تشهد الساحة المصرية حالة من الجدل المتصاعد مع كل اهتزاز في أسواق المال العالمية، حيث يتكرر سيناريو تراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم بشكل حاد. وتبرز التساؤلات حول مدى دقة الخطاب الرسمي الذي يربط دائماً بين المعاناة المعيشية للمواطنين وبين الصراعات الدولية، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية وصولاً إلى التوترات في البحر الأحمر وقطاع غزة.
يرى مراقبون أن الاعتماد المفرط على العوامل الخارجية كـ'شماعة' للأزمات الداخلية يغفل نقاط الضعف الهيكلية في بنية الاقتصاد المصري. فبينما تتأثر كافة دول العالم بالاضطرابات، يبدو أن الاقتصاد المحلي يمتلك حساسية مفرطة تجعل العملة الوطنية أول المتهاوين أمام أي هزة سياسية أو عسكرية في الإقليم أو العالم.
تعد قضية 'الأموال الساخنة' واحدة من أبرز الثغرات التي استنزفت الاحتياطيات النقدية، حيث تعتمد الدولة على استثمارات قصيرة الأجل في أدوات الدين بحثاً عن سيولة سريعة. ومع اندلاع أي صراع، تخرج هذه المليارات بسرعة فائقة من السوق، مما يخلق فجوة دولارية تجبر السلطات على اتخاذ قرارات قاسية بالتعويم المتكرر.
المفارقة التي تفرض نفسها تتمثل في صمود عملات دول تعيش حالة حرب فعلية أو تخضع لعقوبات دولية مشددة لفترات طويلة. ويشير محللون إلى أن دولاً مثل روسيا وإيران حافظت على تماسك نسبي بفضل قواعد إنتاجية تعتمد على الطاقة والصناعة، بخلاف النموذج المصري الذي توسع في الاقتراض والمشاريع العقارية.
لقد تحول الاقتراض من صندوق النقد الدولي إلى حل دائم لمواجهة الفجوات التمويلية، لكن هذا المسار يأتي محملًا بشروط قاسية ترهق الطبقات المتوسطة والفقيرة. وتشمل هذه الشروط عادة رفع الدعم عن الوقود والطاقة وتحرير سعر الصرف، مما يولد موجات تضخمية متلاحقة تآكل القدرة الشرائية للمواطن بشكل مستمر.
يعيش المواطن المصري اليوم في دائرة مفرغة تبدأ بقرض جديد وتنتهي بإجراءات تقشفية ترفع تكاليف المعيشة الأساسية. وأصبح الشعور السائد في الشارع هو أن الشعب بات الممول الأول لسداد فاتورة الديون، دون لمس تحسن حقيقي في مستوى الخدمات أو استقرار الأسعار على المدى الطويل.
إن التركيز على المشروعات القومية الكبرى ذات الطابع العقاري، رغم أهميتها العمرانية، لم يساهم في خلق قاعدة إنتاجية تصديرية تحمي الجنيه من التقلبات. هذا التوجه جعل الاقتصاد مكشوفاً أمام أي تراجع في تدفقات الاستثمار الأجنبي أو انخفاض عوائد الممرات الملاحية والسياحة نتيجة التوترات الإقليمية.
الاقتصاد القوي يستطيع امتصاص الصدمات، بينما الاقتصاد الهش ينهار عند أول أزمة، وهو ما يضع السياسات المحلية تحت المجهر.
تطرح الأوساط الاقتصادية تساؤلات حول جدوى الاستمرار في سياسة 'إطفاء الحرائق' عبر المسكنات المالية والقروض قصيرة الأجل. فالحاجة أصبحت ملحة للانتقال نحو اقتصاد حقيقي يعتمد على الزراعة والصناعة لتقليل فاتورة الاستيراد التي تضغط بشكل دائم على موارد الدولة من العملة الصعبة.
الخطاب الحكومي الذي يمهد لرفع الأسعار عبر التحذير من تداعيات الحروب العالمية بات يقابل بنوع من عدم اليقين لدى الشارع. فالمواطن يرى أن الأزمات العالمية حقيقية، لكنه يتساءل عن سبب غياب المصدات المحلية التي تحميه من أن يكون الضحية الأولى لكل صراع ينشب خارج حدوده.
إن استقرار العملة الوطنية لا يمكن أن يتحقق في ظل نظام مالي قائم على التدفقات المؤقتة والديون السيادية المتراكمة. فالاستقرار الحقيقي ينبع من قدرة الدولة على توفير احتياجاتها الأساسية ذاتياً، وتقليل الارتباط العضوي بتقلبات الأسواق المالية الدولية التي لا ترحم الاقتصادات الناشئة.
تؤدي زيادة أسعار الوقود والخدمات إلى سلسلة من الارتفاعات المتتالية في أسعار الغذاء والنقل، مما يضع ضغوطاً هائلة على السلم الاجتماعي. وهذه الزيادات، التي توصف أحياناً بأنها 'ضرورة إصلاحية'، يراها الكثيرون ضريبة غير معلنة يدفعها المواطن نتيجة خيارات اقتصادية لم يشارك في صنعها.
هناك مخاوف من أن تتحول 'الأزمة العالمية' إلى أداة سياسية لتمرير قرارات اقتصادية صعبة دون تقديم بدائل أو حماية اجتماعية كافية. فالاقتصاد القوي هو الذي يبني مخزونات استراتيجية وينوع مصادر دخله، لا الذي ينتظر المساعدات والقروض عند كل منعطف دولي خطير.
في الختام، يبقى التحدي الأكبر أمام صانع القرار في القاهرة هو استعادة الثقة في الجنيه المصري عبر إجراءات هيكلية حقيقية. فالهروب إلى الأمام عبر الاقتراض لم يعد كافياً في ظل عالم يزداد اضطراباً، حيث أصبحت فاتورة الصراعات العالمية أكبر من أن يتحملها اقتصاد يعاني من الهشاشة.
إن السؤال الذي يتردد في أزقة القاهرة ليس عن موعد انتهاء الحروب في الخارج، بل عن موعد بدء إصلاح حقيقي في الداخل ينهي تبعية لقمة العيش لتقلبات البورصات العالمية. فالمصريون يطمحون لاقتصاد يحميهم من الأزمات، لا اقتصاداً يجعلهم الممول الأول لتبعاتها الدولية.





شارك برأيك
الاقتصاد المصري في مواجهة الأزمات العالمية: هل الحروب شماعة للسياسات المحلية؟