عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 4:48 مساءً - بتوقيت القدس

حسابات الكرملين الباردة: لماذا قد لا يزعج سقوط طهران موسكو؟

تسود قناعة تقليدية بأن روسيا ستكون الخاسر الأكبر في حال انهيار النظام الإيراني، إلا أن القراءة المتأنية لسياسات الكرملين تكشف عن حسابات براغماتية تتجاوز العواطف. تنظر موسكو إلى المواجهة الحالية بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بوصفها معادلة معقدة من الأرباح والخسائر الجيوسياسية.

تتمثل أولى هذه الفرص في إمكانية تحويل الأنظار الدولية عن الجبهة الأوكرانية التي استنزفت الموارد الغربية لسنوات. فمع انخراط الولايات المتحدة في مسرح عمليات جديد ومكلف في الشرق الأوسط، ستتراجع تلقائياً أولوية ملف كييف في أروقة صنع القرار العالمي وفي التغطيات الإعلامية الكبرى.

يرى مراقبون أن انشغال الإدارة الأمريكية بأزمة إقليمية واسعة سيؤدي بالضرورة إلى تباطؤ وتيرة المساعدات العسكرية والمالية لأوكرانيا. هذا التحول سيجعل من الصعب على البيت الأبيض تمرير حزم دعم جديدة في ظل سجال داخلي محتدم حول تكاليف الانخراط في صراعات متعددة الجبهات.

على صعيد الطاقة، تبرز الحرب كعامل محفز لنمو الإيرادات الروسية رغم العقوبات القاسية المفروضة عليها. إن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف المنشآت النفطية كفيل برفع أسعار الخام عالمياً، مما يمنح الخزينة الروسية متنفساً مالياً كبيراً يعوض الخصومات السعرية.

تستفيد موسكو حسابياً من كل دولار إضافي في سعر برميل النفط، حيث أن الارتفاع العالمي يقلل من أثر القيود الغربية على صادراتها. وبذلك، فإن الصدمة الجيوسياسية في منطقة الخليج قد تتحول إلى مورد مالي ضخم يدعم المجهود الحربي الروسي في مناطق أخرى.

أما الفرصة الثالثة فتتعلق بالوحدة الأوروبية وتماسك حلف شمال الأطلسي 'الناتو'، حيث تعيد الحروب في الشرق الأوسط تفعيل خطوط الانقسام القديمة. تتباين مواقف الدول الأوروبية بين من يرى ضرورة احتواء التصعيد لتجنب موجات هجرة جديدة، ومن يميل إلى التشدد الأمني خلف واشنطن.

هذه التصدعات داخل المعسكر الغربي تضعف القدرة على اتخاذ قرارات موحدة وحاسمة ضد روسيا في المستقبل القريب. فكلما زاد الانقسام الأوروبي حول كلفة الطاقة وشرعية التدخلات الخارجية، وجدت موسكو بيئة دولية أقل صلابة وأقل استعداداً للتصعيد المنسق ضد مصالحها.

وفيما يخص النفوذ الإقليمي، تراهن روسيا على تراجع مصداقية الولايات المتحدة كضامن للاستقرار في المنطقة العربية. إن اتساع رقعة المواجهة تحت المظلة الأمريكية يثير شكوكاً لدى العواصم العربية حول جدوى الاعتماد الكلي على واشنطن في تأمين الملاحة والطاقة.

هذا المناخ من الشك يفتح هوامش مناورة واسعة أمام الدبلوماسية الروسية لتقديم نفسها كبديل أو وسيط موثوق يتحدث مع جميع الأطراف. لا تسعى موسكو بالضرورة لإزاحة واشنطن بالكامل، بل تكتفي باقتناص الفراغات التي تتركها السياسات الأمريكية المتخبطة في المنطقة.

إن سقوط النظام في طهران، رغم ما يحمله من مخاطر الفوضى على حدود بحر قزوين، قد يمنح روسيا فرصة لإعادة توزيع الأوراق الاستراتيجية. فالحليف الإيراني المنهك بالعقوبات قد يصبح عبئاً في لحظة ما، بينما توفر الفوضى الإقليمية فرصاً للتدخل الروسي بصيغ جديدة.

تشير التقارير إلى أن موسكو قد تستثمر في عروض تسليح وشراكات أمنية جديدة مع دول كانت تاريخياً ضمن دائرة النفوذ الأمريكي. هذا التحول في الولاءات والتحالفات يعزز من مكانة روسيا كلاعب دولي لا يمكن تجاوزه في ترتيبات الأمن الإقليمي المستقبلي.

بالنسبة للكرملين، فإن إطالة أمد الصراع في الشرق الأوسط تخدم استراتيجيته في استنزاف الطاقة السياسية والعسكرية للغرب. فكلما غرق الحلفاء في تفاصيل الأزمة الإيرانية، تراجعت قدرتهم على فرض شروطهم في التسويات المتعلقة بشرق أوروبا.

في نهاية المطاف، لا تنظر روسيا إلى انهيار حلفائها بمنطق الخسارة المطلقة، بل بمنطق الفرص البديلة التي يفرزها التغيير الجذري. إنها لعبة الشطرنج الكبرى التي تتقن موسكو تحريك قطعها فيها، مستغلة كل اهتزاز في النظام العالمي لتعزيز موقعها.

وهكذا، يظل الموقف الروسي من التصعيد ضد إيران محكوماً ببراغماتية باردة توازن بين الحفاظ على الشريك وبين استثمار سقوطه. إنها استراتيجية 'اقتناص المكاسب' من قلب الأزمات، حيث تتحول التهديدات الوجودية للآخرين إلى فرص ذهبية لتعزيز النفوذ الروسي.

دلالات

شارك برأيك

حسابات الكرملين الباردة: لماذا قد لا يزعج سقوط طهران موسكو؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.