أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بشكل رسمي أن المملكة المتحدة لن تشارك في العمليات العسكرية الجارية ضد إيران، مؤكداً أن بلاده تضع خيار التفاوض في مقدمة أولوياتها. وأوضح ستارمر أن المسار الأفضل لطهران وللمجتمع الدولي يكمن في التوصل إلى حل سياسي شامل، شريطة تخلي النظام الإيراني عن طموحاته وقدراته النووية بشكل كامل.
وتأتي هذه التصريحات البريطانية في وقت حساس تواجه فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صعوبات في حشد تحالف دولي واسع لدعم العمليات العسكرية المشتركة مع إسرائيل. ويبدو أن لندن اخترت النأي بنفسها عن الضربات الأولية، رغم استمرار تعاونها الوثيق مع واشنطن في ملفات أمنية أخرى، مما يعكس تبايناً في تقدير الموقف العسكري الراهن.
وفي مدريد، اتخذت الحكومة الإسبانية موقفاً حازماً برفض استخدام قواعدها العسكرية كنقاط انطلاق لشن هجمات ضد الأراضي الإيرانية. وأكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن الاتفاقيات الدفاعية الموقعة مع الولايات المتحدة لا تمنح الحق في استخدام المنشآت الإسبانية لأغراض هجومية في هذا الصراع، داعياً إلى تغليب لغة الدبلوماسية على لغة السلاح.
وشدد سانشيز على أن بلاده، رغم إدانتها لسياسات القمع التي يمارسها النظام الإيراني ضد مواطنيه، لا ترى في العنف حلاً مستداماً للأزمات الدولية. واعتبر أن الاعتقاد بإمكانية بناء ديمقراطيات من تحت الأنقاض هو نوع من الوهم، مؤكداً أن إسبانيا لن تنجر إلى صراع عسكري قد يؤدي إلى عواقب كارثية على الاستقرار العالمي.
من جانبها، انضمت البرتغال إلى جارتها إسبانيا في إغلاق أجوائها ومنشآتها العسكرية أمام العمليات الهجومية، حيث رفضت لشبونة استخدام قاعدة 'لاجيس' الجوية في جزر الأزور. وصرح رئيس الوزراء البرتغالي، لويس مونتينيغرو، بأن أي تحرك عسكري يجب أن يلتزم بضوابط القانون الدولي من حيث الضرورة والتناسب، وأن يوجه حصراً نحو أهداف عسكرية محددة.
هذه المواقف الأوروبية المتصلبة تأتي بالتزامن مع ما رصده موقع 'Flightradar24' من تحركات جوية مكثفة للطائرات الحربية وطائرات التزويد بالوقود الأمريكية التي انطلقت من إسبانيا. وتشير هذه البيانات إلى أن واشنطن تحاول إعادة تموضع قواتها في شمال أوروبا والشرق الأوسط للالتفاف على القيود التي فرضتها دول جنوب أوروبا على قواعدها.
السذاجة الحقيقية هي الاعتقاد بأن العنف هو الحل، وأن الديمقراطيات أو الاحترام بين الأمم يمكن أن يولدا من تحت الأنقاض.
أما الموقف الفرنسي فقد جاء مغايراً جزئياً، حيث سمحت باريس للجيش الأمريكي باستخدام القواعد العسكرية الواقعة داخل الأراضي الفرنسية فقط. وأوضحت هيئة الأركان العامة الفرنسية أن هذا الإذن لا يشمل القواعد الفرنسية المنتشرة في منطقة الخليج، وذلك لتجنب الانخراط المباشر في العمليات الهجومية وحصر الدعم في إطار الدفاع عن الشركاء الإقليميين.
ميدانياً، تشير التقارير إلى أن إيران تمكنت من تنفيذ رد عسكري سريع عقب الضربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي انطلقت في أواخر فبراير الماضي. وشمل الرد الإيراني قصفاً مكثفاً بالمسيرات والصواريخ قصيرة المدى استهدف قواعد أمريكية حيوية في منطقة الخليج، من بينها قاعدة العديد، وذلك بعد ساعة واحدة فقط من استهداف قيادات إيرانية عليا.
وقد أكدت مصادر ميدانية استشهاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والقائد محمد باكبور خلال الغارات الجوية الأولى التي استهدفت طهران. وأدى هذا التصعيد غير المسبوق إلى اشتعال أسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط والغاز بنسبة وصلت إلى 25% نتيجة التهديدات المباشرة لحركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه الاحتلال الإسرائيلي ضغوطاً هائلة مع وصول خسائره الأسبوعية إلى نحو 9.4 مليارات شيكل، في حين تتكبد الولايات المتحدة مليار دولار يومياً لتمويل عملياتها. وتتفاقم هذه الأزمة في ظل استنزاف حاد لمخزونات الذخيرة الأمريكية والإسرائيلية، التي تأثرت مسبقاً بالحروب المستمرة في أوكرانيا وقطاع غزة.
وتسعى إدارة ترمب من خلال هذه العمليات إلى تحقيق هدف معلن يتمثل في إسقاط النظام الإيراني وتغيير الخارطة السياسية في المنطقة. إلا أن غياب الدعم اللوجستي من حلفاء تقليديين مثل بريطانيا وإسبانيا يضعف من فاعلية هذه الاستراتيجية ويزيد من العبء العسكري والمالي على واشنطن وتل أبيب في مواجهة ردود الفعل الإيرانية.
وفي ظل هذا الانقسام الدولي، تبرز مخاوف من توسع رقعة الصراع لتشمل لبنان وجبهات أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما حذرت منه فرنسا صراحة. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في هذه المواجهة العسكرية المنفردة، في ظل تزايد الأصوات الأوروبية المطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات لتجنب حرب إقليمية شاملة.





شارك برأيك
تصدع في التحالف الدولي: بريطانيا وإسبانيا والبرتغال ترفض الانخراط العسكري ضد إيران