حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع لا تعود الأزمة في صدقية الشعار، بل في طبيعة التحول الذي يصيب المفاهيم ذاتها. فالكلمات التي شكّلت يومًا جزءًا من المعجم المعياري للنظام الدولي ـ مثل السلام، إعادة الإعمار، الاستقرار، الحل السياسي ـ تُعاد صياغتها اليوم داخل بنية قوة تسمح بتجريدها من مضمونها القانوني وإلباسها وظيفة جديدة: إدارة الإلغاء التدريجي لقضية سياسية عبر هندسة الجغرافيا والديموغرافيا والهوية. في هذا السياق، ومع وجود دونالد ترامب في موقع القرار، وتصاعد حضور شخصيات مثل مايك هكابي بخلفيتها الأيديولوجية الواضحة، لا يمكن قراءة الطروحات المتعلقة بغزة والضفة والقدس باعتبارها مجرد مبادرات لوقف إطلاق النار أو تحسين شروط الحياة، بل باعتبارها جزءًا من تصور أوسع يعمل على حسم الصراع عبر إعادة تعريفه.
التحول الجوهري هنا هو الانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “حسمه” من طرف واحد. إدارة الصراع تعني إبقاءه ضمن حدود يمكن التحكم بها، أما الحسم فيعني تثبيت نتائج القوة وتحويلها إلى واقع دائم. ما يُطرح تحت عنوان السلام لا يتجه نحو معالجة جذر المسألة الفلسطينية بوصفها قضية شعب يخضع لاحتلال ويطالب بتقرير المصير، بل يتجه نحو إعادة صياغة المجال السياسي بحيث يفقد هذا الشعب أدوات المطالبة ذاتها. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـالسلام القسري: سلام يُفرض بعد إنهاك عسكري واقتصادي، ويُقدَّم بوصفه الفرصة الأخيرة للاستقرار، بينما هو في جوهره إعادة ترتيب للمجال بما يضمن تفوقًا دائمًا لطرف واحد.
في غزة، لا يُختزل الأمر في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل في استثمار لحظة الدمار لإعادة تشكيل الفضاء ذاته. الحديث عن مدن ذكية، بنى تحتية متقدمة، مناطق استثمارية، واقتصاد مندمج في شبكات إقليمية، يحمل إغراءً تنمويًا واضحًا. غير أن التنمية حين تنفصل عن السيادة تتحول إلى أداة ضبط. المدينة الذكية ليست فقط أبراجًا حديثة وشبكات رقمية، بل منظومات مراقبة، إدارة بيانات، وتحكم في الحركة والسلوك. إعادة بناء غزة وفق نموذج تقني-أمني قد تجعلها واحدة من أكثر المساحات انضباطًا ومراقبة في الإقليم، بحيث يتحول الفضاء من مجال مقاومة إلى مجال إدارة، ومن حاضنة سياسية إلى بيئة خاضعة لإيقاع أمني دائم.
الأخطر من البنية المادية هو ما يرافقها من إعادة تعريف للهوية. المكان ليس جدرانًا وشوارع، بل ذاكرة جمعية. حين يُعاد تصميم المدينة بلا امتداد لتاريخها الاجتماعي والثقافي، وحين يُستبدل نسيجها العضوي بنموذج معولم منزوع الخصوصية، فإننا أمام اقتلاع رمزي يوازي الاقتلاع الجغرافي. يُعاد إنتاج المجتمع كقوة عمل في اقتصاد خدماتي تابع، لا كفاعل سياسي يحمل سردية تحرر. بهذا المعنى، يصبح البقاء في المكان مشروطًا بالتكيّف مع هندسة جديدة لا تعترف بالهوية الوطنية بوصفها مرجعية.
في الضفة الغربية، تتخذ عملية الحسم شكلًا أكثر صراحة. لا يدور الحديث عن حل الدولتين ، بل عن ضم تدريجي يبتلع الأرض ويعزل السكان. تتوسع المستوطنات، تُعاد رسم شبكة الطرق، تُقطّع الجغرافيا إلى كنتونات منفصلة، بحيث يصبح التواصل الإقليمي الفلسطيني شبه مستحيل. هنا يتجسد نموذج ضم بلا دمج: تُفرض السيادة على الأرض مع إبقاء السكان خارج المعادلة السياسية. الكنتونات ليست مجرد تقسيمات إدارية، بل بنية جغرافية تُنتج بيئة طاردة؛ إذ يُختزل الفلسطيني في مساحة مكتظة محدودة الموارد، بلا أفق سيادي حقيقي، وبلا قدرة على التحكم في حدوده أو اقتصاده.
أما القدس، فقد أصبحت مختبرًا مبكرًا لهذه الهندسة. إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي، توسيع الاستيطان، إعادة تعريف المجال العام، والتحكم في الفضاء الديني، كلها أدوات تهدف إلى تثبيت سردية أحادية للمدينة. المسألة لا تتعلق فقط بفرض سيادة سياسية، بل بإعادة صياغة الوعي التاريخي المرتبط بالمكان. حين يُعاد تشكيل القدس ديموغرافيًا وجغرافيًا على نحو متسارع، فإننا أمام محاولة لإغلاق ملفها نهائيًا ضمن رؤية لا تعترف بتعدد هويتها ولا بحقوق سكانها الأصليين.
في هذا الإطار، تكتسب التصريحات ذات الطابع الديني-التوسعي أهمية خاصة. حين يُستدعى خطاب يعتبر الأرض الممتدة من الفرات إلى النيل حقًا تاريخيًا، فإن التقاء هذا الخطاب مع سياسات ضم فعلية يمنحه بعدًا يتجاوز الرمزية. الخطر لا يكمن فقط في البعد العقائدي، بل في قدرته على توفير غطاء سردي لإعادة رسم الخرائط. وعندما يتزامن هذا مع دعم سياسي من قوى عظمى، يصبح من الصعب الفصل بين الأيديولوجيا والممارسة.
التحول الأكثر دلالة يتمثل في نقل القضية الفلسطينية من إطارها القانوني الدولي إلى إطار إنساني-إداري. بدل أن تكون مسألة احتلال واستيطان، تُقدَّم بوصفها أزمة معيشية تحتاج إلى استثمارات وإدارة حديثة. يُعاد تعريف الفلسطينيين كسكان يحتاجون إلى خدمات، لا كشعب يطالب بحقوق سيادية. بهذا التحول، يُهمَّش مبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي المعاصر: عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. فإذا أمكن فرض وقائع جغرافية جديدة ثم التفاوض على تحسين شروط الحياة تحتها، فإن القانون يصبح تابعًا للوقائع، لا العكس.
هنا يتجلى البعد الأخطر في المسألة: تقويض المعيارية الدولية. النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قام على مجموعة قواعد، من بينها حق تقرير المصير وحظر الضم بالقوة. عندما تُعاد صياغة السلام بطريقة تسمح بتجاوز هذه القواعد، فإن الأمر لا يمس الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب أحد أعمدة الشرعية الدولية. يصبح بإمكان القوة أن تعيد تعريف الحدود، ثم تطلب من المجتمع الدولي التكيّف مع الأمر الواقع تحت عنوان الاستقرار.
الدول العربية المعنية تجد نفسها أمام معضلة مركبة. أي إعادة تشكيل جذرية للجغرافيا الفلسطينية ستعيد ترتيب التوازنات الإقليمية. القبول الضمني أو الصريح بضم الأرض وعزل السكان قد يُنتج استقرارًا مؤقتًا، لكنه يخلق سابقة خطيرة: سابقة مفادها أن موازين القوة قادرة على إعادة تعريف الحقوق إذا ما اقترنت بخطاب تنموي وأمني جذاب. الصمت هنا ليس موقفًا محايدًا، بل جزء من معادلة تثبيت الواقع.
محاولة حسم الصراع عبر الهندسة الجغرافية والديموغرافية قد تُنتج هدوءًا تكتيكيًا، لكنها تحمل في داخلها توترًا بنيويًا. الصراعات التي تُجمَّد دون معالجة أسبابها العميقة لا تختفي، بل تتحول إلى توترات كامنة. السلام القسري يختلف عن السلام التفاوضي؛ الأول يقوم على اختلال مستدام في القوة، والثاني يقوم على اعتراف متبادل بالحقوق. ما يُطرح اليوم أقرب إلى الأول، حيث يُعاد تعريف الاستقرار باعتباره غيابًا للمقاومة، لا حضورًا للعدالة.
حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع، فإن المفهوم نفسه يفقد براءته. الاقتلاع لا يعني فقط التهجير المباشر، بل يشمل إعادة تشكيل المكان بحيث يفقد أصحابه قدرتهم على تعريفه. إنه اقتلاع الهوية من الجغرافيا، والسيادة من السياسة، والحق من القانون. وفي عالم يُعاد فيه تقديم هذا المسار بوصفه حلًا عمليًا، يصبح السؤال أوسع من الحالة الفلسطينية: أي معنى يبقى للنظام الدولي إذا كان السلام يمكن أن يُعرَّف باعتباره تثبيتًا لنتائج القوة؟
قد ينجح مشروع الحسم في فرض وقائع جديدة، لكن الشرعية ليست نتاجًا مباشرًا للقوة. الجغرافيا قد تُعاد رسمها، والحدود قد تُعاد تعريفها، غير أن الشعوب التي تُختزل إلى ملفات إدارية لا تختفي من التاريخ. السلام الذي يُبنى على إلغاء أحد أطراف الصراع يظل سلامًا هشًا، لأنه يتجاهل حقيقة بسيطة: الاستقرار المستدام لا يُنتج عبر إعادة هندسة الإخضاع، بل عبر اعتراف متبادل بالحقوق. وكل محاولة لتحويل السلام إلى أداة اقتلاع إنما تكشف، في جوهرها، عن مرحلة متقدمة من تآكل المعايير التي قام عليها النظام الدولي نفسه.
* باحث دكتوراة في العلاقات الدولية
أقلام وأراء
الأربعاء 25 فبراير 2026 9:37 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
حين يتحول السلام إلى مشروع اقتلاع