ويتناول معهم طعام الإفطار إن حالفه الحظ ووصل.
الحاجز نقمة ومحاولة دائمة لإذلال الناس، وصناعة للفوضى وسط ازدحام المركبات، فيقف الجنود متلذذين بأفعالهم وضاحكين على ما يسببونه من معاناة قهرية أمام كل حاجز وعند كل بوابة يتمترس خلفها الجنود.
الحاجز قاطع طريق المسافر، فهو يمنع حرية الحركة والتنقل ويضيّق الخناق على حياة الفلسطيني الصعبة في ظل كل ما يعانيه من قمع واستيطان وقرصنة وسياسات عنصرية وعذابات سببها الاحتلال ومستوطنيه الأغراب الذين لا يجدون من يوقف عربدتهم واعتداءاتهم، بل إن جنود الاحتلال يلازمونهم ويمنحونهم الحماية الكاملة، بينما لا يجد الفلسطيني من يحميه ومن يعينه على أخذ أبسط حقوقه، كالحق في التنقل والحركة كما نص ميثاق الأمم المتحدة وكما تنص القوانين الدولية والأممية.


أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الخلاف العراقي الكويتي


خطيئة كبرى وقع بها الرئيس الراحل صدام حسين في اجتياح الكويت يوم 2/8/1990 أدت إلى تدمير العراق بالحرب يوم 17/1/1991، وخسارته لوحدته ونظامه يوم 8/4/2003، وحصيلة ذلك تحول موازين القوى في الشرق العربي برمته لصالح المستعمرة الإسرائيلية.
لم تشارك المستعمرة في الحرب على العراق بقرار وتعليمات أميركية حتى يبقى التحالف الثلاثيني متماسكاً بقيادة الولايات المتحدة.
كنت مرافقاً كصحفي مع الراحل الملك حسين في شهر كانون أول 1990، قبل الحرب في زيارة بغداد، حينما بادر وعمل في محاولة إقناع العراق بالانسحاب من الكويت، ولكن الرئيس الراحل كان عنيداً متمسكا بمواصلة خيار الاجتياح والضم حتى ولو أدى ذلك إلى خوض الحرب.
خلال عودتنا على متن الطائرة قالها الملك حسين: "يا خسارة راحت العراق"، و أكد على أن "الأردن لن يشارك بذبح العراق تحت الراية الأميركية"، وهكذا سجل الراحل الملك حسين الشجاعة في رفض الحرب، وعدم المشاركة في ذبح العراق، ودفعنا الثمن أمام الأميركيين والأشقاء الخليجيين.
اليوم يتم إثارة موضوع الحدود البحرية مرة أخرى، وإبراز الخلاف الكويتي العراقي حول رسم الحدود، بإيداع العراق خارطة لدى الأمم المتحدة، بما يتعارض مع التعهدات والاتفاقات بين البلدين.
العراق بلد كبير ومهم ولديه تعددية يُفترض أنه يتباهى بها، ولديه رؤية ووجهة نظر، أو حقوق ناقصة أو غير مكتملة، يمكن بحثها ومعالجتها مع دولة شقيقة، لا يستطيع أن يتخلص منها، ولا تستطيع هي التهرب منه، ولذلك طالما أن لديهما عوامل جامعة تربطهما وطنيا وقوميا ودينيا والجوار بينهما، يمكن الاعتماد عليها للتوصل إلى تعزيز التفاهمات والاتفاقات بالتراضي والمودة.
تربطنا كأردنيين مصالح وعلاقات وطيدة بين البلدين الشقيقين، ولهذا جاءت مبادرة وزير خارجيتنا الألمعي بالاتصال بوزير خارجية الكويت والعراق، بهدف عدم التصعيد، وتقديم النصيحة لمعالجة الخلاف في الإطار العملي الواقعي بعيداً عن الحساسيات والتوتر والمس بمصالحهما.
ولا شك أن الأردن، صاحب المبادرات الملموسة على المستوى القومي، وتربطه علاقات تستحق الحفاظ عليها، مثلما تربطنا علاقات الاحترام والمودة والمصالح المشتركة مع بلدان مجلس تعاون الخليج العربي، يمكن فتح بوابة للحوار والمفاوضات مع البلدين، كما يمكن للجامعة العربية وأمينها العام أن تؤدي الدور المغيب، وتتحرك سياسياً بما يمليه عليها الواجب والدافع والقيمة التي تملكها، أن تتحرك باتجاه البلدين لعل هذا الدور المغيب يعطيها المكانة والدور.
تُعاني العديد من بلداننا العربية من حروب وخلافات وصدامات بينية، أفقدت العالم العربي مكانة يستحقها، حيث تتآكل ليبيا والسودان وسوريا والعراق واليمن والصومال وفلسطين، على خلفية وعلى أثر حروبها البينية، وخلافاتها الداخلية، وهي هدية وهدايا مجانية تقدم للمستعمرة الإسرائيلية، قد يكون بعضها بشكل منظم مدروس، بهدف إضعاف العالم العربي، وجعله بلا وزن ولا قيمة سياسية بفقدان بلداننا العربية الأمن والاستقرار والوحدة والقدرات المستنزفة، لصالح نفوذ المستعمرة وهيمنتها على الشرق العربي، وهو توجه حينما يتطاول سفير ترامب الصهيوني، فهو يعتمد على هذه المعطيات المدمرة، التي تعكس رغبات الولايات المتحدة وقيادتها اليمينية المتصهينة التي تعمل ليس فقط لحماية المستعمرة، بل لتقوية نفوذها وتسلطها وهيمنتها علينا جميعاً.



أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع


حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع لا تعود الأزمة في صدقية الشعار، بل في طبيعة التحول الذي يصيب المفاهيم ذاتها. فالكلمات التي شكّلت يومًا جزءًا من المعجم المعياري للنظام الدولي ـ مثل السلام، إعادة الإعمار، الاستقرار، الحل السياسي ـ تُعاد صياغتها اليوم داخل بنية قوة تسمح بتجريدها من مضمونها القانوني وإلباسها وظيفة جديدة: إدارة الإلغاء التدريجي لقضية سياسية عبر هندسة الجغرافيا والديموغرافيا والهوية. في هذا السياق، ومع وجود دونالد ترامب في موقع القرار، وتصاعد حضور شخصيات مثل مايك هكابي بخلفيتها الأيديولوجية الواضحة، لا يمكن قراءة الطروحات المتعلقة بغزة والضفة والقدس باعتبارها مجرد مبادرات لوقف إطلاق النار أو تحسين شروط الحياة، بل باعتبارها جزءًا من تصور أوسع يعمل على حسم الصراع عبر إعادة تعريفه.
التحول الجوهري هنا هو الانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “حسمه” من طرف واحد. إدارة الصراع تعني إبقاءه ضمن حدود يمكن التحكم بها، أما الحسم فيعني تثبيت نتائج القوة وتحويلها إلى واقع دائم. ما يُطرح تحت عنوان السلام لا يتجه نحو معالجة جذر المسألة الفلسطينية بوصفها قضية شعب يخضع لاحتلال ويطالب بتقرير المصير، بل يتجه نحو إعادة صياغة المجال السياسي بحيث يفقد هذا الشعب أدوات المطالبة ذاتها. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـالسلام القسري: سلام يُفرض بعد إنهاك عسكري واقتصادي، ويُقدَّم بوصفه الفرصة الأخيرة للاستقرار، بينما هو في جوهره إعادة ترتيب للمجال بما يضمن تفوقًا دائمًا لطرف واحد.
في غزة، لا يُختزل الأمر في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل في استثمار لحظة الدمار لإعادة تشكيل الفضاء ذاته. الحديث عن مدن ذكية، بنى تحتية متقدمة، مناطق استثمارية، واقتصاد مندمج في شبكات إقليمية، يحمل إغراءً تنمويًا واضحًا. غير أن التنمية حين تنفصل عن السيادة تتحول إلى أداة ضبط. المدينة الذكية ليست فقط أبراجًا حديثة وشبكات رقمية، بل منظومات مراقبة، إدارة بيانات، وتحكم في الحركة والسلوك. إعادة بناء غزة وفق نموذج تقني-أمني قد تجعلها واحدة من أكثر المساحات انضباطًا ومراقبة في الإقليم، بحيث يتحول الفضاء من مجال مقاومة إلى مجال إدارة، ومن حاضنة سياسية إلى بيئة خاضعة لإيقاع أمني دائم.
الأخطر من البنية المادية هو ما يرافقها من إعادة تعريف للهوية. المكان ليس جدرانًا وشوارع، بل ذاكرة جمعية. حين يُعاد تصميم المدينة بلا امتداد لتاريخها الاجتماعي والثقافي، وحين يُستبدل نسيجها العضوي بنموذج معولم منزوع الخصوصية، فإننا أمام اقتلاع رمزي يوازي الاقتلاع الجغرافي. يُعاد إنتاج المجتمع كقوة عمل في اقتصاد خدماتي تابع، لا كفاعل سياسي يحمل سردية تحرر. بهذا المعنى، يصبح البقاء في المكان مشروطًا بالتكيّف مع هندسة جديدة لا تعترف بالهوية الوطنية بوصفها مرجعية.
في الضفة الغربية، تتخذ عملية الحسم شكلًا أكثر صراحة. لا يدور الحديث عن حل الدولتين ، بل عن ضم تدريجي يبتلع الأرض ويعزل السكان. تتوسع المستوطنات، تُعاد رسم شبكة الطرق، تُقطّع الجغرافيا إلى كنتونات منفصلة، بحيث يصبح التواصل الإقليمي الفلسطيني شبه مستحيل. هنا يتجسد نموذج ضم بلا دمج: تُفرض السيادة على الأرض مع إبقاء السكان خارج المعادلة السياسية. الكنتونات ليست مجرد تقسيمات إدارية، بل بنية جغرافية تُنتج بيئة طاردة؛ إذ يُختزل الفلسطيني في مساحة مكتظة محدودة الموارد، بلا أفق سيادي حقيقي، وبلا قدرة على التحكم في حدوده أو اقتصاده.
أما القدس، فقد أصبحت مختبرًا مبكرًا لهذه الهندسة. إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي، توسيع الاستيطان، إعادة تعريف المجال العام، والتحكم في الفضاء الديني، كلها أدوات تهدف إلى تثبيت سردية أحادية للمدينة. المسألة لا تتعلق فقط بفرض سيادة سياسية، بل بإعادة صياغة الوعي التاريخي المرتبط بالمكان. حين يُعاد تشكيل القدس ديموغرافيًا وجغرافيًا على نحو متسارع، فإننا أمام محاولة لإغلاق ملفها نهائيًا ضمن رؤية لا تعترف بتعدد هويتها ولا بحقوق سكانها الأصليين.
في هذا الإطار، تكتسب التصريحات ذات الطابع الديني-التوسعي أهمية خاصة. حين يُستدعى خطاب يعتبر الأرض الممتدة من الفرات إلى النيل حقًا تاريخيًا، فإن التقاء هذا الخطاب مع سياسات ضم فعلية يمنحه بعدًا يتجاوز الرمزية. الخطر لا يكمن فقط في البعد العقائدي، بل في قدرته على توفير غطاء سردي لإعادة رسم الخرائط. وعندما يتزامن هذا مع دعم سياسي من قوى عظمى، يصبح من الصعب الفصل بين الأيديولوجيا والممارسة.
التحول الأكثر دلالة يتمثل في نقل القضية الفلسطينية من إطارها القانوني الدولي إلى إطار إنساني-إداري. بدل أن تكون مسألة احتلال واستيطان، تُقدَّم بوصفها أزمة معيشية تحتاج إلى استثمارات وإدارة حديثة. يُعاد تعريف الفلسطينيين كسكان يحتاجون إلى خدمات، لا كشعب يطالب بحقوق سيادية. بهذا التحول، يُهمَّش مبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي المعاصر: عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. فإذا أمكن فرض وقائع جغرافية جديدة ثم التفاوض على تحسين شروط الحياة تحتها، فإن القانون يصبح تابعًا للوقائع، لا العكس.
هنا يتجلى البعد الأخطر في المسألة: تقويض المعيارية الدولية. النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قام على مجموعة قواعد، من بينها حق تقرير المصير وحظر الضم بالقوة. عندما تُعاد صياغة السلام بطريقة تسمح بتجاوز هذه القواعد، فإن الأمر لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب أحد أعمدة الشرعية الدولية. يصبح بإمكان القوة أن تعيد تعريف الحدود، ثم تطلب من المجتمع الدولي التكيّف مع الأمر الواقع تحت عنوان الاستقرار.
الدول العربية المعنية تجد نفسها أمام معضلة مركبة. أي إعادة تشكيل جذرية للجغرافيا الفلسطينية ستعيد ترتيب التوازنات الإقليمية. القبول الضمني أو الصريح بضم الأرض وعزل السكان قد يُنتج استقرارًا مؤقتًا، لكنه يخلق سابقة خطيرة: سابقة مفادها أن موازين القوة قادرة على إعادة تعريف الحقوق إذا ما اقترنت بخطاب تنموي وأمني جذاب. الصمت هنا ليس موقفًا محايدًا، بل جزء من معادلة تثبيت الواقع.
محاولة حسم الصراع عبر الهندسة الجغرافية والديموغرافية قد تُنتج هدوءًا تكتيكيًا، لكنها تحمل في داخلها توترًا بنيويًا. الصراعات التي تُجمَّد دون معالجة أسبابها العميقة لا تختفي، بل تتحول إلى توترات كامنة. السلام القسري يختلف عن السلام التفاوضي؛ الأول يقوم على اختلال مستدام في القوة، والثاني يقوم على اعتراف متبادل بالحقوق. ما يُطرح اليوم أقرب إلى الأول، حيث يُعاد تعريف الاستقرار باعتباره غيابًا للمقاومة، لا حضورًا للعدالة.
حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع، فإن المفهوم نفسه يفقد براءته. الاقتلاع لا يعني فقط التهجير المباشر، بل يشمل إعادة تشكيل المكان بحيث يفقد أصحابه قدرتهم على تعريفه. إنه اقتلاع الهوية من الجغرافيا، والسيادة من السياسة، والحق من القانون. وفي عالم يُعاد فيه تقديم هذا المسار بوصفه حلًا عمليًا، يصبح السؤال أوسع من الحالة الفلسطينية: أي معنى يبقى للنظام الدولي إذا كان السلام يمكن أن يُعرَّف باعتباره تثبيتًا لنتائج القوة؟
قد ينجح مشروع الحسم في فرض وقائع جديدة، لكن الشرعية ليست نتاجًا مباشرًا للقوة. الجغرافيا قد تُعاد رسمها، والحدود قد تُعاد تعريفها، غير أن الشعوب التي تُختزل إلى ملفات إدارية لا تختفي من التاريخ. السلام الذي يُبنى على إلغاء أحد أطراف الصراع يظل سلامًا هشًا، لأنه يتجاهل حقيقة بسيطة: الاستقرار المستدام لا يُنتج عبر إعادة هندسة الإخضاع، بل عبر اعتراف متبادل بالحقوق. وكل محاولة لتحويل السلام إلى أداة اقتلاع إنما تكشف، في جوهرها، عن مرحلة متقدمة من تآكل المعايير التي قام عليها النظام الدولي نفسه.

* باحث دكتوراة في العلاقات الدولية


أقلام وأراء

الأربعاء 25 فبراير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

مفارقات النظام الدولي وأخلاقياته الانتقائية


نعيش في عالمٍ يقلقه استهجانٌ موجَّه إلى عددٍ قليل من الرياضيين الإسرائيليين أكثر مما يقلقه قتل أكثر من ألف رياضي فلسطيني. عالمٌ يتوقف لإدانة صدى رفض الجماهير، لكنه يكاد يفتقر إلى أي إرادة حين تُمحى فرقٌ باكملها. وكأن صوت الإستهجان أكثر إزعاجًا من صوت القنابل، وأكثر إساءة من الصمت الذي يعقبها.
عالمٌ يناقش إزالة جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين من كتب الأطفال الفلسطينيين أكثر مما يناقش سبب وجود هؤلاء الجنود والمستوطنين أصلًا في حياتهم. عند الحواجز، وفي اقتحام المنازل والقرى، وفي الاعتقالات الليلية، وفي الاعتداء على المدارس، بل وفي اقتحام الذاكرة نفسها. عالمٌ يُصرّ على أن على الفلسطينيين تعديل روايتهم، لكنه لا يسمح لهم أبدًا بتغيير واقعهم.
عالمٌ يقلق من كلمات مقررة خاصة للأمم المتحدة مُكلَّفة بتوثيق الانتهاكات وتتحدث بلغة حقوق الإنسان والالتزامات القانونية، فيصوّرها كتهديد، بينما بالكاد يتحرك أمام أفعال مجرمٍ مطلوبٍ للمحكمة الجنائية الدولية وعصابته، المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة بموجب القانون الدولي، ويعاملهم كشركاء، و"حلفاء ديمقراطيين"، و"مدافعين عن الحضارة". تُحاكم الأخلاق والنزاهة، بينما يُمنح المجرمون اللاأخلاقيون، مرتكبو الإبادة، حصانةً وإفلاتًا من العقاب.
عالمٌ يسعى إلى "السلام" عبر موازين القوة، عبر صفقات واتفاقيات تُوقَّع من فوق رؤوس الواقعين تحت الاحتلال، بدلًا من سلامٍ عادلٍ قائمٍ على الحقوق والإنصاف والمساواة. عالمٌ يطلب من المُهجَّرين القبول بمحوهم، ومن القابعين تحت الاحتلال القبول بإخضاعهم، بدل أن يساعدهم على إنهاء البُنى التي أنتجت هذا التهجير وجعلت الاحتلال والاخضاع ممكنين.
وعالمٌ يسرع إلى التصفيق لكلمات طاغية يتباهى بـ"فتح أبواب الجحيم"، لكنه لا يحشد الغضب الكافي لإدانة الواقع الذي يواصل فيه هذا الطاغية خنق تلك الأبواب، ويمنع المساعدات، ويقرر من يأكل، ومن يُسمح له بمعالجة جراحه، ومن يدفأ، ومن له سقف يحتمي به، ومن يتحرك، وفي نهاية الامر من يعيش أو يموت. وكأن الفلسطينيين لا يستحقون إلا لغة القلق، والإشاراتٍ الرمزية، والتعاطف المشروط، والبيانات المحسوبة بعناية.
عندما يُقتل طفل فلسطيني، يُفتح باب النقاش. وعندما يتم اسر فلسطيني بلا تهمة ولا محاكمة، يُبرَّر اعتقاله. وعندما يُهدم بيت فلسطيني، تخلق الذرائع. وعندما يرتفع صوت الفلسطيني، يشكَّك في إنسانيته. وعندما يُهدَّد الوجود الفلسطيني، يُطلب من الفلسطينيين أن يكونوا صبورين، ومتّزنين، وعقلانيين، وبراغماتيين.
يُقال لنا كفلسطينيين إن الرياضة يجب أن تبقى منفصلة عن السياسة. لكن السياسة كانت قد دخلت بالفعل إلى ملاعبنا، وحقولنا، ومدارسنا، وبيوتنا، وسمائنا. دخلت حين فقد طفلٌ في غزة ساقه، ومعها حلمه بأن يركض يومًا من جديد. ودخلت حين دُمِّرت مئات المنشآت الرياضية، وتحطّمت معها فكرة المستقبل ذاته: اللعب، والمنافسة، والحياة.
يُطلب منا ألا نُسيّس المساعدات. لكن في فلسطين، تحوّلت المياه والغذاء والدواء إلى أدواتٍ للحصار والقتل ضد شعبٍ بأكمله. ما كان ينبغي أن يجسّد القيم الإنسانية، جرى تسخيره كأداة هيمنة وتفوق، تُستخدم لاقتلاع شعبٍ أصيل من أرضه.
يُطلب منا ألا نُسيّس القانون الدولي، أي بمعنى اخر أن نقبل تطبيقه الانتقائي حين يتعلق بحقوقنا. يُطلب منا احترام الإجراءات، بينما تُؤجَّل أو تُفرَّغ من مضمونها أو تُهمل حين تقود إلى المساءلة. ويُطلب منا الإيمان بنظامٍ قائم على القواعد، بينما تُلوى قواعده وتُحجب حماياته.
قيل إن "قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة". لكن الأقواس لا تنحني وحدها؛ بل يحنيها البشر، بالشجاعة، وبالمساءلة، وبرفض غض الطرف عن الظلم. واليوم هذا القوس مقيّد، تُبطئ انحناؤه الحصانة المطلقة من العقاب، وتشلّه المعايير المزدوجة، ويعيقه تطبيع الظلم.
نحن لا نعاني من نقص في المعلومات. فالحقائق موثقة، الصور لا يمكن إنكارها، والقانون واضح. لكن ما نعانيه هو أزمة وضوح أخلاقي.
لم يعد السؤال ماذا نعرف، فنحن  جميعًا نعرف ما يجب معرفته، بل السؤال ماذا نحن مستعدون أن نفعل بما نعرف.
وحتى يتم ايقاف الإفلات من العقاب، وتُفرض المساءلة، وتُصان الحقوق على قدم المساواة دون استثناء، وحتى تصبح حياة الفلسطيني وكرامته وحقوقه بذات الوزن والقيمة في أعين الأقوياء كما هي حياة وحقوق الإسرائيليين، فإن هذا القوس لن ينحني. سيظل معلقًا، مشدودًا بالصمت، وبالتردد، وبانعدام الافعال.
لذلك، فإن الخيار المطروح أمام العالم وقواه اليوم واضح وبسيط:
إما الاستمرار في إدارة الظلم، ومعه معاناة شعبٍ بأكمله. تنظيم هذه المعاناة، واحتواءها، وتبريرها، وأنسنتها.
أو تفكيك البُنى التي أنتجت هذا الظلم، وحمته، وسمحت له بالاستفحال، وإنهاؤها جملة وتفصيلا وإلى الأبد.