تواجه صورة الإمام الخميني، الفقيه والسياسي الإيراني، حالة من التشوه في الوعي العربي العام، حيث هيمنت عليها ملامح مستمدة من دعاية نظام الشاه السابق. هذه الدعاية سعت لتشويه صورة الفقيه الذي زلزل عرش السلطة في طهران، وتلقفها خصوم الثورة لاحقاً لصناعة حاجز من البهتان يحجب الواقع الحقيقي لشخصيته.
يرى محللون أن نقد الفلسفة السياسية للخميني كان متعذراً على خصومه، مما دفعهم لتركيز هجماتهم على الجوانب الشخصية والخلقية، ووصم حركته بالطائفية لتنفير المحيط السني منها. هذا الأسلوب يهدف إلى تصوير الثورة كحركة شريرة بدلاً من كونها حراكاً سياسياً واجتماعياً يهدف للتغيير الجذري في بنية الدولة الإيرانية.
في المقابل، قدم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو رؤية مغايرة، واصفاً المشهد الإيراني آنذاك بأنه مواجهة كبرى بين 'الملك المسلح' و'المنفي الأعزل'. واعتبر فوكو أن الخميني تحول إلى محور ارتكاز للإرادة الجماعية للشعب الإيراني، الذي سعى للتخلص من التبعية والهيمنة الخارجية والسياسات الداخلية القمعية في آن واحد.
أرجع فوكو سر القوة الأسطورية للخميني إلى ثلاثة عوامل رئيسية: غيابه في المنفى ورفضه العودة إلا برحيل الشاه، وإصراره على كلمة 'لا' للنظام والتبعية، وكونه لا يطرح نفسه كرجل سياسة حزبي تقليدي. هذه العوامل جعلت منه رمزاً يتجاوز الأطر السياسية الضيقة ليصبح قائداً روحياً يحظى بتعلق شعبي منقطع النظير.
للبحث عن الحقيقة بعيداً عن 'شيطنة' البروباغاندا، تبرز مذكرات الدكتورة فاطمة طباطبائي، زوجة ابنه أحمد، كأحد المصادر الأولية النادرة والحميمية. تروي طباطبائي تفاصيل لقائها الأول بالخميني في مدينة النجف بالعراق، حيث اكتشفت شخصية تضع الدين فوق كل اعتبار، حتى فوق الروابط العائلية المباشرة.
تصف طباطبائي الانطباع الأول الذي تركه الخميني في نفسها، حيث قام في منتصف ليلة وصولهما لاستئذان الحضور من أجل أداء صلاة الليل. هذا الموقف عكس انضباطاً شديداً لم يتأثر برغبة الاستئناس بالعائلة بعد غياب طويل، مما رسم ملامح شخصية زاهدة ومستمسكة بالفرائض والنوافل بدقة متناهية.
كان الجدول اليومي للخميني يتسم بنظام صارم لا يقبل الاختلال، حيث كان يخصص وقتاً محدداً لكل نشاط، بما في ذلك السمر مع العائلة. ففي كل ليلة، كان يقص ذكرياته لمدة ربع ساعة فقط، وما إن تنتهي المدة حتى يتوقف تماماً للذهاب إلى النوم، مؤكداً قدرته الفائقة على التحكم في قواه العقلية والجسمانية.
لا يمكن لأي رئيس دولة أو زعيم سياسي أن يدعي بأنه يحظى بمثل هذا التعلق الكثيف بشخصه كما حظي به الخميني.
تميزت شخصية الخميني بالصلابة والزهد، وكان يرفض بشدة ألقاب التفخيم التي تسبق اسمه في الكتب والمراسلات الرسمية. وقد وصل به الأمر إلى منع تداول كتبه التي طُبعت بألقاب فخمة بعد الثورة، وأمر بإعادة طباعتها دون تلك الألقاب وعلى نفقته الخاصة، تأكيداً على تواضعه ورفضه للمظاهر.
في حياته التعبدية، كان الخميني يحمل نفسه على العزائم، ملتزماً بالمستحبات ومنتهياً عن المكروهات بدقة تثير الدهشة في محيطه. فكان يصر على استقبال القبلة أثناء الوضوء رغم مشقة ذلك مع كبر سنه، ويحرص على التطيب والتمشط قبل كل صلاة، محولاً العبادة إلى طقس من الانضباط الروحي والجسدي.
ارتبط جدول أعماله اليومي بمواعيد الصلاة بشكل كامل، حيث كان يخرج لإلقاء دروس الفقه قبل الظهر بساعتين، ثم يعود للمسجد للصلاة جماعة. كما كان يخصص وقتاً ثابتاً لزيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب في النجف كل ليلة، ويستيقظ قبل الفجر بساعتين لمواصلة تهجده وتأمله.
لم يقتصر انضباط الخميني على الجوانب الدينية فحسب، بل امتد ليشمل نظافته الشخصية وهندامه المرتب دائماً، حيث كان يقلم أظافره وشعره أسبوعياً بانتظام. كما كان يمارس رياضة المشي ثلاث مرات يومياً لمدة نصف ساعة في كل مرة، مستغلاً هذا الوقت في الذكر والدعاء، مما يعكس توازناً بين الصحة البدنية والروحية.
على الصعيد العائلي، تروي السيدة فاطمة أن الخميني كان شديد الأدب والاهتمام بالحالة النفسية لأهله، خاصة مع زوجته التي كان يناديها بلقب 'السيدة'. وكان من شدة تعلقه بها لا يطيق تناول طعامه إلا بحضورها، مما يظهر جانباً إنسانياً رقيقاً يتناقض مع الصورة الصلبة التي تروجها وسائل الإعلام المعادية.
تؤكد شهادة طباطبائي أن حضور الله كان العامل الوحيد والمحرك الأساسي لكل تصرفات الخميني وسلوكه مع الآخرين. فقد كان يجمع في شخصيته بين الغضب والمحبة، والنشاط والسكون، دون أن يسعى لتحصيل مكانة في قلوب الناس، ومع ذلك كان كل من يعامله ينجذب إليه بعمق وإخلاص.
إن البحث في هذه التفاصيل الدقيقة يكشف عن فجوة كبيرة بين الواقع المعاش للخميني وبين الصورة التي رسمتها آلات الدعاية السياسية. فهذا الانضباط الذاتي والزهد والالتزام الأخلاقي يفسر الهالة التي أحاطت به، والتي جعلت منه رمزاً قادراً على قيادة تحول تاريخي كبير في المنطقة، وللحديث بقية في الجزء القادم.




